في وزارة المعارف
حول مدارس البنات
طه حسين
جريدة السياسة
٢٧ ديسمبر ١٩٢٣
لا أعرض اليوم لتعليم البنات في نفسه، وإنما أعرض لمسألة ليست منه ولكن تمسه في جوهره؛ فقد يُقال إن وزارة المعارف اعتزمت أن تُقيل الأجنبيات اللاتي يُدِرْنَ بعض مدارس البنات، وتقيم مكانهن لإدارة هذه المدارس سيدات مصريات، ويظهر أن هذا الأمر قد تجاوز العزم وأوشك أن يُنفَّذ ويصبح أمرًا واقعًا. فمن الحق أن نفكر فيه قليلًا وأن نتحدث فيه إلى وزير المعارف بما نرى قبل أن تتورط الوزارة في تنفيذه فتسيء إلى هذه المدارس وتسيء إلى التعليم فيها.
ولقد نعلم أنَّا سنغضب قومًا، ولكننا نعتذر إليهم، ونعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فلن يغضبوا، بل نعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فسيشاركوننا في الرأي وسيشجعوننا عليه؛ فالمنفعة فوق العاطفة ولا سيما في أمور التعليم.
حسن أن يترك الأجنبي مكانه للمصري في جميع مناصب الحكومة على اختلافها، ولكن على شرط أن يكون المصري الذي يخلف الأجنبي أشد منه كفايةً أو مساويًا له في الكفاية على أقل تقدير؛ فإن المنصب من حيث هو ليس غاية وطنية، ولا ينبغي أن يكون غاية وطنية، وإنما هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة الوطنية العامة. وإذا كان وسيلة إلى تحقيق المنفعة فينبغي ألَّا يُوضَع فيه إلَّا من هو أهل لتحقيق هذه المنفعة، قادرٌ على احتمال أعبائها. وواضح أنه إذا تساوى المصري والأجنبي في الكفاية، فالحق والإنصاف والمنفعة أيضًا كل ذلك يقضي بأن يكون المنصب للمصري دون الأجنبي، لا نزاع في ذلك ولا معنى للمناقشة فيه. ولكن ما تقول في أجنبي كيف يُقال من منصبه؛ لأنه أراد أن يُقال أو لأن الحكومة أرادت أن تقيله ثم يوضع مكانه مصري أقل منه كفاية وأضعف منه قدرة على احتمال أعباء المنصب؟ قد يكون في وضع المصري مكان الأجنبي إرضاءٌ لهذه العاطفة العامة التي نريد أن تكون أمورنا إلينا، والتي هي في نفسها حق، والتي شغف بها الجمهور شغفًا شديدًا. ولكن إرضاء هذه العاطفة لا ينبغي أن يكون في نفسه غاية، وإنما يجب أن يُحتاط فيه الاحتياط كله، وأن يُنظر إليه من حيث هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة كما قلنا، فالحكومة ومناصبها لم تنشأ ليختص بها المصري دون الأجنبي أو الأجنبي دون المصري قبل كل شيء، وإنما أُنشِئَت لتدبير أمور الدولة ومنافعها. فإذا كان المصريون قادرين على هذا التدبير فهم أحق الناس بالحكم ومناصبه، وإلَّا فهم مكلَّفون أن يستعينوا بالأكْفاء من الأجانب مهما يكونوا. وليست الغضاضة على العاطفة الوطنية أن يقوم الأجنبي مقام المصري، وإنما الغضاضة حقًّا أن تفسد الأمور العامة وأن تفسد بنوع خاص تحت إشراف بعض المصريين الذين ليس لهم من الكفاية حظٌّ موفور. هذه هي الغضاضة حقًّا، بل هي شرٌّ من الغضاضة؛ لأن فيها ضياع المنفعة من جهة، وإقامة الدليل للخصم على سوء تصوُّرنا للأمور من جهة أخرى. فالوطني المخلص لا يُطالب بأن يقوم كل مصري مقام كل أجنبي في تدبير الأمور العامة ومنها التعليم، وإنما يُطالب بأن يقوم المصري مقام الأجنبي كلما كان لهذا المقام أهلًا، فإذا لم يكن المصري أهلًا لهذا المقام، فالوطني المخلص يستعين بالأجنبي ويُلِحُّ في الاستعانة بالأجنبي حتى يبلغ المصريون حظهم من الكفاية. نظن أن هذه القضايا واضحة بَيِّنَة، ونظن أن المصريين جميعًا يقدِّرونها ويريدون أن تُتَّخَذَ أساسًا في إسناد المناصب إلى المصريين وغير المصريين.
وإذن فلنرجع إلى أنفسنا ولنتساءل عن مدارس البنات وعن حظ المصريات من الكفاية لإدارتها والإشراف عليها، ولنطالب وزارة المعارف بألا تتعجل في وضع السيدة المصرية في هذه المدارس مكان السيدة الأجنبية لترضي هذه العاطفة العامة التي أشرنا إليها، دون أن تفكر في المنفعة تفكيرًا دقيقًا صحيحًا، ودون أن تتبين بعد البحث الطويل والأناة الشديدة أن لهؤلاء السيدات المصريات اللاتي يرشحن للقيام مقام الأجنبيات من حسن الخلق ومن الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية، ما يجعلهن أهلًا لهذه المناصب التي ستسند إليهن. نعم! نطالب وزارة المعارف بأن تفكر وتمعن التفكير في هذا كله. فوزارة المعارف تعلم أن تعليم البنات والإشراف على مدارسهن في مصر من أدق المسائل وأشدها حاجة إلى الروية والأناة وحسن الاختيار، وإذا كان حسن الخلق شرطًا أساسيًّا للعمل في أي منصب من المناصب، فهو أهم الشروط الأساسية للعمل في مناصب التعليم، وفي تعليم البنات بنوع خاص، وفي الإشراف على مدارسهن بنوع أخص. وقل مثل هذا في الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية. فهل من اليسير حقًّا على وزارة المعارف أن تجد سيدات مستوفِيَات لهذه الشروط استيفاءً يمكِّنهن من الإشراف على مدارس البنات؟ نرجو أن يكون ذلك يسيرًا، ولكننا نخشى ألَّا يكون من اليسر بحيث تظن وزارة المعارف. ولسنا مسرفين في هذه الخشية؛ فنحن نعلم أن تعليم البنات في مصر ليس من الجودة والإتقان، بل لم يكن في يوم من الأيام من الجودة والإتقان بحيث يستطيع أن يُخرِج سيدات قادرات حقًّا على الإشراف على مدارس البنات، وحل ما يعرض فيها من المسائل الدقيقة في التربية والتعليم.
لم يكُن تعليم البنات في مصر جيدًا ولا متقَنًا في يوم من الأيام، ونحن نريد أن يكون جيدًا وأن يكون متقنًا في المستقبل القريب. فليس مما يسهُل الوصول إلى هذا الغرض أن ننصب لإدارة مدارس البنات سيدات تنقصهن الخبرة أو تعوزهن الكفاية. وعندنا أن مصر تستطيع أن تحتمل راضية إشراف الأكفاء من الأجنبيات على مدارس البنات؛ حتى يتم لها إصلاح هذا النوع من التعليم، والوصول بمدارسه إلى تخريج سيدات يضارعن الأجنبيات التي أخرجتهن جامعات أوروبا.
نعم، تستطيع مصر أن تحتمل هذا راضية، بل هو أهون عليها من هذا الانخداع بالمظاهر الذي يُخيِّل إلينا أن أمورنا في أيدينا، ثم لا يلبث أن يثبت لنا وللناس أننا طمِعنا فيما لا نستطيع أن نحسنه، وتكلفنا الاستقلال بأمورنا فلم نوفَّق إلى إحسان تدبيرها.
وإذن فقد يصح أن نطلب إلى وزير المعارف ألَّا يتعجل في مثل هذا الأمر، فإذا لم يكُن له بُدٌّ من أن يرى المصريات مستأثرات بأمور التعليم، فليهيئ لذلك أسبابه، وليسارع إلى تهيئة هذه الأسباب، وليبدأ منذ الآن في إصلاح ما لدينا من تعليم البنات، ولا سيما في مدارس المعلِّمات، وإيجاد ما ينقصنا من هذا التعليم؛ فهو إن يفعل يمهِّد السبيل حقًّا لإشراف المصريات على أمور التعليم، يمهِّد هذه السبيل بما يُصلِح من الأخلاق وبما يوسِّع من الاطلاع وبما يقوِّي من الكفاية الفنية. وكل هذه كما قدمنا شروط لازمة لإدارة مدارس البنات، وهي — فيما نعتقد — لا تزال تنقصنا إلى الآن.
Tag: Professional Competence
-
في وزارة المعارف حول مدارس البنات
-
في وزارة المعارف رشد وغي
في وزارة المعارف: رشد وغي
طه حسين
جريدة السياسة
١٧ يوليو ١٩٢٣
زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبِّره، فإذا فسد الرأس فسد الجسم، وإذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم أيضًا. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمة عامة وحديثًا معادًا. ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التي تديرها وتشرف عليها، فإذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمرًا نكرًا، وإذا اضطربت وزارة المعارف لم يَبْقَ معنى للعجب حين يضطرب التعليم. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمةً عامةً وحديثًا معادًا، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه.
صلاح المدارس والتعليم إذن رهينٌ بصلاح وزارة المعارف. وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ؟ الحق أنه يدل على معانٍ كثيرة، وأن هذه المعاني قد أخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف؛ فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الإصلاح وإلى ضروب مختلفة من الإصلاح لا بدَّ منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم.
ويظهر أننا نريد ذلك، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة.
إنما يُقدِّر على الإصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة إليه، فإذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الإصلاح ولا تشعر بالحاجة إليه؛ فهي عاجزة عنه غير منتهية إليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة. ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الأخيرة أنها لا تفهم الإصلاح، ولا تقدِّر حاجتنا إليه، ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الإصلاح.
نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة. فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعيينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف، وهي لم تحدث عبثًا، وإنما هناك رأي من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعيِّنوا وحين أرادوا أن ينقلوا، ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأي وعن هذه النظرية. وإن كان وزير المعارف كغيره من الوزراء إنما يعتمد في مثل هذه الأشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة. فهو مسئول رسميًّا، ولكن المسئولين حقًّا هم أولئك الأعوان والمشيرون. فما هذا الرأي؟ وما هذه النظرية؟ وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ أستطيع أن أقول إن مصلحة التعليم ومنفعة الأساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تُتخَذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين، بل صُودِرَتْ هذه المنفعة مصادرة ظاهرة.
نعم! لم تُراعَ مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف. فلو أن هذه المصلحة رُوعِيَتْ مراعاة قليلة لأُسْنِدَت المناصب إلى الأكفاء، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم.
ولكنَّا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين، ونقرأ مناصبهم، ونقارن بينهم وبين هذه المناصب؛ فلا نجد صلة ما، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية، لا نجد عملة فنية، وإنما نجد شيئًا واحدًا؛ هو إرادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف.
نريد أن يشعر المنقولون والمعيَّنون بأنَّا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها، وإنما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع في غير ما خُلِقَتْ له. فهؤلاء المنقولون والمُعيَّنون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجيء. وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية.
وُضِعَ صاحب العزة علي حافظ بك مراقبًا للتعليم الأولي، وليس لصاحب العزة علي حافظ بك من التجربة في أمر التعليم الأولي حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما اشتغل طول حياته العامة بأشياء أخرى غير التعليم الأولي. ووُضِعَ صاحب العزة عوض بك إبراهيم مساعدًا لمراقب التعليم الأولي، وليس أكثر حظًّا من صاحبه في تجربة التعليم الأولي وممارسة الإشراف عليه. ووُضِعَ المستر «روب» مراقبًا للتعليم الابتدائي، ولم يشتغل المستر «روب» في أمر التعليم الابتدائي بشيءٍ منذ جاء مصر. ووُضِعَ المستر «سمسون» مراقبًا للتعليم الثانوي، ولم يشتغل المستر «سمسون» بالتعليم الثانوي منذ وفد إلى وادي النيل، وإنما فتش على التعليم في السودان، وأدار مدرسة المعلمين العليا في مصر.
ولست أشك في أن هؤلاء الأساتذة جميعًا من الكفاية بحيث يُوفَّقون إن شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التي كلفتهم إياها وزارة المعارف، ولكنهم سيتعلمون هذه المهن إن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، بعد تجربة، بعد تردد، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب في أمر المدارس وفي أمر التعليم، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذي كان يجب ألَّا يضيع.
وهنا أسأل نفسي: ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبًا من المناصب إلى شخصٍ من الأشخاص؟ أتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذي يشغله أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يُسند إليه؟ فإن كانت الأولى، فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها، وإن كانت الثانية فهو الشر كل الشر؛ لأنه إضاعة للوقت وعبث بالمنفعة. فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلِّم رجالها كيف يديرون التعليم الأولي أو التعليم الثانوي أو الابتدائي؛ لأن ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره.
وهؤلاء الناس موجودون، قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه، ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره.
في وزارة المعارف رجال خبروا في التعليم الأولي، وداروه وأحسنوا البلاء في الإشراف عليه أعوامًا طوالًا، وفي وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما. ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم، ووضعت كفايتها المختلفة في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد زمن طويل أو قصير.
لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثًا، فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها. وسر وزارة المعارف واضح جلي لا يخفى على أحد، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة. وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصًا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة، من أشد الوزارات حرصًا على أن تختلف مصالحها وتتعدد، وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأسٌ واحد، وتديرها يدٌ واحدة. فإذا وُضِع في التعليم الأولي من يفهم التعليم الأولي، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائي، وفي التعليم الثانوي من يتقن الإشراف على التعليم الثانوي؛ تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد.
أوشك هؤلاء الأكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالًا تامًّا أو ناقصًا، وهذا شرٌّ. فوزارة المعارف تريد المركزية، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها، فإذا تمَّ لهم تبوُّء هذه المناصب أدركتهم الحيرة في أمورهم، واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية في الدقيق والجليل من أعمالهم. وإذن؛ فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على أطراف الوزارة في كل فن من فنون الإدارة، وفي كل لون من ألوان التعليم.
النظرية في نفسها معقولة منتجة، ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تُتخَذ أصلًا في وزارة المعارف. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقتل الكفايات العلمية، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا في قتلها. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تستذل المشرفين على التعليم، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحرارًا. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقيم التعليم في مصر على سلطة الفرد، ومصلحة مصر — ولا سيما في عهد الاستقلال والدستور — أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية. ثم خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تشعر المعلمين جميعًا بأنهم خاضعون لسلطان الفرد وتحكم الفرد. فما أسرع ما تفسد الأخلاق! وما أسرع ما تنمحي الشخصيات! وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مُسخَّرة لا رءوسًا مفكرة! وحسبك بهذا شرًّا على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر.
هذه نظرية المركزية وآثارها في وزارة المعارف، وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا، قابلة للبحث والمناقشة، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل في وزارة المعارف، وأكره أن أسمِّيها لأني أحب أن أجلَّ وزارة العلم والتعليم عن أن تُضاف إليها هذه النظرية. لا أسمِّيها إذن، وأترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيءٍ قليل من آثارها فيما حدث في هذه الأيام الأخيرة من نقل وتعيين.
في مصر مدارس ثانوية، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها، فبلوها وأحسنوا إدارتها، وكان من المعقول أن تُسنَد إليهم نظارة هذه المدارس، وأن يُرقَّى نظَّار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية، حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة أعوامًا فجرَّبوها وأحسنوا التصرف فيها؛ رُقُّوا إلى نظارة المدارس الثانوية. هذا هو المعقول الملائم للمصلحة، لمصلحة الأساتذة والتلاميذ والنظَّار والوكلاء والتعليم بوجه عام. ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيءٌ آخر، فهناك مدارس ثانوية رُقِّيَ إلى نظارتها نظَّار مدارس ابتدائية ليس لهم في التعليم الثانوي تجربة ولا بلاء.
ويُقال في هذه الترقية ما يُقال، ولكني لا أحفل بما يُقال، وإنما أحفل بالنظريات الفنية نفسها، وهي متشابهة في ديوان المعارف وفي مدارس المعارف. تدور حول شيءٍ واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير، ونتيجة هذا ظاهرة؛ وهي اضطراب الأمر وفساده، وتعرض التعليم في نفسه لألوان العبث وضروب الخطر.
أفيرى وزير المعارف في هذا رشدًا؟! أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟! أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه إن تكن في مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وأن تستثمر الكفايات في عدل وفي إنصاف، وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين؟!
نقول: إذا كانت هناك وزارة خليقة بهذا كله، فهي وزارة المعارف التي وكِّل إليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر.