صحة
صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣
Tag: political
-
صحة
-
مذهبان
مذهبان
أحدهما يذهب إليه الناس في البلاد المتحضرة كافة منذ ابتدأ عصر الديمقراطية، على أقل تقدير. والآخر يذهب إليه فريق من الناس في هذا البلد العزيز السعيد، ويتباينان أشد التباين.
ومذهب المصريين أصحهما من غير شك، وأدناهما إلى الصواب من غير جدال، لأن مصر قد أصبحت منذ ثلاثة أعوام أقوى بلاد الأرض، وأرقاها، وأحقها أن تتولى زعامة الرقي، وقيادة الشعوب إلى تحقيق المثل العليا في الحرية والكرامة والاستقلال.
وقد أصبح حقًّا على كل شعب يحب الرقي ويطمع فيه أن ينظر إلى مصر، فيتأثرها ويسير على نهجها، وهو إن فعل بلغ ما يريد من الكمال بإذن الله.
فأما المذهب الأول الخاطئ الذي يأخذ به الناس في أقطار الأرض، وفي أقطار الأرض المتأثرة بفلسفة الفلاسفة وأصول الثورة الفرنسية، فهو أن الحكومة إنما توجد لإقرار الأمن في البلد الذي توجد فيه.
والأمن عند هؤلاء الناس الخاطئين، الذين يملأون أقطار الأرض غير مصر، إنما هو أمن الشعب جملة: على حياته، ومرافقه، واطمئنانه إلى أن شعبًا أجنبيًّا، مهما يكن، لن يغير عليه، ولن يمسه بأذى، ولن ينتقص من أرضه، ولن يعتدي على حقه، ولن يغض من كرامته، ولن يناله بمكروه في أي نحو من أنحاء حياته.
وأمن الأفراد على أنفسهم، وأموالهم، وعلى كرامتهم، وحرماتهم، وعلى عقائدهم، وآرائهم، وعلى أخلاقهم، وأعراضهم.
وثقة هؤلاء الأفراد، مهما تكن منازلهم، ومهما تكن مذاهبهم في السياسة والدين، بأن نفوسهم معصومة بحكم القانون وقوته، إلا أن يجرموا فيجعلوا للقانون عليهم سبيلًا، وأن حريتهم مكفولة بحكم القانون وقوته، إلا أن يأثموا فيجعلوا للقانون على حريتهم سبيلًا، وبأن أموالهم محفوظة عليهم، لا يؤخذ منها إلا بالحق، ولا تمس إلا بما يأمر به القانون.
هذا هو مذهب الناس عامة في فهم الحكومات، وفهم واجبها، وفهم الصلة بينها وبين الشعب.
ولكن المذهب الآخر، الذي يراه فريق من المصريين، والذي هو أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الصواب، ينحو نحوًا غير هذا النحو في الحكم والفهم والتقدير.
فالحكومة عند هؤلاء المصريين وجدت لإقرار الأمن، ولكن لإقرار أمنها هي قبل أمن الشعب. ووجدت لحماية النفس والأموال، ولكن لحماية نفسها هي وأموالها من قبل أنفس الشعب وأمواله.
وهي لا تكره أن تؤمن الشعب، ولكن تأمين الشعب نافلة لا فريضة، أو هو فرض ثانوي يأتي بعد الفرض الأول، وتتفرغ له الحكومة بعد أن تتفرغ من هذا الفرض الأول.
وهي لا تكره أن تحمي أنفس الشعب وأمواله، ولكن بعد أن تحمي نفسها ومالها، وتطمئن أشد الاطمئنان إلى أنها لا تخاف بأسًا، ولا تخشى مكروهًا.
ولعلك لن تفطن بعد إلى الفرق العظيم بين هذا المذهب الخاطئ الذي يمعن فيه العالم المتحضر كله، وهذا المذهب المصيب الذي يحبه فريق من المصريين.
فأما في غير مصر، فإن الناس يرون أن الوزارة إذا أحست بالحاجة الشديدة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها أن تستقيل؛ لأن الوزارات لم تنشأ لحماية نفسها، وإنما أنشئت لحماية الشعب، وهي لم تخلق لخدمة نفسها، وإنما خلقت لخدمة الشعب.
وهي إذا أحست حاجة إلى الحماية، فمعنى ذلك أن الشعب لا يحميها بحبه لها، وثقته بها، واطمئنانه إليها. وإذن فهي لا تريد أن تخدم الشعب رغم أنفه، وإذن فهي مضطرة إلى أن تستقيل، ليوجد الشعب لنفسه الوزارة التي يرضاها، ويثق بها، ويحميها بحبه وعطفه وثقته.
أما أصحاب المذهب المصري الحديث، فهم يرون أن الوزارة إذا أحست حاجة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها ألا تستقيل، بل أن تتعلق بالحكم أشد التعلق، وأن تشد نفسها إلى كراسيها بالحبال والأمراس، وأن تسخر جند الدولة وبأسها، وقوة الدولة وبطشها، ومال الدولة وثروتها، لحماية نفسها حتى من الوهم الطارئ، والخيال الذي يلم في الأحلام.
وجائز عند أصحاب المذهب المصري الحديث، بل واجب، أن تقدم الوزارة حماية نفسها على حماية الشعب. فإذا أحست من خصومها السياسيين خطرًا على نفسها، وأحست من خصوم النظام الاجتماعي، وأعداء الأمن العام، والمجرمين الذين يفسدون في الأرض، خطرًا على حياة الأفراد والجماعات، وحماية أنفسهم وأموالهم، كان من حقها، بل من الحق عليها، أن تقدم حماية نفسها، والتفكير فيها، وقهر خصومها السياسيين، على حماية الشعب، وقهر المجرمين.
وعلى ذلك يفسر أصحاب المذهب المصري الحديث كثرة الجرائم واتصالها في مصر، وهذه الألوان من العدوان التي تقع على النفوس والأموال، وتعجز الوزارة القائمة، لا نقول عن منعها قبل وقوعها، بل نقول عن أخذ المقترفين لها، والمتورطين فيها؛ لأن الوزارة مشغولة بمخاصمة الوفد، ومطاردته، ومراقبة رئيسه وأعضائه، وبث الأرصاد والعيون عليهم، عن مراقبة المجرمين، وأخذهم، والضرب على أيديهم.
وعلى هذا النحو أيضًا يمضي أصحاب المذهب المصري الحديث حين يطالبون الوزارة بأن تشرع القوانين الاستثنائية الصارمة لإرهاق خصومها السياسيين، وإفحامهم، وأخذهم بالصمت والهدوء؛ لأن حماية الوزارة لنفسها من هؤلاء الخصوم أوجب من حماية الوزارة للشعب من أعداء الأمن والنظام.
ولذلك يطلب أصحاب المذهب المصري الحديث إلى الوزارة أن تشرع هذه القوانين الصارمة الاستثنائية لتعقبهم، والقضاء عليهم، في غير إمهال ولا أناة.
وقد نحب أن نعرف مذهب وزارتنا في هذه المسألة ذات الخطر: أهو مذهب العالم المتحضر، أم هو مذهب المبتكرين من المصريين؟
فإن تكن الأولى، فإنا نرى وزارتنا تسرف في العناية بنفسها، وتغلو في وقف جهودها على ما تنصب لخصومها من الحرب.
وإن تكن الثانية، فإنا نحب أن تلائم الوزارة بين ما لها من مذهب وسيرة، وما يلقى إلى الشباب في المدارس، وفي كلية الحقوق، حتى إذا أخرجت هذه الكلية من طلابها من سيكون إليهم الحكم في يوم من الأيام، أخرجتهم وهم يعلمون ما يجب عليهم أن يعملوا.
والأمر ليس مقصورًا على الأمن الداخلي، فمن المحقق أن وزارتنا تعنى بما تكتبه الصحف الأجنبية عن بقائها الطويل أو القصير أكثر مما تعنى بمسائل لها أبعد الأثر في حياة مصر.
فلم يخطب وزراؤنا في مسألة الدين كما خطبوا في مسألة «الديلي تلغراف»، ولم يجزع وزراؤنا لحبوط المفاوضات في مسألة الدين كما جزعوا لرسالة الديلي تلغراف، ولم ينشط وزراؤنا في مسألة التبشير والمبشرين كما نشطوا في رسالة الديلي تلغراف.
فهم إذن أسرع إلى التفكير في حماية الوزارة من خصومها السياسيين المصريين، ومن الذين قد يخاصمونها بين الأجانب، منهم إلى التفكير فيما يصيب الأمن والنظام من الفساد والاضطراب، وفيما يصيب منافع الناس ومرافقها، وحرية مصر وكرامتها، من العدوان الخارجي، أو إسراف الدول الأجنبية في الاستهانة بالحقوق المصرية.
أفنستطيع أن نفهم من هذا أن المذهب المصري الحديث قد وفق إلى الفوز الرسمي، فأصبحت وزارتنا تؤمن به، وتطمئن إليه، وتتخذه لها مذهبًا، وترى أنها وجدت لنفسها قبل أن توجد للشعب؟
سؤال يحتمل جوابين:
أحدهما يراه الناس، ويحسونه، ويشهدونه في كل يوم، وهو: نعم.
والآخر يكتب في الصحف، ويقال في الأحاديث الرسمية، والشبيهة بالرسمية، وهو: لا.
والناس أحرار في أن يقبلوا ما شاءوا من هذين الجوابين.
أما أنا فأقبلهما معًا، وأصدق وزراءنا إذا ساروا سيرة المؤمن بالمذهب الحديث، وأصدقهم إذا قالوا مقال المؤمن بالمذهب القديم.
وأرى أن الوزارة من المهارة والكفاية، ومن البراعة والنبوغ، بحيث تستطيع الجمع بين المتناقضات، والتوفيق بين المتباينات، وبحيث تستطيع أن تؤثر نفسها على الشعب حين تعمل، وأن تؤثر الشعب على نفسها حين تقول.
كوكب الشرق في ٣٠ – ٧ – ١٩٣٣ -
حيرة
حيرة
لم يكن موفقًا ولا مهديًا، ذلك الصديق الإنجليزي القديم لرئيس الوزراء ووزارته القائمة حين أبرق إلى صحيفته الديلي تلغراف بتلك الرسالة المشؤومة التي نشرت منذ عشرة أيام.
لم يكن موفقًا ولا مهديًا، لا لأنه أخطأ الحق أو جاوز الصواب في أكثر ما قال، فعلم ذلك عند الله، وعند الراسخين في العلم بأمور السياسة المصرية العليا أثناء هذا الصيف، ولكن لأنه وصل من إيذاء الوزراء والتنغيص عليهم إلى أبعد مما كان يريد في أكبر الظن. فما نعلم أن الصداقة بينه وبين الوزارة القائمة قد قطعت أو آذنت بالزوال، وما نظن إلا أنه كان يريد أن ينبئ صحيفته وقراءها ببعض الحقائق الواقعة أو ببعض الأشياء التي طلب إليه أن يصورها في صورة الحقائق الواقعة، ولعله لم يبخل على نفسه بغمزات خفيفة ينال بها الوزراء ورئيسهم المتعب المكدود. فتجاوز هذا كله إلى الإزعاج، وتجاوز هذا كله إلى ما يورط الوزراء في حيرة ليس بعدها حيرة، وارتباك ليس بعده ارتباك. ومن يدري؟ ففي الإنجليز مكر ليس من اليسير أن تصل إلى أعماقه أو أن تبلغ حدوده. فلعل هذا الكاتب أن يكون قد أراد امتحان الوزارة والوزراء، وإقامة الدليل الساطع والبرهان الناصع على أنها أضعف من أن تنهض بأعباء الحكم، وأوهى من أن تثبت لحوادث الأيام. فإن كان قد أراد ذلك فقد ظفر به كل الظفر، ووفق إليه كل التوفيق، وأقنع الإنجليز في إنجلترا بما لم يكن يعلمه كثير منهم، وأقنع المصريين في مصر بما كانوا يؤمنون به جميعًا من أن الوزارة ضعيفة أشد الضعف، واهنة أشد الوهن، يخيفها كل شيء ويزعجها كل شيء، وينقصها هذا الرئيس القوي الذي كان ينفخ فيها من روحه فيمكنها من الثبات للحوادث ومناهضة الخطوب.
لست أدري أقرأت هذه الخطب التي أُلقيت أمس في حفلة الوداع التي أقيمت لوزير التقاليد، فإذا لم تكن قرأتها فانظر فيها، فقد نشرت خلاصتها الأهرام صباح اليوم، وسترى في هذه الخطب ذكرًا لرسالة «الديلي تلغراف» ووقوفًا عند رسالة «الديلي تلغراف» وانصرافًا عن غيرها مما كان يمكن فيه الحديث، وسترى أن الذين خطبوا من الوزراء وأنصار الوزراء قد تورطوا في تناقض أقل ما يوصف به أنه بديع لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى هذا الابتسام الخفيف. فهم ينكرون كل الإنكار أن تكون لهذه الرسالة قيمة أو أن يكون لها خطر، أو أن يكون لها تأثير قليل أو كثير في الموقف السياسي للوزارة، وهم يؤكدون أشد التأكيد أن الوزارة أقوى وأثبت وأمتن من أن تتأثر بكلام المكاتبين، أو تحفل به، أو تأبه له، ولكنهم في الوقت نفسه يتناولون الرسالة بالرد والنقد وبالتحليل والتأويل، ويتناولون صاحبها بالتكذيب والتثريب، وبالتقريع والتأنيب. فإحدى اثنتين: إما أن تكونوا مصورين لما تشعرون به حقًّا وتؤمنون به حقًّا من أن الرسالة لا خطر لها ولا أثر، وإذن فارفعوا أنفسكم ومنازلكم عن ذكرها والإشارة إليها.
وإما أن تكونوا متكلفين فيما تظهرون من القوة وتعلنون من الثقة، وإذن فاحتاطوا ما وسعكم الاحتياط حتى لا يظهر هذا الضعف ولا يحس الناس هذا الاضطراب. ولكن أصحابنا لم يستطيعوا أن يملكوا أنفسهم، ولا أن يضبطوا عواطفهم فمضوا يسخرون من هذه الرسالة ويكبرون هذه الرسالة، ينكرون قيمتها ويجادلون فيما اشتملت عليه، ولعل هؤلاء السادة يعلمون إذا خلوا إلى أنفسهم أن حفلة الوداع التي ستقام اليوم أو غدًا – لا أدري – لوزير الزراعة لم يفكر فيها، ولم يقصد إليها إلا لمحاولة أن يمحو الخطباء ما يمكن محوه من آثار هذه الرسالة، ولعلهم لولا هذه الرسالة ما فكروا في هاتين الحفلتين. وهم لم يوفقوا في حفلة أمس – فيما رأيت – إلا إلى إظهار حيرتهم واضطرابهم، ولن يوفقوا في الحفلة الأخرى إلا إلى الغلو في إظهار هذه الحيرة وهذا الاضطراب.
والظريف أن هؤلاء السادة يعلنون أمس أنهم لم يحفلوا قط وما كان ينبغي لهم أن يحفلوا بهذه الرسالة وينسون أنهم قد حفلوا بهذه الرسالة فأسرفوا، وأنا قد عاتبناهم في ذلك ولمناهم عليه. فهم قد أزعجوا رئيسهم المريض في مصيفه فأبرقوا إليه بهذه الرسالة فيما قالت الصحف، واضطروه إلى أن يرد عليها ذلك الرد الذي لم يوفق فيه إلى شيء، لأن أعنة البيان قد أفلتت من يده التي أضعفها المرض. وهم قد اتصلوا بوزيرنا المفوض في لندرة فيما تقول الصحف أيضًا فطلبوا منه التوضيح والتبيين. ولعلهم سألوه المعونة والغوث، وهم قد أغروا بالرسالة صحفهم الصريحة والموالية، وهم قد خطبوا أمس فألحوا على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم سيخطبون اليوم أو غدًا وسيلحون على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم بعد هذا كله لا يعنون بهذه الرسالة ولا يلتفتون إليها. ومن يدري؟ لعلهم موفقون في هذا أيضًا إلى الحق، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لفعلوا غير ما فعلوا، ولقالوا غير ما قالوا، ولأمر وزير التقاليد المدارس والجامعة ففتحت أبوابها وحشدت طلابها وأُلقيت فيها الدروس والمحاضرات في نقد هذه الرسالة وتكذيب ما جاء فيها من الأنباء، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لأمروا الكتاب البارعين من أنصارهم أن يؤلفوا فيها الكتب والأسفار ينتقدونها وينقضونها ويفندونها ويرفضونها، ولرأينا كتبًا تذاع ورسائل تباع وأسفارًا تشاع فيها ما يستطاع وما لا يستطاع، وعليها مثل هذا العنوان «العدل والإنصاف في نقد مطاعن الديلي تلغراف» أو مثل «نحن لا نخاف من الديلي تلغراف» وما يشبه ذلك من العناوين.
فلنصدق سادتنا إذا قالوا ولنؤمن لهم إذا خطبوا، فهم لم يحفلوا حقًّا بهذه الرسالة، ولم يلتفتوا إليها، وأوضح دليل على ذلك أن وزير الأوقاف خطب فلم يذكر الأوقاف وإنما ذكر الديلي تلغراف، وأن وزير التقاليد خطب فلم يذكر الجامعة ونظامها، ولا المجمع اللغوي ولا التعليم الأولي، ولا البعثات وكتب المبعوثين، وإنما ذكر الديلي تلغراف.
نعم إن وزير التقاليد لم ينسَ التقاليد. وكيف ينساها ومتى استطاع وزير التقاليد أن ينسى نفسه؟ فالتقاليد جزء مقوم لوزير التقاليد. ولقد كان موفقًا توفيقًا يحسده عليه زملاؤه جميعًا، وأولهم الرئيس، رئيس الوزراء بالطبع، فقد سحق بعض خصومه سحقًا، ومحقهم محقًا وازدراهم ازدراءً، ولم يدع سبيلًا إلى حمايتهم أو الذود عنهم. انظر إليه كيف استكشف العميق الضخم الهائل المائل، وهو أن بعض الذين يخاصمونه لا يرعون التقاليد، يكتبون عن النبي «صلعم» فيذكرون اسمه الشريف دون أن يقدموا بين يديه بسيدنا، ودون أن يعقبوا عليه بالصلاة والسلام. إذا ذكروا أسماءهم هم أحاطوها بما لهم من الرتب والألقاب، فهم إذن يؤثرون أنفسهم بالتعظيم والتكريم. ماذا؟ أراك تقرأ وتبتسم، ثم لا تلبث أن تثب إعجابًا ولا تسجد إعظامًا، ولا تصفق من الطرب، ولا تجد في الهرب. وأرى الذين من حولك يقرأون ويسمعون، ثم يعرضون أو يبتسمون. ماذا؟ إنما أنت أيها القارئ وأصحابك ناس من أهل القرن العشرين، لا تعيشون إلا في هذا القرن، ولا تفهمون إلا ما يلائم هذا القرن. فأنتم معذورون لأن وزير التقاليد قد جاء قبل أوانه، وظهر قبل إبانه، وكان حقه أن يجيء بعد قرن أو قرنين ليفهمه الناس ويقدروه. أما أنتم فمتأخرون، لا تستطيعون له فهمًا، ولا تحسنون له قدرًا. أنتم كغيركم من الناس لا تزالون تظنون أن ذكر أسماء العظماء كما هي مطلقة مجردة من الألقاب هو أبلغ أنواع التعظيم، وأرق أنواع التكريم. هذا كلام قديم تفهمونه أنتم. أما شيخ المعلمين ورئيس الجامعة الأعلى ومنشئ المجمع اللغوي فله في هذا مذهب غير مذهبكم، ولا عليه إذا لم تفهموا فسيفهمه قوم آخرون جاءوا منذ قرون، أو سيجيئون بعد قرون.
فأنت ترى أن وزير التقاليد كان فارغ البال بعض الشيء، وقف عند «الديلي تلغراف» فأطال الوقوف، ولكنه وقف عند التقاليد فأمتع وأبدع وأفزع وروع، وهدم الحصون والقلاع، وأطرب الأنصار والأتباع، فاللهم بارك لمصر في شيخ معلميها وإمام مؤدبيها وزعيم التقاليد فيها.
وأنت مخطئ كل الخطأ إن ظننت أن الحيرة مقصورة على الوزراء وأنصار الوزراء من الذين يخطبون ويستمعون للخطب، فللوزراء صحف تنشر الفصول الطوال في الخصام والجدال. وهذه الصحف مرآة للوزراء، تظهر فيها نفوسهم وقلوبهم، وتظهر فيها أشكالهم وألوانهم. وفي هذه الصحف حيرة يا لها من حيرة وارتباك يا له من ارتباك. فأما صحيفة «الشعب» فقد ظهرت اليوم فزعة جزعة يائسة بائسة، تنكر أن تكون في مصر حكومة وترى أن لو كانت في مصر حكومة حقًّا لعرفت كيف تحكم. فهذه ألمانيا تهيئ القوانين التي تقضي بالموت على الذين يخاصمون هتلر، أو يفكرون في خصومته، وتنشئ المحاكم الخاصة لتقضي بالموت على هؤلاء الخصوم. وصحيفة «الشعب» كريمة رحيمة، لا تريد لخصوم الوزارة موتًا ولا قضاءً بالموت، وإنما تريد أن تشرع لهم قوانين خاصة فيها عقوبات أشد جدًّا من هذه المحاكم التي ألفوها، وأن تغير في قانون تحقيق الجنايات هذه الإجراءات التي تحول دون الإسراع في البأس، والإلحاح في البطش. فإذا لم تفعل الحكومة هذا فليست حكومة. واحذر أن تنسى أن الوزارة قوية كل القوة، عزيزة كل العزة، منيعة كل المناعة. ولولا ذلك لما أعلن أنصارها أنها مفلسة كل الإفلاس إذ لم تشرع هذه القوانين الاستثنائية، ولم تأخذ الناس بمثل ما يريد هتلر أن يأخذهم به من ضروب الظلم والطغيان.
وأما صحيفة «الاتحاد» فمعتدلة جدًّا، متواضعة جدًّا، مقتصدة جدًّا، لا تطلب الاستثناءات ولا تغيير الإجراءات، ولكنها ترى هيئة كبار العلماء في خطر، لأن الناس ينقدونها ويقولون فيها غير ما تحب. وإذن فماذا تصنع النيابة؟ وماذا تصنع الوزارة؟ وكيف يُحمى الدين من المبشرين إذا لم يحمِ رجال الدين من الناقدين؟
نعم هذه حال الوزارة وأنصارها. خوف من «الديلي تلغراف» يبلغ الفزع، وخوف من المعارضة في مصر يبلغ الجزع. والتجاء إلى الاستثناء واعتراف بأن القوانين القائمة على شدتها وصرامتها لا تكفي لإقرار الوزراء على كراسيهم. والوزارة بعد ذلك قوية كل القوة وعزيزة كل العزة ومنيعة كل المناعة. فإن استطعت أن تفهم هذا كله، وتلائم بين ما فيه من التناقض والاضطراب فأنت رجل ذكي، وإلا فإن الله قد ابتلى كثيرًا من الناس بالغفلة والغباء.
كوكب الشرق في ٢٨ – ٧ – ١٩٣٣ -
ضيق
ضيق
أريد أن أعود إلى ذلك الحديث الذي تحدثت به إلى القراء أول أمس عما يظهر في حياتنا العامة من ضيق النفوس وحرج الصدور، والتبرم بأهون الأشياء وأيسر الأمور. فقد وقع هذا الحديث في نفوس جماعة من الأصدقاء والخصوم موقعا دعاهم إلى التعليق عليه، والاشتراك فيه. وكان ما كتبوه دليلا واضحا حقا على أني لم أخطئ حين ذكرت هذه الظاهرة الطارئة في حياتنا العامة، وحين التمست لها العلل والأسباب، وأدعو إلى مقاومتها والتخفف منها. فقد ظهر ضيق هؤلاء الأصدقاء والخصوم بما يكرهون إلى حد ما كنت أقدر أنهم ينتهون إليه، فمنهم من شكا وألح في الشكوى من الصحف الهازلة، وأكد أن استعداء القانون عليها أمر لا بد منه لصلاح الأخلاق، بل ذهب إلى أبعد من هذا، فذهب إلى أن الذين تهاجمهم هذه الصحف لا بد لهم من أن يلتمسوا للدفاع عن أنفسهم وسائل أخرى إذا لم تكف وسائل القانون لتحقيق هذا الدفاع. ومعنى ذلك أنهم يحمدون ما يجدون من ضيق النفوس وحرج الصدور، ويلتمسون لأنفسهم ولغيرهم المعاذير من اضطرارهم إليه، بل من اضطرارهم إلى الشر الخالص والانتقام للنفس إذا لم يوفق القانون إلى حمايتهم من هزل الهازلين. وما أعرف دليلا أظهر، ولا حجة أنصع على ضيق النفس وحرج الصدر من موقف هذا الذي تدعوه إلى الأناة والحلم، وتذكره بضبط العواطف، وقهر ثورة النفس فلا يزداد إلا حدة وغلوا في الحدة يدفعه لا إلى النكير، بل إلى النذير. ومنهم من اتخذ الحديث في هذا الموضوع وسيلة إلى إرضاء طائفة من العواطف والشهوات من الخير ألا ترضى! فأخذ يحمل أغلاط بعض الناس على بعض، ويضيف إساءة المسيئين إلى من يسيئون، ويقيم على ذلك الحجج، ويلتمس إليه الوسائل كأنما يريد أن يتخذ هذه الصحف الهازلة وسيلة إلى مهاجمة الصحف الجادة، وأن يتخذ هؤلاء الكتاب الهازلين طريقا إلى مهاجمة الأحزاب السياسية التي يقول هؤلاء الكتاب إنهم ينتمون إليها ويدعون لها.
وكذلك لم يتحرج صديقي هيكل من أن يذكر الصحف التي تنشر صورا بالزنكوغراف لرئيس الوفد وسكرتيره، وتدعو في بعض صحفها للوفد، ثم تسلك طرقا أخرى في موضوعات أخرى غير السياسة، ولم يتحرج هيكل من أن يشير إلى أن الوفد يشجع هذه الصحف، وتشجيعها إثم، وإلى أن الوفد يحتمي بهذه الصحف، والاحتماء بها لا يليق!!
وكنت أحب لهيكل أن يكون أوسع نفسا، وأرحب صدرا، وأرجح حلما من أن يتورط في هذا كله، أو يذكره تصريحا أو تلميحا أو إشارة، فليس في هذا كله خير، وليس في هذا كله حق، وليس في هذا كله فهم صحيح لحقائق الأشياء في الحياة الديمقراطية.
وهيكل يعلم حق العلم أن الذين يحبون الحياة الديمقراطية ويحرصون عليها مخلصين، لا ينبغي أن يستمتعوا بخيرها ويضيقوا بشرها إلى هذا الحد، وإنما ينبغي أن يقبلوها كما هي، وأن يجدوا ما استطاعوا في إصلاح شرورها وعيوبها، لا بالعنف ولا بالشدة، ولا بضيق النفوس وحرج الصدور، ولكن بالأناة والحلم، وبضبط النفس وقهر الهوى، وبالدعوة إلى الخير بالحجة والموعظة الحسنة، لا بالاستعداء ولا بالنذير.
والوفد كغيره من الأحزاب الديمقراطية له صحفه الرسمية التي تصف آراءه وتصور مذاهبه، وتدعو بلسانه، فهو مسئول عن هذه الصحف، ولكن هناك أتباعا للوفد كثيرين، يتصلون به، وينتصرون له، ويدعون إليه بالكلام حينا، وبالكتابة في الصحف حينا آخر. وهؤلاء لا يستشيرون الوفد، ولا يصدرون فيما يكتبون عن وحي من الوفد، ولا يوجههم الوفد في الطرق التي يسلكونها. ومن حق الوفد لنفسه أن يشجعهم حين يدعون إلى مذهبه، وينتصرون لمبدئه. وليس من حق أحد أن ينكر ذلك على الوفد، أو يلومه فيه. وليس من حق أحد أن يسأل الوفد عما يتورط فيه هؤلاء الناس من خطأ، أو عما يذهب إليه هؤلاء الناس من غلو وإغراق. وليس الوفد في ذلك بدعا من الأحزاب السياسية، وليست مصر في ذلك بدعا من البلاد الديمقراطية. فلكل حزب سياسي قوي أنصاره وأتباعه وأشباعه الذين ينصرونه ويغلون في نصره، والذين لا يتحرجون أحيانا من أن يستغلوا اتصالهم به، وانتماءهم إليه. وفي كل بلد يحيا حياة ديمقراطية صحف هازلة تغلو في الهزل، وتسرف في تتبع العيوب، وتنتمي مع ذلك إلى الأحزاب السياسية فلا تسأل عنها الأحزاب ولا تؤخذ بجرائرها.
ولعل هيكلا يذكر أنه قد كانت في مصر صحف هازلة تتصل بحزب الأحرار الدستوريين، وتنتصر له، وتدعو إليه، وتلقى منه رضى وتشجيعا. ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف كانت في ذلك الوقت تهاجم خصوم الأحرار الدستوريين مهاجمات كثيرة الشر، شديدة النكر، فيها اعتداء على الأعراض، وفيها انتهاك للحرمات، وفيها اقتراف للآثام. ولعل هيكلا يذكر أن حزب الأحرار الدستوريين لم يبرأ من هذه الصحف حينئذ، ولم يردها عن غيها، ولم يزجرها عن آثامها! ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف نفسها تحولت مع الظروف عن حزب الأحرار الدستوريين فأصلته ما كانت تصلي خصومه من نار.
فماذا كان يقول هيكل لو أن خصوم الأحرار الدستوريين يومئذ أخذوهم بإثم هذه الصحف وحملوهم تبعات ما كانت تنشر، وما كانت تذيع، وماذا كان يقول هيكل لو أن هذه الصحف لم تتحول عن الأحرار الدستوريين بل ظلت موالية لهم، داعية إليهم. وظلت مع ذلك مقترفة لما كانت تقترف من إثم، مغرقة فيما كانت تغرق فيه من عدوان؟ ماذا كان يقول هيكل لو أن الذين تشتمهم هذه الصحف وتسبهم زعموا للأحرار الدستوريين أنهم مسئولون عن شتمها وسبها لأنها تدعو لهم في صفحة أو صفحتين، وتنشر صورهم، ثم تمضي بعد ذلك فيما لا يرضاه الأدب ولا تقبله الأخلاق؟ ماذا كان يقول هيكل؟ كان يقول إنه غير مسئول إلا عما يكتب، وأن حزبه غير مسئول إلا عما تنشر صحيفته الجادة الرسمية؟ وكذلك ينبغي أن تقول الأحزاب كلها، فهي لا تسأل إلا عما تقوله حقا وتوحي به حقا. فأما الذي تقوله الصحف التي تنتمي إليها وتدعو لها، فهذه الصحف وحدها مسئولة عنه، مأخوذة به.
وما الطريق إلى سؤال هذه الصحف عما تكتب وأخذها بما تذيع؟ هناك طريقان: طريقة الالتجاء إلى السلطان، والاستعداء للقضاء، وهي طريقة لا غبار عليها من ناحية الأخلاق الخالصة، ولكنها تدل على ما سجلناه من ضيق النفوس وحرج الصدور، والخروج عن الأطوار. وهذه خصال إن قبلت من عامة الناس فهي تستغرب من الذين يحيون الحياة السياسية، ويحتملون أثقال الجهاد السياسي. وليس من الحق في شيء أن الجهاد السياسي إنما هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر، والجور الصارخ والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عن هذا كله إلى ما يليق بالرجل الكريم. ولو أن الذين يشتغلون بالسياسة ويحتملون أثقال الجهاد فيها فرغوا لمحاسبة الناس بأنفسهم أو بطريق القضاء على ما يكتبون عنهم ويقولون فيهم لأنفقوا في ذلك خلاصة جهدهم، وصفوة حياتهم، ولشغلوا به عن الجهاد المنتج الصحيح.
وإن من الغريب حقا أن يظن صديقي هيكل أن صدري يضيق لو قالت في الصحف الهازلة بعض ما تقول في غيري من الناس في هذه الأيام. عفا الله عنك أيها الصديق! فما كنت أظن أن النسيان يمس ذاكرتك إلى هذا الحد! ما أعلم أيها الصديق أن أحدا من المعاصرين عبثت به الصحف الهازلة والجادة، ونالت منه بمقدار ما عبثت بي ونالت مني، وإنك لتذكر – إن لم تكن قد نسيت أن صحف الجد والهزل قضت أشهرا وأعواما لا حديث لها إلا أنا، تقول في ما تشاء في غير حساب للنفس، ولا مراقبة للقلم، ولا استحياء من الضمير، وهي لا تذكرني وحدي، وإنما تذكر معي من لا ينبغي أن يذكر، ولعلك تذكر – إن لم تكن قد نسيت – أنني أعرضت عما قالت، وما زلت عنه معرضا، لم أبد لها صفحة، ولم أهتك لها سترا، ولم أستعد عليها القضاء، ولم أشكها إلى السلطان وإن في قليل جدا مما قالت لما يكفي لاستعداء القضاء والالتجاء إلى السلطان.
طريقة قد تنكرها الأخلاق الخالصة، ولكنها مركبة في طبائع الناس، يلجأون إليها دائما، ويسلكونها دائما، ويلجأ إليها أصحاب السياسة بنوع خاص ولا يقل صديقي هيكل إن الأحرار الدستوريين لا يحبون هذه الطريقة ولا يميلون إليها، فقد يكون هذا حقا إذا خلا الأحرار الدستوريون إلى ضمائرهم ومثلهم العليا في الأخلاق، ولكنهم حين يخوضون غمار الحياة السياسية يسيرون فيها سيرة غيرهم من الأحزاب، وقد كانت لهم صحفهم الهازلة وكانت تظفر منهم بالنصر والتأييد فإذا لم تسمح لهم الظروف الآن بطائفة من هذه الصحف فليس ذلك ذنب خصومهم، وليس ذلك مصدر اللوم لهؤلاء الخصوم.
وبعد، فما كنت أريد أن أذكر فساد الأخلاق حين كتبت ما كتبت أول أمس، فلست أعتقد أن أخلاقنا السياسية من حيث نحن معارضون في هذه الأيام شر من أخلاقنا السياسية فيما مضى، فقديما كان في سياستنا الجد والهزل، وقديما كان في سياستنا الإسراف والاعتدال، لم تزدد أخلاقنا السياسية فسادا، ولعل ما تنشره الصحف الهازلة اليوم أن يكون خيرا مما كانت تنشره أمس، ولعله أن يكون أدنى إلى شيء من الاحتياط ونقاء اللفظ مما كان ينشر قبل الحرب، ومما كان يرسل إلى محمد عبده وقاسم أمين، لأن أخلاقنا قد ارتقت من غير شك، ولأن آدابنا قد تطورت إلى الخير ولو قليلا من غير شك، إنما الذي أردت أن ألاحظه وأسجله هو ضيق بعضنا ببعض، وامتلاء صدورنا بالحرج لأيسر الأشياء وأحقر الأمور.
ويذكر صديقي هيكل أن تكون الأزمة السياسية والاقتصادية هي التي ملأت صدور الوزراء والنواب والشيوخ حرجا بالنقد حتى حين يصدر من بعضهم لبعض، لأن الوزراء وأنصارهم من النواب والشيوخ لا يشقون بهذه الأزمة، ولأن الصحافيين حتى من المعارضين لا يشقون بها كما يشقى بها الفلاح. وكنت أحب لصديقي هيكل أن يكون أحسن تقديرا لهذه الأشياء مما ظهر في مقاله أمس، فليس يألم من الأزمة السياسية والاقتصادية ويضيق بها من يصلى شرها وحده، بل يألم لها أيضا من يدافع عنها، ويحاول حمايتها ويحاول فرضها على الناس، ويحاول أن يصورها في صورة الخير وأستطيع أن أؤكد لهيكل أن الوزراء والنواب والشيوخ يشقون بدفاعهم عن موقفنا السياسي والاقتصادي أكثر مما نشقى نحن باحتمال هذا الموقف، وما يستتبعه من الآلام! وإن هؤلاء الوزراء والنواب والشيوخ خليقون بالرثاء والإشفاق لأنهم يقفون موقفا كله حرج، ويدافعون عن موقف لا سبيل إلى الدفاع عنه، ويحمدون موقفا هم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أنه لا يحمد. فهم خليقون أن ينفقوا في موقفهم هذا ما يملكون من جهد، وهم خليقون أن يضعف حظهم من المقاومة لما يوجه إليهم من نقد..
ليصدقني هيكل إن الموقف السياسي والاقتصادي الشاق الذي اضطرتنا إليه الوزارة القائمة، والذي طال أمده، وثقل عبئه على أنصاره وخصومه معا، هو مصدر ما يملأ صدور الناس من حرج لكل شيء، وتبرم بكل شيء. إن كمال الرجولة يقضي علينا أن نقاوم هذا الحرج ونبرأ من هذا الضيق، ونأخذ أنفسنا بالصبر والثبات، ونروضها على احتمال الأذى والمكروه، ونصرفها عن كل ما يدل على ضعف المقاومة أو خور الطبيعة، أو انحلال العزيمة أو الخروج عن الطور.
كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣ -
مأزق
مأزق
الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣ -
قلق
قلق
لست أدري: أقلقٌ هذا يعبث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخر أكثر من القلق، وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولست أدري: أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحّت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقبت عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة واضطرامها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم. ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتسم بقدومهم عليه ودخولهم فيه، وإنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يحكم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم.
أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجهة للبلاغ، وفسرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال. ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون: أولئك هدّهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء! أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم عابسة مقطبة، وقد خيّم عليها حزن كاسف كثيف. وهؤلاء رأوا دواوين الوزارة تستقبلهم فرحة مرحة، راضية مبتسمة لهم، هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتب الوزراء للوزراء حين يقبلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة، أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن له الوزراء جميعًا، وهو أن البلوغ بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة. ولكن الإنسان مغرور، وغروره يلهيه عن واجبه، ويورطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه لو قدر أنه حين يدخل مكتبه زائر لا مقيم.
جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ حتى خفّ وكأن ثقلًا، وحتى نشط وكان فاترا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزّ الهواء بين القاهرة ولندن هزًّا كهربائيًّا عنيفًا يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندن، وكلفه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاء. فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزّ الهواء مرة أخرى بين لندن والقاهرة هزًّا فيه شيء من السخرية، وفيه شيء من اليأس الحزين.
وتحدث رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف يهدئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت «الشعب» حديثه وجلة مذعورة، ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية. وأحس الناس وجلّ «الشعب»، وذاق الناس تحدي الأهرام. فألحّ الخائفون في الخوف، وألحّ الراجون في الرجاء. والظاهر أن الوزراء لا يملكون أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدث إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع — كما تقول الأهرام صباح اليوم — حديثًا لعله هدّأ من روعهم بعض الشيء، وسرى عن نفوسهم بعض التسرية. ثم لم ينقضِ ليل ويطلع نهار حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامة بنصيحة «المورننج بوست» إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتد خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يبقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشاق الحكم والمتلهفين على المناصب.
ولكننا نؤكد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفف لوعة، ولم يهدئ روعة، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا؛ ذلك أن هذا الحديث كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تقدم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال لا تُشبع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمّن خائفًا مذعورًا.
زعم رئيس الوزراء لزملائه أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر فيقيم فيها غير منقول منها. وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يكد يقع في قلوب الوزراء حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهدات مريحة، ولكنهم لم يفكروا في أن بقاء المندوب السامي — إن صح — لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين الساميين في السياسة ليست ثابتة ولا مطمئنة. ولم يفكروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، وليس مما يطيق الوزراء أن يفكروا فيه.
وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.
ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألفت وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شؤون مصر، وأن هذا الوفد لم يلق وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا أن من التسرع وتعجل الأمور أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.
ولم يقدر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة سابق لأوانه، كما يقولون. ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظل قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظل مشرقًا أمام المستوزرين.
أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أبت الأهرام إلا أن تعرض لها تطوعًا منها واحتسابًا لوجه اللّٰه عز وجل. فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنت في أول الشتاء بالحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير بدأت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البدارى لم يمكن من المضي فيه.
ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي، ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به من أنهم كرام على أنفسهم. نبأ يأتي من إنجلترا فتخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل. أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم. أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز. أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأسهم ربحهم النظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل.
ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يشعر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.
فأجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر، وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر. وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين. وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم والوثوب إليه.
كوكب الشرق ٣٠ – ٤ – ١٩٣٣ -
طريقة الإصلاح
طريقة الإصلاح
لا أعرف في إصلاح اللغة إلا طرقًا ثلاثًا، قديمة غير جديدة، أي أني لست مبتدعًا لها، بل قد سبقني لها المصلحون. الأولى: نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقرأها الناس فيحصلوا على نتيجتين لازمتين: إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف على مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول، والثانية شعور القراء بفخامة ذلكم الجد الضائع والشرف المفقود شعورًا يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع. ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألفه الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس. وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطريق شأوًا بعيدًا، فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب، فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أثر في الوجود. وقد قرأت للحكومة في السنة الماضية قرارًا في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا، وقد مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة، وإني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر.
الثانية: تأليف جماعة من أولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليبها، تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات على إحدى الطرق التي أشرت إليها آنفًا، وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب، وتعمل على استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى، وتشرف على أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب. وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية، فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائها والتلمس لدوائها. وقد وجدت منذ سنين شيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير، فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء، ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق، وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال.
الثالثة: تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول على الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العربية، فلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي. ولست أرى أكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانه الصغير الذي خطبكم فيه منذ أيام. فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشئ الأخلاق والعقول، فقد حق له عليّ الثناء الجميل، وقد حق علينا جميعًا أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله.
وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلًا نستطيع أن نضمن للغة استرداد مجدها القديم.
طه حسين
المقتبس ١-٢-١٩١٢