Tag: Prosperity

  • كلمة

    كلمة…
    بقلم الدكتور طه حسين
    ذهب كاتب فرنسي معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التي يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغي للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير في نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم في الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغي للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس. ولا ينبغي له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية في بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع في مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذي يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام.
    ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسي أثناء هذا الصيف. ولست أدري أذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا في شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الإنتاج حيث استطاع إليه سبيلا، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج في هذه البيئة الفنية المترفة التي يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتي تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما
    رأى وأنكره أشد الإنكار وصور ضيقه وإنكاره في هذه الكلمة التي ذاعت عنه في إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم، قال لبعض رفاقه يكفي أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدري الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدري أكان وجوه المترفين في تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت في نفسي كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيري من الناس، وليس يضنيني أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم في الترف ناضرة أو عابسة، حسنة أو قبيحة وإنما الذي يعنيني وما أشك في أنه يعني هذا الكاتب الفرنسي أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراضٍ هذا الضمير أم ساخط، أمطمئنٌ هو أم قلق، أباسمٌ هو أم عابس! أمتعبٌ هو أم مستريح، ولست أدري كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق في النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا في البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك.
    ولست أدري كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعرف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم في الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.
    ولست أدري كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق في ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة.
    ولست أدري آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسي لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما في العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون.
    نعم لست أدري كيف يستمتع ضمير الرجل الحر بالرضى والطمأنينة، والابتسام والراحة، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال، وغرقوا في شقاء لا يعرفون له قرارا. فهذه الوجوه التي رآها كاتبنا هذا الفرنسي قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما في نفوس أصحابها من البشاعة والقبح، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعي بالتضامن بينه وبين نظرائه في هذه الحياة أنه يفزع إليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمي الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء في إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذي يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذي يقرون النظام ويحفظون الأمن في أوقات السلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون في ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه، يعملون له في أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له في مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفي تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفي تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة، و يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف و يستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التي يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها، وما أعرف أني ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة في قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسي بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة في البر والبحر وما أذكر أني آويت إلى فندق في السفر، أو آويت إلى داري في الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسي بشيء من أمر هؤلاء الذين يتيحون لي بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لي الراحة ويبتسمون ليعدوا لي شيئا من نعيم.
    وما أكثر ما نقرأ في الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر في نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون في قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون في عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون في سيرتهم مع الناس بما يجدون في قلوبهم من
    شعور وما يدبرون في عقولهم من تفكير، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذي ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدّى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعي فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح.
    فكرت في هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسي بل فكرت في أكثر من هذا كله وفكرت في ثورتنا المصرية التي جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتي أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها في حزم وعزم لا تردد فيهما وفي جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسي أيتاح لي ولأمثالي من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعي الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم في الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلي بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعي صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد أنصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدّوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما في أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا.
    أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار.
    منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
    طه حسين
    البلاغ، ٤\٩\١٩٥٢

  • ذكرى

    ذكرى

    رئيس الوزراء ووزير المالية يستشفيان في أوربا ويستريحان. ووكيل المالية يتروض في أوربا ويشهد المؤتمر الاقتصادي، ووزير المعارف يتأهب لرحلة إلى أوربا كرحلة العام الماضي، فيها راحة بعد أن تعب في تشييد بناء التعليم. وفيها اجتناء لثمرة هذا التعب من أوسمة وألقاب. وكيل المعارف قد سبقه إلى إنجلترا ليستريح وسكرتير المعارف سيذهب إلى لبنان بعد أيام ليستريح. وأحد وكيلي الداخلية سيسافر إلى أوربا ليستريح، والوكيل الآخر سيعمل في الإسكندرية وإن كان قرار الوزراء يقضي بأن يبقى وكلاء الوزراء في وزاراتهم من حين إلى حين، ولكن وكيل الداخلية قد تفضل على الدولة بأن يعمل أثناء غيبة صاحبه فلا بد من أن يجمع بين العمل والاصطياف على حساب الدولة، لأنه هو أيضًا في حاجة إلى أن يستريح. ومدير الأمن العام قد ذهب إلى رودس ليستريح، ووكيل الأمن العام قد طلب إجازة، وأذن له فيها وزير الداخلية ليستريح. ومدير المطبوعات سافر إلى قسطنطينية ليستريح. ووكيل المطبوعات قد أذن له هو أيضًا في إجازة ليستريح. وهؤلاء الوزراء جميعًا يصطافون في الإسكندرية على حساب الدولة ليستريحوا أثناء العمل. وأمر الوزارات الأخرى كأمر هذه الوزارات الثلاث التي أشرنا إليها آنفًا إن لم يكن رجالها أشد حاجة إلى الراحة وأعظم حظًا من الإجازات. وأمر المصالح كأمر الوزارات، رؤساؤها ووكلاؤها وموظفوها في حاجة إلى الراحة ولهم الحق كل الحق أن يطلبوا الإجازات وعلى الحكومة أن تستجيب لهم وتمتعهم من هذه الإجازات بما يريدون. وللحكومة إن شاءت وكانت ظريفة خفيفة الروح، حريصة على أن تصطنع المجاملة وحسن المعاملة أن تنتهز فرصة هذه الإجازات لتكلف بعض الموظفين الأكفاء القيام ببعض المهمات في أقطار أوربا، وتدفع بإزاء هذا التكليف نفقات السفر والإقامة أو نفقات السفر دون الإقامة أو ما شئت من مقدار ضخم أو نحيف يعين على السفر والإقامة.

    وخلاصة هذا كله وما يشبهه مما نعلمه ونسكت عنه، ونجهله ولا نشير إليه، أن في مصر ظاهرتين خليقتين بالتفكير والتقدير، خليقتين بأن يكثر فيهما الحديث، وتذاع فيهما دعوة لمصر لا تشبهها دعوة، وإعلان عن مصر لا يقاربه إعلان. فأما الظاهرة الأولى فهي أن أمور مصر مستقرة كأحسن ما تستقر الأمور في حكومة، وتدبر أمورها بغير مدير، وتسير أعمالها بغير مسير. فهي إذن بصورة المثل الأعلى للبلاد التي تتخذ الحكومة زينة وترفًا وفضلاً عن لهو الحياة حتى لا يقال إنها دون غيرها من البلاد.

    وآية ذلك أن هذا العدد الضخم من الوزراء والوكلاء ومن الرؤساء والمديرين، ومن أعمدة الدولة وأساطينها قد سافر أو قد يسافر، واستراح أو قد يستريح واصطاف أو قد يصطاف، وأن الإدارات والمصالح لا تزال في طريقها إلى أمام تسير سيرًا مستقيمًا، لا عوج فيه. فلو قد كانت مصر بلدًا مضطربًا أو كالمضطرب، ولو قد كانت مصر في حاجة ملحة وضرورة ماسة إلى هؤلاء العمد والأساطين لم يستطيعوا أن يستريحوا ولا أن يطلبوا الراحة أو يفكروا فيها. وأنا زعيم لك بأنك لن تجد في أي بلد من بلاد الأرض عددًا كهذا العدد الضخم من الموظفين يستريح أو يتهيأ للراحة ويسافر أو يتأهب للسفر. وأنا أعلم أن بعض المكرة الذين لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب سيقولون: وما يدريك؟ لعل أمور الدولة تضطرب أشد الاضطراب وتفسد أعظم الفساد لتخلي هؤلاء السادة عن مناصبهم أوقات طوالًا أو قصارًا، ولكن أحدًا لا يحفل بذلك ولا يلتفت إليه، والناس يعلمون ذلك ولا يشعرون به. سيقول فريق من الناس هذا أو شيئًا يشبهه، ولكنهم مسرفون فلا ينبغي أن تسمع لهم، ولا أن تقف عندما يقولون، لأن وزراءنا ووكلاءنا ورؤساءنا أحرص على مصالح الدولة وأرفق بمنافع الناس من أن يتورطوا في هذا العبث أو أن يهملوا حياتنا العامة هذا الإهمال. ولهم ضمائر حية وقلوب ذكية، وحرص على الأمانة شديد. فلولا أنهم يعلمون حق العلم أن سفينة الدولة تستطيع أن تجري هادئة مطمئنة من دونهم لما تركوها ولم يأذنوا لأنفسهم بهذه الراحة التي هم في حاجة إليها من غير شك.

    هذه إحدى الظاهرتين. فأما الظاهرة الثانية فهي أن مصر غنية مثرية توشك أن تصيبها التخمة لكثرة ما عندها من الغنى والثراء. وآية ذلك أنها تحتمل كل هذه الإجازات وتؤجر كل هؤلاء الموظفين الذين تستطيع أن تستغني عنهم أشهر الصيف، وتنفق على جماعة منهم يصطافون في الإسكندرية وعلى جماعة آخرين يتنزهون في أوربا. فلو كانت فقيرة أو متوسطة الحال كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا لاقتصرت في ذلك بعض الاقتصاد فاستغنت عن بعض هؤلاء الموظفين الذين لا تحتاج إليهم في الصيف لأنها من غير شك لا تحتاج إليهم في الشتاء، ولأبت على بعضهم الآخر أن يصطافوا على حسابها. لأنها هي لا تصطاف. ولأبت على فريق آخر أن يستمتع بحياة أوربا على حسابها لأنها لا تستمتع إلا بالبؤس والشقاء. وفي هذا القيظ الذي يميط النفوس ويصهر الجلود، ولكن مصر غنية مثرية فلها أن تنفق عن سعة وتبدد في غير حساب، وتمتع أغنياءها على حساب فقرائها وسادتها على حساب سوقتها. ومصر حرة تستطيع أن تصنع في أموالها ما تشاء، تستطيع أن تلقيها من النوافذ وترسلها مع الرياح، وليس لأحد أن يسألها في ذلك ولا أن يحاسبها عليه. وقد شاءت فهي تنفق باليمين وبالشمال، وهي تمتع الوزراء وأشباه الوزراء بألوان النعيم. فمن أعجبه هذا فذاك، ومن لم يعجبه هذا فليشرب ماء النيل إذا لم تسمح له الظروف بأن يشرب ماء البحر.

    فأنت توافقني على أن من مصلحة مصر أن يكثر الحديث في أمر هاتين الظاهرتين ليعلم الناس جميعًا أننا سعداء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا نعرف البؤس ولا الفقر، ولا الشقاء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا يجد الخوف إلى نفوسنا سبيلًا، وليس بين قلوبنا زبائن الإشفاق من غد أو الاستعداد لغد سبب ما. ومالنا وللتفكير في غد وأمورنا ميسرة والحمد لله، وسادتنا أعلم منا بمنافعنا وأقدر منا على حمايتنا من النوائب والأحداث. وهم راضون فيجب أن نرضى، وهم مطمئنون فيجب أن نطمئن، وهم مبتسمون فيجب ألا يفارق ثغورنا الابتسام.

    وتسألني عن هاتين الظاهرتين: ما مصدرهما؟ ولم امتازت مصر من بلاد الله جميعًا فسعدت والعالم شقي، وأثرت والعالم فقير؟ واطمأنت والعالم مضطرب؟ وابتهجت والعالم محزون؟

    والجواب على هذا السؤال يسير، لا يحتاج إلى مراجعة التاريخ ولا إلى استشارة الاقتصاد، وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو أن نذكر اليوم الذي نحن فيه، فهو اليوم الذي أغار الإنجليز فيه على مدينة الإسكندرية ودخل الإنجليز من بعده في مصر.

    هذا اليوم الذي مضى عليه نصف قرن أو أكثر من ذلك قليلًا هو مصدر سعادتنا التي نمتاز بها الآن من بلاد الأرض كلها. كنا بائسين فذقنا الغنى منذ ذلك اليوم. وكانت أمورنا كلها إلى غيرنا فأصبحت أمورنا كلها إلينا، منذ ذلك اليوم. ولم يكن لنا وزراء ولا وكلاء ولا موظفون يستطيعون أن يستريحوا ويسرفوا في الراحة، أو يصطافوا على حسابنا أو يتنزهوا في أوربا على حسابنا لأننا في تلك الأيام لم يكن لنا حساب. أما منذ الاحتلال فقد غنينا وأثرينا واكتظت المصارف بأموالنا، فمن حقنا أن ننفق منها في غير تقدير كما نشاء وعلى من نشاء.

    ألست ترى معي أن الحكومة موفقة كل التوفيق إلى الصواب حين تأبى على الناس أن يحتجوا على ضرب الإسكندرية أو يحزنوا لذكرى الاحتلال. إنما تنشأ الحكومات بين الناس لتعلمهم الوفاء والاعتراف بالجميل ولتزجرهم عن العقوق وكفر النعمة. والمصريون في هذه الأيام عاقون جاحدون، ينكرون فضل الإنجليز عليهم، ويحزنون لمقام الإنجليز فيهم، فيجب أن تؤدبهم الحكومة فتحسن تأديبهم، وتأخذهم بأن يصطنعوا شيئًا من الحياء فيكتموا عقوقهم إذا لم يكن بد من العقوق ويضمروا جحودهم إذ لم يكن بد من الجحود، ويحزنوا فيما بينهم وبين أنفسهم إذ لم يكن بد من الحزن. فليس يليق بمصر أن يقول الناس عنها إنها حزينة كئيبة في هذا اليوم الذي كان يجب أن تظهر فيه الفرح والمرح والابتهاج.

    أما أنا فقد أردت أن أكون كغيري من الكتاب الذين كتبوا في ذكرى هذا اليوم، فوعظوا وأحسنوا العظة، وصوروا وأجادوا التصوير، ولكني لم أجد عظة أبلغ ولا عبرة أوقع في النفوس ولا تصويرًا أدق لآثار الاحتلال في نفوس المصريين وقلوبهم في حياتهم العامة والخاصة، وفي منافعهم ومرافقهم وفي عزتهم وكرامتهم، وفي آمالهم ومثلهم العليا من هذه الصورة التي نحن فيها الآن في ظل هذا العهد السعيد. فهذا العهد السعيد أثر من آثار الاحتلال وصورة من أصدق صوره، ومرآة تمثله كما هو بما فيه مما نحب وما لا نحب، ومما نرضى وما لا نرضى. فمن كان يعجبه هذا العهد فليعجبه الاحتلال ويتمنى بقاءه. ومن كان يؤذيه هذا العهد في نفسه وكرامته وعزته ومنافعه فليؤذه الاحتلال، ويتمنى على الله أن يجلو غمرته، ويزيل كربته، وليعمل ما استطاع ليخلص من أذاه المتصل وشره المقيم.

    كوكب الشرق ١١-٧-١٩٣٣