Tag: popular will

  • إياب…

    إياب…
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٧ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الغنيمة الوحيدة المحققة والتي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من رحلته القصيرة الشاقة. والحمد لله على أن السلامة قد كُتِبت له في غيابه وإيابه، وعلى أن هذا المرض الذي أَلَمَّ به في لندرا قد انجاب عنه وردَّه إلينا سالمًا موفورًا. فهذا كل ما يمكن أن يُلاحظ من الخير في رحلته هذه التي اندفع إليها اندفاعًا لم يحفل فيه برأي الأصدقاء ولا برأي الخصوم.

    ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن بين صدقي باشا وبين الشعب المصري صراعًا سينتهي قطعًا كما ينتهي كل صراع بين الشعب والأفراد بانتصار الشعب وانهزام الأفراد. وقد انتصر صدقي باشا في هذا الصراع إلى الآن انتصارًا ظاهرًا. قال له الشعب لا تنهض بأعباء الحكم إلَّا أن تعتمد على ثقة دستورية مبرأة من كل زيف، فلم يحفل بقول الشعب، وإنما عرف كيف يقول له لا، وكيف ينهض بأعباء الحكم والأمة معرضة عنه نافرة منه غير مطمئنة إليه. وقال له الشعب: لا تقدم على مفاوضة الإنجليز حتى تقيم بينك وبينهم أساسًا صريحًا للمفاوضات يحول بينهم وبين العبث بالحقوق، ويحول بينهم وبين تضييع الوقت، ويحول بينهم وبين إنهاك قوى الشعب بالمماطلة والمطاولة والانتظار. فلم يحفل بما قال الشعب له، وإنما أقدم على مفاوضاته غير محقق ولا مدقق ولا مستوثق، وعرف كيف يقول للشعب لا.

    وقال له الشعب حين أسرف المفاوضون البريطانيون في المماطلة والمطاولة: حسبك أن الرجوع إلى الحق خير من الإمعان في الباطل، فاقْطَعِ المفاوضات وخلِّ بين الشعب وبين ما يريد أن يسلك من طريق للجهاد في سبيل مطالبه وحقوقه وأمانيه فلم يحفل. وإنما عرف كيف يقول للشعب لا. ووصل من المفاوضات ما انقطع وجدد منها ما بلي، وقاس ذراعًا كلما قاس الإنجليز أصبعًا أو أنملة؛ حتى أصبحت المفاوضات من لهو الحديث يعبث بها المصريون، ويعبث بها غير المصريين.

    وقال له المفاوضون المصريون أنفسهم: حسبك قد أذللتنا ولم نُخلق للذلِّ، وعرضتنا للهوان ولم نُخلق للهوان، وأسخطت علينا الشعب، ومن حقِّنا أن نتجنب سخط الشعب، وأطمعت فينا الإنجليز، ومن حقِّنا أن نرتفع عن طمع الإنجليز، وأضحكت منا الأجانب، ومن حقِّنا ألَّا نثير في نفوس الأجانب إلَّا عطفًا واحترامًا. وقال له الشعب: حسبك، يجب أن تسمع لزملائك؛ فقد تكون رئيسًا لهيئتهم، ولكنك واحد منهم لا ينبغي أن تستبدَّ بهم، ولا أن تستأثر من دونهم بالرأي. ولكنه لم يحفل بأولئك ولا هؤلاء، وعرف كيف يقول للشعب والزملاء جميعًا: لا. حتى إذا كان الحرج فاستقال، ثم ردَّت عليه استقالته. هنالك أزمع أمرًا نهاه عنه الشعب ونهته عنه هيئة المفاوضات، ولكنه لم يحفل بنهي الشعب ولا بنهي هيئة المفاوضات؛ فسافر إلى لندرا غير آبه بما قيل له من أن وزير الخارجية البريطانية هو الذي كان يجب أن يسعى إلى مصر؛ لأنه أزمع ذلك ووعد به، فما ينبغي أن تسعى أنت إليه؛ لأن في ذلك غضًّا من قدر مصر وإهدارًا لكرامتها وتهالكًا على الإنجليز.

    ولكنه عرف كيف يقول لا، ومضى أمامه لا يلوي على شيء ولا يكترث بشيء، حتى وصل إلى لندرا. وهناك لقي المستر بيفن، ولقي معه المرض الذي أخاف عليه، والذي نحمد الله على أنه قد أبرأه منه.

    ورب ضارة نافعة، فقد سعى صدقي باشا إلى المستر بيفن في وزارة الخارجية البريطانية، ولكن المرض اضطر المستر بيفن إلى أن يسعى إلى صدقي باشا غير مرة في فندق كلاردج. فكان في هذا السعي الاضطراري شيء يشبه أن يكون عزاءً.

    والمهم هو أن صدقي باشا قد سافر؛ لأنه أراد أن يسافر، وعلى رغم إلحاح الشعب وزملائه المفاوضين عليه في ألَّا يسافر. وهو يئوب إلينا اليوم فبماذا يئوب؟ بالإياب وحده لا أكثر بل أقل. وما ينبغي أن يُخدع المصريون بهذا الكلام الفارغ الكثير الذي يضطرب به البرق، وتهذي به بعض الصحف، وتلوكه بعض الأفواه، وتُخَطْرِف به بعض الرءوس المريضة. فقد سافر صدقي باشا إلى لندرا لا يحمل شيئًا؛ لأن الشعب المصري لم يحمِّله شيئًا. وعاد صدقي باشا من لندرا لا يحمل شيئًا مما يريد الشعب المصري أو مما يستطيع الشعب المصري أن يقبله أو يراه موضوعًا للتفكير.

    ذلك أن الشعب المصري — سواء وثق بصدقي باشا أم لم يثق به — يريد أشياء واضحة كلَّ الوضوح، بيِّنة كلَّ البيان، لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا أخذًا ولا ردًّا ولا جدالًا. يريد جلاءً غير مشروط وغير مؤجل وغير معرض للتلكؤ. والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يعهد بهذا الجلاء. ولست أدري أعاد بجلاء أم لا، ولكن الجلاء الذي يمكن أن يعود به هو جلاء من صنعه هو، يلائم ذوقه وطبعه، وليس من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري يريد سيادة خالصة نقية لأهل وادي النيل على أنفسهم وعلى أرضهم ونهرهم وجوِّهم وبحرهم، سيادة لا يشوبها الحكم الثنائي، ولا تكدِّرها الإدارة المشتركة، ولا يخدعهم عنها لفظ مهما كان برَّاقًا، ولا يغرهم عنها تلاعب بالصيغ ولا افتتان في التنميق. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا لم يعد إلينا بهذه السيادة. ولعله لم يعد بسيادة ما. ولعله أن يكون قد عاد وفي إحدى حقائبه علبة من فضة أو من ذهب أو من نحاس أو من زجاج، وفيها نوع من سيادة تلائم طبعه هو المترف وذوقه هو الرقيق، ولكنها ليست من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري لا يريد محالفة عسكرية مع الإنجليز — ولا مع غير الإنجليز — قبل أن يستوفي استقلاله كاملًا، ويستمتع بحريته خالصة، ويحالف عن بصيرة ورضًا لا عن خوف وإكراه. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا يعود إلينا ومعه محالفة عسكرية لن يتم الجلاء إلَّا إذا قُبِلت. وإذن فصدقي باشا لا يعود عودة سلبية فحسب، ولكنه يعود عودة إيجابية فيها شرٌّ عظيم لا يريد المصريون أن يقبلوه ولا يستطيع المصريون أن يقبلوه.

    فليس من الغُلُوِّ إذن ولا من الدعاية ما قلته في أول هذا الحديث من أن صدقي باشا يجب أن يقنع من رحلته القصيرة الشاقة بالإياب؛ لأن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي أتيحت له من هذا السفر البعيد والعناء الشديد.

    وقد قلت إن بين الشعب المصري وبين صدقي باشا صراعًا طويلًا ثقيلًا انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا إلى الآن. فقد عرف كيف يقول «لا» للشعب المصري في كل ما تقدَّم به إليه الشعب المصري من أمر أو نصح أو إرشاد. فقد آن للشعب المصري منذ اليوم أن ينتصر على صدقي باشا انتصارًا محققًا لا ظاهرًا، وأن يُسمِعه هذه الكلمة التي طالما سمعها منه، وهي كلمة «لا». وما أعظم الفرق بين هذه الكلمة حين ينطق بها صدقي باشا وحين ينطق بها الشعب! إنها رشيقة أنيقة مضحكة حين ينطق بها رؤساء الوزارات، وحين يوجهونها إلى الشعوب التي لم تُخلق ليقول لها خدَّامها «لا»، وإنما خلقت ليقول لها خدَّامها «نعم»، وليقول لها خدَّامها «سمعًا وطاعة»، ولكنها مزلزلة مجلجلة حين تنطق بها الشعوب؛ لأنها تضطر رؤساء الوزارات إلى أن يستقيلوا، وإلى أن يعودوا إلى دُورِهم وينظروا في مصالحهم الخاصة بعد أن أخفقوا في تدبير المصالح العامة. وقد أخفق صدقي باشا في تدبير المصالح العامة ليس في ذلك ريب، وإن امتلأت حقائبه بالمذكرات والاقتراحات والصيغ والنصوص، فليس في شيء من هذا كله غَنَاء.

    إن أقصى ما يمكن أن يكون صدقي باشا قد ظفر به من المستر بيفن هو موافقة البريطانيين على المذكرة التي قدمها المفاوضون المصريون منذ أكثر من شهرين ولم يقبلها البريطانيون، وأكبر الظن أنه لم يظفر بالموافقة على هذه المذكرة. وهَبْهُ قد ظفر بهذه الموافقة، فإن هذه المذكرة نفسها لا تُرضي المفاوضين جميعًا، وبينهم من احتجَّ عليها أشدَّ الاحتجاج. وهي بالطبع لا تُرضِي الشعب المصري ولا يمكن أن ترضيه. فإذا كان صدقي باشا قد ظفر من الإنجليز بقبول هذه المذكرة؛ فليهنأ بهذا الظفر وحده، أو ليهنأ به معه أصدقاؤه الذين لا يمثلون إلَّا أنفسهم، فأمَّا الشعب فإنه يرفضها منكرًا لها ساخطًا عليها مترفعًا حتى عن النظر فيها، فكيف وأنا أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يظفر بقبول هذه المذكرة ولا بقبول شيء مقارب لهذه المذكرة.

    ليصدقني رئيس الوزراء وأنصاره القليلون، وليصدقني القراء جميعًا أن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من هذه الرحلة القصيرة الشاقة.

    والآن ما عسى أن تأتينا به الأيام المقبلة من أنباء صدقي باشا؟

    سيعرض ما حمل من لندرا على زملائه الوزراء وعلى زملائه المفاوضين. ولست أدري بأيهم يبدأ، ولا إلى أيهم ينتهي، ولكنه سيعرض ما حمل على أولئك وهؤلاء، فإن قبلوا ما حمل إليهم؛ فما عسى أن يصنع: أيعرضه على البرلمان القائم فتتم المؤامرة ويتم إحكامها ويخضع الشعب المصري لدكتاتورية متصلة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، قوامها تعطيل الدراسة في معاهد العلم وحرمان المصريين حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الكتابة أيضًا، وتسليط الخوف على الأحرار كلما قالوا أو كتبوا أو تحركوا؟ ولكن هذه الدكتاتوريات لا تجدي ولا يمكن أن تبقى، ومصيرها دائمًا معروف محتوم.

    وقد يرفض زملاء صدقي باشا ما يعرض عليهم من هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا، وإذن فهل يستقيل وترد أمور الشعب إلى الشعب؟! أم هل يبقى ليعاقب الشعب، وليعاقب المفاوضين على رفض هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا؟ ولا سبيل إلى بقائه، ولا سبيل إلى معاقبته للشعب إلَّا أن يعتمد على الدكتاتورية التي تغل المصريين فلا يعملون، وتعقد ألسنتهم فلا ينطقون، وتعقل أقلامهم فلا يكتبون. وصدقي باشا يعلم أن هذه الدكتاتوريات لا يمكن أن تدوم ولا تعمر طويلًا، وأظنه قد جرَّب هذه الدكتاتوريات من قبل وعرف عواقبها ونتائجها.

    صدقي باشا مخير إذن بين اثنتين: إمَّا أن يستقيل فيريح ويستريح، ويغفر الله له ما قدَّم إلى الشعب المصري من شرٍّ وما صبَّ عليه من مكروه، وإمَّا أن يبقى ويفرضها على الشعب دكتاتوريةً صارمةً يعرف الشعب كيف يخرج منها كما خرج من أمثالها.

    ألم أقل لك إن الصراع بين صدقي باشا وبين الشعب قد طال أمده، وقد انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا، وآن للشعب أن ينتصر الآن على صدقي باشا انتصارًا محققًا؟!

    ومن يدري؟ لعل صدقي باشا لم يتنسَّم في لندرا هواءها البارد الذي حمل إليه مرضه البغيض وحده، وإنما تنسَّم معه ريحًا من الديمقراطية ألقت في روعه أن عصر الدكتاتوريات قد انتهى، وأن الشعوب لا تُحْكَم بالقهر، ولا تؤخذ بالعنف، ولا تحمل بالقوة على ما تريد، ولعله قد عاد وفي حقائبه — إلى جانب وثائقه الكثيرة — وثيقة صغيرة خطيرة يرفعها إلى جلالة الملك ليتفضل جلالته فيأذن له في أن يلزم داره ليريح ويستريح، ويخلي بين الشعب وبين الجهاد لتحقيق ما يريد.

    في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
    إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.
    أو يمكنك التسجيل من خلال حسابك
    تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

  • رجاء١

    حديث الوادي
    رجاء . . .
    – ١ –
    أرفعه مع الإكبار والإجلال، ومع الولاء الصادق والإخلاص الصحيح، إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك. ومن حق كل مصري أن يرفع إلى جلالة الملك رجاءه إن احتاج إلى الرجاء، ودعاءه إن احتاج إلى الدعاء، ونصحه الصادق الأمين إن أحس بأن الواجب الوطني يأمره بأن يرفع إلى جلالته النصح الصادق الأمين.
    وأظن أني حين أرفع هذا الرجاء إلى المقام الملكي الكريم لا أرفعه عن نفسي وحدها، وإنما أرفعه عن المصريين جميعاً، لأن المصريين جميعاً يضمرون لجلالة الملك مثل ما أضمر له من الحب، ويؤمنون لجلالة الملك بمثل ما أؤمن له به من الإخلاص، وينتظرون من جلالة الملك مثل ما أنتظر منه من الاستماع لنا إذا رجونا، والاستجابة لنا إذا دعونا، والتقدير لآرائنا التي نرفعها إلى جلالته على أجنحة مما يملأ قلوبنا من الإكبار والإجلال، ومن الحب والولاء والإخلاص. وقد كنا نحن المصريين جميعاً نؤثر ألا نتحدث بآلامنا وآمالنا إلى جلالة الملك إلا من طريق التحدث بها إلى الوزراء الذين يقيمهم الدستور صلة بين جلالته وبين الشعب، وكنا نحرص على ذلك أشد الحرص، وجهدنا في ذلك ما وسعنا الجهد، وأردنا دائماً وما زلنا نريد أن يكون جلالة الملك بمعزل عما تثيره آلامنا وآمالنا من الخصومات وألوان النزاع، ولكن الوزارة مستقيلة، فليس يجدي معها الحديث، ولم تؤلف وزارة أخرى إلى الآن نستطيع أن نوجه إليها الحديث، لترفعه إلى صاحب الجلالة. وقد استباح خصوم الكثرة الشعبية لأنفسهم أن يتحدثوا عن جلالة الملك وأن يتوجهوا إليه مباشرة، لم يتحرجوا ولم يتحفظوا ولم يحتاطوا. ونحن المصريين جميعاً، قد آمنا، ونريد أن نؤمن دائماً بأن جلالة الملك ينظر إلى أبناء الشعب نظراً سواء فلا يؤثر منهم فريقاً على فريق، ولا يسمع منهم لقوم دون قوم، وإنما يؤثرهم جميعاً بحبه ونصحه ويسوي بينهم جميعاً في عطفه ورعايته، فإذا استباح فريق من المصريين لا يمثلون إلا قلة لا نذكرها لأنفسهم أن يتحدثوا عن جلالة الملك، ويتوجهوا بالحديث إلى جلالة الملك جهرة فمن الحق للكثرة، بل من الحق على الكثرة، أن تتحدث إلى جلالة الملك بآلامها وآمالها وأن ترفع إلى جلالة الملك آراءها ومطالبها، وأن تنتظر من جلالة الملك أن يتفضل فيلقى ما ترفعه إليه بما هو أهل له من العناية والتقدير.
    والكثرة تشكو إلى جلالة الملك من آثام اقترفها قوم مسئولون، وقوم غير مسئولين، وهي ترجو من جلالة الملك أن ينظر في هذه الشكوى وأن يتفضل فيأمر بتبيين جلية الأمر فيها، وأن يتفضل بعد ذلك فيأمر بأن ترد الأمور إلى نصابها، ويعود العدل إلى مستقره، وينصف المظلوم من الظالم، ويصب على الظالمين الآثمين ما يستحقون من العقاب.
    وأول ما ترفعه الكثرة إلى جلالة الملك من ذلك أن رجلاً من الناس يقال له صدقي باشا تقدم منذ أعوام يزعم أنه قادر على الإصلاح مستعد لخدمة الوطن والملك، في عدل لا يشبهه عدل، وإنصاف لا يعدله إنصاف ونظام ليس مثله نظام، وكان لمصر في ذلك الوقت دستور قبلته وأحبته واتبعته وانتخبت نوابها وشيوخها الذين يمثلونها أصدق تمثيل، لينفذوه وليعملوا في ظله، وقد أقبل هؤلاء النواب والشيوخ إلى البرلمان، فأقسموا يمين الإخلاص للدستور والملك صادقين، ومضوا في البر بهذه اليمين يخدمون الوطن والملك في نزاهة وبقلوب نقية وضمائر طاهرة وعزائم لا تعرف الضعف، ولا الفتور، وإنهم لكذلك، وإذا بهذا الرجل قد أقبل، يزعم ما يزعم ويقول ما يقول وقد تفضل جلالة الملك بامتحانه وابتلائه فكلفه تأليف الوزارة وحمله أعباء الحكم، فقبل التكليف ولم يكن لقبوله أهلاً، واحتمل الأمانة ولم يكن على حملها قادراً. ثم لم يكد يستقيم له الأمر حتى أهدر حقوق الشعب إهداراً، وألغى دستور الشعب إلغاء، وفض برلمان الشعب فضاً. ثم مضى في ألوان من الظلم لم تقف عند حد، ولم تنته إلى غاية، إلا أنها ملأت قلوب الشعب بغضاً وحقداً وحفيظة، ووصمت حياة مصر من الخزي والعار بما لا يلائم كرامة شعب حر، ولا يلائم عصر جلالة الملك العظيم.
    ومع ذلك كله لم تقم عقبات أمام هذا الرجل فيما حاول، ولم تظهر صعوبات لهذا الرجل تثنيه عما أراد، وكان في دستور الشعب نص صريح قاطع بأن تعديل الدستور فيما يمكن تعديله لا يتم ولا يمكن أن يتم إلا إذا أقره المؤتمر الذي يأتلف من مجلسي البرلمان. فلم يحفل هذا الرجل بهذا النص، ولم يقف عنده ولم يلتفت إليه ولم يتورع من إهداره وتجاوز حدوده مع أنه كان قد أقسم اليمين بالوفاء لهذا الدستور والمحافظة عليه، لم يذكر يمينه، أو لم يحرص على البر بها وألغى الدستور إلغاء، واستصدر دستوراً جديداً اتخذه ستاراً لشر أنواع الحكم وأقبح ضروب الظلم وأفظع صنوف السيئات. ثم انتهى إلى الإخفاق، وجاء بعده قوم آخرون لم يكونوا خيراً منه، ولم يكونوا شراً منه، مضوا على أثره يحنثون بالأيمان التي أقسموها للدستور، ويتخذون الدستور ستاراً لأقبح أنواع الحكم لا يخافون شيئاً ولا يستحون من أحد حتى دارت عليهم الدائرة كما دارت على الذين سبقوهم إلى الظلم والجور.
    ثم فتح باب هذه الأزمة على مصراعيه وتفضلت يا مولاي فأمرت رئيس ديوانك العالي أن يعرض الوزارة على رجل آخر من المصريين لم يشترك في الظلم ولم يساهم في الجور، ولم يحنث في اليمين، وإنما نصح ما وسعه النصح، فلما رأى أنه غير قادر على العمل اعتزله واستقال، وقد علم الشعب المصري يا مولاي، أن أمرك الكريم بعرض الوزارة عليه لم يكد يبلغه حتى أسرع إلى الاستجابة ولم يتردد في التلبية. ولكنه كان في ذلك ناصحاً مخلصاً لوطنه ومليكه كما كان من قبل، حين عمل وحين اعتزل العمل. وقد رأى أن نصحه للوطن والمليك يفرض عليه أموراً لا يستطيع بدونها أن يلي الحكم، وينجح في حل ما يواجه مصر من المشكلات التي أثارها ظلم الظالمين وعجز العاجزين، فرفع هذه الأمور إلى السدة الملكية الكريمة وانتظر: وبينما كان هذا الرجل ينتظر وكان الشعب ينتظر معه أخذ أنصار هذا النظام الجديد الذي أعلن في غير موافقة للدستور والذي فرض على الشعب فرضاً، والذي لم يرض الشعب عنه في لحظة من اللحظات، أخذ أنصار هذا النظام وفي طليعتهم رئيس النواب، ورئيس الشيوخ القائمين، يذيعون في الشعب عن طريق الصحف والأحاديث أن جلالتكم تحرصون على هذا النظام أشد الحرص، وتأبون إلغاءه أشد الإباء.
    وقد زعم رئيس النواب والشيوخ يا مولاي للناس أنهما سمعا ذلك من جلالتك حين تشرفا بالمثول بين يديك والشعب المصري يا مولاي لا يصدقهما ولا يعتقد أنهما قد صورا رأي جلالتك تصويراً صحيحاً، وذلك طبيعي، فالشعب المصري لا يستطيع أن يفهم ولا أن يصدق أن يصل صدقي باشا إلى ما وصل إليه من إلغاء دستور آمن به الشعب دون أن يجد في ذلك مشقة أو عناء، وألا يصل نسيم باشا إلى ما يريد من إلغاء دستور لم يؤمن به الشعب، وإنما تقوم أمامه العقبات، وتظهر أمامه المصاعب، وتثار بين يديه المشكلات.
    والشعب المصري يا مولاي لا يستطيع أن يفهم أن يكون إلغاء مادة من هذا الدستور مستحيلاً، على حين لم تظهر استحالة ولا شيء يشبه الاستحالة في إلغاء الدستور القديم كله. والشعب المصري يا مولاي يعتقد أن الظروف التي سهلت تغيير الدستور القديم دون الرجوع إلى المؤتمر، تستطيع أن تبيح تغيير الدستور الجديد قبل أن يبلغ عشرة أعوام. والشعب المصري يا مولاي يرفض كل الرفض ما يذيعه دعاة السوء من أن إرادتك السامية تناقض في هذه الظروف إرادة شعبك المخلص الأمين.
    والشعب المصري يا مولاي يؤمن كل الإيمان بأن الأمر إذا صور لجلالتك على وجهه، فإن حبك لوطنك وتقديرك لأمتك، وحكمتك التي هي موئل مصر، كل ذلك كفيل بأن يرد إلى كل ذي حق حقه، وبأن يحمل جلالتك على أن تجري مع طبيعتك الكريمة التي تؤثر العدل والحق، ولا تريد لهذا البلد إلا خيراً، ولا ترضى لهذا الشعب إلا أن يكون عزيزاً كريماً. والشعب المصري يا مولاي واثق كل الثقة بأن أمرك الكريم سيصدر في أقرب وقت ممكن فيفتح أبواب الأمل لهذه الملايين التي حال اليأس دونها ودون الاغتباط أعواماً طوالاً ويرد طير السوء إلى أوكارها، ويقطع ألسنة المرجفين، ويعلن إلى العالم الذي يرقب مصر في هذه الأيام أن صاحب عرش النيل وسكان وادي النيل متفقون أشد الاتفاق لا يمكن أن يثور بينهم خلاف، لأن صاحب العرش لا يضمر لشعبه إلا حباً وعطفاً وتقديراً ولأن أبناء النيل لا يضمرون لمليكهم إلا ولاءً وإخلاصاً وإجلالاً.
    نعم يا مولاي هؤلاء مئات من أصحاب المنافع يسعون في الأرض مفسدين، ويذيعون في الناس كلمة السوء لا يبتغون إلا المنافع العاجلة، وهؤلاء أربعة عشر مليوناً من المصريين يرفعون إلى جلالتك حبهم وإخلاصهم ورجاءهم في أن تجعل كلمة الشعب هي العليا، وكلمة المستبدين هي السفلى، وفي أن ترد مصر أمام نفسها وأمام الأجانب إلى ما ينبغي لها من الكرامة والعزة وإباء الضيم.
    وأنا يا مولاي واثق بأن أمل الشعب المصري فيك لن يخيب.
    طه حسين
    الوادي، ١١ نوفمبر ١٩٣٤.