حديث الوادي
عيسويات…
ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبين شيئًا يظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه، وأن يفهموه، وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهيبه المحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما، في غير تردد ولا حرج ولا جناح، ولعله يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذ له البطش، ويسره أنه قادر على إذلال أمثاله، وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد.
وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصورة لهذه القوة، ممثلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب.
ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلا التأخر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتف بذلك فنقله إلى أسيوط.
لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بَعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد. إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعد، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يعقد في جنيف.
ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة، ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى، ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون، والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشؤون التربية من الوجهة النظرية، ومن الوجهة العملية، ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل.
ولكن وزير التقاليد جهل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شؤونها إلا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم، ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها المؤتمرون، وإنما يلم بالفرنسية إلمامًا لا يمكنه من فهم ولا من تفهيم.
وهو مع ذلك قد سافر ليمثل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيسمع لهم فلا يفهم عنهم، وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم.
ورجال التربية والتعليم «يقشرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا، فلا مرد له؛ لأن وزير التقاليد قوي عزيز. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين، فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.
وكان يقال إن وزير التقاليد أحس أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا، الرجل الخطير، حال دون ذلك. وهل يفل الحديد إلا الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده، وسيعود وحده.
ودع هذه العيسوية، وانتقل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية، ورشحه مجلس الجامعة، لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء لم يُقرّه، ولم يرفضه. وإنما قسم العمل بين مرشح المجلسين، وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف عن طريق الانتداب، في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية، لا عن طريق التعيين. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسل قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.
ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها الوادي يوم الجمعة، ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهر من أصهاره يعين مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلا أنه صهر الوزير، وهذا في القرن العشرين وفي ظل الدستور وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد؟ ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، ولا تسل أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسل أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم، فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.
وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب: معيد يفرض على هذه الكلية فرضًا، بعد أن أُخرج منها إخراجًا، لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إما لأنها لم تُسأل، وإما لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر! فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين لا رأي الجامعيين يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون، وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.
أشبعت من العيسويات أم لم تشبع بعد؟ إنها لأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تشبعك وأن تدفعك إلى الكلفة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم، وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها، مذعنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قوي عزيز، قد سلطه الله على المصريين ليذل خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلوا. فإن لم يعجبهم هذا، فماء النيل كثير، وماء البحر أكثر.
طه حسين
الوادي، ١٧ يولية ١٩٣٤.
Tag: Power
-
رئيس
رئيس
قيل[1] لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
«عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
[1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣. -
شركاء
شركاء
أسرعوا[1] إلى «الرئيس المستقيل» حين دعاهم، لم يترددوا في ذلك، ولم يخطر لهم أن يترددوا فيه، ثم وثبوا مع «الرئيس المستقيل» إلى الحكم واستقروا مع «الرئيس المستقيل» في مناصبه. أقدموا على كل ما أقدم عليه، وأحجموا عن كل ما أحجم عنه. أحبوا كل ما أحب ومن أحب، وكرهوا كل ما كره ومن كره. ومضوا معه حازمين عازمين، لا يتخلفون عنه إصبعًا، ولعل بعضهم كان يسبقه أشبارًا، ولعله هو كان يردهم إلى الهدوء، ويضطرهم إلى السعي مكان العدو، ويلقي في قلوبهم أن الأناة خير من التعجل، وأن الإبطاء قد يفيد أكثر مما يفيد الإسراع.
همَّ بتغيير النظام فأسرعوا إلى تغيير النظام، اقترح قهر الشعب فلم يترددوا في قهر الشعب، آثر العنف فلم يخافوا من إيثار العنف. مضوا معه حازمين عازمين، مسرفين في الحزم والعزم، لا ينظرون إلى وراء، ولا يبعدون النظر إلى أمام، وإنما ينظرون إلى هذا الرجل الذي قام بينهم يعمل ويدعوهم إلى العمل، ويأمل وينفخ فيهم الأمل. وكان منهم من يضعف عزمه عن هذه الأعمال الجسام، والأحداث العظام التي كان يدفع إليها «رئيس الوزراء» المستقيل؛ فكانت نظرة من الرئيس أو ابتسامة تزيل هذا الضعف، وتضع مكانه قوة على الجري والعدو، وعلى تجشم الخطوب، واقتحام الأهوال. وكان الجند والشرطة يصطدمون بالناس فيسقط القتلى ويسقط الجرحى، وتصطبغ الأرض بالدماء، ويرتفع الأنين إلى السماء، فلم تكن هذه الدماء تروع قلبًا، ولا تؤذي نفسًا، ولم يكن ذلك الأنين يبعث إشفاقًا، أو يثير شعورًا، وإنما كان أمرهم ثباتًا مظلمًا، قاتمًا، هادئًا، مخيفًا، قاسيًا، عنيفًا، لا يعرف الرحمة ولا الإشفاق، ولا يحب اللين ولا الدعة، ولا يذكر أمس، ولا يفكر في غد، ولا يستحضر بكاء الباكين، ولا شكاة الشاكين، ولا يرفق لهؤلاء الأمهات اللاتي كن يُفجعن في أبنائهن، ولا لهؤلاء الأبناء والبنات الذين كانوا يُفجعن في آبائهم، ولا لهؤلاء الزوجات اللاتي كن يُضطررن إلى حياة الأرامل والأيامى.
وكذلك مضت أشهر وأشهر، وكذلك مضى عام وعام، وكذلك أُكرهت «مصر» على غير ما كانت تحب، وكذلك أوذي المصريون في أكرم ما كانوا يحبون. ثم عملت الأيام عملها، وأحدث الزمان آثاره، فَرَثَّت صلات الود بين «الرئيس المستقيل» وزملائه، وأخذ بعضهم يتنكر لبعض، وأخذ بعضهم يمكر ببعض، وأخذ بعضهم يضع العقبات أمام بعض، حتى ساءت الحال، وفسد كل شيء بين الأصدقاء المتعاونين، أو قُل بين الشركاء المتشاكسين، واضطر الرئيس إلى أن يستقيل ليتخفف من بعض الأثقال، ويخلص من بعض الزملاء، ثم يؤلف وزارته من جديد، يضع فيها قومًا مكان قوم، ويختار لها أفرادًا أقدر على استئناف المضي في الطريق المرسومة أول الأمر، وهم إن دُعوا أو اشتركوا، ووثبوا إلى الحكم، سيسيرون مع الرئيس الجديد سيرتهم مع الرئيس القديم، سيشاركون في كل شيء، وسيتضامنون في كل شيء، حتى يخلصوا غدًا كما خلصوا اليوم، ليس عليهم بأس، وليس عليهم جناح، وليس ما يمنعهم من الاستعداد للوثوب مع رئيس آخر إن دُعوا إلى الوثوب.
لو قيل هذا الكلام في غير «مصر» لأنكره الناس إنكارًا شديدًا، ولو وقعت هذه الأحداث في غير «مصر» لضاق بها الناس ضيقًا شديدًا؛ ولكن هذا الكلام يقال في «مصر» فلا ينكره أحد، وهذه الحوادث تقع في «مصر» فلا يضيق بها أحد أو لا يظهر الضيق بها أحد؛ لأن المصريين قد عرفوا منذ عهد بعيد أن فيهم جيلًا من «المستوزرين»، دأبهم أن ينتظروا الحكم إن بعدوا عنه، وأن يقبلوا الحكم إن دُعوا إليه، وأن يطيعوا رئيسهم ما وجبت طاعته، وأن يلبوا دعوة غيره متى نهض بالأعباء. هذا جيل موجود في «مصر» منذ زمن بعيد، يعرفه المصريون حق المعرفة، وينكره المصريون أشد الإنكار، ولكن ما حيلة المصريين فيه؟ لقد وُجد واتخذ لنفسه هذه الصناعة، ولو كان أمر «مصر» إليه لردت هذا الجيل إلى حيث ينبغي أن يكون بعيدًا عن السياسة أشد البعد، نائيًا عن الحياة العامة أشد النأي؛ لأن هذا الجيل لا يصلح للسياسة، ولا يصلح للحياة العامة، أحب الحكم للحكم، فاقتنع الأجنبي بأن أمر مصر يسير، ما دام بين أبنائها من ينهضون بأعباء السياسة في غير شرط ولا ما يشبه الشرط.
يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا ينسوه، وأن يفتحوا أعينهم ليروا من وراء هذه الغيوم الرقيقة ما يأتيه جيل «المستوزرين» من هذه الحركات الملتوية المخزية التي لن تنتهي إلا إلى ما يسوء. يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء التي تُتلى عليهم في «الصحف» كل يوم على أنها أسماء الذين قد يُدعون إلى تأليف «الوزارة» أو إلى الاشتراك فيها؛ فسيرون أصحابها كلهم أو أكثرهم من أصدقاء «الرئيس المستقيل»، ومن أعوانه المقربين أو الذين كانوا مقربين، ومن الذين شاركوه في إقامة هذا النظام الجديد، ومن الذين شاركوه في تقييد الحريات، ومن الذين شاركوه في كل هذه السياسة التي انتهت إلى شر ما هي عليه الآن، وهم جميعًا أطهار أبرار، خليقون في رأي أنفسهم، وفي رأي أصحابهم وأنصارهم أن ينهضوا بأعباء الحكم مرة ومرات.
نعم، يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء وأن يفكروا ويطيلوا التفكير في لعب الحوادث وسخرية الظروف، وإلا فأي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يشاركون «صدقي باشا» في كل ما يأتي، ثم يتأهبون الآن ليرثوا «صدقي باشا» في الحكم، كأنهم لم يعاونوه ولم يظاهروه، ولم يتضامنوا معه في شيء؟ أي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يذكرون أن تركة «صدقي باشا» ثقيلة ويفصلون ثقلها تفصيلًا، وهم الذين أحدثوا معه هذه التركة الثقيلة، ثم هم في الوقت نفسه يستعدون للاستيلاء على هذه التركة ليزيدوها ثقلًا على ثقل.
يجب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير، وأن يذكروا ولا ينسوا أن التبعات التي يحتملها «صدقي باشا» أمام أمته ووطنه وربه ثقيلة أثقل مما يظن «صدقي باشا»، ولكنه لا يحتملها وحده، وإنما يحتملها معه هؤلاء الذين ظاهروه وأيدوه أمس، والذين يولونه ظهورهم اليوم، ويتأهبون لخلافته على الحكم. ليس الإخفاق الذي أصاب «صدقي باشا» مقصورًا عليه، وإنما هو حظ شائع بينه وبين زملائه الوزراء، بل بينهم وبين أصدقائهم وأوليائهم من هذين الفريقين اللذين كانا يسميان أنفسهما إلى وقت قريب «الحزبين الشقيقين». وما أشد سخرية الظروف التي تصور «صدقي باشا» كأنه وحده المسؤول وكأنه وحده الملوم، وتصور شركاء «صدقي باشا» كأنهم القادرون على إصلاح ما أفسد رئيسهم المستقيل.
يجب أن يفكر المصريون في هذا كله، وأن يسجل المصريون هذا كله، وأن يثبت المصريون أن هذا العبث الذي يجري من وراء ستار لا يخدع أحدًا، وإنما يخدع العابثين أنفسهم، وأنه لا يزيد على أن يكون عبثًا، وأن مصيره لن يكون خيرًا من مصير تلك السياسة التي فرضها «الرئيس المستقيل» على أمته أكثر من ثلاثة أعوام. ثم يجب ألا ييأس المصريون من أن أمورهم مردودة إليهم من غير شك، ومن أنهم سيحولون بين خصومهم وبين هذا العبث الذي أسرفوا فيه إسرافًا شديد الخطر على الكرامة والمنافع والأخلاق.
[1] كوكب الشرق في ٢٤-٩-١٩٣٣. -
ثم
ثم
«نعم»، ثم كلمة تتردد في جميع الأفواه، وتنفتح عنها جميع الشفاه، وتضطرب في كل قلب، وترتسم في كل عقل، وتفرض نفسها على كل ضمير منذ خُتم لصدقي باشا، أو خُتمت أعمالُ «صدقي باشا»، أو خَتمت الظروف القاهرة لصدقي باشا حياته السياسية مساء الخميس.
فـ«صدقي باشا» رجل من رجال السياسة، قد فرغ من السياسة، وفرغ الناس منه، وفرغت السياسة منه أيضًا، ما في ذلك شك، وما إلى الريب في ذلك سبيل؛ إنما يُعنى الرجل بالسياسة ويقف عليها قواه وجهوده حين يكون قادرًا على إنفاق القوى وبذل الجهود، أو حين يكون مالكًا من هذه القوى والجهود لقليل أو كثير، وليس لـ«صدقي باشا» من هذا شيء يستطيع أن ينفقه في السياسة. ونحن نتمنى أن يمده الله من القوى والجهد بما يمكنه من العناية بنفسه والإبقاء على صحته واستقبال الحياة في شيء من الهدوء الظاهر؛ فقد يخيل إلينا أن هذه الأعوام الثلاثة التي أنفقها «صدقي باشا» في قهر أمته والبطش بها، وفي إذلال وطنه والقسوة عليه، قد حالت بينه وبين هدوء الضمير.
ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي يصرف أعمال الدولة، وفي فمه مقياس الحرارة. وليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يقضي في ديوانه إلا ساعتين أو أكثر منهما قليلًا، والذي لا يجد مع ذلك بدًّا من أن يتخلف عن هذا الديوان يومًا أو غير يوم في الأسبوع. ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يصل الحديث في شؤون السياسة مع رجل من رجال السياسة ساعة أو أقل من ساعة حتى يشعر بالضعف والإعياء، فيلغي المواعيد ويكف عن الحديث ويسرع إلى داره ليستريح.
نعم، ليس «صدقي باشا» قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها لا في رئاسة الوزارة، ولا في زعامة الكثرة البرلمانية، ولا في الأندية الخاصة. وقد يخيل الأمل لـ«صدقي باشا» أنه يقدر من ذلك على بعض ما يقدر عليه الناس، وقد يخيل الوهم لفريق من أصفياء «صدقي باشا» أنه ما زال قادرًا على أن يكون رجلًا من رجال السياسة، وقد يندفع «صدقي باشا» مع هذا الأمل فيكلف نفسه بعض أعمال السياسة، وقد يدفعه أصفياؤه إلى هذا، وهو من غير شك حر فيما يريد لنفسه، وأصفياؤه من غير شك أحرار فيما يريدون لصاحبهم؛ ولكن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن «صدقي باشا» لن يُغني منذ اليوم في السياسة المصرية شيئًا.
وليس المرض وحده هو الذي يُخرج «صدقي باشا» من ميدان الحياة السياسية، ولكن هذه السيرة التي سارها في أمته أكثر من ثلاثة أعوام، وهذه النتائج المنكرة التي أنتجتها سيرته أثناء هذا العهد الطويل الثقيل، قد أقامت أمام «صدقي باشا» من العقبات والمصاعب ما لا يستطيع أقوى الناس، فضلًا عن أضعف الناس، أن يذلله أو يتغلب عليه.
فـ«رئيس الوزراء» المستقيل رجل قد كُتب عليه البعد المحتوم، لا عن الوزارة، ولا عن الزعامة البرلمانية المجدية، بل عن الحياة العامة كلها. وما رأيك في زعيم برلماني لا يستطيع أن يخطب أنصاره وأولياءه — إن كان له أنصار وأولياء — أو يتحدث إليهم إلا دقائق لا تتجاوز الخمس، ثم هو بعد ذلك متعب مكدود؟ فكيف به إذا احتاج إلى الجدال والنضال؟ وكيف به إذا احتاج إلى التروية والتفكير؟ وكيف به إذا احتاج أن يقرع الحجة بالحجة، ويدفع الدليل بالدليل؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يظهر على الخصوم في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يقهر الوزارة في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يتحدث إلى الشعب ليحمله على مذهب من المذاهب، أو يصرفه عن رأي من الآراء؟
كل ذلك شيء لا سبيل إليه؛ لأن صحة «صدقي باشا» تحول دونه، ولأن سياسة «صدقي باشا» تحول دونه؛ فليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يذكر الحرية في «البرلمان» أو خارج «البرلمان»، وهو الذي سجن الحرية فضيّق السجن وأطاله، ولو أن إلى قتل الحرية من سبيل لما تحرج من قتلها، ولكن الحرية فوق القتل وفوق الموت، وهي تعمل سجينة أكثر مما تعمل مطلقة. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن عزة الشعب، وقد عبث بها «صدقي باشا» أمام الأجنبي حتى ظهر ازدراء الأجنبي للمصريين، وطمع الأجنبي في المصريين، واستغلال الأجنبي للمصريين، وإذلال الأجنبي للمصريين. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الكرامة الوطنية، وقد جهد «صدقي باشا» ما استطاع، وأنفق «صدقي باشا» ما يملك وما لا يملك لينسي الناس كرامتهم الوطنية. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الاستقلال، وقد أصبح أمامه كلامًا لا معنى له، ولفظًا لا يدل على شيء، ولونًا من ألوان العبث، وفنًّا من فنون الجدل.
فأما الاقتصاد، وما أدراك ما الاقتصاد؟ فأما المال، وما أدراك ما المال؟ فأما الأزمة، وما أدراك ما الأزمة؟ فلن يستطيع «صدقي باشا»، إن واتته الصحة والقوة، وأذعنت له البلاغة والبيان، أن يعرض لها، ولو قد فعل بعد أن حيل بينه وبين الحكم، وصُرفت عن تأييده الشرطة والجنود، وكف عن معونته أصدقاؤه المحايدون، نعم، لو قد فعل لصاحب به الملايين: لا تذكر الاقتصاد وقد أفسدته، ولا تذكر المال وقد أقللته، ولا تذكر الأزمة وقد تركتها تتحكم في الرقاب. نعم، ولو قد فعل لم يستطع إلا أن يضحك من نفسه، ولم يستطع إلا أن يضحك منه الأولياء والأصفياء. ومع ذلك فقد كان يقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان إن «صدقي باشا» رجل الاقتصاد، ورجل المال، وحلّال الأزمات.
كل شيء يُبعد «صدقي باشا» عن السياسة، وكل شيء يفرض على رجال السياسة ألا يحسبوا لهذا القائد العظيم والزعيم البارع حسابًا منذ اليوم؟ فقد أراد الله — ولا مردَّ لما يريد الله — أن يُطوى سجلُ حياته منذ يوم الخميس. ولعل أصدق تصوير لموقف الرئيس المستقيل، أو للموقف الذي ينبغي أن يقفه الرئيس المستقيل، ما روته «المقطم» أمس من أنه سيعبر البحر في الشهر المقبل إلى حيث يريح ويستريح، إلى حيث لا يخطب ولا يكتب، إلى حيث لا يجول ولا يصول، إلى حيث لا يُعنى بالسياسة من قريب أو بعيد. وإذن فماذا يكون بعد أن انقضى هذا الليل الطويل بما فيه من أحلام وأوهام؟ وعمَّ تشرق الشمس بعد أن أفاق «صدقي باشا»، فإذا عظمته كلها هباء، وإذا سلطانه كله وهم باطل، وظلٌّ زائل، لم يُفِد صاحبه إلا فوائد عاجلة فانية، ولقيت مصر في زمنه شرَّ ما لقيت في هذا العصر الحديث.
أما ما تريده الأمة بعد أن كُشف عنها هذا الضر، وجُليت عنها هذه الظلمة، وأُزيح عن صدرها هذا الكابوس الثقيل، فذاك شيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. فقد وثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة آمنة، فارتاعتْ؛ فيجب إذن أن يزول الروع، وأن يعود الأمن. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة غنية، فافتقرت؛ فيجب إذن أن يزول الفقر، وأن يعود الغنى. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة حرة، فقيدها وقهرها؛ فيجب إذن أن يزول التقييد والقهر، وأن تعود الحرية مطلقة مشرقة مبتسمة، مبسوطة الجناحين على المصريين جميعًا. و«صدقي باشا» لم يُسلِّط هذا الشر كله على مصر إلا لأنه غلب مصر على حقها، وحكم مصر على غير ما كانت تريد، وسخَّر مصر للأهواء على حين كان يجب أن يُسخَّر كل شيء لمصر؛ فيجب إذن أن تعود الحال إلى مثل ما كانت عليه قبل أن يعدو «صدقي باشا» على أمته، ويثب «صدقي باشا» إلى مناصب الحكم.
لا ترضى الأمة بغير هذا، ولا تستقيم الأمور بغير هذا، ولا تعرف مصر راحة بغير هذا. فأما ما يُراد بمصر بعد أن انجلى ذلك الليل الطويل الثقيل، ليل «صدقي باشا»، فشيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. المنهزمون المخفقون يطيفون برئيسهم المنهزم المخفق، فيمثلون قصة «الحزب السياسي» الذي يطمع في أن تكون له كلمة مسموعة، أو رأي يُلتفت إليه، وهذا أسخف ما يقع في مصر الآن، وأقل ما يستحق العناية من المصريين.
والمستوزرون الطامعون يلتقون سرًّا وجهرًا، ويدبرون أمرهم بينهم، ويصطنعون ضروبًا من التشكيلات والتلفيقات، يضيفون رئاسة الوزارة إلى اتحادي مرة، وإلى مستقل مرة أخرى، ويلفقون حول هذا الرئيس طائفة من الأسماء والأشخاص، تجمعهم الأهواء والميول، ثم ينتظرون ما سيجري به القضاء، وقد يدفعهم الأمل الكاذب إلى أن يجدوا في توجيه القضاء كما يريدون. ولا يتحدث أحد عن هذه الضحية البريئة التي ذاقت ألوان العذاب أكثر من ثلاثة أعوام، ولا يفكر في رفع العذاب عنها، أو رد الحرية إليها، أو استمداد القوة منها.
منهزمون مخفقون يريدون في غير غناء أن يُخفوا الهزيمة والإخفاق، ومستوزرون طامعون يريدون في غير حياء أن يثبوا إلى الحكم وثوبًا، والأمة تنظر إلى أولئك متهكمة، وإلى هؤلاء متحدية، وتثق بأن الذين لم يعتبروا بهزيمة المنهزمين وإخفاق المخفقين، ولم يتحرجوا من أن يفكروا في انتهاج ما كان لهم من نهج، وسلوك ما اتخذوا من سبيل، سيلقون مثل ما لقي أصحابهم من قسوة الظروف، وتنكر الأيام، وسخرية القضاء، وسيصبحون كما أصبح أصحابهم منهزمين مخفقين، يريدون في غير غناء أن يستروا الهزيمة ويخفوا الإخفاق.
كلا، ليس الأمر ستر هزيمة وإخفاق، وليس الأمر وثوبًا إلى الحكم واستئثارًا بالسلطان، وإنما الأمر الذي تفرضه الظروف الآن فرضًا قاسيًا، وستفرضه غدًا فرضًا أشد قسوة وعنفًا، هو أن يندم المنهزمون المخفقون على ما جنوا على أمتهم وأنفسهم من السيئات، وأن يخلص المستوزرون الطامعون من كواذب الأماني ودوافع الطمع، وأن يعلم أولئك وهؤلاء أن حياة الأفراد أقصر وأضيق وأهون من أن تحتمل الجناية على الشعوب، والإساءة إلى الأمة، والاستئثار بالحق دون أصحاب الحق.
فاللهم اهدِ الطامعين والمترددين إلى أن يفهموا الواجب، ويشعروا شعورًا قويًّا أن المصير الذي آل إليه «صدقي باشا» ليس شيئًا يُطمع فيه رجل له قلب أو عقل يُحسنان الإحساس والتفكير.
[1] كوكب الشرق في ٢٣-٩-١٩٣٣. -
نجدة
نجدة
إذا[1] قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.
[1] كوكب الشرق في ٢٩-٨-١٩٣٣. -
نزاع
نزاع
موضوعه[1] هذا الميراث الثقيل الذي سيتركه صاحب الدولة رئيس الوزراء حين يستقيل في وقت قريب جدًا فيما يقول المكتب السياسي لصحيفة «الديلي تلغراف». ومع أن هذا الميراث ليس غنيًا ولا مثريًا، وليس يسيرًا ولا سهلًا ولا خفيف الاحتمال، فإن الازدحام عليه شديد، والتنازع فيه أشد، والخصومة فيه عنيفة لا تكاد تهدأ إلا لتثور، ولا تكاد تستقر إلا لتضطرم من جديد.
وهذا النزاع يظهر واضحًا جليًا في لندرة حيث تفيد الخصومات فيما يظن، وحيث ينفع النضال كلما ضعف الإيمان بقوة الشعب، واشتد الاستهزاء بحق الشعب، واستيقنت الأحزاب التي تطمع في الحكم أو تحرص على استبقائه في أيديها أن الاعتماد على الشعب لا ينفع ولا يفيد، لأن الشعب لا يملك أو لا ينبغي أن يملك من أمر نفسه شيئًا. ومهما تعلن حكومة الإنجليز حيادها، ومهما تلح في إعلان الحياد، فإن الذين يكلفون بالحكم أو يحرصون على استبقائه في أيديهم يعلمون حق العلم أن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع أن ترضى أن يقضى في مصير الوزارات المصرية وهي غائبة أو دون أن تستشار، ودون أن يكون لمشورتها الخطر العظيم والأثر البعيد.
فهم لذلك يهدؤون، وهم لذلك يسكتون في مصر ويتكلمون في بلاد الإنجليز. وما الذي يدعوهم إلى أن يضطربوا في القاهرة أو يتكلموا في مصر، وقد رأوا أن أهل القاهرة وأهل مصر يحتملون الوزارة القائمة على ضيق شديد بها، وكره شديد لاحتمالها، دون أن يملكوا أن يتخففوا من هذا الحمل الذي لا يطمئنون إليه؟ أما أهل لندرة وأهل إنجلترا فيظهر أن كلمتهم مسموعة، وأن لرأيهم في الشئون المصرية خطرًا أشد، وأثرًا أبعد مما لرأي الناس في هذه البلاد.
والذين يختصمون ويختلفون في لندرة فريقان: فريق مؤتلف بالفعل، وفريق يريد أن يأتلف. فأما الفريق المؤتلف بالفعل فهو هذه الأحزاب أو أشباه الأحزاب التي تتولى الحكم أو تظن أنها تتولاه، والتي تعيش في ظلها وتدور من حولها. وأما الذين يريدون أن يأتلفوا فقوم آخرون ليس من اليسير أن تحددهم تحديدًا دقيقًا أو تعينهم تعيينًا واضحًا لا يقبل شكًا ولا جدلًا، ولكنهم يريدون، ثم يتمنون ما يريدون، ثم يحلمون بما أرادوا وتمنوا، ثم يخيل إليهم أن قد صحت الأحلام وتحققت الآمال، فيتهيئون للسعي إلى الدواوين، والجلوس على كراسي الوزراء، واستقبال المهنئين، ثم البدء في تصريف الأمور، والاستمتاع بلذة هذا التصريف.
أولئك وهؤلاء يذيعون الأخبار في لندرة، ثم ينقلونها إلى القاهرة لتذاع في مصر، ثم ينتظرون أثرها في الناس، وهم يعيشون على ذلك.
منذ ظهرت أعراض الضعف على الوزارة القائمة، ومنذ ألمَّ المرض برئيس الوزراء، وأسهم أولئك وهؤلاء ترتفع حينًا، وتنخفض حينًا في لندرة. فإذا «التيمس» و«الديلي تلغراف» وغير «التيمس» و«الديلي تلغراف» ترفع هذه الأسهم مرة حتى يُخَيَّل إلى أصحابها أنها رابحة كل الربح، ثم تخفضها مرة أخرى حتى تروع أصحابها وتكاد تقنعهم بأنها خاسرة كل الخسران. والظريف الطريف أن أسهم أولئك وهؤلاء، على ما يختلف عليها من أعراض الربح والخسران، ومن مظاهر الارتفاع والانخفاض، خاسرة في القاهرة وفي مصر، لا يكاد يهتم بارتفاعها وانخفاضها إلا هذا الفريق الضئيل الذي وقف حياته على أن يدور حول الوزراء والمستوزرين.
أما الشعب فثابت في موقفه، مصرٌّ على حقه، مطمئن إليه، ساعٍ إلى آماله، مُلحٌّ في السعي إليها، صابر على محنته، مُلحٌّ في الصبر عليها، ساخر من أولئك وهؤلاء الذين يختصمون ويسرفون في الخصومة عند الإنجليز، والذين يضحكون من أنفسهم أولاء الإنجليز.
كانت الصحف الإنجليزية ترى أن العدول عن الأحزاب المؤتلفة الحاكمة إلى لون آخر من الائتلاف أمر هو الخير كل الخير، وهو النفع كل النفع، وهو الضرورة التي لا منصرف عنها ولا مفر منها. وكانت تلمح لصدقي باشا حينًا وتصرح له حينًا آخر، وتلين مرة وتشتد مرة أخرى، وتدعوه على كل حال إلى أن يستقيل، ثم تعدل عن هذا الموقف إلى موقف آخر، فتؤيد رئيس الوزراء تصريحًا أو تلميحًا، وتهاجم خصومه تصريحًا أو تلميحًا، وتنهاه مرة في قوة، ومرة في ضعف عن أن يستقيل.
وكلما اتخذت هذه الصحف الإنجليزية كلها أو بعضها، كبارها أو صغارها، موقفًا من هذه المواقف ارتفعت أسهم أولئك وانخفضت أسهم هؤلاء، وابتسمت ثغور أولئك وعبست وجوه هؤلاء. وليس من شك في أن الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف» ونقل إلى مصر أمس واليوم قد رفع أسهمًا وخفض أسهمًا، وقد رسم الابتسام على وجوه قوم، وغشي بالعبوس وجوه آخرين. فقد يظهر أن «الديلي تلغراف» أو أن مكتبها السياسي يرى منذ أمس أن هذه الأحزاب المؤتلفة الحاكمة، أو التي يُخيَّل إليها أنها حاكمة، يجب أن تظل محتفظة بالحكم أو بما يُخيَّل إليها أنه الحكم، وأن الذين يفكرون في أن يخلفوها على الحكم أو على خيال الحكم ينبغي لهم أن يعرضوا عن ذلك ويريحوا أنفسهم من التفكير فيه.
وكانت «الديلي تلغراف» ترى غير هذا الرأي حتى اضطر رئيس الوزراء إلى أن يخرج عن راحته وصمته ويبرق إليها عاتبًا مستعطفًا، مطالبًا بالإنصاف.
وليس لهذا الموقف الجديد بعد ذلك الموقف القديم معنى إلا أن الذين يختصمون حول رضا «الديلي تلغراف» وأشباهها من الصحف الإنجليزية قد ألحوا في الخصومة، وغالوا في التنافس أيهم يظفر بهذا الرضا، فنجح المنتظرون منذ أسبوعين، ثم نجح الحاكمون منذ أمس. ولا بد أن كانت عند المنتظرين بقية من قوة وفضل، ومن قدرة على الإلحاح في الخصومة والمضي في الجهاد، من أن تقرأ غدًا أو بعد غد، أو في الأسبوع المقبل أو الذي يليه، في «الديلي تلغراف» أو في غير «الديلي تلغراف» فصل يروق المنتظرين، ويحمل هذه «الديلي تلغراف» على أن تنشر تأييدًا للمنتظرين وهجومًا على القائمين بالحكم. وسيظل هذا النزاع قائمًا شديدًا عنيفًا حتى يقضي الله قضاءه بين هؤلاء المختلفين. ولكن أمرين اثنين خليقان بالتفكير والاعتبار، أحدهما يثير الحزن ويبعث الأسى، والآخر يحيي الأمل ويقوي الرجاء.
فأما الأول فهو موقف رئيس الوزارة بعد أن طال عليه المرض، واستيقن أصدقاؤه وخصومه أن العناية بصحته أنفع وأجدى عليه من الاحتفاظ بمنصبه. فقد أصبح بقاؤه في الحكم أمرًا مفروغًا منه فيما يظهر؛ يؤكد أصدقاؤه في مصر أنه مستقيل، ويؤكد أصدقاؤه في إنجلترا أنه مستقيل، ويتعزى أولئك وهؤلاء في سهولة مؤلمة ويسر محزن عن اضطرار صديقهم إلى الاستقالة. حتى صحيفة رئيس الوزراء في مصر تردد صباح اليوم إمكان هذه الاستقالة وسرورها بما تقوله «الديلي تلغراف» من أن الحكم أو خيال الحكم سيبقى في أصدقاء الرئيس أشد وأظهر، لا نقول من حزنها، بل نقول من أسفها لأن الرئيس سيستقيل. وأكبر الظن أن سرورها — إن تحققت نبوءة «الديلي تلغراف»، وبقي الحكم في أصحابها — سيكون أظهر وأنصع من حزنها لاضطرار رئيس الوزراء إلى أن يستقيل.
ومعنى ذلك أن إخلاص الناس للناس محدود، وأن وفاء الناس للناس قصير المدى، وأن إيثار الناس لأنفسهم حتى على الذين يخلصون لهم ويحسنون إليهم أمر شائع مألوف، إذ قامت صلات الناس على المنافع العاجلة لا على المبادئ الخالدة. وكذلك جدَّ رئيس الوزراء وأجهد نفسه، ولقي من الجد والجهد ما دفعه إلى المرض وما سيضطره إلى الاستقالة، ثم يتخلى أصدقاؤه عنه هادئين ما دام الحكم يمكن أن يبقى فيهم.
وأما الثاني فهو أن الذين يدورون حول الحكم في مصر وفي إنجلترا يبذلون ما يستطيعون وما لا يستطيعون من القوة والجهد دون أن يجدوا مخرجًا من هذا المأزق الذي تورطوا فيه حين خُيِّل إلى أنفسهم أنهم يستطيعون أن يقضوا في أمر مصر على غير رضًى من مصر. فقد ظهر ألف دليل ودليل على أن رئيس الوزراء لا بد له من أن يستقيل، ولكن ظهرت ألف صعوبة وصعوبة في سبيل من يخلف رئيس الوزراء، لأن الذين يدورون حول الحكم الآن لا يريدون أن يرجعوا فيه إلى مصر. وما دام الأمر كذلك فهم مضطربون وسيظلون مضطربين بين المؤتلفين الآن على الحكم أو خياله، والذين يريدون أن يأتلفوا على الحكم أو خياله.
وقد يبقى هؤلاء المؤتلفون حيث هم، وقد يقوم مقامهم قوم آخرون، لكن أمور مصر ستظل مضطربة مختلطة، وستمعن في الاضطراب والاختلاط حتى يضطر الذين يصبون إلى الحكم إلى أن يلائموا بين مواقفهم وبين طبيعة الأشياء، وإلى أن يعترفوا بأن قد مضى الزمن الذي تُحكَم فيه الشعوب على غير ما تريد.
[1] كوكب الشرق في ١٣-٨-١٩٣٣. -
قوة
قوة
قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣ -
مناظرة بين بحر ونهر
مناظرة بين بحر ونهر
أخذ النهر ينحدر من أعالي الجبال وهو يجمع ماءه من الجداول والعيون ومن الثلوج المتراكمة والبحيرات المنتشرة، ثم لم يزل يهوي من منحدر إلى منحدر، ومن جندل إلى جندل، ومن واد إلى واد حتى وصل بعد سير طويل وجهد غير قليل إلى بحر عظيم فسيح، فأخذ ينصب فيه انصبابا، وينسكب فيه انسكابا.
ثم قال له بعد أن دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى: «أيها اليم الخضم المفعم! نعمت صباحا، ولقيت نجاحا، ولا زلت ممتعا بصحة وعافية وعيشتك ناعمة راضية».
«يا حبذا أنت أيها البحر، لولا أن ماءك ملح أجاج، وأنك دائما في غضب وهيجان وارتعاد وارتجاج، وإنك تكثر الزئير والصياح، ثم لا تتحرك إلا إذا دفعتك الرياح. أو لست أنت يا نسل الأمجاد الذي قال فيك العقاد:
يا حبذا البحر في عمق وفي سعة (لو كان من سكر أو كان من عسل)
فأما وأنت خال من السكر ومن العسل فإني لا أراك تنفع في الدنيا ولا تشفع في الأخرى».
قال الراوي: «فلم يكد البحر يسمع هذا المقال حتى استولى عليه الغضب وأخذ يرغي ويزبد، وانبعثت من سطحه أمواج كالجبال فاندفعت نحو النهر فصفعته ثم عادت فلطمته.»
وقال للنهر: «ويل لك من لكع سيئ الأدب، لا تعرف لنفسك قدرا، ولا تدرك مما في الوجود أمرا، فأنت أيها المجرى الحقير الضئيل الذي له طول وليس له عرض ولا عمق، والذي لو شئت لطمسته طمسا ومحوته من الوجود محوا، لعمري إني الجدير بابتلاعك أنت والأنهار جميعا لولا أنك وعصبتك أحقر من أن أكثر لكم أو أضيع وقتي في جدالكم».
فقال النهر: «على رسلك أيها الشيخ! وأخلق بك أن تهدأ من غلوائك وتخفض من كبريائك، وإلا فمتى اختلت موازين الأمور فأصبح الفضل للضخامة والجسامة؟
ماذا يجدي حجمك العظيم وسطحك الطويل العريض، وهذا ماؤك مالح ووجهك كالح وعملك غير صالح. انظر إليّ! ما أعذب مائي كالسلسبيل، وما أحسن خريره وقت الأصيل، وما أبدع مجراه من منظر جميل. الناس جميعا يغترفون من مناهله، فكم رويت ظمآنا وأشبعت جوعانا! ومن ذا الذي يقرن الملوحة إلى العذوبة، ويفضل المرارة على الحلاوة؟ فاعترف إذن بقصورك وعجزك، ودعني من همزك ولمزك.»
قال الراوي: فعند ذلك زخر البحر وزمجر، وعلا واستكبر، ووضع رجلا على رجل، وجعل يبرم شاربه بيساره، ويشير مهددا بيمينه، وقال للنهر: يا وضيع النسب وقليل الأدب، أما تعلم أني أنا الذي أمدك بالماء إذ يتصاعد من سطحي البخار، ثم تحمله الرياح سحابا، ثم تلقي به مطرا، ثم يسيل جداول وأنهارا حقيرة مثلك. فيالك من كافر للمنة، جاحد للنعمة. والله لئن منعت عنك الماء والمطر لجف أيها الشقي حلقك، وشاه خلقك، وانطمست معالمك وجفت مسايِلك، ولكني لحسن حظك أنت وزمرتك رجل واسع الصدر، لا أحفل بالصغار أمثالك، ولا بالصغائر. فدعني أيها الحقير فإني عن جدال مثلك في شغل.
فأجابه النهر وهو يحاوره، لكن في شيء من السخرية والتهكم اللاذع على طريقة برنارد شو وطه حسين فقال: أجل لعمري إنك لفي شغل حقا! في شغل كثير عني وعن أمثالي! ولولا أنني أجري في أرض مصر وهي بلاد المضحكات، وقد ألفت رؤية المضحكات واستماعها حتى لم تعد تضحكني، لولا ذلك لقهقهت ضاحكا حتى بدا لك ما بقاعي من الحصى والرمال. أنت إذن في شغل عنا أيها البحر! عظيم جدا، ولكن قل بأبيك إن كان لك أب: ما هذا الذي يشغلك؟ أهو شيء آخر سوى التخريب والتدمير والإغراق والإرهاق؟ تسليتك الكبرى أن تظفر بسفينة مسكينة فتسلط أمواجك عليها، ثم تتلاعب بها ذات اليمين والشمال، وبعد أن تمعن في تعذيب ركابها تأخذ في ابتلاعهم والتهامهم، وإن بك جوعا لا يشفى وعطشا إلى الدماء لا يروى، وشرها ونهما ليس للضواري مثلهما، وبطنا أعترف لك أنه واسع فسيح، ولكن ملآن بالسحت وبالمال الحرام. فأي فخر لك في هذا لو أن بك من الفهم بقدر ما لك من الحجم؟
أما أنك المصدر الذي يمدنا معشر الأنهار بالماء، فهذا كلام قصير النظر الذي لا يرى أبعد من أنفه، ولو أنك لبست منظارا ترى به الأمور على حقيقتها لأدركت أن الماء الذي يتصاعد بخارا ثم يصير سحابا، إنما تثيره الشمس بحرارتها، وترفعه إلى السماء رغم أنفك، ولو كان الأمر إليك أنت لم ظفرنا منك بقطرة واحدة. وعلى كل حال فإنا نرد إليك ماء جاريا، لا بخارا طائرا، ولو أن ماء الأنهار على كثرته لا يكفي— ويا للأسف— لأن يكسبك حلاوة وعذوبة، وستبقى مدى الدهر صابا علقما، وملحا أجاجا.
فهنالك لم يطق البحر صبرا على ما توهمه قحة وبذاءة من نهر حقير ضئيل، فأرسل مده على النهر فطمسه وأخفى معالمه إلى حين، فيا ويل الضعفاء والمساكين من الأقوياء المستترين.
قال الراوي: وكان مفتش من وزارة المعارف المصرية بالقرب من مكان الحوار فأعجبه ما سمع وأقسم ليجعلنه موضوعا لإنشاء العربية في امتحان الشهادة الابتدائية.