نداء
أصدره [1] صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» «شيخ الجامع الأزهر»، وأخذت الصحف تذيعه في الناس منذ أمس، وفيه نذير شديد، وتحذير للناس غليظ من أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى مدارس المبشرين ومعاهدهم بعد ما تبين لهم من أمر هذه المدارس والمعاهد، وبعد أن أُقيمت لهم الملاجئ الإسلامية، وفُتحت أمامهم أبواب المعاهد والمدارس القائمة لتعينهم على ما يحتاجون إليه من تعليم الأبناء والبنات، وتربيتهم في بيئات إسلامية خالص تحفظ عليهم دينهم وأخلاقهم وقوميتهم وتحميهم من كل فتنة وترد عنهم كل عدوان.
وليس من شك في أن صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» حين فكر في إصدار هذا النداء، وحين أصدره، قد أدى واجبًا يفرضه عليه مركزه في هذه البلاد، وفي غيرها من البلاد الإسلامية؛ فالله — عز وجل — يطالب المسلمين جميعًا بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسارعوا إلى الخير. وهذا الواجب أشد لزومًا للذين نصبوا أنفسهم رجالًا للدين وأئمة للمسلمين، فكيف إذا كانت الدولة هي التي نصبتهم لذلك وكلفتهم إياه، وأرادتهم على أن يفرغوا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإسراع إلى الخير.
فـ«شيخ الأزهر» إذن قد اجتهد في أن يؤدي لله وللدولة هذا الواجب الذي لم يكن له بد من تأديته، وله على هذا الاجتهاد في تأدية الواجب أجره من الله، وشكر الناس إياه، سواء أوفّق أو لم يوفّق، سواء أخطأ أم أصاب؛ فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولسنا نشك ولا نرتاب في أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعا إلى الخير، فقد برئت ذمته من عصيان العصاة، وبغي البغاة، وتقصير المقصرين، وأصبح الثقل كل الثقل، والإثم كل الإثم، على أولئك الذين يؤمرون بالمعروف ثم لا يأتمرون، وينهون عن المنكر ثم لا ينتهون، ويدعون إلى الخير ثم لا يستجيبون. وأكبر ظننا أن المسلمين سيؤدون لله ولأنفسهم واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر، والإسراع إلى الخير، كما أدى صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر»، أو كما اجتهد صاحب الفضيلة الأستاذ في أن يؤدي واجبه مريدًا الإصلاح ما استطاع.
ولكن هذا النداء يدعو إلى شيء من التفكير لعله لا يخلو من العبرة والموعظة الحسنة، وهو يدعو إلى التفكير من نواحٍ مختلفة نقف عند بعضها؛ لأنه خليق حقًا أن نقف عنده، وندعو الناس جميعًا إلى أن يطيلوا فيه الروية والتفكير. فهذه المدارس والمعاهد التي أقامها المبشرون، ودعوا إليها الناس، أو دفعوا إليها الفقراء والضعفاء دفعًا، يحدثنا صاحب الفضيلة بأنها مدارس ومعاهد أُعدت لإخراج الناس من دينهم. وصاحب الفضيلة لا يقول هذا عفوًا، ولا يلقي هذا إلقاءً، وإنما يقوله بعد أن تبين له أنه الحق الذي لا يقبل شكًا ولا مراء. وصاحب الفضيلة ينهى المسلمين عن أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المعاهد والمدارس، وسيستمع له المسلمون إن شاء الله عز وجل.
ولكننا كنا نحب وما زلنا نحب أن تستمع له الوزارة قبل أن يستمع له عموم الشعب، أو أن تستجيب له الوزارة الراعية قبل أن تستجيب له الأمة التي هي الرعية، كما يقول الحديث الشريف الذي رواه الأستاذ في ندائه؛ فما دامت الوزارة راعية للناس، وما دامت الوزارة مسؤولة عن رعيتها، وما دامت كل وزارة مصرية مهما تكن قد قبلت هذه التبعات، تبعات الراعي الذي يُسأل عن رعيته، فقد يخيل إلينا أن الإثم الذي يصيب المسلمين إذا أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس والمعاهد يقع مضاعفًا على الوزارات التي تسمح بإقامة هذه المدارس والمعاهد، وهي تعلم كما علم الشيخ أنها أُعدت لإخراج الناس عن دينهم، وبأن تفتح أبوابها للناس وتدعوهم سرًّا وجهارًا إلى أن يرسلوا إليها أبناءهم وبناتهم ليخرجوا فيها من دينهم. فليس يكفي أن تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتدعوهم إلى الإسراع إلى الخير، وإنما يجب أن تهون عليهم الائتمار بالمعروف، وتيسر عليهم الانتهاء عن المنكر، وتمهد لهم سبيل الإسراع إلى الخير.
وليس يكفي أن تقيم لهم الملاجئ وتفتح لهم المعاهد والمدارس، وأنت تعلم حق العلم أن لهؤلاء المبشرين من ضروب الإغراء والإغواء، ومن فنون الكيد والمكر، ما قد يمكنهم من أن يصرفوا الناس جميعًا أو قليلًا منهم عن هذه الملاجئ التي أُقيمت، وعن هذه المدارس والمعاهد التي فُتحت لهم أبوابها. وواضح جدًّا أن «شيخ الأزهر» لا يستطيع أن يكف الناس بالقوة عن معاهد المبشرين أو يدفع الناس بالقوة إلى معاهد المسلمين، ولا يستطيع أن يُغلق معاهد المبشرين إغلاقًا، وإنما «الوزارة المصرية» وحدها هي التي تستطيع أن تتخذ من السبل والأسباب ما يحول قطعًا بين المسلمين وبين هذه الدور التي أُعدت لإخراج أبنائهم وبناتهم — كما يقول الشيخ، وكما تعلم الوزارة — من الإسلام.
وقد اقترحنا واقترح الناس معنا، واقترحت «هيئة كبار العلماء» على الوزارة ضروبًا من الوسائل لتحقيق هذه الغاية التي لا بد من تحقيقها؛ فقد نحب أن نعلم ماذا فعلت الوزارة بكل ما اقترح عليها من الوسائل والأسباب؟ أخذت من غير شك في إنشاء الملاجئ، ودعت إلى هذا الإنشاء وأعانت عليه، ولكن مدارس المبشرين ومعاهدهم وملاجئهم ما زالت قائمة، وما زالت أبوابها مفتحة، وما زال الناس يُدعون سرًّا وجهرًا في أكبر الظن إلى أن يرسلوا إليها الأبناء والبنات، وما زالت هذه المدارس والملاجئ تملك من ضروب الإغراء ما قد يجعلها أحب إلى بعض الناس، وآثر عندهم من هذه الملاجئ التي أُنشئت. فماذا اتخذت الوزارة من الأسباب لتحول بين الناس وبين هذه المعاهد الأجنبية؟ أو لتحول بينهم وبين ما ينتظرهم من شر إن أرسلوا أبناءهم وبناتهم إليها؟
لقد أجمع المصريون على مطالبة الوزارة بفرض المراقبة على هذه المعاهد، فماذا صنعت الوزارة بهذا الإجماع؟ وإلى أي حد وصلت الوزارة في وضع التشريع الذي وعدت به منذ زمن بعيد، والذي ألح الناس وما زالوا يُلحون في أن تنشره بعد أن طوته طيًّا؟
والناس جميعًا يذكرون أن الحكومة الإنجليزية قد أذنت لمندوبها السامي في أن يتحدث إلى «الوزارة المصرية» في تنظيم هذه المراقبة، وهم جميعًا يذكرون أن كلامًا كثيرًا قيل في هذا الإذن، وأن أنباء كثيرة أُذيعت حوله، وأن «الصحف الإنجليزية» تحدثت بأن وزارتنا قد اتصلت بالهيئات التبشيرية العليا لتشاورها في أمر هذه المراقبة. والناس جميعًا يعلمون أننا أنكرنا تدخل الإنجليز في أمر هذه المراقبة، واستشارة المبشرين في أمر هذه المراقبة التي يُراد أن تُفرض على معاهدهم. ولكن الناس يريدون أن يعلموا ماذا أصاب التشريع الذي يفرض هذه المراقبة؟ أعدلت عنه الوزارة واكتفت بإنشاء الملاجئ وبما يصدره «شيخ الأزهر» من النداء والتحذير؟ أم أنها أرجأته كغيره من المشروعات؟ أم لا تزال جادة فيه؟ فإن تكن الأولى فقد ينبغي أن تعلم الوزارة أن إنشاء الملاجئ ونداء الشيخ وغيره من المسلمين قد يخفف الشر ولكنه لا يمحوه، وإن تكن الثانية فقد نحب أن نعلم ما بال هذا التشريع لم يُعلن أمره للناس، أو لم تُعلن أنباؤه إلى الناس؟ وهذا فصل الدراسة قد ابتدأ، وكان ينبغي أن يُحال بين الناس وما في معاهد المبشرين من الشر قبل أن يبتدئ العام، وتتكرر الحوادث المحزنة الخطرة التي وقعت من قبل.
نعلم أن الوزارة قد شُغلت بنفسها في هذه الأسابيع، ولكن الوزارة لم تُقم لتشغل بنفسها، وإنما أُقيمت لتشغل بالناس. ونعلم أن الوزارة قد شُغلت بجباية الضرائب لأن الدولة في حاجة إلى المال، ولكننا نعلم أن جباية الضرائب ليست شيئًا يُقصد لنفسه، وإنما تُجبى أموال الناس لتنفق في مصالح الناس، ومن أهم مصالح الناس أن تحمي الحكومة فقراءهم وضعفاءهم من عدوان الأجنبي. ونعلم أن لدى الوزارة من المشكلات الداخلية السياسية ما قد يضطرها إلى أن تشفق من إغضاب الأجانب، وترغب في مصانعتهم بعض الشيء، ولكننا نعلم أن الوزارة لم تُقم لتستعين بمصانعة الأجانب على البقاء في الحكم، وإنما أُقيمت لتخدم الشعب وتحقق مصالحه في غير هوادة ولا ضعف؛ فإن وُفقت إلى ذلك فهو الخير، وإلا وجب عليها أن تستقيل.
نحب أن تنظر الوزارة إلى نفسها نظرة الجد، وأن تعلم أنها لم تُقم لتشغل بأمر دون أمر، أو لتشتد في بعض الأمور وتلين في بعضها الآخر، وإنما أُقيمت لتعنى بأمور الدولة كلها، ولتشتد في حقوق الدولة كلها. نعم، ونحب أن تعلم الوزارة، وأن يعلمها «شيخ الأزهر» — إن لم يكن قد فعل — بأنه إذا كان من الحق أن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم مذنبون مقصرون، فإن الذين يسمحون ببقاء هذه المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم دون أن يحولوا بينها وبين غايتها المنكرة بقوة وصراحة يتعرضون عند الله، وعند الناس، وعند «شيخ الأزهر» لأمر عظيم.
فلترفق الوزارة بنفسها أن يصيبها من «شيخ الأزهر» هذا الأمر الذي أرسله صارمًا رهيبًا.
[1] كوكب الشرق في ٢١-٩-١٩٣٣.
Tag: Proselytization
-
نداء