Tag: popular sovereignty

  • إرادة شعب

    إرادة شعب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ مارس ١٩٥٦

    في أقلَّ من أسبوع عرف العالم أن شعبينِ عربيينِ مسلمينِ قد استطاعا أن يفرضا إرادتهما على دولتين عظيمتين من أقوى دول الأرض قوة، وأشدها بأسًا وأبعدها صوتًا وأوسعها سلطانًا.

    فرض الشعب المراكشي إرادته على فرنسا، فاضطرها اضطرارًا إلى أن تعترف باستقلاله وسيادته، وأكرهها إكراهًا على أن تُفاوض السلطان الذي أنزلته عن عرشه منذ عامين، ونفته إلى جزيرة نائية في أقصى المحيط، وقدَّرت أنها ستجعله نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها. فلم يُغن عنها مكانها الرفيع وصوتها البعيد وبأسها الشديد وسلطانها الواسع شيئًا، وإنما مضى الشعب المراكشي في ثورته وأضاف عنفًا إلى عنف، حتى اضطرها بما بذل من جهد وما احتمل من عناء وما أنفق من أموال ودماء، إلى أن تترضى السلطان المخلوع المنفي وترسل إليه في جزيرته النائية قائدًا من كبار قوادها؛ يتلطف له ويترفق به ويعرض عليه السِّلم والموادعة إلى حين، ثم الرجوع إلى وطنه وعرشه موفورًا منصورًا، ثم المفاوضة للانتهاء إلى ما يرضيه ويرضي وطنه وشعبه، وينقذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها ومصالحها في تلك البلاد.

    وهي الآن تُعلن إليه أن وطنه قد أصبح مستقلًّا يستمتع بسيادته ويدبر أمره بنفسه، ثم جعلت تفاوض حكومته في حماية مصالحها ما وجدت إلى حمايتها سبيلًا، أرادت أن يكون خلع السلطان ونفيه نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها، فلم يصنع شيئًا، وكان خلع السلطان ونفيه نكالًا لها هي، ودرسًا قاسيًا عرفت كيف تنتفع به في تونس وكيف تنتفع به في مراكش، وستعرف غدًا أو بعد غد من غير شك كيف تنتفع به في الجزائر أيضًا؛ ذلك أن خلع السلطان ونفيه والبطش بالشعب المراكشي لم يُخِفْ أحدًا في شمال أفريقيا كله، بل نشر فيها الثورة وأضاف إلى لهيبها لهبًا، فثار التونسيون حتى ظفروا ببعض استقلالهم، وهم يفاوضون الآن ليضيفوا ظفرًا إلى ظفر، ويوسعوا هذا الاستقلال الذي نزلت لهم فرنسا عنه منذ حين، ويجعلوه استقلالًا محققًا لا كلامًا يُقال. وثار المراكشيون حتى استردوا سلطانهم وانتزعوا استقلالهم انتزاعًا، وثار الجزائريون وما أرى أن ثورتهم ستهدأ حتى تعرف لهم فرنسا ما تُنكر من حقهم، وترد عليهم ما تستأثر به من مصالحهم، وتمحو من نفسها هذه الأسطورة السخيفة التي عللت نفسها بها قرنًا وبعض قرن، حين زعمت أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي، زعمت ذلك لنفسها وأبت أن تعرف لأهل الجزائر حقوق الفرنسيين، فجعلت الجزائر أرضًا فرنسية يعمل فيها الملايين من الرقيق؛ ليخدموا سادتهم من الفرنسيين، وهى الآن تتعلم في مشقة أي مشقة وجهد أي جهد وتضحية بالمال والرجال، أن الجزائريين كانوا أحرارًا وهم يريدون أن يستردوا حريتهم وأن يملكوا بلادهم، ويدبروا أمرهم كما يريدون هم لا كما يريد غيرهم من الطارئين.

    وكذلك تجاهد الشعوب العربية المسلمة في سبيل حريتها واستقلالها، فيظفر بعضها ويجدُّ بعضها الآخر حتى يبلغ من الظفر ما ينبغي له؛ ليعود حرًّا كريمًا كما كان في ماضيه حرًّا كريمًا. ولن تستطع فرنسا مهما تبذل من جهد، ومهما تنفق من مال، ومهما ترسل إلى الجزائر من جند؛ أن تصرف الجزائريين عما يطالبون به من الحياة الحرة الكريمة.

    لن تستطيع فرنسا أن ترجع بتونس ومراكش إلى وراء، ولن تهدأ الجزائر حتى يظفر أهلها بمثل ما ظفر به التونسيون والمراكشيون.

    تلك طبيعة الأشياء، وهذا منطق التاريخ، ولن تجني فرنسا من إبطائها في الاعتراف بالحق ومكابرتها فيما لا ينبغي أن تكابر فيه، لن تجني من هذا إلا التضحية بالمال والرجال في غير طائل، ومع ذلك فقد ينبغي أن تعرف لفرنسا أنها انتفعت بما أُلقي عليها من دروس قاسية، ولم تلح في المقاومة التي لا تجدي في تونس ومراكش. وكل ما نتمناه لها صادقين ناصحين هو أن تثوب إلى الرشد والقصد بالقياس إلى الجزائر كما ثَابَتْ إليهما بالقياس إلى جارتيها في الشرق والغرب.

    وفي الشرق الأدنى عرف شعب صغير في عدده وصغير في قوته المادية وصغير في قطر الأرض التي يسكنها، وهو شعب الأردن، أن يفرض إرادته على دولة طالما فرضت إرادتها على الشعوب، وطالما سخرت أقطارًا كثيرة في الأرض لمآربها وأهوائها، وطالما لعبت بالعروش والتيجان، وطالما استعلت على العالم كله بتسلطها على البحار وتحكمها في الأقطار. وهي الآن تتلقى من هذا الشعب الأردني الصغير الكبير درسًا ستذهل له أول الأمر، ثم تتدبره وتروى فيه بعد أن ينجلي عنها الذهول، وتؤمن آخر الأمر — إن لم تكن قد آمنت بعدُ — بأن إرادة الشعوب حين تعرف حقها وتشعر بكرامتها، فوق كل بأس، وفوق كل ثراء، وفوق كل طغيان يعتمد على البأس والثراء.

    أرادت بريطانيا العظمى أن تُكره الشعب الأردني على أن ينضم إلى حلفها في بغداد؛ فعلَّمها الشعب الأردني أنه بلغ من الإيمان بنفسه وحقه ما يمكِّنه من أن يقول لها: لا، وأرادت أن تجعل من جيش الأردن أداة طيعة مسخَّرة لأهوائها ومآربها تفرض عليه قائدًا داهية من أبنائها؛ فعلَّمها الشعب الأردني بعد أن آمن بنفسه وحقه أنه يستطيع أن يقول لها لا، وأن يرد عليها قائدها الداهية في ساعات قليلة من نهار.

    وقد قلت منذ أكثر من ثلاثة أعوام حين شبَّت ثورتنا، أنها ستؤثر في شعوب الشرق العربي نفس الآثار التي أثرتها الثورة الفرنسية في شعوب أوروبا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، وهذه الحوادث تثبت في وضوح وجلاء أني لم أكن متكثرًا ولا مخطئًا في التقدير. وانظر إن شئت إلى الشعوب التي أثارت بالمستعمرين وانتصرت عليهم وظفرت بالحق كله أو بعضه منذ نشرتُ ذلك المقال في الأهرام حين شبَّت ثورتنا.

    انظر إلى السودان كيف كان حين شبَّت الثورة المصرية وكيف هو الآن، وانظر إلى تونس ومراكش كيف كانا منذ ثلاثة أعوام وكيف هما الآن، وانظر إلى الجزائر كيف كانت تتجرع العذاب والذل وكيف تثور الآن لتخلص من العذاب وتبرأ من الذل وتستأنف غدًا أو بعد غد حياة حرة كريمة قوامها العزة والإباء، وانظر آخر الأمر إلى الأردن كيف استطاع أن يفرض إرادته على الإنجليز مرتين في أقل من ثلاثة أشهر، ولم ينته جهاد الشعوب العربية في سبيل استقلالها وكرامتها؛ ولكنه سيزداد قوة وإيذاء حتى تبلغ هذه الشعوب من آمالها ما تريد، إنها تنظر إلى مصر فتسلك الطريق التي تسلكها مصر جادة غير لاعبة؛ لأنها ترى في مصر جدًّا لا لعبًا. وما ينبغي أن نخدع أنفسنا عن الحقائق ولا أن نغرها عن منطق التاريخ، فحلف بغداد الذي يدبر للاحتياط من روسيا السوفيتية — فيما يُقال — لم يفكر فيه نوري السعيد والذين أوحوا به إلى نوري السعيد، إلا للاحتياط من مصر أولًا، ومن عدوى ثورتها ثانيًا، ومن تأثيرها في الشعوب المستضعفة، ومن إذاعتها فكرة المقاومة للمستعمرين من جهة، وسعيها في رفق وتصميم إلى تحقيق العدل الاجتماعي من جهة أخرى.

    بالضبط كما ائتلف الحلف المقدس لمقاومة الثورة الفرنسية وما نشأ عنها من الأحداث، ولكن الحلف المقدس لم يُغن عن أصحابه شيئًا؛ فقد حققت فرنسا ثورتها وأذاعت الديمقراطية في أوروبا، وكانت الكلمة الأخيرة للحرية والإخاء والمساواة، ولن يغني حلف بغداد عن أصحابه شيئًا؛ فستتم مصر ثورتها، وستمضي الشعوب العربية ومن بينها الشعب العراقي نفسه في أثرها، وستكون الكلمة الأخيرة للقضاء على الاستعمار وتحقيق المساواة بين الشعوب من جهة، وبين الأفراد داخل الشعوب من جهة أخرى.

    بهذا كله قد أذن الله عز وجل حين قال بعد أن ذكر طغيان فرعون، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

  • نسج العنكبوت

    نسج العنكبوت
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ مارس ١٩٤٨

    هو الذي يظللنا الآن فلا يرد عنَّا شرًّا ولا يصرف عنَّا عادية؛ لأنه مهلهل، لأنه لا يقوى على صد أو رد أو مقاومة، وكل ما يستطيعه هو أن يبطئ حركتنا، ويحول بيننا وبين النشاط المُطَّرد المستقيم. له من السلطان الحكومي كل مظاهره، فوزراء يجتمعون في كل أسبوع، وقد يجتمعون غير مرة في الأسبوع، ووزراء يختلفون إلى البرلمان فيسمعون ويقولون، ووزارات ومصالح تفتح أبوابها مع الصبح، وتغلقها حين يتقدم النهار، وموظفون يغدون على مكاتبهم، ويروحون إلى دورهم، وعلى وجوه فريق منهم ابتسامات ساخرة لا تحفل بالمكاتب ولا بالدُّور، وعلى وجوه فريق آخر منهم ابتسامات حائرة لا تدري أتخلص للسخرية أم تخلص للكآبة والحزن، وفي وجوه فريق ثالث منهم شحوب عابس لا يشبهه إلا شحوب الذين يُقبِلون على الكوارث، أو تُقبِل عليهم الكوارث لا يملكون لها ردًّا، ولا يستطيعون منها خلاصًا. ولهؤلاء وهؤلاء وأولئك تُصرف في آخر كل شهر أجور خطيرة أو حقيرة لا تكاد تستقر في جيوبهم، وهي لا تصل إلى بيوتهم على كل حال.

    فكل شيء يدل على أن في مصر سلطانًا سياسيًّا منظمًا، كما أن في غيرها من البلاد المتحضِّرة سلطانًا سياسيًّا منظمًا. وكل شيء يدل على أن هذا السلطان السياسي المنظَّم في مصر من شأنه أن يصدر عن أهلها الأحداث والخطوب، وأن يحمي كرامتها من العدوان الخارجي، ويحمي لأهلها حياتهم وأموالهم وحقوقهم من العدوان الداخلي. ولكن انظر إلى ما تَعرِض عليك الصحف حين تصبح وحين تمسي في كل يوم، فسترى سواء رضيت عن ذلك أو كرهت أن هذا السلطان السياسي المنظم في مصر لا يرد عنها ولا عن أهلها، ولا يستطيع أن يرد عنها ولا عن أهلها شرًّا يهبط من السماء، أو ينجم لها من الأرض أو يأتيها من الأجنبي الخارجي، أو يأتيها من المواطن المقيم.

    جرائم تُقترف في النهار المبصر وفي الليل المظلم، وتنشر الصحف أنباءها المروعة، فلا يرتاع لها أحد؛ لأن الناس قد ألِفوا الرَّوْعَ حتى اطمأنُّوا إليه، وعاشوا فيه كما يطمئن غيرهم إلى الأمن ويعيشون فيه. وقنابل تنثر حيث يريد أصحابها أن ينثروها. يجدها الناس في وضح النهار، ويجدها الناس في غلَس الليل، وتُدعى الشرطة فتنظر إليها مكتئبة، وتنقلها متثاقلة، ويقرر المختصون من الفنيين أنها من هذا النوع أو ذاك، إلا أن تنفجر قبل أن تبلغها الشرطة فتزهق النفوس وتريق الدماء وتشيع الجراحات، ولا تكاد تشيع خوفًا أو ذُعرًا؛ لأن الناس قد ألِفوا ذلك واستسلموا له، فأصبحوا لا يخافون ولا يذعرون. وقد يعبث أصحاب القنابل أو يجِدُّون فيلاعبون الشرطة، ويداعبون الحكومة، ويكتبون على قنابلهم سائلين عن اليوم الخامس عشر من هذا الشهر أعيد هو أم غير عيد.

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يجِدُّون ويكِدُّون ويجوعون ويمرضون ويجاهدون ويكافحون؛ ليُخرِجوا للدولة هذه الأموال التي تؤدَّى منها الأجور والمكافآت.

    وقد يُقبِل هذا الوباء أو ذاك من حيث لا يدري أحد، بل من حيث لا تدري الوزارة التي خصصت لرد الوباء إن أقبل، ومحق الوباء إن نفذ إلى أهل الوطن. قد يُقبِل هذا الوباء من حيث لا تدري وزارة الصحة، فلا يجد من يَرُدُّهُ ولا من يصده، فينزل في مصر على الرحب والسعة، ويرتع في نفوس المصريين غير مدفوع ولا ممنوع، ثم ينصرف من حيث أقبل، وقد ملأ يديه موتًا ويتمًا وثكلًا وتأييمًا وترميلًا وفقرًا وجوعًا!

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون ويروحون، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تُصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يستخرجون من دماء قلوبهم، وعرق جبينهم هذه الأجور والمكافآت.

    وقد يخطر لحاكم السودان أن يعبث بمصر والمصريين، وأن يخطو الخطوات الأولى أو الأخيرة لا أدري ليضيف إلى الإمبراطورية البريطانية مستعمَرة جديدة أو قديمة هي السودان. وقد يستبيح السكرتير الإداري لنفسه أن يقول في المجلس الاستشاري إن الحاكم العام للسودان يعين أعضاء المجلس التنفيذي ويعزلهم، كما أن الملك في مصر يُعيِّن الوزراء ويقيلهم، وينشر هذا كله في الصحف، ويقرؤه الوزراء والشيوخ والنواب وسائر المواطنين، فلا يغيظهم ذلك ولا يُحفِظهم؛ لأنهم قد ألِفوا الغيظ والحفيظة حتى أصبحوا لا يغتاظون، ولا تبلغ الحفيظة من قلوبهم شيئًا.

    وقد يَخطُر للإنجليز أن يظفروا بموافقة الحكومة المصرية على ما يكيدون لمصر في السودان، فإذا أشفقت الحكومة من هذه الموافقة، ولم تُجِب الإنجليز إلى كل ما أرادوا، لم يتردد بعض المتكلمين بلسان وزارة الخارجية البريطانية في أن يقول إن الحكومة البريطانية قد احتملت في مصر أكثر مما ينبغي أن تحتمل، وأن مصر قد أسرفت في التجنِّي، وأَغرقت في الدل والتيه. وينشر هذا في الصحف فلا يغتاظ له أحد؛ لأن المصريين قد ألفوا الغيظ حتى أصبحوا لا يعرفون كيف يغتاظون!

    والمهم هو أن مظاهر السلطان السياسي المنظم قائمة في مصر كما تقوم في كل بلد متحضر، ولكنها في مصر مظاهر ليس وراءها شيء، فهي أشبه بنسج العنكبوت الذي لا يصد شرًّا ولا يدفع عادية، وإنما يبطئ من الحركة ويفسد النشاط، ويثقل الناس بما يكرهون. ولا يجلب عليهم شيئًا مما يحبون … وصدق الشاعر القديم حين قال لخصمه ذلك البيت الذي لم يلائم أحدًا قط كما يلائم المصريين الآن:

    ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل

    وصدق الله العظيم حين قال: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ )، ولكن أتدري لِمَ كان السلطان السياسي المنظم في مصر مشبهًا لنسج العنكبوت؟ لسبب يسير جدًّا، هو أن نيابة نُوَّابه وشيوخه، ووزارة وزرائه، وإدارة مديريه لم تقُم على أساس من حب الشعب وإرادته وثقته، وإذا بُنيت أمور الحكم على غير حب الشعب وإرادته وثقته، فلا يمكن أن تكون إلا مشبهة لنسج العنكبوت.

  • مفترق الطرق

    مفترق الطرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٥

    يمكن أن يُقال: إن الدول المنتصرة، والدول المحررة تقف الآن في مفترق الطرق: فإما أن تمضي إلى عالم جديد حقًّا، وإما أن تمضي إلى عالمها القديم الذي طال عليه القدم، وإما أن تمضي إلى عالم مذبذب مزيف لا هو بالقديم جدًّا، ولا هو بالجديد جدًّا، ولكنه مثير للقلق والخوف على كل حال.

    على أن هذا الأمر ليس من اليسر والسهولة بحيث يظن الذين يراقبون التطور العالمي بعد الحرب، فهذا التطور معقد شديد التعقيد، يتصل بعضه بالشعوب، ويتصل بعضه بالحكومات، ويتصل بعضه الآخر بهذه العلاقات التي تصل بين الدول، ويقوم عليها التعاون بين الأمم. ولنجتهد في تجلية هذا الموضوع بعض الشيء، فقد يحسن أن يكون القارئ المصري، بل يحسن أن يكون رجل الشارع — كما يُقال — على بصيرة من أمر الحياة الإنسانية العامة بعد أن انقضت عصور العزلة والانفراد، وبعد أن أصبح عكوف الشعوب على أنفسها سبيلها المحققة الواضحة إلى الخمول والخمود جميعًا. أمَّا شعوب أوروبا الغربية فليس من شك أن تقدمها في الحضارة، وظفرها بحظ عظيم من الثقافة، وقدرتها على التفكير في السياسة المعقدة والحكم عليها؛ كل ذلك لم يمنعها من الانخداع بالوعود التي بذلها ساسة الحلفاء في أثناء الحرب، كما انخدعت بهذه الوعود شعوب أخرى في الشرق القريب والبعيد. وكانت الشعوب الأوروبية قبل الحرب الأخيرة تزهد في الديمقراطية المعتدلة، وتجنح إلى ديمقراطية تميل إلى الشِّمال، إلى الاشتراكية وإلى الشيوعية. ولكن الديمقراطية المعتدلة المسرفة في المحافظة أو المقتصدة في هذه المحافظة كان لها أنصار أقوياء، وكان إليها الأمر كله، وكان الصراع شديدًا من أجل ذلك بين اليمين والشِّمال. وكانت كثرة الشعوب تبغض أقصى اليمين، كما كانت تخاف أقصى الشمال؛ تبغض غلاة المحافظين، وتخاف الشيوعيين، وتطمئن إلى ديمقراطية لا تمس رأس المال، أو لا تمسه إلا مسًّا رفيقًا.

    فلما شبَّت الحرب ووُعدت الشعوب بالحرية الكاملة، وتملقت الحكومات شعور الطبقات على اختلافها؛ لتظفر بالتضامن القومي في وجه العدو، وصدقت الشعوب ما قيل لها، وضحت بالأنفس والأموال والمرافق في سبيل هذه المُثل العُليا. ثم اقتضت ظروف الحرب أن تسيطر الحكومات على الاقتصاد الوطني، وأن تدبر الثروة القومية تدبيرًا، إن لم يكن شيوعيًّا، فقد كان اشتراكيًّا ممعنًا في الاشتراكية؛ فقد أشرفت الدولة على كل شيء، وتدخلت في كل شيء، وأخضعت رأس المال لتجربة قاسية، وحققت المساواة بين المواطنين في الظفر بضرورات الحياة، والاستغناء عن كمالياتها، والعدول عن الترف عدولًا يوشك أن يكون تامًّا. وذاقت الشعوب هذه الحياة الاشتراكية ضيقة بها أول الأمر مطمئنة إليها بعد ذلك، مؤثرة لها آخر الأمر على ما كان مألوفًا من تلك الحياة التي كانت تقوم على التفاوت بين الطبقات. ثم اشتركت روسيا السوفياتية في الحرب، فأقدم المحجمون، ووثق الشاكون، واندفع المترددون، واستيقنت الشعوب أن انتصار الحلفاء سيكون انتصارًا للحرية والإخاء والمساواة. ولم تكد الحرب تضع أوزارها في أوروبا؛ حتى اندفعت الشعوب إلى بلوغ المنى، وتحقيق الآمال، واندفعت في عنف لا يعرف اللين. وكانت بريطانيا العظمى أسرعها إلى هذا الاندفاع؛ فقد أبى الشعب البريطاني أن يحتفظ بالائتلاف بين الأحزاب التي أدارت شئون الحرب، ثم أبى الشعب البريطاني أن يمنح ثقته للمحافظين، وأكره زعيمه العظيم مستر تشرشل على أن يترك الحكم لمنافسه الاشتراكي مستر إتلي. وكان كل شيء يخيل إلى الناس أن مستر تشرشل سيكون رئيس الحكومة حين تستسلم اليابان، ولكن الشعب البريطاني تعجَّل الفوز بحقوقه الديمقراطية فنحَّى المحافظين عن السلطان إلى حين.

    ولم تكن فرنسا مبطئة في تعجُّل الفوز بهذه الحقوق، فقد أُجريت الانتخابات البلدية منذ أشهر، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا، وأُجريت الانتخابات الإقليمية منذ أيام، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا أيضًا، وستجرى الانتخابات للجمعية التأسيسية بعد أسابيع قليلة، وليس من شك في أن الشِّماليين سيظفرون فيها بالفوز.

    والمشكلة البلجيكية معروفة للقرَّاء، فهي في جوهرها خصومة بين المحافظين الاشتراكيين، ولكنها لا تقتصر على شئون الحكم، وإنما تمس شخص الملك أيضًا، وربما مست الأسرة المالكة كلها.

    والأمر في إيطاليا إلى الشِّماليين، ومصير الملك مقطوع به، ومصير الأسرة المالكة نفسها مشكوك فيه. والناس لم ينسوا بعد مأساة اليونان، ولا مشكلة يوجسلافيا، ولا انتظار الملكين لاستفتاء الشعب في البلدين جميعًا. فإذا تركنا هذا الجزء من أوروبا إلى الجزء الآخر الذي يسيطر عليه الروسيون في بولندا، وفي المجر وفي البلقان، فسنرى أن الشعوب تميل إلى الناحية الروسية ميلًا لا شك فيه، وأن رءوس الأموال تميل إلى غرب أوروبا ميلًا لا شك فيه أيضًا. ومن المحقق أن الشعوب إذا استفتيت استفتاءً صحيحًا، فستصوت للنظام الشيوعي الروسي. وكذلك لا تتردد الشعوب الأوروبية في اختيار الطريق التي تريد أن تسلكها، فهي تريد عالمًا جديدًا حقًّا لا يقوم على الرجعية المستبدة، ولا على الدكتاتورية الطاغية، ولا على الديمقراطية المعتدلة. وأشد هذه الشعوب اعتدالًا واقتصادًا — وهو الشعب البريطاني — قد أعلن أنه يريد الاشتراكية، ويفضلها لا على ديمقراطية المحافظين، بل على ديمقراطية الأحرار أيضًا.

    الشعوب تعرف ما تريد، وتريد أن تبلغ ما تريد. ولكن الشعوب شيء، والحكومات شيء آخر في أشد البلاد إمعانًا في الاشتراكية والديمقراطية، وهنا موضع الخطر المخيف.

    فطبائع الشعوب في أنفسها سليمة مستقيمة، لا تحب العوج والالتواء، وطبائع الحكومات في أنفسها معوجة ملتوية لا تخاف شيئًا كما تخاف السلامة والاستقامة. فالحكومة البريطانية مثلًا اشتراكية من غير شك، ولكنها اشتراكية بالقياس إلى الشعب البريطاني، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كحكومة المستر تشرشل. والحكومة الروسية شيوعية من غير شك، ولكنها شيوعية بالقياس إلى الشعب الروسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كالحكومة القيصرية. وستكون حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة اشتراكية من غير شك بالقياس إلى الشعب الفرنسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى فستكون محافظة كحكومة ريمون بونكاريه.

    وهذا التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب يحدث في نفوس الأمم الأوروبية بلبلة خطيرة، فهي تريد شيئًا، وترى من حكومتها شيئًا آخر، وتتلقى من هذه الحكومات دروسًا خطيرة في النفاق السياسي يفسد الأخلاق والأذواق جميعًا. تريد الإخاء الإنساني، وترى حكوماتها لا تتجاوز الإخاء الوطني، تريد المساواة بين الأفراد والشعوب، وترى حكوماتها تبغض المساواة بين الشعوب؛ فتضطرب بين ما تريد وبين ما ترى، وتتردد بين ما تحب طبائعها السليمة المستقيمة، وما تقتضيه منافعها العاجلة.

    وكذلك تقف الشعوب حائرة بين العدل والمساواة والحرية التي وعد بها ميثاق الأطلنطي، وبين الاستعمار الذي يرضي المنافع، ويحقق المطامع. ولا يقف أثر التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب عند هذا الحد، بل يتجاوز بالطبع إلى هذا الاختلاط الذي نراه في لندرة الآن. فما دام تحقيق المنافع والمطامع أساسًا من أسس الحكومات — حتى ولو كانت اشتراكية أو شيوعية — فلا بد من الاختلاف بين هذه الحكومات، ولا بد من التنافس حول هذه المنافع والمطامع. وكذلك يقف الشعب البريطاني، والشعب الروسي واجمين أمام هذا الاختلاف العنيف حول مناطق النفوذ، وكل ما في الأمر أن الشعب البريطاني يستطيع أن يعلن آراءه في صراحة فيوافق الحكومة حينًا، ويخالفها حينًا آخر، على حين أن الشعب الروسي موافق لحكومته دائمًا. والشيء المهم هو أن الشعوب الأوروبية تعرف طريقها التي اختارتها، وهي طريق العالم الجديد حقًّا وصدقًا، وأن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الشعوب باسمة، وتتردد بين العالم القديم حقًّا وصدقًا، وبين عالمٍ آخرَ مزيفٍ، لا هو بالقديم ولا بالجديد.

    أمَّا بالقياس إلى الشرق فالأمر فيه أشد تعقيدًا؛ لأن شعوب الشرق لم تتطور بعد تطورًا كافيًا يُمكِّنها من التفكير في الاشتراكية أو في الشيوعية، وإنما هي تشعر بشيء واحد هو الحاجة إلى الحرية، وتفكر في شيء واحد هو الظفر بهذه الحرية. وهي قد انخدعت كما انخدعت شعوب أوروبا بوعود الحلفاء، وانتظرت تحقيق هذه الوعود فلما انتهت الحرب لم تظفر بشيء، ولم يُقل لها انتظري، وإنما أعرض المنتصرون عن آمالها إعراضًا واضحًا، واتخذوها موضوعًا للتنافس والنزاع. وليست حكومات الشرق بأقل سذاجة من شعوبه، فهي أيضًا قد انخدعت بالوعود، وانتظرت تحقيق الأماني، ثم نظرت فإذا الغرب عنها في شغل بتقسيم الغنائم، وإرضاء المنافع، وتحقيق المطامع، فوقفت حائرة لا تدري ماذا تصنع، وإن عرفت كيف تقول.

    هذا بالضبط هو موقف العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شعوب أوروبية وأمريكية تريد الحرية الكاملة، والعدل الكامل، وحكومات أوروبية وأمريكية تريد العدل والحرية لشعوبها، وتؤثر منافعها على حرية الشعوب الأخرى، وشعوب وحكومات مستضعفة في أقطار الأرض، تريد الحرية والاستقلال، ولكنها لا تعرف كيف تحققهما أو تصل إليهما، وهذا الاختلاط هو الذي يثير ما يملأ جو العالم من قلق في هذه الأيام. فالشعوب الأوروبية والأمريكية غير راضية، وحكوماتها غير مطمئنة ولا مستقرة ولا متفقة، وشعوب الأقطار الأخرى غير راضية، وحكوماتها حائرة قد اختلط عليها الأمر، والعالم كله يضطرب في جو قوامه السخط والخوف، وكان الناس يظنون أن انتصار الحلفاء سيقضي على السخط والخوف.

    وإذن، فإلى أي طريق يدفع العالم؟ إلى هذه الطريق الملتوية التي تسلكها الحكومات وتتخبط فيها … أم إلى هذه الطريق المستقيمة التي تريد الشعوب أن تسلكها؟! لهذا السؤال جوابان: أحدهما يصدر عن الساسة الذين يرقبون الحوادث القريبة، ويطلبون المنافع العاجلة؛ وهو أن العالم سيسلك طرقًا مزيفة فيها كثير جدًّا من التقاليد القديمة، وقليل جدًّا من المبتكرات الحديثة، فيها استبقاء للاستعمار، وفيها تغيير لأسماء الاستعمار وبعض وسائله، فيها استبقاء لسياسة التوازن العتيقة، وفيها تغيير لأسماء السياسة وبعض مظاهرها … فيها ظلم كثير، وفيها شيء قليل من محاولة العدل. وأما الجواب الثاني فيصدر عن الذين لا يحكمون، ولا يتخذون السياسة العملية صناعة، وإنما يرقبون ويلاحظون تطور التاريخ، وهذا الجواب بسيط جدًّا؛ وهو أن الإنسانية قد سعت دائمًا إلى العدل، وظفرت منه بشيء كثير، وأن سعيها إلى العدل سيتصل، وجهادها في سبيله سيستمر، وأن ظفرها به شيء محقق، ولكنه لن يتم حتى تخوض إليه الإنسانية غمارات هائلة، قوامها التضحية بالأنفس والأموال والمرافق. فإذا لم يكن بدٌّ من أن ينصح للشعوب الطامعة في العدل المتعطشة إلى الحرية بشيء، فإنما النصح الخالص لها هو ألا تهن ولا تضعف، ولا تنتظر أن تُقدَّم إليها حقوقها كما تُقدَّم إليها الهدايا؛ فإن الحقوق لا تُعطى، وإنما تؤخذ، وهي لا تؤخذ إلا بالجِدِّ والكدِّ واحتمال العناء.

  • مشكلة

    حديث اليوم: مشكلة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٨ يوليو ١٩٣٢

    بين القاهرة ولندرة في هذه الأيام أخذٌ وردٌّ ودفعٌ وشدٌّ، ووصلٌ وصدٌّ، وقربٌ وبعدٌ، تدنوان
    حتى يخيل إليك أن قد بلغ الحب بينهما أقصاه، وانتهى إلى غايته. وتبعدان حتى يخيل إليه أن قد قام
    الجفاء مقام الصفاء، واختصم المُحِبَّان؛ فلا مودة ولا ولاء. تقضي القاهرة للندرة كل حاجة وتحقق
    لها كل أمل. وتمنح لندرة القاهرة ما تحتاج إليه من نصر وتأييد، ومن عطف ومَوَدَّة. حتى إذا كان
    حديث المفاوضات عبست لندرة، ووجمت القاهرة، وتساءل الناس عن مصدر ذلك العبوس وهذا الوجوم.
    ومصدرهما في حقيقة الأمر يسير سهل. فلندرة فطنة ماهرة، وفي القاهرة سذاجة وسلامة نية، إذا خطت
    لندرة عرفت أين تضع قدمها، وقدرت لرجلها قبل الخطو موضعها. أما القاهرة فلا تخطو وإنما تجري ولا
    تقدر، وإنما تندفع. والعجب أن يكون على رأس حكومة القاهرة رئيس الوزراء، وهو أكفأ الأكْفاء،
    وأذكى الأذكياء، وأمهر المهرة، وأمكر المكرة. وأن تتورط القاهرة بعد ذلك فيما تتورط فيه، فتعتقد
    أن المَوَدَّةَ بينها وبين لندرة صادقة صافية، لا يشوبها كدر، ولا يعتريها فساد. ومع ذلك فأيسر
    حَظٍّ من الفطنة السياسية والفهم لحقائق الأشياء، يظهر حكومتنا على أن الإنجليز أمهر وأذكى من
    أن تخدعهم ظواهر الأمور، أو أن يخيل إليهم أن الأمر في مصر مستقر، وأن الظروف ملائمة لتصفية ما
    بين البلدين من الحساب؛ كما يقول أصحاب السياسة أو أصحاب المال.

    إنما يريد الإنجليز أن تتحقق أغراضهم وتقضى حاجاتهم المستعجلة، ويتم لهم في ظل هذه الوزارة
    القائمة ما لم يكن سبيل إلى إتمامه في ظل الأحرار الدستوريين أو الوفديين، فإذا قَضَوْا أوطارهم
    هذه ضحِكوا من أصدقائهم الذين قضوا هذه الأوطار، وأعرضوا عنهم إعراض الزاهد فيهم المزدري لهم.
    ثم استقبلوا الوفد والأحرار الدستوريين مبتهجين مبتسمين، يقسمون بالله جَهد أيمانهم ما أَكرهوا
    مصر على شيء، ولا أخذوا منها غير ما أعطتهم. كذلك فعلوا مع صاحب الدولة يحيى باشا إبراهيم
    فأبلغوه قانون التعويضات، وقانون التضمينات، بعد أن يئسوا من ثروت رحمه الله. وعجزوا عن أن
    يُبلغوه إحدى هاتين اللقمتين. فلما قضوا من ذلك وطرًا، تجافَوْا عن الحكومة القائمة، واستقبلوا
    وزارة سعد رحمه الله مبتهجين مبتسمين، كأنهم لم يُكرهوا يحيى على شيء ولم يظفروا منه
    بشيء.

    هذه سيرة الإنجليز إذا أيسوا من الوزارات القوية، اصطنعوا الوزارات الضعيفة. فركِبوها مطية
    يبلغون بها أغراضهم العزيزة العاجلة. وغريب أن رئيس الوزراء على ذكائه وفطنته، وعلى مهارته
    وكفايته، لم يفطن لهذا يوم تولَّى الحكم، ولم يقدر أن تأييد الإنجليز لوزارته، يجب أن يكون
    محدودًا بما لهؤلاء الإنجليز من منافعَ مستعجَلة. فأما تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا فلا
    سبيل إليها إلا أن تقوم بها عن مصر حكومة تعرفها مصر وتؤمن لها بالقوة والسلطان؛ لأنها هي التي
    تمنحها القوة والسلطان، حكومة تصور البرلمان تصويرًا صحيحًا، على أن يكون هذا البرلمان صورة
    صادقة، ومرآة صافية لإرادة الأمة وميولها وأهوائها وآمالها. حكومة كتلك الحكومات التي أقامها
    الدستور الذي دفنه رئيس الوزراء، وأقسم جَهد أيمانه في الإسكندرية أن لن يُنْشَر ولن يعود إلى
    الحياة.

    أعلن الإنجليزُ هذا مرة ومرة. وسمع رئيس الوزراء هذا الإعلان وقرأه وفهمه. ولكنه لم يكَد يصل
    إلى الحاكم حتى نسي ما قرأ وما سمع، وما فهم. وظن أنه ما دام يستطيع أن يتَّفق مع الإنجليز
    فيقضي لهم حاجاتهم، ويحقق لهم مآربهم المُستعجَلة فهو يستطيع أن يتفق معهم على حل المسائل
    المعلقة بين البلدين.

    ومضى رئيس الوزراء في سبيله هذه؛ فألغى دستورًا وأقام دستورًا، وأعرض عن كثرة ومال إلى قِلة،
    وأهمل أمة واعتز بأجنبي، وتقرب إلى الإنجليز ما استطاع أن يتقرَّب، وتحبب إليهم ما استطاع أن
    يتحبب. وضحَّى في سبيل ذلك ما استطاع أن يضحي حتى إذا بلغ من هذا كله أقصاه، قال للإنجليز:
    والآن فلنتفاوض. فابتسمت لندرة ابتسامتها الصفراء، وقالت: دون هذا وتستقيل الوزارة. والخير أن
    تقنع بما قسم الله لك، وتكتفي بتصريف الأمور في مصر، فما أقمناك لتفاوض ولا لتعاهد! وإنما
    أقمناك وأيدناك لترغم المصريين على الهدوء والسكون وتريحنا من مصر حتى نفرغ من مشاكلنا الأخرى
    ويومئذٍ نشكر لك ما قدمت إلينا من خدمة، ثم نتقدم إلى هؤلاء المصريين فنصلح ما بيننا وبينهم من
    فساد، ونصفي ما بيننا وبينهم من حساب.

    قال الإنجليز ذلك لرئيس الوزراء، يبسمون فيه حينًا، ويعبسون فيه حينًا آخر. أفتراه فَهِمَ
    عنهم ما يريدون؟ أفتراه انصرف عن المفاوضة وأعرض عن المعاهدة؟ وقنع بما أراد الله له منذ اليوم
    وهو أن تكون وزارته وزارة إدارية تصرف الشئون اليومية ولا تعرض للمسائل السياسية الكبرى.

    قال قوم: نعم، وقال قوم: لا. فأما الأولون فزعموا أن رئيس الوزراء لا يحب أن يخالف عن أمر
    الإنجليز، فإذا قالوا له أقدِمْ على المفاوضة أقدَمَ. وإذا قالوا له أحجِمْ عنها أحجَمَ. وقد
    طلبوا إليه الإحجام فهو مُحجِم من غير شك. وأما الآخرون فزعموا أن رئيس الوزراء أشجع من أن
    يتهيب أمر الإنجليز أو وعيدهم، وأحرص على استقلال مصر من أن يمضي فيه على هوى لندرة.

    قالوا وقد وقف رئيس الوزراء مع المستر مكدونلد موقفًا خطيرًا في أول عهده بالحكم، فطلب إليه —
    في لهجة حازمة عنيفة لم يتعود أحد أن يخاطب بها الإنجليز — ألا يعرض لشئون مصر الداخلية.

    قالوا: ومهما يقل الأحرار الدستوريون من أن كتاب رئيس الوزراء هذا إلى الحكومة البريطانية، قد
    كان متفقًا عليه مع دار المندوب السامي في شكله وموضوعه؛ فقد صدر الكتاب عن رئيس الوزراء وتلقته
    الحكومة الإنجليزية وسكتت عليه. والذي يخاطب رئيس الوزارة الإنجليزية بتلك اللهجة منذ سنتين
    يستطيع أن يكتب إليه الآن كتابًا يقول فيه:

    بلغني أن حكومتك تتلكأ في قبول ما أعرض عليها من المفاوضة. ولما كان طلب المفاوضة
    حقًّا من حقوق مصر الثابتة فأنت بين اثنتين: إما أن تفاوض وإما أن أعلن استقلال مصر
    التام. وأُكْرِهَ جنودك على أن تنسحب إلى حيث أريد لها من غرب القناة أو شرقها. وأحتل
    السودان وألغي الامتيازات وأسرح المستشارين وأقضي في مصر بما أريد في غير خضوع لمراقبة
    أو محاسبة.

    قالوا: ولن تستطيع الوزارة الإنجليزية أمام هذا الكتاب أن تجيب إلا بقبول وجهة النظر المصرية
    فتدخل في المفاوضات مع رئيس الوزراء. وأنا أوافق هؤلاء الناس على كل ما قالوا، وأعتقد موقنًا أن
    رئيس الوزراء يستطيع أن يُكْرِهَ الإنجليز على المفاوضة إذا عجز عن أن يستدرجهم إليها. ولكن من
    حق الإنجليز أن يصارحوه بعد هذه المفاوضة، وأن يرفضوا إبرام المعاهدة حتى يبرمها الشعب المصري.
    فالإنجليز لا يعاهدون رئيس الوزراء وإنما يعاهدون الشعب المصري. فإذا قال الإنجليز هذا لرئيس
    الوزراء وسيقولونه. وقد قالوه ألف مرة ومرة فكيف يجيبهم رئيس الوزراء؟ وهو يعلم والإنجليز
    يعلمون معه، أن الشعب لا يسنده ولا يؤيِّده ولا يطمئن إليه ولا إلى ما يأتي به مهما يكُن، وهو
    يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن الوفديين والأحرار الدستوريين والمستقلين لم يلعبوا يوم
    قاطعوا الانتخابات، ويوم نبذوا الوزارة القائمة، ويوم أعلنوا أن مصر لا تتقيد بشيء ما ممَّا
    تتقيد به هذه الوزارة. وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن كثرة الأمة لم تشترك في
    الانتخابات وأنها لا تشترك في الحكم، وأنها إذن لن تفاوض الإنجليز معه، وأنها إذن لن تعاهدهم،
    وأنها إذن ستكون حرة يوم تتم المعاهدة في أن تنكرها وتهز لها كتفيها سخريةً منها واستهزاءً بها.
    ماذا يصنع رئيس الوزراء؟ وماذا يصنع الإنجليز معه يومئذٍ؟ إن رئيس الوزراء والإنجليز لَيعلمون
    حق العلم أن الشعب المصري مغلول لا يستطيع أن يتحرك، معقود اللسان لا يستطيع أن يتكلم، وإذن فهل
    إذا أُمْضِيَتِ المعاهدة، وأقرها البرلمان القائم وزالت عن الجيش البريطاني صفة الاحتلال، وأصبح
    الشعب المصري مستقلًّا حقًّا، ثم طالب بالدستور القديم، وبأن تعود إلى الأمة حقوقها كاملة،
    وحرياتها موفورة، وبأن تؤدي الحكومة حسابًا عن حكمها. هل إذا كان هذا كله — ولا بد من أن يكون —
    يخلي الإنجليز بين الشعب ورئيس الوزراء؟ أم هل يقوم الإنجليز دون رئيس الوزراء كما يقومون دونه
    اليوم؟ فإن تكن الأولى فليسرع رئيس الوزارة إلى المفاوضة، وإن كنت أكره أن أكون مكانه. وإن تكن
    الثانية فَلْيُنْبِئْنَا رئيس الوزراء: أيريد أن يأتينا بالاستقلال أم بالاستعباد؟

    الحق أنها مشكلة عسيرة، وأن حلها يسير، إن شاء رئيس الوزراء وشاء الإنجليز. وهذا الحل إنما
    يكون حين يتنحى رئيس الوزراء عن الحكم ويحل البرلمان، وتُجرى الانتخابات الحرة المطلقة. وأنا
    واثق بأن المعارضة كلها لن تفكر، في حين أَعِدُ رئيس الوزراء وأَعِدُ أصدقاءه من الإنجليز بأنه
    إن فاز في هذه الانتخابات بالزعامة أو فاز بالعضوية في أحد المجلسين ليس غير؛ فله أن يفاوض
    الإنجليز، وله أن يعاهدهم، وعلينا نحن أن ننظر إلى معاهدته منصفين فنقبلها إن أرضتنا.

    فأما قبل ذلك فرئيس الوزراء يعلم والإنجليز يعلمون معه أن الشعب المصري يريد أن يفاوض
    الإنجليز ويعاهدهم، مفاوضة الحر للحر ومعاهدة الشعب الكريم للشعب الكريم. لقد قلنا ذلك للإنجليز
    والأحكامُ العرفية معلَنة، والحماية قائمة والإنجليز منتصرون، يحكمون فلا يُرَدُّ لهم حكم
    ويأمرون فلا يُعصى لهم أمر. أفترانا وقد زالت الحماية، وزالت الأحكام العرفية، وأُعْلِنَ
    الاستقلال، لا نستطيع أن نقول ما كنا نقوله منذُ ثلاث عشرة سنة؟ كلا يا صاحب الدولة. تستطيع أن
    تفاوض الإنجليز وأن تعاهدهم وأن تبلغ منهم فوق ما بلغ محمد محمود والنحاس أو دونه، فأنت واثق
    والإنجليز واثقون منك بأن نتيجة هذا كله مرفوضة منبوذة؛ لأنك قد أقدمت على المفاوضات وأمتك
    ذليلة مغلولة. أَعِدْ إليها عزتها وفك عنها أغلالها. ثم فكر بعد ذلك في المفاوضة إن كان لك
    إليها سبيل، فأما قبل ذلك فاقنع بالوزارة الإدارية وصرف الشئون اليومية، حتى يقضي الله بينك
    وبين الشعب وإنه ليوم قريب، وإن رأيته بعيدًا.