Tag: press criticism

  • تهالك

    تهالك

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢١ مارس ١٩٤٦

    أشارت بعض الصحف منذ أيام إلى أن حليفتنا العزيزة ليست متعجلة في اختيار المندوبين الذين يمثلونها في مفاوضات صدقي باشا. وكان رئيس وزرائنا العظيم في الإسكندرية يستريح من عناء الأعمال، أو يستزيد من عناء الأعمال، أو يجمع بين العمل والراحة كما تعود أن يجمع بين المتناقضات؛ لأنه جمُّ النشاط على رغم الأحداث والخطوب.

    كان في الإسكندرية يعمل أو يستريح، أو كان في الإسكندرية يعمل ويستريح، حين قرأ هذه الإشارة العابرة في بعض الصحف، فلم تكن هذه الإشارة عابرة بالقياس إليه، وإنما كانت إشارة مستقرة ملحة في الاستقرار قامت أمامه لا تزول، لا تنحرف إلى يمين ولا إلى شمال، وإنما تثبت في مكانها كأنما شدَّت إليه بأمراس الكتان. ويريد رئيس الوزراء أن يحول بصره عنها فلا يستطيع، وإذا هي تثير في نفسه قلقًا، وإذا القلق يستحيل إلى خوف، وإذا الخوف يستحيل إلى فزع، وإذا رئيس الوزراء يتصل بلندرة فيما يقول. والأسباب للاتصال بلندرة كثيرة، منها التليفون ومنها البرق، ومنها الموجات النفسية التي تخترق حجب الغيب دون أن تخترق أجواء السماء، ومنها الخيال الذي يطوف بأقطار الأرض، بل يطوف بأجواء الكواكب الأخرى وصاحبه مقيم في مكانه لا يريم.

    اتصل رئيس الوزراء بلندرة في الحال على أجنحة الحق أو على أجنحة الخيال، ثم عاد من لندرة. وكان ذهابه إليها وعودته منها أقصر من لمح البصر، والشاعر العربي يقول:

    ما بين طرفة عين وانفتاحتها يغير الله من حال إلى حال

    ذهبت نفس رئيس الوزراء إلى لندرة كئيبة ساخطة، وعادت منها مجبورة راضية، فلم تستقر في الإسكندرية إلَّا ريثما اتصلت بالقاهرة، واتصلت بالقاهرة من طريق التليفون فأملت على صحف كثيرة لا على صحيفة واحدة ما يزيل هذا القلق الذي ألم بالنفوس، وهذا الخوف الذي روع القلوب، وهذا الفزع الذي أزعج الضمائر عن مواضعها.

    أملتْ على كثير من الصحف أنباء هذه الرحلة القصيرة السريعة الخصبة بين الإسكندرية ولندرة. هذه الرحلة التي عادت بالنبأ اليقين إلى صدقي باشا قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فملأت قلبه أمنًا وثقةً واطمئنانًا، لأنها نفذت إلى أعماق وزارة الخارجية البريطانية، بل إلى أعماق نفوس المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية، ثم عادت تقول كذب المنجمون ولو صدقوا، وكذبت شركات البرق وإن لم تقل إلا حقًّا، وكذبت تنبؤات الصحف وإن قرأت في أسرار الغيب. وعادت تقول: إن الحكومة البريطانية ليست متمهلة ولا مستأنية ولا محبة للإبطاء في اختيار المفوضين، ولكنها ستعينهم فورًا في التو والساعة قبل أن يرتد إلى صدقي باشا طرفه مرة ثانية، قبل أن ينقطع حديث التليفون، قبل أن تقف أقلام الكتاب عن الحركة، قبل أن تصدر الصحف، وقبل أن يقرأها القراء. فما ينبغي أن تعين مصر ممثليها في المفاوضات وتتأخر بريطانيا العظمى في تعيين هؤلاء الممثلين.

    وليست رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات بأقل من رغبة مصر، وليست حاجتها إلى المفاوضات بأقل من حاجة مصر. وقد دل كل شيء وما زال كل شيء يدل على أن بريطانيا العظمى تحب التعجيل كل الحب، وتبغض التأجيل كل البغض. وآية ذلك أنها عذبت النقراشي باشا عذابًا شديدًا لكثرة ما ألحت عليه في طلب المفاوضات، فكان النقراشي باشا بين نارين، بل بين نيران؛ نار المستر بيفن الذي يدعوه إلى المفاوضات، ونار صدقي باشا الذي يدفعه إلى المفاوضات، ونار مكرم باشا الذي يحثه على المفاوضات، ونار الشعب المصري الذي يطالبه بالمفاوضات. فلما ترك النقراشي باشا منصب الحكم ووثب إليه صدقي باشا؛ اشتدت رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات اشتدادًا أشمت فيها العدو، وأخاف عليها الصديق، وملأ قلب صدقي باشا رحمة وحنانًا، فتعجل الإجراءات للدخول في المفاوضات، وما هي إلَّا أيام قليلة أو كثيرة حتى اختار المفوضين واستصدر المرسوم بتعيينهم.

    وفي أثناء ذلك تنشر الصحف أن بريطانيا متمهلة لا متعجلة! كلام فارغ ما في ذلك شك؛ فبريطانيا متعجلة كل العجلة، مسرعة كل الإسراع، متهالكة أشد التهالك. بذلك جاءت الأنباء إلى صدقي باشا يوم الجمعة الماضي في الإسكندرية حين كان فيها يعمل أو يستريح أو حين كان فيها يعمل ويستريح. وبذلك حدثتنا الصحف صباح السبت؛ فاطمأنت مصر إلى أن حليفتها العزيزة لا بأس بها ولا خوف عليها من تأخر المفاوضات. وقضى الناس يوم السبت يعتقدون أن أمور الحليفتين الحبيبتين؛ حكومة صدقي باشا في القاهرة وحكومة المستر إتلي في لندن تجري على خير ما تحبان، والله عز وجل يؤلف بين القلوب وإن كانت متنافرة، ويلائم بين النفوس وإن كانت متباعدة، وينشئ الحب بين حكومة رأس المال في مصر وحكومة الاشتراكية في لندرة، ويعطف الضد على الضد والنقيض على النقيض. ولذلك لم يشتق حبيب قط إلى حبيب كما اشتاقت حكومة رأس المال في مصر إلى حكومة الاشتراكية في لندرة، ولم يكلف عاشق قط بعاشق كما كلفت حكومة الاشتراكية في لندرة بحكومة رأس المال في القاهرة.

    ومن أجل هذا اطمأن الناس في مصر وفي بريطانيا العظمى يوم السبت الماضي إلى أن الحبيبين يتعجلان اللقاء بعد أن طال الفراق، وإلى أن العاشقين يتعجلان الوصال بعد أن اشتد الهجران. وتغرب الشمس ثم تشرق، وإذا العواذل قد أفسدوا كل شيء، وإذا الوشاة قد أجَّلوا ما كان حقه التعجيل، وإذا الرقباء قد نزغوا بين الحبيبين كما ينزغ الشيطان بين المرء ونفسه. فظلت بريطانيا العظمى متمهلة لا تختار المفوضين ولا تسميهم ولا تعينهم ولا ترسلهم، وإنما ترسل السفير. على حين تتعجل مصر وتسرف في التعجل وتسرع مصر وتغلو في الإسراع، فتحرق السفن من ورائها وتلغي الشعب المصري إلغاءً، وتختار المفوضين من القلة القليلة بعد أن عجزت عن اختيارهم من الكثرة الكثيرة. وما أسرع ما تغيرت الحال، وأصبح لسانها ينشد في كثير من الحزن والاكتئاب قول عمر بن أبي ربيعة:

    وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا

    وهذا المتيم بالطبع هو صدقي باشا الذي قربت بريطانيا العظمى له ولأصحابه أسباب المنى، فجعل يقيس ذراعًا كلَّما قاس المستر إتلي أو المستر بيفن أصبعًا. ويكفي أن تنظر فترى مصر قد خطت خطوات واسعة بعيدة كأنها خطوات المردة في سبيل المفاوضات. فكم قطع سفيرنا أجواء الفضاء بين لندرة والقاهرة وبين السفارة والوزارة في لندرة! ثم كم تحمل صدقي باشا من جهد وكم حمَّل الأمة نفسها من جهد ليهيئ للمفاوضات ويخلق لها الجو الملائم! ثم كم ذاد صدقي باشا النوم عن عينيه وعن أعين الناس ليؤلف وفد المفاوضات! فهو لم يقس ذراعًا وإنما قاس أذرعًا. على حين ظلت بريطانيا العظمى هادئة نائمة — أو كالنائمة — لم تختر المفوضين، وإنما اختارت السفير. ولم تكد تختار السفير حتى مرض، ولعله مرض قبل أن تختاره. وجعل الشفاء يبطئ في سعيه إلى السفير، وجعل الأطباء يتعللون على المريض؛ منهم من يأذن له بالإبلال، ومنهم من يلح عليه في الانتظار.

    وفي أثناء ذلك كانت مصر تقيس ذراعًا وذراعًا وذراعًا حتى تعبت من القياس، ثم أذن الله لبريطانيا العظمى فقاست أصبعًا واحدة لم تزد عليه شيئًا وأرسلت إلينا السفير.

    وكذلك أصبح الناس يوم الأحد الماضي وإذا الشركات البرقية تناقض صدقي باشا أشد المناقضة، وتلح في أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين، وليست متعجلة في اختيارهم، ولعلها لا تحتاج إلى اختيارهم، فالسفير فيه الكفاية. ومن الناس من يعد بالعشرات والمئات والألوف أحيانًا، فقد يكون السفير رجلًا من هؤلاء الناس الذين يعد الواحد منهم بالعشرات أو بالمئات. والمهم أن الصحف وشركات البرق قد ناقضت يوم الأحد ما أكده صدقي باشا يوم السبت.

    وكانت الأهرام ماكرة ماهرة، فهي قد احتجبت يوم السبت كدأبها في كل أسبوع، فلما ظهرت يوم الأحد اختصرت الطريق لقرَّائها، وعرضت عليهم تصريح صدقي باشا وتصريح روتر، ولم تعلق بشيء لأنها حريصة دائمًا في الحياد.

    وقد انقضى الأسبوع أو كاد ينقضي، وكل شيء يعلن أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين إلى الآن. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقد عرف صدقي باشا كيف يستفيد من حكمة الحكماء، وكيف ينتفع بشعر الشعراء، فقرر منذ يومين أو أيام أنه سيسلك مع الصحفيين مسلك عَبْدَةَ صاحبة بشار في البيت المشهور:

    وإذا قلت لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم

    ولذلك أعلن للصحفيين أنه لن يتحدث إليهم من أمر المفاوضات بشيء، حتى تنتهي إمَّا إلى جنة وإمَّا إلى النار.

    هذا كله والمفاوضات لم تبدأ بعد، وإنما هي سر من أسرار الغيب، وما زالت مصر — أستغفر الله — ما زالت حكومة مصر مقيمة هائمة تقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا، وهي قد قاست أمس أذرعًا كثيرة على حين لم تقس بريطانيا العظمى أصبعًا ولا بعض أصبع. فقد وصل السفير البريطاني أمس إلى بورسعيد ثم إلى القاهرة، والقرَّاء قد رأوا في الصحف بالطبع كيف استُقبل السفير في بورسعيد وفي القاهرة. فالقرَّاء يعلمون أن الوزراء المفوضين يأتون إلى مصر في كل يوم يمثلون دولًا مختلفة، فلا يستقبلون مثل هذا الاستقبال ولا قريبًا منه، ولا يلقون مثل هذا الاحتفاء. فما الذي يميز السفير البريطاني الذي لم يقدم أوراق اعتماده بعد من سائر الوزراء والسفراء بالقياس إلى بلد مستقل يريد أن يستكمل استقلاله، وألَّا يعترف بمركز ممتاز لدولة من الدول.

    ألا يرى القارئ أن صدقي باشا ما زال يقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا؟ ألا يوافقني صدقي باشا على أن السفير البريطاني الجديد قد جاء كما يجيء غيره من ممثلي الدول، فكان يجب أن يُستقبل كما يُستقبل غيره من ممثلي الدول لا أكثر ولا أقل؟ ذلك أجدر أن يُشعر بريطانيا العظمى بأننا نؤمن بالاستقلال على أنه حقيقة لا مظهر، وذلك أجدر بأن يشعر السفير البريطاني بأننا نُقبل على المفاوضات أحرارًا لا نتقيد بشيء. نُقبل عليها كما يقبل الند لمفاوضة الند، لا كما يقبل الصغير على مفاوضة الكبير. ستذكر المجاملات! فليست بريطانيا العظمى أحق بأن تمتاز من غيرها من الدول بمجاملات خاصة، ولا سيما في هذه الأيام. ولكن صدقي باشا أو لسان الحال التي تتحدث عن صدقي باشا لا تستطيع أن تنسى قول ابن أبي ربيعة:

    وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا

    متى يتاح لمصر أن تقيس أصبعًا كلما قاست بريطانيا أصبعًا، وأن تعرف أن الاعتدال في المجاملة هو خيرُ ما يمتاز به الوطن الكريم؟

  • حماية (٣)

    حديث المساء: حماية (٣)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣ مارس ١٩٣٤

    إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.

    فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.

    ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.

    نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.

    ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.

    وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.

    ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.

    والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.

    كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.

    لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.

    والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.

    وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.

    ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.

    إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.

    ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام.

  • ابتهاج …

    ابتهاج …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٩ ديسمبر ١٩٣٣
    يجب أن يكون الرجل الطيب سعيدًا مسرورًا، وراضيًا محبورًا بعد أن صدر التشريع الخطير الذي أثبت للمحامين وغير المحامين أن وزارتنا تستطيع أن تنذر فتنفِّذ النذير، وأن تُوعِد فتُحقِّق الوعيد، وأن الذين يَصِفونها بالضعف ويضيفون إليها العجز ويتهمونها بالقصور، لم يكونوا يقدرونها قَدْرها، ولم يكونوا يعرفونها حق معرفتها. وإنما كانت تغريهم بها طيبة الرجل الطيب، ويطمعهم فيها حلم أعضائها الحلماء. فأما الآن فقد قام البرهان على أن الرجال الطيبين يُحْسِنون الغضب ويجيدون العقاب، وعلى أن حلم الحلماء لا ينبغي أن يغري بهم أو يطمع فيهم إلا الأغرار الذين لا يحسنون التفكير في عواقب الأمور.

    فهؤلاء المصريون يرون الآن أن ليس بين الرجل الطيب والرجل الواحد فرق. كلاهما يُحْسِن البطش حين يريد، وكلاهما يجيد إظهار القوة وإرهاب الخصم، وكلاهما يَبْلُغ من إقناع الكثرة البرلمانية ما يريد، كلاهما يستطيع أن يريد فيتم ما يريد، كلاهما يستطيع أن يقول للقوانين كوني فتكون، كلاهما يستطيع أن يُغيِّر ويُبدِّل، وأن يمحو ويثبت، وأن يقضي فيحرم في القضاء.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة؛ لِيثُوبَ الناس إلى رشدهم ويثوب رشد الناس إليهم! فقد صبر عليهم الرجل الطيب حتى استضعفوه، وأملى لهم الرجل الطيب حتى طمعوا فيه، وآن أن يُظْهِر لهم الرجلُ الطيِّبُ أن له حظًّا من القوة والكيد المتين ليس أقل من حظِّ سَلَفِهِ الرجل الواحد صدقي باشا.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة ليعلم صدقي باشا نفسه أنه ليس وحده القادر على تأييد النظام الحاضر وإنفاذ السياسة التي لا بد من أن تنفذ في المصريين، وأن في الكنانة سهامًا ليست أقل منه صلابة ولا حدة، ولا مضاء، وأنه إن كان قد عدَّلَ الدستور، وحلَّ البرلمان وأقصى عن النيابة قومًا، فإن صديقه أمس وخصمه اليوم قد عدَّلَ قوانين المحاماة، وحلَّ نقابة المحاماة — أو كاد — وأقصى عن نقابة المحاماة قومًا كما أقصى هو عن البرلمان قومًا آخرين.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة لِيُمحَى الشك، ويزول الريب، وينجلي اللبس، ويعلم الإنجليز وغير الإنجليز أنه إنْ ذَهَبَ صدقي باشا ففي مصر عبد الفتاح، وأن مصر والحمد لله ما زالت غنية بالرجال الأقوياء الذين يعرفون كيف يكون الحزم والعزم وكيف يكون البطش والبأس، وكيف تكون الإرادة والتصميم.

    فإذا كان المصريون قد خافوا صدقي باشا فيجب أن يخافوا عبد الفتاح باشا. وإذا كان الإنجليز قد وثقوا بصدقي باشا فيجب أن يثقوا بعبد الفتاح باشا؛ فليس بين الرجلين فرق قليل ولا كثير، كلاهما يعرف كيف يحارب الخصوم، وكلاهما يعرف كيف يهزم الخصوم.

    وإذا كانت وزارة صدقي باشا قد اعتمدت على خوف المصريين وثقة الإنجليز، فأقامت في الحكم أكثر من ثلاثة أعوام، فقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على خوف المصريين لأنهم سيخافونها — نستغفر الله — ما هذه السير؟ من أين جاءت؟ وإلى أين تريد؟ فالمصريون يخافون الوزارة بالفعل، لا ينتظرون بهذا الخوف مستقبلًا قريبًا أو بعيدًا.

    وقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على ثقة الإنجليز لأنهم سيثقون بها — نستغفر الله — بل هم واثقون بها منذ ارتقت إلى مناصب الحكم. وإذن فهي تستطيع أن تعتمد بيمينها على الخوف الذي يهز قلوب المصريين وبشمالها على الثقة التي تملأ قلوب الإنجليز، وأن تمضي في طريقها آمنة مطمئنة، فهذه الطريق طويلة طويلة، ليست أقل طولًا من طريق صدقي باشا، ولعلها أن تكون أكثر طولًا، ولعل الوزارة لا تقطعها قبل عشرة أعوام، فما الذي يمنع الرجل الطيب بعد أن صدر تشريع المحامين من أن يكون سعيدًا مسرورًا وراضيًا محبورًا؟! فهو قد اطمأنَّ منذ أمس — ومنذ أمس ليس غير — على أن وزارته صالحة للبقاء الطويل.

    كان صدقي باشا يداوره ويناوره، فقد عجز صدقي باشا عن المداورة والمناورة وأصبح لا يُقْدِم إلا لِيُحْجِم، ولا يكر إلا ليفر، ولا يسترد استقالته إلا ليطلب إجازة!

    كان صدقي باشا يخاصمه في الكثرة البرلمانية، فقد سلمت له الكثرة البرلمانية، وأي كثرة كان صدقي باشا ينازعه في الحزب؟! فقد سلم له الحزب، وخلصت أمامه الطريق.

    كان صدقي باشا يتهمه بالسذاجة؛ فقد ظهر أنه أقل الناس سذاجة وأبرعهم في السياسة وأقدرهم على حزم الأمور منذ أمس ومنذ أمس ليس غير، أقامت الوزارة لنفسها وللمصريين وللإنجليز أوضح الأدلة على أنها ليست وزارة أيام ولا وزارة أسابيع ولا وزارة أشهر، وإنما هي وزارة أعوام وأعوام.

    ذلك أنها برهنت للمصريين وللإنجليز على أنها كوزارة صدقي باشا حذوك النعل بالنعل، لا تخاف شيئًا ولا ترهب شيئًا، ولا تحجم عن شيء ولا تتردد في شيء، كلها مضاء مهما تكن الظروف، وكلها قوة مهما يكن الخصوم.

    تكره جماعة من المحامين وتريد أن تقصيهم عن نقابة المحامين فلا يمنعها مانع، ولا يدفعها دافع عن أن تشرع للمحامين قانونًا لا عهد للناس بمثله، وتجر أحكامه على الماضي! ثم يجتمع البرلمان فينظر في هذا القانون في سرعة لا تعدلها إلا سرعة الضوء، ويقر هذا القانون في كثرة تشبه الإجماع، ويرجئ من أَجْل هذا القانون أجلَّ المسائل خطرًا، وأعظمها في حياة الناس أثرًا، لا يتعجل التفكير في السياسة، ولا يتعجل التفكير في المال، ولا يتعجل التفكير في الاقتصاد، ولا يتعجل درس خطبة العرش التي هي برنامج الحكومة، ولا يتعجل الرد عليها، وإنما يجتمع لهذا التشريع ويفكر في هذا التشريع وينظره ويتم النظر فيه، ثم يتفرق لينفق الأعضاء أيام راحتهم هادئين، حتى إذا انقضى الأسبوع عادوا هادئين فنظروا فيما عندهم من الأعمال.

    أي قوة تشبه هذه القوة؟! وأي عزم يشبه هذا العزم؟! وأي حرصٍ على المصلحة يشبه هذا الحرص؟! لا تذكر الأزمة المالية فلو كانت موجودة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر مسألة الدين فلو كانت قائمة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر تلك الفضائح المنكرة التي امتلأ بها الجو المصري منذ أسابيع فقد نسيتها الوزارة ونسيها البرلمان، ونسيها الناس.

    ليس في مصر شيء يستحق تفكير الوزارة والبرلمان إلا نقابة المحامين. كانت خطرًا دائمًا أشد من خطر الحرب، أشد من خطر الجوع المهلك، أشد من خطر الجفاف المحرق، أشد من خطر الأوبئة الجائحة؛ لذلك فرغت لها الوزارة والبرلمان أسبوعين حتى فرغت منها وأنقذت مصر من شرها الداهم وبلائها المبين!

    الغريب أن أئمة المساجد لم يُؤمَروا وأن قسس الكنائس لم يُؤمَروا بإقامة صلاة الشكر لسلامة مصر من هذا الخطر العظيم! والغريب أن رجال الإدارة لم يقبلوا من الأقاليم على رأس الوفود الضخمة يرفعون إلى الرجل الطيب وزملائه الأبطال شكر الشعب وثناءه لأنهم أنقذوا مصر من هذا الخطر العظيم. الغريب أن المدن لم تتزين وأن الحفلات لم تقم وأن الصحف لم تمتلئ بالرسائل البرقية التي تفيض شكرًا لله وللوزراء لنجاة مصر من هذا الشر العظيم.

    إن قلوب المصريين لقاسية، وإن نفوس المصريين لجاحدة، وإن كفر المصريين بالنعمة لشيءٌ يملأ القلوب غيظًا واشمئزازًا. ومع ذلك، فالوزارة تخدم المصريين لوجه الله لا تنتظر منهم شكرًا ولا تبتغي منهم ثناء، بل لا تنتظر منهم رضًا ولا تخاف منهم سخطًا، تخدمهم رغم أنوفهم؛ لأنها أعلم منهم بمصالحهم وأبصر منهم بمنافعهم.

    والغريب بعد هذا كله أن صحف اليوم التي صدرت في الصباح كلها مخزونة آسفة؛ لأن المحامين لن يشتركوا في الحفلة الرسمية التي ستقام في عيد القضاء، ولأن سياسة الوزارة هي التي دعت إلى هذه الفرقة وحالت بين الأسرة القضائية وبين أن تشترك في إحياء عيدها كما تشترك في احتمال الأثقال التي يفرضها عليها العدل.

    أفرأيت أشد عقوقًا وإنكارًا للجميل وميلًا إلى الصغائر وإعراضًا عن عظائم الأمور من هذه الصحف؟! ماذا؟ يصدر أمس قانونٌ ينقذ المحاماة من مكرم وأصحابه، وينقذ البلاد من هذه النقابة الخطرة ويردُّ عن مصر أقبح الكوارث وأشنع الخطوب ويجعلها جزءًا من أوروبا حقًّا ويرفعها إلى مكانة البلاد المتحضرة الراقية، ثم لا تجد هذه الصحف حديثًا تَسُوقه إلى قرائها إلا هذه الفرقة التي أحدثتها الوزارة في أسرة القضاء!

    أين هذه الصحف؟! كيف تفكر؟! أيهما آثر عند مصر وأحب إليها؛ أن تحدث هذه الفرقة في الأسرة القضائية فتكون حفلة في الأوبرا لا يشهدها المحامون، ثم إذا أقبل الليل كانت حفلة في سيمراميس، وأخرى في هليوبوليس أم أن يخطب مكرم في الأوبرا بين يدي جلالة الملك وبمحضرٍ من الرجل الطيب وزملائه الأبطال؟!

    لو فكَّرَتْ هذه الصحف وقدَّرَتْ لما احتاجتْ إلى أن يُلْقَى عليها مثل هذا السؤال ولعرفت أن كل شيء أهون من أن يدخل مكرم الأوبرا وفيها جلالة الملك وفيها الوزراء، فضلًا عن أن يقوم في الأوبرا خطيبًا ناطقًا بلسان المحاماة دون هذا وتستقيل الوزارة. وهل في استقالة الوزارة خير؟! وهل رأيت وزارة تسعى إلى الاستقالة؟! وهل استقالة الوزارة إلا النكبة الكبرى والكارثة العظمى والخطر الذي لا يستطيع أن يثبت له المصريون؟!

    كل شيء بخير! قد سلمت مصر من نقابة المحامين، وسلمت الوزارة من خطبة مكرم، واستقام كل شيء لكل إنسان، فلم يبقَ إلا أن نبتهج ونغتبط، تبتهج مصر كلها بما قُدِّرَ لها من النجاة، وتبتهج أسرة القضاء مفترقة بعيدها السعيد، وتبتهج الوزارة لأنها قد انتهت بالسياسة المصرية إلى أقصى ما يطمع فيه المصريون، وهل يطمع المصريون في شيءٍ كما يطمعون في هذا الوفاق والوئام والاتحاد الذي وصلت بهم الوزارة إليه؟!

  • حيرة

    حيرة
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، ذلك الصديق الإنجليزي القديم لرئيس الوزراء ووزارته القائمة حين أبرق إلى صحيفته الديلي تلغراف بتلك الرسالة المشؤومة التي نشرت منذ عشرة أيام.
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، لا لأنه أخطأ الحق أو جاوز الصواب في أكثر ما قال، فعلم ذلك عند الله، وعند الراسخين في العلم بأمور السياسة المصرية العليا أثناء هذا الصيف، ولكن لأنه وصل من إيذاء الوزراء والتنغيص عليهم إلى أبعد مما كان يريد في أكبر الظن. فما نعلم أن الصداقة بينه وبين الوزارة القائمة قد قطعت أو آذنت بالزوال، وما نظن إلا أنه كان يريد أن ينبئ صحيفته وقراءها ببعض الحقائق الواقعة أو ببعض الأشياء التي طلب إليه أن يصورها في صورة الحقائق الواقعة، ولعله لم يبخل على نفسه بغمزات خفيفة ينال بها الوزراء ورئيسهم المتعب المكدود. فتجاوز هذا كله إلى الإزعاج، وتجاوز هذا كله إلى ما يورط الوزراء في حيرة ليس بعدها حيرة، وارتباك ليس بعده ارتباك. ومن يدري؟ ففي الإنجليز مكر ليس من اليسير أن تصل إلى أعماقه أو أن تبلغ حدوده. فلعل هذا الكاتب أن يكون قد أراد امتحان الوزارة والوزراء، وإقامة الدليل الساطع والبرهان الناصع على أنها أضعف من أن تنهض بأعباء الحكم، وأوهى من أن تثبت لحوادث الأيام. فإن كان قد أراد ذلك فقد ظفر به كل الظفر، ووفق إليه كل التوفيق، وأقنع الإنجليز في إنجلترا بما لم يكن يعلمه كثير منهم، وأقنع المصريين في مصر بما كانوا يؤمنون به جميعًا من أن الوزارة ضعيفة أشد الضعف، واهنة أشد الوهن، يخيفها كل شيء ويزعجها كل شيء، وينقصها هذا الرئيس القوي الذي كان ينفخ فيها من روحه فيمكنها من الثبات للحوادث ومناهضة الخطوب.
    لست أدري أقرأت هذه الخطب التي أُلقيت أمس في حفلة الوداع التي أقيمت لوزير التقاليد، فإذا لم تكن قرأتها فانظر فيها، فقد نشرت خلاصتها الأهرام صباح اليوم، وسترى في هذه الخطب ذكرًا لرسالة «الديلي تلغراف» ووقوفًا عند رسالة «الديلي تلغراف» وانصرافًا عن غيرها مما كان يمكن فيه الحديث، وسترى أن الذين خطبوا من الوزراء وأنصار الوزراء قد تورطوا في تناقض أقل ما يوصف به أنه بديع لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى هذا الابتسام الخفيف. فهم ينكرون كل الإنكار أن تكون لهذه الرسالة قيمة أو أن يكون لها خطر، أو أن يكون لها تأثير قليل أو كثير في الموقف السياسي للوزارة، وهم يؤكدون أشد التأكيد أن الوزارة أقوى وأثبت وأمتن من أن تتأثر بكلام المكاتبين، أو تحفل به، أو تأبه له، ولكنهم في الوقت نفسه يتناولون الرسالة بالرد والنقد وبالتحليل والتأويل، ويتناولون صاحبها بالتكذيب والتثريب، وبالتقريع والتأنيب. فإحدى اثنتين: إما أن تكونوا مصورين لما تشعرون به حقًّا وتؤمنون به حقًّا من أن الرسالة لا خطر لها ولا أثر، وإذن فارفعوا أنفسكم ومنازلكم عن ذكرها والإشارة إليها.
    وإما أن تكونوا متكلفين فيما تظهرون من القوة وتعلنون من الثقة، وإذن فاحتاطوا ما وسعكم الاحتياط حتى لا يظهر هذا الضعف ولا يحس الناس هذا الاضطراب. ولكن أصحابنا لم يستطيعوا أن يملكوا أنفسهم، ولا أن يضبطوا عواطفهم فمضوا يسخرون من هذه الرسالة ويكبرون هذه الرسالة، ينكرون قيمتها ويجادلون فيما اشتملت عليه، ولعل هؤلاء السادة يعلمون إذا خلوا إلى أنفسهم أن حفلة الوداع التي ستقام اليوم أو غدًا – لا أدري – لوزير الزراعة لم يفكر فيها، ولم يقصد إليها إلا لمحاولة أن يمحو الخطباء ما يمكن محوه من آثار هذه الرسالة، ولعلهم لولا هذه الرسالة ما فكروا في هاتين الحفلتين. وهم لم يوفقوا في حفلة أمس – فيما رأيت – إلا إلى إظهار حيرتهم واضطرابهم، ولن يوفقوا في الحفلة الأخرى إلا إلى الغلو في إظهار هذه الحيرة وهذا الاضطراب.
    والظريف أن هؤلاء السادة يعلنون أمس أنهم لم يحفلوا قط وما كان ينبغي لهم أن يحفلوا بهذه الرسالة وينسون أنهم قد حفلوا بهذه الرسالة فأسرفوا، وأنا قد عاتبناهم في ذلك ولمناهم عليه. فهم قد أزعجوا رئيسهم المريض في مصيفه فأبرقوا إليه بهذه الرسالة فيما قالت الصحف، واضطروه إلى أن يرد عليها ذلك الرد الذي لم يوفق فيه إلى شيء، لأن أعنة البيان قد أفلتت من يده التي أضعفها المرض. وهم قد اتصلوا بوزيرنا المفوض في لندرة فيما تقول الصحف أيضًا فطلبوا منه التوضيح والتبيين. ولعلهم سألوه المعونة والغوث، وهم قد أغروا بالرسالة صحفهم الصريحة والموالية، وهم قد خطبوا أمس فألحوا على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم سيخطبون اليوم أو غدًا وسيلحون على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم بعد هذا كله لا يعنون بهذه الرسالة ولا يلتفتون إليها. ومن يدري؟ لعلهم موفقون في هذا أيضًا إلى الحق، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لفعلوا غير ما فعلوا، ولقالوا غير ما قالوا، ولأمر وزير التقاليد المدارس والجامعة ففتحت أبوابها وحشدت طلابها وأُلقيت فيها الدروس والمحاضرات في نقد هذه الرسالة وتكذيب ما جاء فيها من الأنباء، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لأمروا الكتاب البارعين من أنصارهم أن يؤلفوا فيها الكتب والأسفار ينتقدونها وينقضونها ويفندونها ويرفضونها، ولرأينا كتبًا تذاع ورسائل تباع وأسفارًا تشاع فيها ما يستطاع وما لا يستطاع، وعليها مثل هذا العنوان «العدل والإنصاف في نقد مطاعن الديلي تلغراف» أو مثل «نحن لا نخاف من الديلي تلغراف» وما يشبه ذلك من العناوين.
    فلنصدق سادتنا إذا قالوا ولنؤمن لهم إذا خطبوا، فهم لم يحفلوا حقًّا بهذه الرسالة، ولم يلتفتوا إليها، وأوضح دليل على ذلك أن وزير الأوقاف خطب فلم يذكر الأوقاف وإنما ذكر الديلي تلغراف، وأن وزير التقاليد خطب فلم يذكر الجامعة ونظامها، ولا المجمع اللغوي ولا التعليم الأولي، ولا البعثات وكتب المبعوثين، وإنما ذكر الديلي تلغراف.
    نعم إن وزير التقاليد لم ينسَ التقاليد. وكيف ينساها ومتى استطاع وزير التقاليد أن ينسى نفسه؟ فالتقاليد جزء مقوم لوزير التقاليد. ولقد كان موفقًا توفيقًا يحسده عليه زملاؤه جميعًا، وأولهم الرئيس، رئيس الوزراء بالطبع، فقد سحق بعض خصومه سحقًا، ومحقهم محقًا وازدراهم ازدراءً، ولم يدع سبيلًا إلى حمايتهم أو الذود عنهم. انظر إليه كيف استكشف العميق الضخم الهائل المائل، وهو أن بعض الذين يخاصمونه لا يرعون التقاليد، يكتبون عن النبي «صلعم» فيذكرون اسمه الشريف دون أن يقدموا بين يديه بسيدنا، ودون أن يعقبوا عليه بالصلاة والسلام. إذا ذكروا أسماءهم هم أحاطوها بما لهم من الرتب والألقاب، فهم إذن يؤثرون أنفسهم بالتعظيم والتكريم. ماذا؟ أراك تقرأ وتبتسم، ثم لا تلبث أن تثب إعجابًا ولا تسجد إعظامًا، ولا تصفق من الطرب، ولا تجد في الهرب. وأرى الذين من حولك يقرأون ويسمعون، ثم يعرضون أو يبتسمون. ماذا؟ إنما أنت أيها القارئ وأصحابك ناس من أهل القرن العشرين، لا تعيشون إلا في هذا القرن، ولا تفهمون إلا ما يلائم هذا القرن. فأنتم معذورون لأن وزير التقاليد قد جاء قبل أوانه، وظهر قبل إبانه، وكان حقه أن يجيء بعد قرن أو قرنين ليفهمه الناس ويقدروه. أما أنتم فمتأخرون، لا تستطيعون له فهمًا، ولا تحسنون له قدرًا. أنتم كغيركم من الناس لا تزالون تظنون أن ذكر أسماء العظماء كما هي مطلقة مجردة من الألقاب هو أبلغ أنواع التعظيم، وأرق أنواع التكريم. هذا كلام قديم تفهمونه أنتم. أما شيخ المعلمين ورئيس الجامعة الأعلى ومنشئ المجمع اللغوي فله في هذا مذهب غير مذهبكم، ولا عليه إذا لم تفهموا فسيفهمه قوم آخرون جاءوا منذ قرون، أو سيجيئون بعد قرون.
    فأنت ترى أن وزير التقاليد كان فارغ البال بعض الشيء، وقف عند «الديلي تلغراف» فأطال الوقوف، ولكنه وقف عند التقاليد فأمتع وأبدع وأفزع وروع، وهدم الحصون والقلاع، وأطرب الأنصار والأتباع، فاللهم بارك لمصر في شيخ معلميها وإمام مؤدبيها وزعيم التقاليد فيها.
    وأنت مخطئ كل الخطأ إن ظننت أن الحيرة مقصورة على الوزراء وأنصار الوزراء من الذين يخطبون ويستمعون للخطب، فللوزراء صحف تنشر الفصول الطوال في الخصام والجدال. وهذه الصحف مرآة للوزراء، تظهر فيها نفوسهم وقلوبهم، وتظهر فيها أشكالهم وألوانهم. وفي هذه الصحف حيرة يا لها من حيرة وارتباك يا له من ارتباك. فأما صحيفة «الشعب» فقد ظهرت اليوم فزعة جزعة يائسة بائسة، تنكر أن تكون في مصر حكومة وترى أن لو كانت في مصر حكومة حقًّا لعرفت كيف تحكم. فهذه ألمانيا تهيئ القوانين التي تقضي بالموت على الذين يخاصمون هتلر، أو يفكرون في خصومته، وتنشئ المحاكم الخاصة لتقضي بالموت على هؤلاء الخصوم. وصحيفة «الشعب» كريمة رحيمة، لا تريد لخصوم الوزارة موتًا ولا قضاءً بالموت، وإنما تريد أن تشرع لهم قوانين خاصة فيها عقوبات أشد جدًّا من هذه المحاكم التي ألفوها، وأن تغير في قانون تحقيق الجنايات هذه الإجراءات التي تحول دون الإسراع في البأس، والإلحاح في البطش. فإذا لم تفعل الحكومة هذا فليست حكومة. واحذر أن تنسى أن الوزارة قوية كل القوة، عزيزة كل العزة، منيعة كل المناعة. ولولا ذلك لما أعلن أنصارها أنها مفلسة كل الإفلاس إذ لم تشرع هذه القوانين الاستثنائية، ولم تأخذ الناس بمثل ما يريد هتلر أن يأخذهم به من ضروب الظلم والطغيان.
    وأما صحيفة «الاتحاد» فمعتدلة جدًّا، متواضعة جدًّا، مقتصدة جدًّا، لا تطلب الاستثناءات ولا تغيير الإجراءات، ولكنها ترى هيئة كبار العلماء في خطر، لأن الناس ينقدونها ويقولون فيها غير ما تحب. وإذن فماذا تصنع النيابة؟ وماذا تصنع الوزارة؟ وكيف يُحمى الدين من المبشرين إذا لم يحمِ رجال الدين من الناقدين؟
    نعم هذه حال الوزارة وأنصارها. خوف من «الديلي تلغراف» يبلغ الفزع، وخوف من المعارضة في مصر يبلغ الجزع. والتجاء إلى الاستثناء واعتراف بأن القوانين القائمة على شدتها وصرامتها لا تكفي لإقرار الوزراء على كراسيهم. والوزارة بعد ذلك قوية كل القوة وعزيزة كل العزة ومنيعة كل المناعة. فإن استطعت أن تفهم هذا كله، وتلائم بين ما فيه من التناقض والاضطراب فأنت رجل ذكي، وإلا فإن الله قد ابتلى كثيرًا من الناس بالغفلة والغباء.
    كوكب الشرق في ٢٨ – ٧ – ١٩٣٣

  • ذوق٢

    حديث اليوم: ذوق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٣ أغسطس ١٩٣٢

    أمَّا أنَّ في مصر نظامًا مستقرًّا فأمر لا سبيل إلى الشك فيه، ولولا ذلك لما غاب رئيس الوزراء عن مصر، ولما فرغ قلبه للقاء عظيم إيطاليا واستقباله وزيارة المتاحف والآثار والانتقال بعد ذلك إلى حيث يستريح أو ينتظر الأقدار. وأمَّا أنَّ هذا النظام دستوري كأحسن ما تكون النظم الدستورية وديموقراطي كأكمل ما تكون النظم الديموقراطية يأمن معه الناس على الأنفس والأموال، وعلى ألوان الحريات كلها، وحرية التفكير والقول والكتابة والقراءة بنوع خاص، فأمر لا سبيل إلى الشك فيه أيضًا. وآية ذلك أن من شك في شيء من هذا فأمره إلى النيابة والقضاء، وإلى الإدارة قبل النيابة والقضاء. ولست أعرف دليلًا أنصع، ولا برهانًا أسطع، من القوة التي تكره الناس إكراهًا على أن يؤمنوا بما لا يستطيعون أن يؤمنوا به لو تركوا أحرارًا.

    نحن إذن هادئون وادعون قد خضعنا للنظام واطمأنت إليه أجسامنا وقلوبنا وعقولنا. وأظن أني قد أرضيت رئيس الوزراء بعد هذا الاعتراف الصريح بما يحب أن نعترف به ونؤمن له. وأظنني أستطيع بعد ذلك أن أتحدث فيما أشاء من أمورنا العامة دون أن يكون لرئيس الوزراء عليَّ سبيل.

    وفي نفسي مسألة تشغلني منذ أيام، بل منذ أسابيع، بل منذ نهضت هذه الوزارة القائمة بالأمر؛ وهي أن حظ حكومتنا من الذوق بعيد عن أن يحقق الأمل ويرضي الحاجة، ويحسن فيها رأي الناس. ومن الواضح أن الذوق أمر كمالي يصح أن تأخذ منه الحكومة بالقليل والكثير ويصح أن تنبذه الحكومة نبذًا، وأن تدعه للمتحذقين المترفين من المصريين والأوروبيين، دون أن يكون لذلك أثر في استقرار النظام وملاءمة الدستور لحاجة البلاد وطاقتها. وإذن، فنستطيع أن ننقد حظ الحكومة من الذوق دون أن نسخطها أو نغيظها أو نثير غضب النيابة أو نضطر إلى مجلس القضاء.

    الذوق شيء كمالي إذن، وهو أسلوب من أساليب الحضارة، وفن من فنون الترف الذي ينشأ عن الرقي في العلم والتربية والأخلاق، وعن تهذيب الشعور وتصفية الطبع وتعديل المزاج. والذين يحبون هذه الخصال كلها يجتهدون في أن يكون لهم منها حظ، فإن لم يوفقوا خدعوا أنفسهم أولًا، وخدعوا الناس بعد ذلك عن أنفسهم، وظهروا مظهر المهذبين المشذبين، الذين قد استكملوا نصيبهم من الذوق حتى أصبحوا فيه القدوة التي لا تشبهها قدوة، والمثال الذي لا يشبهه مثال. ومن أخص مظاهر الذوق فيما يقول المترفون المتحذقون ألا تظهر الفرح إذا كان الناس من حولك مأزومين، وأن تجتهد ما استطعت في ألا تؤذي الناس، ولا سيما حين يكون أمرهم إليك، وحين تقوم منهم مقام رئيس الوزراء.

    كذلك يقول أصحاب الترف والمتحذقون. وهم جميعًا يعلمون أن رئيس وزرائنا لم يمتز من غيره بالذكاء وحده ولا بالفطنة وحدها، ولا باللباقة وحدها ولا بالحزم وحده، وإنما امتاز بخصال أخرى إذا اجتمعت إلى هذه الخصال — التي ذكرتها آنفًا — جعلت من رئيس الوزراء رجلًا كاملًا بالمعنى الذي كان يفهمه من الرجل الكامل أفلاطون وأرسطاطاليس. امتاز رئيس الوزراء بالظَّرف فيما يأتي من حركة، وخفة الروح فيما ينطق به من لفظ، وامتاز فوق هذا وذاك بالذوق في جميع أقواله وأعماله.

    وآية ذلك أنه على كثرة ما يثقله من أمور الدولة، لم يقصر يومًا من الأيام في ذات الأصدقاء والأولياء والزملاء؛ فهو يشاركهم فيما يختلف عليهم من أحداث الحياة حلوها ومرها، وهو يودعهم إذا سافروا، ويزورهم إذا عادوا. وهو يسلك في ذلك طريقًا لم يسلكها رؤساء الوزارات الذين سبقوه إلى تصريف الشئون في هذا البلد السعيد به، العزيز بحكمه. أولئك الرؤساء كانوا يسرفون في المجاملة أحيانًا فيواسون الأصدقاء بأنفسهم، ويودعونهم بأنفسهم، ويهنئونهم بأنفسهم. ولم يكن هذا الإسراف دليلًا على استقامة الذوق ولا اعتدال المزاج، فرؤساء الوزارات ناس من الناس، ولكنهم ممتازون، يجب أن يعرفوا لمكاناتهم أقدارها، وألا يبتذلوا أنفسهم بكثرة التهنئة والتعزية والتوديع والتسليم. وإنما الذوق المستقيم والمزاج المعتدل في ذلك أن ينصرف رئيس الوزراء إلى أعمال الدولة، وأن يرسل عاملًا من عمال مكتبه لتوديع وزير إن سافر مهما يكن هذا الوزير وتعزية صديق أو نصير إن ألم بهذا الصديق أو النصير مكروه. كذلك يفعل رئيس الوزراء. وسنرى بعد أن يستقيل من فيشي أو من القاهرة، أتمضي هذه السُّنة في خلفائه أم يعود هؤلاء الخلفاء إلى السُّنة القديمة التي مضى عليها رؤساء الوزارات من قبل!

    رئيس وزرائنا إذن مثال للذوق المستقيم في مصر، ولكنه لم يكد يرتحل عنا حتى ساءتنا منه أشياء نخشى أن يتعرض معها ذوقه الكامل لشيء من النقد الخفيف أو الثقيل.

    أول هذه الأشياء: رحلته. والناس عن الرحيل في شغل بما هم فيه من فقر وضيق. ستقول: ولكن الوزراء قد سبقوه إلى السفر! وأجيبك: وقد سبقه كثير من الموظفين؛ وسيسافر بعده وزراء وموظفون آخرون. ولكن لا تنسَ قول الشاعر القديم:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    وكان الحق على رئيس الوزراء لذوقه وذوق زملائه، وذوق الموظفين، أن يضرب نفسه مثلًا لهؤلاء جميعًا، فيصبر على القيظ في هذه السنة التي يصبر فيها الناس على الجوع. وأنا واثق بأن رئيس الوزراء كان يريد أن يفعل هذا؛ لأن ذوقه السليم كان يأمره به ويضطره إليه. ولكن أعباء الحكم تخرج الرجل أحيانًا عن طوره، وتورطه فيما لا يقره الذوق. ورئيس الوزراء لم يسافر رغبة في السفر ولا حبًّا في الراحة، ولكنها سياسة الدولة فرضت عليه في آخر لحظة — بعد أن رفض الإنجليز مفاوضته في هذه الأيام — أن يزور مدينة القياصرة؛ ليلقى موسوليني، وليتشرف بلقاء جلالة الملك وقداسة البابا. وإذا تعارضت سياسة الدولة والذوق، فالسياسة فوق الذوق من غير شك. ومن كان في روما واحتاج إلى الراحة في فيشي فلا جناح عليه أن يستريح! نعم، ولكن الناس طوال الألسنة لا يريحون ولا يستريحون، وهم كالثعلب الذي لم يستطع أن يبلغ العنب فوصفه بأقبح الأوصاف. لم يستطع هؤلاء الناس أن يحتجزوا لأنفسهم أجنحة خاصة في السفن، ولا أن يهيئوا لأنفسهم استقبالات فخمة في نابولي، ولا أن يقيموا لأنفسهم مدينة القياصرة ويقعدوها، ولا أن يظفروا بمأدبة موسوليني وعطف جلالة ملك إيطاليا وبركة قداسة البابا. لم يستطيعوا من هذا شيئًا، واستطاعه كله رئيس الوزراء، فهم يحسدونه وينقمون منه ويلهجون به، ويقولون: أسرف رئيس الوزراء في ماله إن كان قد أنفق على هذه الرحلة من ماله الخاص، ومن الحق عليه أن يضرب نفسه مثلًا للناس في الاقتصاد والاعتدال. وأسرف رئيس الوزراء في مال الدولة إن كان قد أنفق على رحلته من مال الدولة؛ فالدولة فقيرة في هذه الأيام، وليس من الرفق بها ولا من العطف عليها أن يحملها رئيس الوزراء مثل هذه النفقات، على حين هي مضطرة إلى الاقتصاد من مرتبات صغار العمال. ويغيظهم من أمر هذه الرحلة ما أعلن من وصف المأدبة التي أقيمت لرئيس الوزراء في دار المفوضية المصرية بروما. والمأدبة الأخرى التي أقامها رئيس الوزراء لموسوليني. فإن في هذا الوصف ما يغيظ ويغري في وقت واحد، إسراف في الترف، وغلو في التأنق، وأزهار كأنها لم توجد في روما فتستحضر خاصة في جنوى، وكل هذا على حساب الدولة من غير شك. والناس هنا يلقون ألوان البؤس، ومنهم من يأرق الليل كله؛ لأنه لا يدري ماذا يصنع ليطعم أبناءه إذا كان الغد. وإذا لم يكن بد من هذا الإسراف، ومن استحضار الأزهار من جنوى في الوقت الذي تنشر فيه الجريدة الرسمية أكثر من ألف حجز في أسبوع واحد على صغار الناس وكبارهم. فقد كان الذوق يقضي ألا يتأرج عطر هذه الأزهار حتى يصل إلى مصر، وألا تعلن كل هذه الأخبار في الصحف. فإن للمصري كغيره من الناس عقلًا يفهم به، وقلبًا تضطرب فيه ألوان الشعور المختلفة. ومنها أنه لا يجوز أن تنفق الأموال على هذا النحو، حين تجد الحكومة أقسى ألوان العناء في جبايتها ويخضع الفلاح لأشنع الصروف والمحن في أدائها.

    والناس لا يقفون عند هذا الحد من النقد بل هم يتجاوزونه إلى شيء آخر ليس عليهم فيه ذنب، وإنما الذنب على الصحف. فالصحف تنشر لهم في كل يوم أخبار رؤساء الوزارات حين يتزاورون وينتقلون من عاصمة إلى عاصمة، فلا تثار حولهم هذه الضجات العنيفة التي أثيرت حول رئيس الوزراء حين زار روما، ولا تشغل بهم الصحف كما شغلت برئيس الوزراء حين زار روما. ونحن نقرأ من حين إلى حين انتقال مكدونلد إلى باريس؛ هربوا إلى لندرة فلا نرى أن الصحف تعنى بما يقام لهما أو يقيمان من ولائم وبما يحضر لهما أو يحضران من أزهار، وإنما تعنى الصحف بأحاديثهما السياسية وجهودهما لخدمة فرنسا أو إنجلترا.

    وشر من هذا أن هذه الأخبار التي تذاع عن رئيس الوزراء في رحيله وإقامته لا تضحك المصريين وحدهم، بل تضحك الأجانب أيضًا؛ لأنها تترجم لهم في الصحف الأجنبية كل يوم فيتفكهون بها إذا خلا بعضهم إلى بعض في المساء. وهم في حقيقة الأمر لا يضحكون من أمر خاص برئيس الوزراء وحده؛ ولا يتفكهون بأمر خاص برئيس الوزراء وحده، وإنما يضحكون من المصريين جميعًا ويتفكهون بهم جميعًا.

    ويقولون: ما أبعد هذا الشعب عن العزة والحرية! ولو قد كان عزيزًا حرًّا لما رضي أن تنفق أمواله على هذا النحو ومثاله من أنحاء الإسراف. يقولون: ما أقل حظ هذا الشعب من الذوق، وما أخلقه أن يكون محدثًا! ولو قد كان على شيء من الذوق، ولو قد كان بعيد عهد بالحياة السياسية؛ لما قبل أن تهزأ به الصحف إلى هذا الحد، فتنشر له هذه الأخبار معتقدة أنه سيقرؤها وسيجد فيها متاعًا ولهوًا! كذلك يقول الأجانب.

    أما المصريون فيقولون مثل هذا إذا خلوا إلى أنفسهم. يضحكون من هذه الأخبار ويسخرون من الصحف التي تنشرها، ويستحون من الأجانب الذين سيقرءونها. ولكن ماذا يصنعون والنظام مستقر والدستور قائم، والحريات مكفولة والقول مباح لكل إنسان؟ ماذا يصنعون؟ ولمَ يصلحون ذوق الحكومة، وقد عجزوا عن إصلاح سياستها الداخلية والخارجية وعن إصلاح إدارتها وعن أخذها بأن تكون حكومة مصرية لا حزبية؟!

    المصريون يصبرون على ذوق الحكومة كما يصبرون على سياستها، وعلى إدارتها وعلى بقائها في مناصب الحكم. والغريب من أمر هذا الاعوجاج في الذوق أنه قد عمَّ حتى تناول الذين يتصلون بالحكومة من قريب أو بعيد، فلا يكاد وزير من وزراء الدولة المسافرين ينتقل أو يتحرك أو يتكلم حتى تهتز أسلاك البرق بما فعل أو قال، ولا يكاد سفير من سفراء الدولة يأتي شيئًا من الجِد القليل أو السخف الكثير حتى تفيض الصحف بجِده وسخفه. وقل مثل ذلك في وكلاء الوزارات وكبار الموظفين وصغارهم، والذين يمثلون مصر في المؤتمرات، والذين ينجحون في أداء الامتحانات! أخبار هؤلاء جميعًا تنشر في إطناب وإسهاب مع ما يليق من المبالغة التي يراد بها خداع الناس، والعبث بالعقول. ما أشد حاجة مصر إلى أن تنشأ فيها مدرسة للذوق يتعلم فيها الموظفون ورجال السياسة — ولا سيما جماعة من الوزراء والمستوزرين — ومن النواب والشيوخ والذين يرشحون أنفسهم لمجلسي النواب والشيوخ! وإلا فما رأيك في هذا النائب المحترم الذي لم يمنعه ذوقه من أن يكتب باللغة الإيطالية التي لا يتكلمها ولا يفهمها فصلًا ينشر في صحيفة إيطالية ثناءً على رئيس الوزراء، بينما رئيس الوزراء في روما والصحف الإيطالية نثني عليه بما شاء وما لم يشأ؟!

    أترى هذا النائب لو تخرج في مدرسة الذوق هذه كان يمضي باسمه في صحيفة إيطالية فصلًا كتب في لغة لا يفهمها ولا يتكلمها؟ وأمثال هذا النائب كثيرون تلقاهم في مصر وتلقاهم في الشرق، وتلقاهم في الغرب وهم يدعون لبلادهم دعاية سيئة، لا لأنهم يريدون السوء؛ ولكن لأنهم يضطرون إليه اضطرارًا ويدفعهم إليه أنهم لم يمروا بمدرسة الذوق.

    لقد قرأت منذ أسابيع فصلًا نشره وكيل لمجلس النواب كان مستشارًا فيما مضى من الزمان، فأصبح زعيمًا سياسيًّا في هذه الأيام. قرأت هذا الفصل الذي كتبه صاحبه ينقد فيه سياسة المعارضين، فهممت أن ألفت إليه رئيس الوزراء، لا لأن فيه إسرافًا في الشتم أو إقذاعًا في الهجاء، فذلك شيء لا يلتفت إليه الآن؛ بل لأن الصحيفة التي تنطق بلسان الوزارة والبرلمان وتمثل أذكى الناس وأكفأ الناس وأظرف الناس، لا ينبغي أن تذكر الكوستليتة والفطير باللحمة وحلاوة النوجا، ولو أن الزعيم المستشار وكيل مجلس النواب قد مر بمدرسة الذوق هذه لعرف أن مثل هذه الألفاظ إن جازت لبعض الصحف فهي لا تجوز لصحيفة الحكومة والبرلمان، وإن أبيحت لبعض الناس فهي لا تباح للزعماء الذين يكتبون في السياسة العليا.

    مدرسة الذوق هذه ضرورة من ضرورات الحياة الجديدة في مصر؛ ذلك لأن النظم تتغير من وقت إلى وقت، والحكم يتنقل في البيئات، وتمثيل الشعب يوكل مرة إلى أولئك ومرة إلى هؤلاء. وكثير من أولئك وهؤلاء لا عهد له بالحكم ولا بتمثيل الشعب، ولا بما يحتاج إليه هذا وذاك من الظَّرف والذوق. ولكن من ذا الذي ينشئ هذه المدرسة؟ أرجو أن لا تفكر الحكومة القائمة في إنشائها؛ فإني أخشى إن فعلت أن تأتي على ما بقي في مصر من الذوق السليم.