Tag: postwar reconstruction

  • مفترق الطرق

    مفترق الطرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٥

    يمكن أن يُقال: إن الدول المنتصرة، والدول المحررة تقف الآن في مفترق الطرق: فإما أن تمضي إلى عالم جديد حقًّا، وإما أن تمضي إلى عالمها القديم الذي طال عليه القدم، وإما أن تمضي إلى عالم مذبذب مزيف لا هو بالقديم جدًّا، ولا هو بالجديد جدًّا، ولكنه مثير للقلق والخوف على كل حال.

    على أن هذا الأمر ليس من اليسر والسهولة بحيث يظن الذين يراقبون التطور العالمي بعد الحرب، فهذا التطور معقد شديد التعقيد، يتصل بعضه بالشعوب، ويتصل بعضه بالحكومات، ويتصل بعضه الآخر بهذه العلاقات التي تصل بين الدول، ويقوم عليها التعاون بين الأمم. ولنجتهد في تجلية هذا الموضوع بعض الشيء، فقد يحسن أن يكون القارئ المصري، بل يحسن أن يكون رجل الشارع — كما يُقال — على بصيرة من أمر الحياة الإنسانية العامة بعد أن انقضت عصور العزلة والانفراد، وبعد أن أصبح عكوف الشعوب على أنفسها سبيلها المحققة الواضحة إلى الخمول والخمود جميعًا. أمَّا شعوب أوروبا الغربية فليس من شك أن تقدمها في الحضارة، وظفرها بحظ عظيم من الثقافة، وقدرتها على التفكير في السياسة المعقدة والحكم عليها؛ كل ذلك لم يمنعها من الانخداع بالوعود التي بذلها ساسة الحلفاء في أثناء الحرب، كما انخدعت بهذه الوعود شعوب أخرى في الشرق القريب والبعيد. وكانت الشعوب الأوروبية قبل الحرب الأخيرة تزهد في الديمقراطية المعتدلة، وتجنح إلى ديمقراطية تميل إلى الشِّمال، إلى الاشتراكية وإلى الشيوعية. ولكن الديمقراطية المعتدلة المسرفة في المحافظة أو المقتصدة في هذه المحافظة كان لها أنصار أقوياء، وكان إليها الأمر كله، وكان الصراع شديدًا من أجل ذلك بين اليمين والشِّمال. وكانت كثرة الشعوب تبغض أقصى اليمين، كما كانت تخاف أقصى الشمال؛ تبغض غلاة المحافظين، وتخاف الشيوعيين، وتطمئن إلى ديمقراطية لا تمس رأس المال، أو لا تمسه إلا مسًّا رفيقًا.

    فلما شبَّت الحرب ووُعدت الشعوب بالحرية الكاملة، وتملقت الحكومات شعور الطبقات على اختلافها؛ لتظفر بالتضامن القومي في وجه العدو، وصدقت الشعوب ما قيل لها، وضحت بالأنفس والأموال والمرافق في سبيل هذه المُثل العُليا. ثم اقتضت ظروف الحرب أن تسيطر الحكومات على الاقتصاد الوطني، وأن تدبر الثروة القومية تدبيرًا، إن لم يكن شيوعيًّا، فقد كان اشتراكيًّا ممعنًا في الاشتراكية؛ فقد أشرفت الدولة على كل شيء، وتدخلت في كل شيء، وأخضعت رأس المال لتجربة قاسية، وحققت المساواة بين المواطنين في الظفر بضرورات الحياة، والاستغناء عن كمالياتها، والعدول عن الترف عدولًا يوشك أن يكون تامًّا. وذاقت الشعوب هذه الحياة الاشتراكية ضيقة بها أول الأمر مطمئنة إليها بعد ذلك، مؤثرة لها آخر الأمر على ما كان مألوفًا من تلك الحياة التي كانت تقوم على التفاوت بين الطبقات. ثم اشتركت روسيا السوفياتية في الحرب، فأقدم المحجمون، ووثق الشاكون، واندفع المترددون، واستيقنت الشعوب أن انتصار الحلفاء سيكون انتصارًا للحرية والإخاء والمساواة. ولم تكد الحرب تضع أوزارها في أوروبا؛ حتى اندفعت الشعوب إلى بلوغ المنى، وتحقيق الآمال، واندفعت في عنف لا يعرف اللين. وكانت بريطانيا العظمى أسرعها إلى هذا الاندفاع؛ فقد أبى الشعب البريطاني أن يحتفظ بالائتلاف بين الأحزاب التي أدارت شئون الحرب، ثم أبى الشعب البريطاني أن يمنح ثقته للمحافظين، وأكره زعيمه العظيم مستر تشرشل على أن يترك الحكم لمنافسه الاشتراكي مستر إتلي. وكان كل شيء يخيل إلى الناس أن مستر تشرشل سيكون رئيس الحكومة حين تستسلم اليابان، ولكن الشعب البريطاني تعجَّل الفوز بحقوقه الديمقراطية فنحَّى المحافظين عن السلطان إلى حين.

    ولم تكن فرنسا مبطئة في تعجُّل الفوز بهذه الحقوق، فقد أُجريت الانتخابات البلدية منذ أشهر، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا، وأُجريت الانتخابات الإقليمية منذ أيام، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا أيضًا، وستجرى الانتخابات للجمعية التأسيسية بعد أسابيع قليلة، وليس من شك في أن الشِّماليين سيظفرون فيها بالفوز.

    والمشكلة البلجيكية معروفة للقرَّاء، فهي في جوهرها خصومة بين المحافظين الاشتراكيين، ولكنها لا تقتصر على شئون الحكم، وإنما تمس شخص الملك أيضًا، وربما مست الأسرة المالكة كلها.

    والأمر في إيطاليا إلى الشِّماليين، ومصير الملك مقطوع به، ومصير الأسرة المالكة نفسها مشكوك فيه. والناس لم ينسوا بعد مأساة اليونان، ولا مشكلة يوجسلافيا، ولا انتظار الملكين لاستفتاء الشعب في البلدين جميعًا. فإذا تركنا هذا الجزء من أوروبا إلى الجزء الآخر الذي يسيطر عليه الروسيون في بولندا، وفي المجر وفي البلقان، فسنرى أن الشعوب تميل إلى الناحية الروسية ميلًا لا شك فيه، وأن رءوس الأموال تميل إلى غرب أوروبا ميلًا لا شك فيه أيضًا. ومن المحقق أن الشعوب إذا استفتيت استفتاءً صحيحًا، فستصوت للنظام الشيوعي الروسي. وكذلك لا تتردد الشعوب الأوروبية في اختيار الطريق التي تريد أن تسلكها، فهي تريد عالمًا جديدًا حقًّا لا يقوم على الرجعية المستبدة، ولا على الدكتاتورية الطاغية، ولا على الديمقراطية المعتدلة. وأشد هذه الشعوب اعتدالًا واقتصادًا — وهو الشعب البريطاني — قد أعلن أنه يريد الاشتراكية، ويفضلها لا على ديمقراطية المحافظين، بل على ديمقراطية الأحرار أيضًا.

    الشعوب تعرف ما تريد، وتريد أن تبلغ ما تريد. ولكن الشعوب شيء، والحكومات شيء آخر في أشد البلاد إمعانًا في الاشتراكية والديمقراطية، وهنا موضع الخطر المخيف.

    فطبائع الشعوب في أنفسها سليمة مستقيمة، لا تحب العوج والالتواء، وطبائع الحكومات في أنفسها معوجة ملتوية لا تخاف شيئًا كما تخاف السلامة والاستقامة. فالحكومة البريطانية مثلًا اشتراكية من غير شك، ولكنها اشتراكية بالقياس إلى الشعب البريطاني، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كحكومة المستر تشرشل. والحكومة الروسية شيوعية من غير شك، ولكنها شيوعية بالقياس إلى الشعب الروسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كالحكومة القيصرية. وستكون حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة اشتراكية من غير شك بالقياس إلى الشعب الفرنسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى فستكون محافظة كحكومة ريمون بونكاريه.

    وهذا التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب يحدث في نفوس الأمم الأوروبية بلبلة خطيرة، فهي تريد شيئًا، وترى من حكومتها شيئًا آخر، وتتلقى من هذه الحكومات دروسًا خطيرة في النفاق السياسي يفسد الأخلاق والأذواق جميعًا. تريد الإخاء الإنساني، وترى حكوماتها لا تتجاوز الإخاء الوطني، تريد المساواة بين الأفراد والشعوب، وترى حكوماتها تبغض المساواة بين الشعوب؛ فتضطرب بين ما تريد وبين ما ترى، وتتردد بين ما تحب طبائعها السليمة المستقيمة، وما تقتضيه منافعها العاجلة.

    وكذلك تقف الشعوب حائرة بين العدل والمساواة والحرية التي وعد بها ميثاق الأطلنطي، وبين الاستعمار الذي يرضي المنافع، ويحقق المطامع. ولا يقف أثر التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب عند هذا الحد، بل يتجاوز بالطبع إلى هذا الاختلاط الذي نراه في لندرة الآن. فما دام تحقيق المنافع والمطامع أساسًا من أسس الحكومات — حتى ولو كانت اشتراكية أو شيوعية — فلا بد من الاختلاف بين هذه الحكومات، ولا بد من التنافس حول هذه المنافع والمطامع. وكذلك يقف الشعب البريطاني، والشعب الروسي واجمين أمام هذا الاختلاف العنيف حول مناطق النفوذ، وكل ما في الأمر أن الشعب البريطاني يستطيع أن يعلن آراءه في صراحة فيوافق الحكومة حينًا، ويخالفها حينًا آخر، على حين أن الشعب الروسي موافق لحكومته دائمًا. والشيء المهم هو أن الشعوب الأوروبية تعرف طريقها التي اختارتها، وهي طريق العالم الجديد حقًّا وصدقًا، وأن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الشعوب باسمة، وتتردد بين العالم القديم حقًّا وصدقًا، وبين عالمٍ آخرَ مزيفٍ، لا هو بالقديم ولا بالجديد.

    أمَّا بالقياس إلى الشرق فالأمر فيه أشد تعقيدًا؛ لأن شعوب الشرق لم تتطور بعد تطورًا كافيًا يُمكِّنها من التفكير في الاشتراكية أو في الشيوعية، وإنما هي تشعر بشيء واحد هو الحاجة إلى الحرية، وتفكر في شيء واحد هو الظفر بهذه الحرية. وهي قد انخدعت كما انخدعت شعوب أوروبا بوعود الحلفاء، وانتظرت تحقيق هذه الوعود فلما انتهت الحرب لم تظفر بشيء، ولم يُقل لها انتظري، وإنما أعرض المنتصرون عن آمالها إعراضًا واضحًا، واتخذوها موضوعًا للتنافس والنزاع. وليست حكومات الشرق بأقل سذاجة من شعوبه، فهي أيضًا قد انخدعت بالوعود، وانتظرت تحقيق الأماني، ثم نظرت فإذا الغرب عنها في شغل بتقسيم الغنائم، وإرضاء المنافع، وتحقيق المطامع، فوقفت حائرة لا تدري ماذا تصنع، وإن عرفت كيف تقول.

    هذا بالضبط هو موقف العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شعوب أوروبية وأمريكية تريد الحرية الكاملة، والعدل الكامل، وحكومات أوروبية وأمريكية تريد العدل والحرية لشعوبها، وتؤثر منافعها على حرية الشعوب الأخرى، وشعوب وحكومات مستضعفة في أقطار الأرض، تريد الحرية والاستقلال، ولكنها لا تعرف كيف تحققهما أو تصل إليهما، وهذا الاختلاط هو الذي يثير ما يملأ جو العالم من قلق في هذه الأيام. فالشعوب الأوروبية والأمريكية غير راضية، وحكوماتها غير مطمئنة ولا مستقرة ولا متفقة، وشعوب الأقطار الأخرى غير راضية، وحكوماتها حائرة قد اختلط عليها الأمر، والعالم كله يضطرب في جو قوامه السخط والخوف، وكان الناس يظنون أن انتصار الحلفاء سيقضي على السخط والخوف.

    وإذن، فإلى أي طريق يدفع العالم؟ إلى هذه الطريق الملتوية التي تسلكها الحكومات وتتخبط فيها … أم إلى هذه الطريق المستقيمة التي تريد الشعوب أن تسلكها؟! لهذا السؤال جوابان: أحدهما يصدر عن الساسة الذين يرقبون الحوادث القريبة، ويطلبون المنافع العاجلة؛ وهو أن العالم سيسلك طرقًا مزيفة فيها كثير جدًّا من التقاليد القديمة، وقليل جدًّا من المبتكرات الحديثة، فيها استبقاء للاستعمار، وفيها تغيير لأسماء الاستعمار وبعض وسائله، فيها استبقاء لسياسة التوازن العتيقة، وفيها تغيير لأسماء السياسة وبعض مظاهرها … فيها ظلم كثير، وفيها شيء قليل من محاولة العدل. وأما الجواب الثاني فيصدر عن الذين لا يحكمون، ولا يتخذون السياسة العملية صناعة، وإنما يرقبون ويلاحظون تطور التاريخ، وهذا الجواب بسيط جدًّا؛ وهو أن الإنسانية قد سعت دائمًا إلى العدل، وظفرت منه بشيء كثير، وأن سعيها إلى العدل سيتصل، وجهادها في سبيله سيستمر، وأن ظفرها به شيء محقق، ولكنه لن يتم حتى تخوض إليه الإنسانية غمارات هائلة، قوامها التضحية بالأنفس والأموال والمرافق. فإذا لم يكن بدٌّ من أن ينصح للشعوب الطامعة في العدل المتعطشة إلى الحرية بشيء، فإنما النصح الخالص لها هو ألا تهن ولا تضعف، ولا تنتظر أن تُقدَّم إليها حقوقها كما تُقدَّم إليها الهدايا؛ فإن الحقوق لا تُعطى، وإنما تؤخذ، وهي لا تؤخذ إلا بالجِدِّ والكدِّ واحتمال العناء.

  • العاقبة

    العاقبة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٨ يناير ١٩٤٥

    كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.

    وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.

    أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.

    وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.

    ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.

    فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.

    ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.

    وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.

    والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.

    فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.

    وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.

    وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.

    وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.

    فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.

    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.