Tag: political scandals

  • بين الادب والسياسة والمال

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة والمال
    وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

    والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.

    فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.

    كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.

    ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:

    فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.

    ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

    أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.

    ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

    فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟

    وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

    ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!

    طه حسين
    الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.

  • بواعث

    حديث المساء: بواعث

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣٠ مارس ١٩٣٤

    قصة يسيرة جدًّا في ظاهر الأَمْرِ هذه التي تشغل الصُّحف الآن والتي يكثر فيها الأخذ والرد حول المَعَاشَات، واستبدال المعاشات، وحول الذين انتفعوا من هذه القصة أو نفعوا غيرهم أو تقارضوا الانتفاع.

    قِصَّةٌ يَسِيرَةٌ في ظاهرِ الأَمْرِ تنحل إنْ أَرَدْتَ تَفْسِيرَهَا إلى أن قومًا من الموظفين أثيرت حولهم شكوك وشبهات تمس استبدال المعاشات، فجدَّتِ الوَزارة في تحقيق هذه الشكوك، وتمحيص هذه الشبهات، وظهر لها أنَّ اثنين من المُوَظَّفين قد تَوَرَّطَا في مُخَالَفَاتٍ لا يُمْكِنُ الجمع بين التورط فيها، والنهوض بأعمال الدولة، فقررت فصلهما من الخدمة وإحالتهما على المَعَاش كما يقولون.

    وما أَكْثَرُ القِصص اليَسِيرَة في هذه الحياة، وما أكثر ما يقبلها النَّاسُ ويطمئنون إلى يُسرها وسُهولتها ويفسرونها كما تُفَسِّرُها ظواهر الأمور! ولكنَّ الناسَ جَمِيعًا ليسوا من السَّذَاجَةِ وَسَلَامَة الذوق واستقامة المنطق بحيث يفهمون الأمور دائمًا على وجهها، ويُفسرونها كما تفسرها طبائع الأشياء. وإنما يوجد بينهم المكابرون وأصحاب العناد، والذين يغلون في التحليل والتَّعليل ويلتمسون الظهر في الساعة الرَّابعة عشرة، ويقسمون الشعرة أرباعًا وأخماسًا وأسداسًا. وهؤلاء الناس يسمون أنفسهم فلاسفة حينًا ومُحَقِّقين حينًا آخر، وهم يُعَقِّدُون الأمور ويُعَسِّرُون الميسور، ويُفسدون منطق الأشياء على كل حال.

    هؤلاء المعقدون رَاعَتْهُم قصة المعاشات واستبدالها، فأنكروا أن يُستهان بحقوق الدولة إلى هذا الحد، وأنْ يَعْبَثَ خُدَّام الدولة بأموالها ومنافعها، وأن يكتنزوا لأنفسهم من هذه الأَمْوَالِ والمَنَافِع ما وسعهم الاكتناز. ثم أَنْكَرُوا أنْ يَكُون الفصل من المنصب هو كل الجزاء الذي يَلْقَاه من يعبث بأموال الدولة، ويسرف في حقوقها ومنافعها، وسألوا أنفسهم، وسألوا الوزارة، وسألوا الناس: لماذا يشرع التأديب؟ ولماذا أنشئت مجالس التأديب؟ ولماذا شرع القضاء، وأُنْشِئَت المَحَاكِمُ والنِّيَابَةُ؟ وبينما هم في ذلك يُنْكِرُون ويفكرون، ويلتمسون الحلول لهذه المُشْكِلَات والتَّفسير لهذه المُعْضِلَاتِ، إذا الأمور تُعَقِّدُ نفسها تعقيدًا شديدًا، فيكثر الكلام في الصحف، وتنشر فصول طوال وقصار، لا شك في أنها لم تكتب عفوًا، ولم تنشر سدًى، وإنما هبط بها وحي من بعض المصادر التي يهبط منها الوحي إلى بعض الصحف. وفي هذه الفصول الطوال والقصار التي يلح الوحي بها على الصحف والتي تلح الصحف في نشرها وإذاعتها غمز ولمز، وإظهار للخفي وتجاوز لهذين الموظفين إلى غيرهما من الناس إلى صدقي باشا مثلًا؟ وإخبار بأنَّ تِلْكَ القِصَّة كادت تهمل، وتَلْقَى ما ينبغي لها من الإهمال والإعراض؛ لَولَا أَنَّ صدقي باشا تحدث بالتليفون إلى وكيل المالية؛ فأمره بأنْ يتم الصفقة ويُهيئ العقد.

    وإن هذه القِصَّةَ الأُخْرَى كادت تُرْفَضُ لولا حديث تليفوني آخر من صدقي باشا أمر بقبولها فقبلت، ولا يكاد ينشر هذا الكلام حتى يعنى به صدقي باشا ويهتم له، ويتصل بصحيفة من الصحف فيتحدث إليها بالتليفون مكذبًا بعض الأمر مُصَدِّقًا بعضه الآخر مُقدمًا محجمًا ساكنًا مُتَحَرِّكًا، نَافيًا مُثبتًا، دائرًا على كل حال كما تعود أن يدور.

    ثم ينهض الموظفان للرَّدِّ والدفاع عن أَنْفُسهما فيُحَاوِلان وضع الأمور في نصابها، ولا يعفيان رُدودهما من الإشارة والتلميح، ومن الرَّمز والتَّعْرِيض. وما هي إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ هَذِه القِصَّة شكل فضيحة كبرى تهلع لها نفوس وتضطرب لها قلوب، ويكثر فيها الحديث، وينشط لها الصحفيون، وتشغل الناس — أو تكاد تشغلهم — عن أمور أخرى كان لها خطرها، وكانت شغلًا للذين تعنيهم أمور الدولة من قريب أو بعيد.

    ولعلك تُوافقني على أنَّ حياتنا تجري على هذا النحو منذ نهضت الوزارة القائمة بأعباء الحُكم، لا يكاد يمضي أسبوعٌ حَتَّى تظهر فضيحة أو فضيحتان أو فضائح، يضطرب لها الناس، ويشغل بها الرأي العام. ثم تظهر فضيحة أو فضائح أخرى، حتى أصبح تفكيرنا السياسي أو كاد يُصبح موقوفًا على تعرف هذه الفضائح وفهمها، والتنبؤ بما تنتجه من جهة وبما سيظهر بعدها من جهة أخرى.

    وقُلْ مَا شِئْتَ، فقد فَرَغْنَا وَفَرَغَ النَّاس، وفرغ زُعَمَاء هذا العهد السعيد أنفسهم من الثقة بأنَّ هذه الفضائح المُتَّصلة أدلة صارخة على أن هذا العهدَ لَمْ يكن عهد خير، ولا ينتظر منه أن يكون عهد خير، ولا ينبغي لبلد له حظ من الحضارة ونصيبٌ من الكرامة يطمئن له أو يعتمد عليه في تحقيق ما يسمو إليه من الآمال، أو في تدبير ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِن المنافع والمرافق. ولكن الشيء الذي لم نفرغ منه ويظهر أننا لن نفرغ منه حتى نفرغ من هذا العهد السعيد نفسه، هو أنَّ الحق ليس هو الذي يُرَادُ فيما يظهر من كشف هذه الفضائح وإثارتها، وَإِنَّما هي هذه البواعث السياسية الخفية تضطرب من وراء ستار، وتتفاعل في الظلام؛ لأنَّ قومًا يُحاربون قومًا، ولأنَّ فريقًا يكيد لفريق، ولأنَّ نفرًا يغرى بنفر، ولأن جماعة تريد أن تنتقم من جماعة.

    وهذا هو الذي يُردد اسم صدقي باشا كلَّما ظهرت فضيحة، وهذا هو الذي يشعر الناس بأنَّ هذه الفضيحة إنما ظهرت لتمس صدقي باشا وأصحابه من قرب أو بُعد. وهذا هو الذي يجعل صدقي باشا حساسًا قوي الحس، نشيطًا شديد النشاط، شاعرًا دقيق الشعور، لا يُهاجم إلا رد الهجوم، ولا يشار إليه إلا رد على الإشارة بالتصريح، ولا يعرض به إلا لقي تعريضًا بتعريض.

    وصدقي باشا وخصومه من رجال السياسة الحاضرة عندنا سواء، فكلهم عندنا قوم ما كان ينبغي أن ينهضوا بأمور مصر، ولا أن يشرفوا على تصريفها، وكلهم عندنا قد جربتهم مصر فلمْ تجنِ من تجربتهم خيرًا، وإِنَّما جنت منها شرًّا ونكرًا. ولكن الذي نريد أن نلفت إليه الناس هو أنَّ صدقي باشا وخصومه لا يُريدون إلا أن يمضوا فيما بينهم من الخلاف، وألوان الكيد. فهم كما ترى يأتمر بعضهم ببعض ويحرض بعضهم على بعض، وتظهر سيئاتهم من ثنايا هذا التحريض وذلك الائتمار؛ فكيف لو وجدت وزارة لا تفكر في صدقي باشا، ولا في خصومه، وإنما تُفَكِّر في مصر وفي مصر وحدها، وتفكر في الحق وفي الحق وحده، وتفكر في الإصلاح وفي الإصلاح وحده؛ إذن، لرأيت العجب، وإذن، لشهدت من الفضائح والسيئات ما لا تذكر إلى جانبه هذه الفضائح والسيئات التي تملأ الجو المصري فسادًا ونكرًا في هذه الأيام.

    وهذا هو الذي يفسر هذا الموقف الغريب أو هذه المواقف الغريبة التي نَشْهَدُها الآن، فقصة استبدال المعاشات ليست مقصورة على هذين الموظفين اللذين أخرجا من الحكومة، فما بال الوزارة قد عُنيت بهما أول الأمر دون غيرهما؟ وما بال الوزارة لم تعنَ بغيرهما قبل أن تعنى بهما؟ وما بالُ الوزارة لم تُحِلْهُمَا على مجالس التأديب لعل التحقيق والمُحَاكَمة أن يظهرا من الأمر ما لا ينبغي أن يخفى؟ ثم ما بال مصادر الوحي تتبعهما بهذه الفصول القصار والطوال، وما فيها من تشهير وتشنيع، وما فيها من غمز ولمز، وتضطرهما إلى أن يلقيا فصولًا بفصول، وهجومًا بهجوم، وقد تضطرهما إلى أن يُذِيعَا ما نتمنى نحنُ أَنْ يُذيعاه، وما قد يكره قومٌ أَنْ يُذَاع.

    ألم يكن خيرًا من هذا كله أن تقف الوزارة منهما ومن غيرهما في هذه القصة المُخزية موقف الصراحة والحق والحزم وإيثار المصلحة؛ فتُحَاكِم كل من أُثِيرَتْ حوله الريب والشكوك؟!

    ثم ليستْ قِصَّة المعاشات واستبدالها كل شيء، فهناك قصة المقاولات التي تتصل بجبل الأولياء، ما بال الوزارة لم تحققها، ولم تظهر جلية الأمر فيها للناس؟ وقصة الكورنيش وقصة تطهير الأفنية وقصة الذين يلتوون بالضرائب، وقصة الذين أريدت مُحَابَاتُهم بأرض الدولة وليسوا من الموظفين، وقصة القطن، وقصة الوزير السابق الذي قذفه الوزير القائم، وكل هذه القصص التي لم يبقَ إلى إحصائها من سبيل، ما بال الوزارة لم تواجهها في صراحة وحزم، ولم تكشف لمصر عن وجه الحق فيها جليًّا واضحًا؟!

    على أنَّ لهذه السيئات والفضائح مَظْهَرًا آخر مُؤْلِمًا حَقًّا لا يمس أموال الدولة، ولا مَنَافِع الشَّعْب ومَرَافِقِهِ، وَإِنَّمَا يمس أخلاق هؤلاء الأبطال الذين اشتركوا أو يشتركون فيها.

    فأقل مما تدل عليه هذه القصص هي أنَّ جماعة من المصريين يُحِبُّون الكيد ويحرصون عليه؛ ويألفون السعاية ويكلفون بها، ويتفوقون في طائفة من الأخلاق يَجِبُ أَنْ يبرأ منها كرام الناس وأحرارهم؛ يطيعون هذا الوزير ما واتته الظروف واجتمعت له القوة، حتى إذا ضعف؛ مكروا به وكادوا له، حتى إذا هوى كانوا له أعداء وخصومًا، وكانوا به مؤتمرين وعليه مؤلبين، وكان خيرًا لَهُم وَلِأُمَّتِهم لو أنهم كانوا رجالًا حقًّا فأبوا طاعة الوزير السابق في مُخَالَفَة القانون، وأبوا طاعة الوزير القائم في مخالفة القانون، وقدروا أنهم خُدَّام لمصر لا للوزراء، وأَنَّهُم يؤجرون من مصر لا من الوزراء وأنهم مدينون بالوفاء والإخلاص والصدق في القول والعمل لمصر لا للوزراء، وأنَّ الذين يعملون في مناصب الدولة لا يؤجرون لا ليذعنوا اليوم، ويتمردوا غدًا، وليطيعوا اليوم، ويكيدوا غدًا؛ وإنما هم يؤجرون ليخدموا مصر مخلصين سواء أرضي الوزراء أم لم يرضوا.

    هذا الحوار الغريبُ الذي أُثِير في هذه الأيام بين صدقي باشا وأحد وكيليه في وزارة المالية يدل على حال خُلقية سيئة حقًّا، فهل من الحقِّ أنَّ هذا الوكيل قد شهد على صدقي باشا بأنه أمر بإتمام الصفقة؟ وإذن، فكيف وافق صدقي باشا على إتمام صفقة كان يرى فيها عبثًا بحقوق الدولة؟ وما باله لم يَعْصِ صدْقِي باشا، وما باله لم ينصح لأمته، ولم يحتمل ما ينبغي أن يحتمله الناصح لأمته من التضحية؟ أم هل لم يشهد هذا الوكيل ولم يقل ما نسب إليه؟! وإذن، فما باله لا يُكَذِّب الذين يقحمونه في هذا الأمر إِقْحَامًا ويَقُولون عليه غير الحق، ويُظهرونه للناس في هذا المظهر الغريب المُريب؟! وإذا كان قد شهد فهل من الحق أنَّ صدقي باشا لم يأمره؟ وإذن، فويل للأخلاق! أم هل من الحق أن صدقي باشا أمره؟ وإذن، فما له لا يَرُدُّ على صدقي باشا قوله، ولا يُبَيِّن للناس أنه لم يقل في شهادته إلا ما كان ضميره يأمره أن يقول؟! وتستطيع أن تذهب إلى جميع الوزارات والدواوين فسترى موظفين كثيرين منهم الكبار ومنهم الصغار؛ يُنَفِّذُون أَمْرَ رُؤسائهم فيما يخالف القانون، لا ينكرون ذلك ولا يحتجون عليه حتى إذا دارت الأيام وتغيرت الأحوال انقلبوا حربًا على هؤلاء الرؤساء.

    أرأيت إلى هذين الأمرين الخطيرين اللذين تدعو هذه القصص إلى التفكير فيهما، وهُمَا أَنَّ البواعث التي تثير هذه القصص وما فيها من الفضائح ليست هي مصالح مصر، وإنما هي الخصومات بين الأشخاص، وأنَّ الأخلاق قد فسدت في هذا العهد فسادًا قبيحًا حقًّا، حتى أَصْبَحَ من العَسِيرِ على الرَّجُل المُستقيم أنْ يَعْرِفَ كيف يطمئن أو يستريح ضميره إلى أكثر مما يعمل وما يقال في الدواوين؟!

    لقد فسد كل شيء واختلط كل شيء، وأصبح من المحنة لأي وزارة تأتي بعد هذا العهد أن تُحاول الإصلاح أو شيئًا يُشبه الإصلاح. ما أثقل الأوزار التي يحتملها ضمير صدقي باشا؛ فهو مصدر هذا كله! ولكن الغريب أن ضمير صدقي باشا يحتمل هذا كله في غير مشقة ولا عناء!

  • مخزيات

    حديث المساء: مخزيات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ نوفمبر ١٩٣٣

    بين العناصر الرشيدة في هذه الأيام خصومة مضحكة في ظاهر الأمر، ولكنها عنيفة في حقيقة الأمر، يحسن أن يحتاط لها المصريون احتياطًا شديدًا؛ لأنهم إن لم يفعلوا أصابهم أذًى شديد، أشد جدًّا مما يظنون. فقد يظهر أن العناصر الرشيدة لا تريد أن تختصم في هذه المرة على هذا النحو الهادي المطمئن الذي لا يؤذي ولا يسوء. ولكنها تريد أن تتخذ للخصومة قنابلَ من طراز جديد، لا تكاد تُلقَى حتى تنفجر، ولا تكاد تنفجر حتى تُفسد الجو بما تنشر فيه من هذه العناصر الخانقة المهلكة التي تؤذي الأنوف والأسماع والأذواق، وتبغض النفوس في الحياة، وتملأ القلوب شكًّا فيما يسميه الناس أخلاقًا ونزاهة واستقامة في تدبير الأمور العامة، ولسنا ندري ما الذي أفسد الأمر إلى هذا الحد بين العناصر الرشيدة، التي تمدَّحت دائمًا بأنها لا تحب الشر ولا ترغب فيه، وتمدَّحت دائمًا بأنها لا تحب الحرب الضَّرُوس التي لا تُبقي ولا تذر، ولا تدع شيئًا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. فإن الأمر بين العناصر الرشيدة يسير جدًّا، لم يكُن ينبغي أن ينتهي بها إلى هتك الأستار، وكشف الأسرار، وغسل الثياب القذرة خارج الدار، وإظهار المصريين جميعًا والأجانب جميعًا على أن رُشد العناصر الرشيدة لا يمنعها من أن تُقدِم على إحدى اثنتين أحلاهما مر، وأنقاهما أقذر من أن يمكن الصبر عليها؛ فهي ترسل في الجو تهمًا كثيرة منكرة، إن صحَّت دلَّت على أن العناصر الرشيدة لا تتحرج من اقتراف الآثام المخزية المزرية، وإن لم تصح دلَّت على أن العناصر الرشيدة لا تتحرج من أن تتهم الناس بالباطل، وتقول فيهم غير الحق، وتضيف إليهم من المُخزِيات والمُزرِيات، ما يعاقب القانون على اقترافه إن صح، وعلى اتهام الناس به إن لم يصح. وحسبُك بهذا كله شرًّا ونكرًا، وحسبك بهذا كله عيبًا وخزيًا، وحسبك أن الوزارة القائمة مهما تضع أصابعها في آذانها، ومهما تأخُذْ نفسها به من الصمت والسكون، فهي مُضطَرَّة إلى أن تسمع، مُضطَرَّة إلى أن تتحرك، وهي مضطرة إلى أن تقول، فإن لم تفعل فهي تَصِمُ الحكومة المصرية وصمات لا ينبغي لها أن تصمها بها، ولا ينبغي للمصريين أن يقروها على ما تتخذ لذلك من سكون أو سكوت.

    الأمر بين العناصر الرشيدة يسير، رئيس وزارة لم يستطع أن يبقى في الحكم، فاستقال أو أُقِيل، ثم لم يستطع أن يتسلط على الوزراء فذل أو استذل، ثم أراد أن يتنمر ويستأنف النشاط، وفي وسع خصومه أن يردوه إلى ما ينبغي له من الهدوء والاطمئنان واعتزال السياسة، ولكن الأمر يخرج عن هذا الطور، وإذا قنابلُ تُقذَف فتُفسِد الجو، وتجعل التنفُّس فيه مستحيلًا، إلا أن تهب عليه ريح التحقيق النزيه، فترده إلى النقاء والصفاء.

    وليس الذين يعارضون العناصر الرشيدة هم الذين أعدوا هذه القنابل، أو هيَّئُوا لها، أو ألقَوْها، وإنما العناصر الرشيدة نفسها هي التي أعدت القنابل وألقتها، وهي التي أفسدت جوها إفسادًا، وهي التي أكرهت الخصوم والأصدقاء على أن يطلبوا التحقيق النزيه، ويُلِحُّوا فيه، ليستطيع الناس أن يتنفسوا في غير تعرُّض للأذى والاختناق.

    ما هذه الفضيحة المخزية التي أخذت «المقطم» تخوض فيها منذ أيام؛ تُفصِّلها تفصيلًا، وتحللها تحليلًا، وتطلب فيها التحقيق، وتشاركها الصحف في التفصيل والتحليل وطلب التحقيق؟ ما هذه الفضيحة المخزية التي عادت «المقطم» إلى تفصيلها وتحليلها أمس، والتي أنبأت «المقطم» أمس بأنها ستكون موضوعًا للتحقيق، والتي لم تكد تذيعها «المقطم» أمس حتى أقبلت صحيفة من صحف الحزب الشقيق — حزب الاتحاد — وهي صحيفة «الليبرتيه»، فنقلت عن «المقطم» ما قالت، واشتركت مع «المقطم» فيما طلبت من التحقيق؟

    ما فضيحة الكورنيش التي كثُر فيها الكلام، وكلام «المقطم» و«الليبرتيه» بنوع خاص، والتي تُوجَّه فيه تهم صريحة إلى وزارة الداخلية؟ ف «المقطم» و«الليبرتيه» تزعمان أن عطاءات قُدِّمَتْ في الجزء الأول من الكورنيش فرُفِضَ أقلُّها وصاحبه مصري، وقُبِلَ غيره وصاحبه إيطالي، ورفضت مصلحة البلديات في وزارة الداخلية عطاء هذا الإيطالي، معتمِدة على رأي قلم القضايا، ولكن وزارة الداخلية أجازت هذا العطاء الإيطالي مخالِفة في ذلك رأي مصلحة البلديات، ورأي قلم القضايا، مضيِّعة بذلك على البلدية والذين يدفعون لها الضرائب أكثر من ألفي جنيه.

    و«المقطم» و«الليبرتيه» لا تقِفان عند هذا الحد، بل تزعمان أن البلدية مضت مع هذا المقاول الإيطالي في إتمام الكورنيش بغير مناقصة، وغرَّها الغرور، فظنت أن إتمام الكورنيش لا يكلفها إلا مائة ألف أو أقل من مائة ألف! ثم ظهر أنه يكلفها ما يقرب من نصف مليون، وظهر أنها تخسر في هذه الصفقة أكثر من ألفي جنيه في كل خمسة عشر ألفًا من الجنيهات؛ أي إنها تخسر أربعة وستين ألفًا لا لشيء إلا لأنها حرصت على أن تمضي العمل مع هذا المقاول الإيطالي.

    وتزعم «المقطم» و«الليبرتيه» أن وزارة الداخلية أجازت هذا التصرُّف في أربع وعشرين ساعة. أقبل به ساعٍ خاص، وعاد بالموافقة عليه، والأمر لا يقف عند هذا الحد في «المقطم» و«الليبرتيه» بل هما تقولان إن هذا المشروع لم يكن موضع ارتياح القصر الملكي ولا رضاه، وإن عدم الارتياح بلغ الحكومة حينذاك.

    أليست الوزارة توافقنا على أن نقاء الحكومة، ونزاهتها وسمعتها، والمصلحة المالية، كل ذلك يفرض التحقيق النزيه فرضًا، ويجعل الإبطاء في هذا التحقيق أمرًا لا ينبغي الإقدام عليه.

    وقصة القطن والتدخل السري فيه، هذه التي أذاعتها صحيفة من صحف «المساء»، وأبَى صدقي باشا أن يقول نعم أو لا، وأخذت الصحف تتحداه وتتصدى له، فيلتوي عليها في الجواب، حتى إذا كانت قصة الاستقالة من رياسة الحزب والاختلاف بين أعضاء الحزب والعدول عن هذه الاستقالة، ظهرت «المقطم» أمس و«الليبرتيه» اليوم وفيهما قصة الكورنيش، وظهرت «الأهرام» صباح اليوم وفيها سؤال لوزير المالية من نائب شعبي كان يرى قبول استقالة صدقي باشا.

    وفي هذا السؤال تفصيل وتحليل لهذا التدخل السري في سوق القطن، في وقتٍ لم يكن ينبغي أن يكون فيه هذا التدخُّل، وبغير إذن من مجلس الوزراء، وعلى غير موافقة لهذه الخُطَّة التي كانت تنجح بها الوزارة المستقيلة، خطة الامتناع عن التدخل في السوق.

    أليست توافقنا الوزارة على أن هذه القصة في حاجة أيضًا إلى تحقيق صريح نزيه؟ تطهير التُّرع والأقنية الذي نتحدث فيه منذ أيام، ونسأل فيه الوزارة هذه الأسئلة التي يستطيع القراء أن يَرَوْهَا في غير هذا المكان من الكوكب؟ أليست توافقنا الوزارة على أن من حق الناس أن يعلموا: أصحيح ما يُذاع أم غير صحيح؟ أصحيح أن وزارة الأشغال ووزارة المالية تصرفتا في أموال الدولة هذا التصرُّف المعيب؟

    وقصة الوزيرين المختصمين في حزب الشعب — وزير الزراعة السابق ووزير الزراعة اللاحق — يقذف أحدهما صاحبه بأمور لا تليق بالوزراء، أليست توافقنا الوزارة على أن قصتهما تحتاج إلى تحقيق، ليلام المقذوف إن صح القذف، أو يلام القاذف إن لم يصح؟ وقصة المذكرة التي رفعها وزير التقاليد إلى اللجنة المالية ومجلس الوزراء، في شأن كرسي من كراسي كلية الآداب، وملأها بما يخالف الحق، وما يخالف القانون، ألا توافقنا الوزارة على أنها في حاجة إلى التحقيق؟ ليرى رئيس الوزراء على أقل تقدير أيعمل هو مع قوم ينصحون له، أم يعمل مع قوم يدفعونه إلى حيث لا ينبغي أن يُدفع رؤساء الوزارات؟

    كل هذه أمور تحتاج إلى تحقيق، وتحقيقها إن جرى — كما ينبغي — نزيهًا شريفًا حرًّا، فسينتهي من غير شك إلى عقاب قوم لأنهم أثموا في حق الوطن، أو إلى عقاب قوم لأنهم ظلموا الأبرياء وقالوا فيهم غير الحق، وأضافوا إليهم ما لم يفعلوا، وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين مخزٍ مهين، أليس غريبًا أن تذاع كل هذه الأشياء وتشاع، ويتحدث بها الناس، وتمتلئ بها الأندية، ورئيس الوزراء مشغول بصدقي باشا، أيبقى رئيسًا للحزب أم يستقيل؟

    على أن كل شيء في الحياة السياسية الرسمية الآن يدل على أن أمور هذه الفضائح لا تريد أن تقِف عند هذا الحد، ولا أن تنتهي إلى هذا المقدار، وعلى أن هناك قنابلَ من هذا الطراز يريد أصحابها أن يقذفون بها في الجو، ليزيدوه فسادًا إلى فساد، فليت شعري أيستطيع رئيس الوزراء أن يتنفس في هذا الجو الموبوء تنفسًا طلقًا حرًّا يبعث الحياة والنشاط، ويمكِّنه من تصريف الأمور كما ينبغي أن تصرف الأمور، أم سيضيق رئيس الوزراء بهذا الجو، ويعجِز عن التنفُّس فيه، فيستقيل ليترك هذه البيئة لقوم آخرين يستطيعون أن ينقوا الجو ويصفوه، أو يستطيعون أن يعيشوا في جوٍّ ليس له حظ من صفاء أو نقاء؟ زعموا أن الأيام القليلة المقبلة ستجيب في صراحةٍ على هذا السؤال.

  • قذف

    حديث المساء: قذف

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يشتد إليها الميل، أن تلقي دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحتَمل أو تبتغى أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق.

    وحسب الكُتَّاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامة إلى الواجبات السياسية التي تفرِضها المصلحة العامة، ويحتمها الإخلاص في خدمة الشعوب.

    والأمر يزداد مشقَّةً وعُسرًا حين يتصل بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد؛ فهم معصومون من الخطأ، مبرَّءُون من العيب، مُنزَّهون عن هذه الخصال التي يمكن أن تَشين مثلك ومثلي من عامة الناس. ولولا أنهم معصومون من الخطأ ولولا أنهم مبرَّءُون من العيب، ولولا أنهم مُنزَّهون عن كل ما يَشين لما ارتقوا إلى مناصب الوزارة، ولما قبضوا بأيديهم على أَعِنَّةِ الأمور يصرفونها كما تقضي المصالح العامة وحدها لا يتأثرون في ذلك بميول الأحزاب وأهوائها، ولا بنزعات الأفراد وشهواتهم، ولا يجورون في ذلك عن قصد السبيل.

    وإذا كانت هذه حالُهم فنحن جماعة الكُتَّاب نتجنَّى عليهم ونتجاوز الحدود في أمرهم، حين تزعم أنهم قصروا في السياسة أو أخطَئوا سبيل المنفعة العامة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس. وهُم كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجنِّي ويعفون لنا عن النقد، ولا يخاصموننا في ذلك إلا قليلًا، وقد يُغرِينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنُغرِق في التَّجنِّي، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويُلِحُّونَ في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويُريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتصل بالأخلاق؟ ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاص، تدعو إلى شيء من التطفل، وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني. وسيصفحون عن نقدهم فيما يمَس الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمس السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميالة بطبعها إلى التجاوُز عن السيئات جميعًا.

    فإذا كان نقد الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد في أمر يمس الأخلاق متصلًا بالسياسة العامة من بعض الوجوه، كان طمعُهم في عفو الوزراء أعظم، وأملُهم في صفح الوزراء أشد، وثقتهم بحُلم الوزراء أدنى إلى أن تملأ قلوبهم أمنًا، وتشعر نفوسهم طمأنينة وهدوءًا.

    ونحن نريد أن نعرض لأمر من أمور الأخلاق متصل بالسياسة أشد الاتصال، أثارته تلك القصة المضحكة التي مثَّل فصولَها حزبُ الشعب في هذه الأيام الأخيرة الماضية. فقد زعموا أن الصلح لم يَكَدْ يَتم بين الحظيرة وبين الوزيرين اللذين أُقْصِيَا عنها. حتى نهض وزير الزراعة السابق فأعلن في حدة وغضب، وغيظ وحنق: أن وزير المواصلات السابق تحدث إلى بعض الناس بأن وزير الزراعة اللاحق يقذفه، ويتهمه بأمور تمس الانتفاع المادي على حساب المصلحة العامة، واختلف الناس بعد ذلك في تحقيق هذه الأمور، فبعضهم زعم أنها تمس حزب الشعب، وإدارة الوزير السابق له، وهذا هو الذي قرأناه في الصحف صباح أمس، وبعضهم زعم أنها تمَس الحكومة وأموالها. وهذا هو الذي قرأناه في صحيفة من صحف المساء نشرته أمس للناس في صراحة مؤلمة حقًّا. ولسنا نحب أن نروي ما صرحت به صحيفة المساء تلك فقد يثقل ذلك علينا، وقد يثقل ذلك على الناس، ولكن الذي نحب أن نلاحظه هو أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد — مع أنهم معصومون من الخطأ ونحن جميعًا نخطئ — مبرَّءون من العيب، ونحن جميعًا قد نتورط في العيب، لا تمنعهم العصمة ولا تعفيهم البراءة من أن يكونوا كغيرهم من الناس يخطئون كما يخطئ الناس، ويعيبون كما يعيب الناس، ويدفعون كما يدفع الناس إلى أشياء لا تليق. فهذا وزير مقيم في الحكم يتهم وزيرًا معتزلًا للحكم في نزاهته، وهذا وزير سابق ينقل عن الوزير اللاحق ما قاله، فإذا هو يُذاع ويُشاع، حتى يقرع سمع الوزير المقذوف، وإذا هو الوزير المقذوف يحاول أن يبرئ نفسه، ويدفع عنها، فلا يزيد الأمر إلا ذيوعًا وانتشارًا، وقد كُنَّا نقدر أن عصمة الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد، ترفعهم عن أن يتورطوا في مثل ما يتورط فيه غيرُ المعصومين من الناس، وتجعلهم أعلى وأكرم على أنفسهم من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسوق بعضهم إلى بعض هذه التُّهَم التي إن صحت كانت مزرية مخزية. ثم يسعى بعضُهم إلى الناس بما قال بعضهم في بعض، حتى يشيع الشر، وينتشر النُّكر، وتسوء سمعة السابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد. والقاذف والمقذوف من وزراء حزب الشعب، والساعي بهذا القذف من وزراء حزب الشعب، ومبلغ القذف إلى المقذوف من أعضاء حزب الشعب. فهل هي المصادفة التي جمعت بين حزب الشعب وبين هذا النحو من أنحاء الاتهام؟

    على أن للأمر وجهًا آخر أعظم خطرًا من هذا. فليس من شَكٍّ في أن الناس جميعًا يتمنَّوْنَ أن يكون وزراء هذا العهد السعيد أرفع من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم ببعض. ولكن الناس يتمنَّوْنَ بنوع خاص ألَّا يكون هذا القذف صحيحًا، ولا مصوِّرًا لحقيقة من هذه الحقائق المزرية المؤذية، والناس يتمنَّوْن أن يكون الغضب وحده هو الذي أنطق وزير الزراعة القائم بما نقله وزير المواصلات السابق حتى انتهى إلى وزير الزراعة المستقيل. ولكن كيف يستطيع الناس أن يتبيَّنوا جَلِيَّةَ هذا الأمر، وأن يعلموا ويستيقنوا ويطمئِنُّوا، وتُمحى من نفوسهم الريب والشكوك، ولا يتطرق الوهم إلى أحد منهم بأن وزير الزراعة السابق موسوم بما رماهُ به وزير الزراعة القائم إن صح ما نقل عنه؟

    أمَّا حزب الشعب فسيصلح الأمر بين أعضائه إصلاحًا ظاهرًا تصفو معه القلوب أو لا تصفو، وتخلص معه النِّيَّاتُ أو لا تخلص. وسيزول الخلاف بين وزير الزراعة القديم ووزير الزراعة الجديد، وسيعود أولهما إلى الحظيرة بعد أن خرج منها، كما عاد ثانيهما إلى الحظيرة بعد أن أُخْرِجَ منها إخراجًا. وسيرتاح صدقي باشا لرجوع وزير الزراعة السابق إلى الحظيرة كما ارتاح لرجوع وزير الزراعة القائم إليها. ولكن الأمر لم يبقَ مقصورًا على حزب الشعب ولا على الوزيرين المختَصِمَيْن، وإنما هو يتجاوز الحزب وأعضاءه جميعًا إلى الأمة وإلى الدولة؛ فلم يَبْقَ بُدٌّ من أن يعرف الناس جلية هذا الأمر، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تتبين الدولة حقيقة هذه التهم، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تعود إلى قلوب الناس الثقة بأن وزراءهم لا يستفيدون لأنفسهم على حساب المصلحة العامة. ونحن نعلم حق العلم أن هذه الجملة المشئومة التي قالها علي المنزلاوي بك، إن صح ما رواه عنه توفيق دوس باشا، وقد وقفت جماعة من الوزراء بين أمرين كلاهما شَرٌّ وأحلاهما مُرٌّ، فهي إن صحت أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء، واستتبعت آثارًا لا تَسُرُّ ولا تُرْضِي، وهي إن لم تَصِحَّ أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء من اتهام الناس بغير الحق وبما لا يليق. وواضح جدًّا أن تحقيق هذا الأمر وإظهار جليته للناس لا يمكن ولا ينبغي أن يكون في حزب الشعب ولا بين يدي صدقي باشا، وإنما يجب أن يكون في مكان غير حزب الشعب، وأمام رجل غير صدقي باشا، أفترى هذا التحقيق ممكنًا، أفترى هذا التحقيق واقعًا غدًا أو بعد غدٍ؟ أم تظن أن أمر هذا القذف سيُترك لتمضي به الريح وليُسدِل عليه النسيان ستارًا صفيقًا. أما نحن فنعتقد أن ليس على أخلاق الناس ومصالحهم ونزاهتهم فيما يأتون وما يَدَعُونَ خطر أشد من إهمال مثل هذا القذف وتركه غنيمة للنسيان. فذلك يُغرِي الناس بالإقدام على الشر طامعين في عفو النسيان، وذلك يُغري الناس بالإقدام على القذف طامعين في عفو النسيان أيضًا. ونحن نعتقد أن في مصر قوة حريصة أشد الحرص على الأخلاق وعلى صيانة المصالح العامة، وعلى صيانة سمعة الوزراء السابقين واللاحقين، ونعتقد أن هذه القوة لن تقصر فيما يجب عليها من التحقيق.