Tag: Promotion

  • لغز

    لغز
    حله[1] عند رجلين، أحدهما «رئيس الوزراء»، والآخر «وزير الداخلية». ويزعم طوال الألسنة أن رجلًا ثالثًا من كبار الموظفين قد يستطيع مشاركة الوزيرين الخطيرين في حل هذا اللغز، ولكنهما يأبون أن يسموه ويكتفون بالإشارة إليه. أما نحن فلا نطلب الحل إلا عند القادرين الرسميين عليه، أي عند «رئيس الوزراء» و«وزير الداخلية».
    وهذا اللغز يحيط بصاحب العزة «أحمد كامل بك»، مدير «الأمن العام»؛ فقد نهض الرجل بحماية الأمن كما لم ينهض به أحد من قبله إلا «وزير الداخلية» حين كان مديرًا للأمن العام. وكانت نتيجة هذه الكفاية الباهرة في حماية «أحمد كامل بك» للأمن العام أن أخذت الجنايات تنقص ثم تنقص، وتقل ثم تقل، حتى انعدمت انعدامًا. ومضت الأيام والأسابيع والشهور، ومصر لا تقع في أرضها جناية ما، حتى أشفق الناس من ذلك؛ فبعض العلماء من أصحاب الاجتماع يرون أن وقوع الجرائم ظاهرة من الظواهر الطبيعية، لا يمكن ولا ينبغي أن تخلو منها جماعة منظمة. فلما رأى الناس أن مصر قد برئت من الإجرام والمجرمين، أصابهم خوف لا يشبهه خوف، وظنوا أن جماعتهم مريضة؛ لأنها لا تؤدي عملها الاجتماعي كما ينبغي.
    ولكن الوزارة أعلم بشؤون الاجتماع والسياسة من الناس، فحمدت لـ«مدير الأمن العام» كفايته وبراعته؛ لأنه حقن الدماء، وعصم النفوس، وحفظ على الناس أموالهم وأعراضهم، ومكنها من أن تعلن مطمئنة أنه قد ظفرت بما لم تظفر به وزارة في أقطار الأرض، فمحت الجرائم محوًا. ولذلك اعترفت لمدير الأمن بالفضل، وسجلت له هذه المآثر، وعجزت عن أن تكافئه كما ينبغي، فأشارت إلى مكافأته إشارة موجزة يسيرة ضئيلة حين منحته ثلاثمائة جنيه علاوة في كل عام.
    وبينما الناس يلومون الوزارة لأنها لم تحسن مكافأة المدير الكفء، ولم تبلغ من ذلك رضا الأمة الآمنة المطمئنة، اجتمع مجلس الوزراء لأول مرة بعد عودة الرئيس العظيم، ولم يجتمع في دار من دور الحكومة، ولا في يوم من أيام العمل، وإنما اجتمع في دار «وزير الداخلية»، وفي يوم من أيام الراحة، واتخذ قرارًا كان وقعه بين المصريين كوقع هذه الفرقعة التي روعت «نادي الشعب»، وجريدة «الشعب»، وأزعجت الشرطة مساء أمس. وكان هذا القرار يقضي بإبعاد «مدير الأمن العام» عن إدارة الأمن العام، وندبه للعمل في مجلس الوزراء. وقد ذهب الناس بعد أن هدأت الثائرة، واطمأنت القلوب، بين الظنون مذاهب مختلفة في تأويل هذا القرار الخطير، سيظل أمرًا مستورًا، وحجرًا محجورًا، لا ينبغي لأحد أن يعرفه أو يظهر عليه.
    وقال بعض المتأولين إن مصدر هذا الندب إنما هو مذهب أولئك العلماء من أصحاب الاجتماع، وعلى رأسهم «دوركيم»، من أن الإجرام ظاهرة طبيعية في حياة الجماعات، كما أن المرض ظاهرة في حياة الأصحاء. وكما أن الناس لا بد لهم من أن يمرضوا ليصحوا من جهة، وليعمل الأطباء من جهة أخرى، وليعيش الصيادلة من جهة ثالثة، ولتكون لـ«كلية الطب» حياتها وواجباتها من جهة رابعة، وليختلف إليها الطلاب، وليدرس فيها الأساتذة، وتُشترى لها المعامل، وتقام لها الأبنية من جهة خامسة، وليعيش الممرضون والممرضات من جهة سادسة، ولتشتغل المعامل في صنع العقاقير وتركيبها من جهة سابعة، ولغير ذلك من الجهات التي لا تكاد تُحصى؛ فلا بد للجماعات أن تقع فيها الجرائم لتنشأ إدارة «الأمن العام» من جهة، وليكون لها مدير ووكيل يرتقيان إلى الدرجات العالية ويقبضان المرتبات الضخمة من جهة ثانية، وليكون فيها المفتشون والعمال من جهة ثالثة، وليعيش المديرون والمأمورون والملاحظون والمعاونون والشرطيون من جهة رابعة، ولتحقِّق النيابة، وترافع النيابة، ويترافع المحامون، ويقضي القضاة، ويكتب الكُتّاب من جهة خامسة، ثم لتنشر الصحف ويتحدث الناس، وتظهر كفاية الوزراء في ضبط الأمن وحماية النظام من جهة سادسة، ثم لغير هذا كله من الجهات التي ليس إلى إحصائها من سبيل دون اضطرار إلى الإسهاب والتطويل.
    وكان مدير الأمن قد ألغى الجرائم إلغاءً، ومحا الجنايات محوًا، فكاد يقيم الدليل — نستغفر الله، بل أقام الدليل — على أن عضوًا بل عضوين، بل أعضاء في الجسم الإداري للحكومة قد أصبحت زوائد لا غناء فيها، ولا حاجة إليها. وإذن فقد تردد مجلس الوزراء: أيمضي مع «مدير الأمن العام» فيلغي إدارة الأمن العام، ويلغي الشرطة، ويضيق من اختصاص المديرين، ومن اختصاص النيابة، ومن اختصاص القضاء؟ أم يبعد «مدير الأمن العام» عن عمله لتعود الحياة المصرية سيرتها الأولى؟ وفي مجلس الوزراء رحمة بالمصريين، وعطف عليهم، ورعاية لهؤلاء الموظفين الذين يعيشون للأمن العام، ومن الأمن العام، فآثر مجلس الوزراء نقل «مدير الأمن العام»، أو ندبه إذا أردت التعبير الدقيق.
    وقال قائلون آخرون: كل هذا ممكن، ولكننا نرجح تأويلًا آخر؛ فلم تكذب الحكومة الحكمة السائرة حين قالت: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول». ومن حق الوزارة أن تفكر في نفسها قبل أن تفكر في الناس. وقد رأت الوزارة أن «مدير الأمن العام» قد أصلح الإدارة إصلاحًا لم يسبق إليه، وضبط الأمن ضبطًا لا يُجارى فيه، فغارت الإدارات من إدارة الأمن العام، وغارت الوزارات من وزارة الداخلية، وطلبت كل إدارة أن تجعل أمورها إلى «مدير الأمن العام»، وطلبت كل وزارة أن يمر بها «مدير الأمن العام». وكثر في ذلك الخصام بين الإدارات والوزارات، وأراد مجلس الوزراء أن يكون منصفًا عدلًا، وأن يقبل مطالب الإدارات والوزارات، ولكن على أن يبدأ بأولاها بالعناية، وأحقها بالرعاية، وأجدرها بأن تكون المبدأ والنهاية، فقرر أن يندب «مدير الأمن العام» للعمل في مجلس الوزراء، حتى إذا ضبط أمور هذه الإدارة الممتازة وأصلحها كما ضبط أمور الأمن العام وأصلحه، نُقل بين الإدارات والوزارات، مؤثرًا الأهم على المهم، حتى إذا دار دورته كان قد أتم للأداة الحكومية كل ما تحتاج إليه من الإصلاح.
    وقال أصحاب هذا الرأي في تأويل هذا القرار: ألم يبلغكم ما تتحدث به الصحف من أن همَّ مجلس الوزراء — أو رئيسه على الأقل — متجه إلى أن يرقّي «مدير الأمن العام» في الدرجة بعد أن زاده في المرتب، فيصبح وكيل وزارة بعد أن كان مديرًا عامًا؟ هذه الترقية توطئة لم يكن منها بد، حتى إذا ذهب المصلح العظيم إلى الوزارات كان أكبر رأس فيها بعد الوزير، واستطاع أن يتناول إداراتها كلها بالإصلاح جماعات لا أفرادًا، وجملة لا تجزئة، ذلك أدعى إلى الاقتصاد في الوقت، والإسراع في العمل، وتحقيق الإصلاح الشامل في أقصر وقت ممكن.
    قال قائلون آخرون: إنما هذا كله رجم بالغيب، وتحدث بما لا علم لكم به، وما ينبغي أن نلتمس التأويل ونغلو فيه. وقد أشارت الوزارة أو ألسنتها في أحاديث غير رسمية ولكن لها قيمتها إلى أن «رئيس الوزراء» متعب مكدود، محتاج إلى العناية بصحته، والترفيه عن نفسه؛ فهو محتاج إلى رجل ثقة يقوم معه في مجلس الوزراء، يصرف له هين الأمر، ويعرض عليه في رفق ما قد يكون عسيرًا يحتاج إلى عنايته ورعايته وكفايته. و«رئيس الوزراء» واثق بـ«مدير الأمن العام» لكفايته أولًا، ولمكانه منه ثانيًا. وليس على «رئيس الوزراء» بأس أن يؤثر نفسه بهذه الكفاية النادرة بين كبار الموظفين؛ فالأمر في مصر كلها رهين بصحة «رئيس الوزراء» من جهة، وبصلاح الأمر في مجلس الوزراء من جهة أخرى.
    قال قائلون آخرون: إنكم لتلتمسون الظهر في الساعة الرابعة والعشرين، وتشطرون الشعرة شطرين، وتكلفون أنفسكم شططًا. وما بالكم لا تسلكون إلى التفسير أقرب الطرق، ولا تتخذون إليه أيسر الأسباب، ولا تقولون إن «وزير الداخلية» لم يرضَ عن «مدير الأمن العام»؛ لأن «وزير الداخلية» ممتاز في شؤون الأمن امتياز المدير، وفي مصر مثل له قيمته، وهو أن السفينة تغرق إذا وُكِّلت أمورها إلى ربانين. فقد آثر «وزير الداخلية» — على مرضه — أن تكون إليه أمور الأمن العام، وتخفف من مديره الكفء، فطلب ندبه للعمل في مجلس الوزراء. ومن يدري؟ لعل العلاوة التي أُهديت إلى «مدير الأمن العام» كانت تمهيدًا لهذا الندب، ولعل الترقية التي يقال إنها ستهدى لـ«مدير الأمن العام» تكون تتويجًا لهذا الندب.
    قال أصحاب الجد: مهما تفكروا وتقدّروا، ومهما تحللوا وتعللوا، ومهما تذهبوا المذاهب في التفسير والتأويل، فإن في الأمر غموضًا لا يجلوه إلا بيان من «رئيس الوزراء»؛ فمن حق الناس أن يعلموا كيف تُترك إدارة الأمن العام وليس لها مدير، مع ما نعلم من حاجة الأمن إلى عناية لم يحتج إلى مثلها في يوم من الأيام. ومن حق الناس أن يعرفوا طبيعة العمل الجديد الذي سينهض به المدير المندوب في مجلس الوزراء؛ فليس من المعقول، ولا من الأشياء التي تستقيم مع طبيعة الاقتصاد وحاجة مصر إليه، واعتراف الوزارة بهذه الحاجة، أن يُكلَّف موظف من كبار الموظفين عرض الأوراق على «رئيس الوزراء»، وأن يتقاضى على ذلك ألفًا ونصف ألف من الجنيهات. وعند «رئيس الوزراء» مكتبه، ولهذا المكتب رئيس وفيه موظفون، وعند «رئيس الوزراء» السكرتير العام لمجلسه، ومن وراء هذا السكرتير العام جيش لا بأس به من الموظفين.
    ففي الأمر سر يحتاج إلى أن يُحل، و«رئيس الوزراء» و«وزير الداخلية» وحدهما قادران على إظهار هذا السر وحل هذا اللغز، والخير ألا نرجم بالغيب، وأن ننتظر البيان من القادرين عليه. ثم تفرق المتحدثون، وكلهم ينتظر هذا البيان، ولكني أخشى أن يطول انتظارهم، ويطول دون أن يظفروا بشيء.
    [1] كوكب الشرق في ١٢-٩-١٩٣٣.

  • إبطاء

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣