حديث الوادي
العدل
ليقرأ رئيس الوزراء
كلمة حلوة رددها الناس جميعاً في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضاً؛ لأنهم يعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما اختلفت فروعها. ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها، وبين الحقائق الواقعة بوناً شاسعاً واختلافاً عظيماً. وأنت تشعر بحرص الناس على العدل وتحرقهم ظمأً إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه، تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهداراً، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكاً، تجبى منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبِيَت لم تنفق في مصالحهم وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث وإرضاء الأهواء والشهوات وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يباح لهم أن يشكوا، فإن دفعوا إلى الشكوى عذبوا فيها تعذيباً، وربما سفكت دماؤهم سفكاً. ثم لا يباح لهم أن يجتمعوا، فإن هموا بالاجتماع، فرقوا بالحراب والرصاص، ثم لا يباح لهم أن ينطقوا، فإن نطقوا دفعوا إلى القضاء وألقوا في غيابات السجن. ثم لا يباح لهم أن يكتبوا، فإن كتبوا حطمت أقلامهم تحطيماً، وعطلت صحفهم تعطيلاً، ثم لا يباح لهم أن يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء. إذا احتمل المصريون هذا كله، وشراً من هذا كله أربعة أعوام بل أكثر من أربعة أعوام، يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أن عهد الظلم ينقضي، وأن سلطان الجور يزول، ظهر تحرقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مثله، وأروع صوره، وخيل إليهم أن أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمناً يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءاً يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافاً يكافئ ما وجدوا من الجور، ومن المؤلم للنفوس أن تخيب هذه الآمال، وأن يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أن القيسي باشا وبأن الإدارة تمثل وتعتذر وتزعم أنها لا تستطيع أن تغير شيئاً حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأي رئيس الوزراء في أن ذلك الكبت الرسمي يجب أن يزال، وفي أن ذلك الجور الخفي يجب أن يمحى، وفي أن هذا العهد الجديد لا ينبغي أن يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضاً؟ نظن أن رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن نفوسهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا غير الحق، وأن يأخذوا الأموال بغير الحق، وأن يعاقبوا الناس على آرائهم، وأن يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، ظن الذين يتولون أمور الناس في هذا العهد أن يرضوا عن شيء من هذا، ولن يقروا شيئاً من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك بأن أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غداً يرفع هذا الظلم، وبأن الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القيسي باشا سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.
طه حسين
الوادي، ١٩ نوفمبر ١٩٣٤.
Tag: Prime Minister Nasim
-
العدل