حديث الوادي
في الحرية الشخصية . . .
الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعاً بنصوص الدستور القديم، وبنصوص الدستور الذي يراد إلغاؤه.
وكانت مكفولة قبل إعلان الحياة الدستورية، بالقوانين العادية منذ عهد بعيد، فقد نشأ هذا الجيل حراً لا يعرف لأحد عليه حقاً فيما يأتي وما يدع ما دام لا يخالف القانون ولا يتجاوز حدود الآداب العامة، ولا يعرض غيره للأذى.
فمن الغريب أن تتعرض هذه الحرية الشخصية للخطر بعد هذه الضمانات كلها، وبعد أن أمن الناس عليها منذ عهد بعيد، وبعد أن نشأت أجيال مصرية، لا يستطيع السلطان أن يتدخل في حريتها الشخصية أو يعرضها للتحكم والعبث.
ولكن هذه الحرية الشخصية مع ذلك تنتهك حرماتها جهرة، وفي غير ما يدعو إلى أن تنتهك هذه الحرمات. كان ذلك يقع أيام صدقي باشا، وأيام عبد الفتاح باشا، لأن هذين الرجلين، وأعوانهما، لم يكونوا يرعون لشيء حرمة، ولا يرجون لأحد وقاراً إنما كانوا يحكمون بالهوى، ويفرضون إرادتهم وإرادة سادتهم فرضاً، ويقيمون الشهوة مقام القانون، ويمنحون الهوى سلطة الدستور، يعبثون بعقول الناس ويعبثون بعقول أنفسهم، فيحيلون إلى الناس وإلى أنفسهم أنهم ينفذون القانون، ويطبقون أحكام الدستور، مع أنهم يهدرون هذا، ويتجاوزون ذاك، في غير تحفظ ولا احتشام. لم يكن غريباً في العهد الماضي، أن يفرض مدير الدقهلية على المعلمين الإلزاميين زيّاً دون زيّ، وأن يعاقبهم إن خالفوا أمره، وأن يخيرهم بين المنصب والطربوش، ولم يكن غريباً أن يتحكم مدير المنوفية في اللحى وأن يأمر الموظفين أو ينصح لهم – ونصحه أمر – بحلقها ويخيرهم بين إرسالها وبين المنصب.
لم يكن شيء من هذا غريباً في ذلك العهد فقد كان هذا وأكثر من هذا ملائماً لطبيعة الأشياء في ذلك الوقت، موافقاً كل الموافقة لأساليب الحكم وإنما الغريب أن يمضي المديران بعد قيام الوزارة الحاضرة، بما كانا يمضيان به في ظل الوزارتين الساقطتين. فما زال ناس يشكون من مدير الدقهلية ومن بطشه بالمعلمين، وتحكمه في أزيائهم وفصل من رجع منهم إلى زيه الذي يحبه في غير تمهل ولا أناة، وما زال الناس يذكرون من أمر مدير المنوفية في قصة اللحى، التي يجب أن تحلق، والتي لا ينبغي أن ترسل، ما يذكرون، وما زال قوم يعتذرون عن المديرين بالأعذار المختلفة ويتعللون لهما بالتعلات المتباينة ومع ذلك فالذي يعرفه المصريون جميعاً ويؤمنون به إيماناً لا يتعرض له الشك هو أن الوزارة القائمة إنما أقبلت لتنصف المصريين بعد أن جار عليهم رجال العهد السابق، ولترفع عنهم الظلم رفداً وتقر فيهم العدل إقراراً، ولترد إليهم هذه الحريات المقدسة التي اعتدى عليها المعتدون، وانتهك حرماتها الآثمون، في غير رعاية للحق، ولا احتفاظ بكرامة القانون، وكل شيء يطاق إلا أن يرى المصري نفسه في هذه الأيام خاضعاً لسلطان المدير وتحكمه، في الزي الذي يريد أن يتخذه، وكل شيء يحتمل إلا أن يرى المصري في هذه الأيام خاضعاً للمدير في لحيته، أيحلقها أم يرسلها؟ هذا كثير ما ينبغي أن تخوض الصحف فيه، ولا أن يحتاج الكتاب إلى أن يبينوا مقدار ما فيه من شر ونكر. ولقد تحدثت "البورص" منذ أيام في أمر اللحى، فاستحيينا للمصريين من أن تكتب عنهم الصحف الأجنبية، أنهم ليسوا أحراراً في إرسال لحاهم، أو إزالتها، واستحيينا لهم من أن يتحدث الأجانب في مجالسهم بأن المصريين يطلبون الاستقلال، ويلحون في الحرية وهم لا يزالون يقبلون أن يتدخل المدير بينهم وبين ثيابهم، أو أن يتدخل المدير بينهم وبين لحاهم دون أن يكون هناك قانون، يبيح للمدير أن يتدخل في أمر اللحى والثياب ولكنا حملنا ذلك على ما كان يخضع له الناس في العهد الماضي من ظلم، وما كان يثقل به العهد الماضي من سيئات وآثام. فأما الآن وقد نهضت وزارة الأمة، لترد إلى المصريين حرية الأمة فأما الآن وقد نهضت وزارة الحق لترد إلى المصريين سلطان الحق، فأما الآن وقد نهض بالحكم قوم مثقفون يقدرون الثقافة، متحضرون يفهمون الحضارة أحرار يقدسون الحرية فإنا نرجو أن يعنى رئيس الوزارة ووزير المعارف بإلغاء هذا العبث ومحو هذا الفساد وإطلاق حرية الناس فيما يختارون من الثياب وإطلاق حرية الناس في لحاهم أيضاً، وحماية مصر، من أن تكون مصدراً للسخرية والاستهزاء ووسيلة للهو والفكاهة، يتخذها الأجانب لينفسوا بها عن أنفسهم هموم الحياة. إن للمديرين أعمالاً أخرى أنفع وأكرم وأوجب وأجل خطراً من العناية بأمر الثياب، وحلق اللحى، فإذا كان هؤلاء المديرون لا يقدرون إلا على العبث ولا يحسنون إلا التحكم ولا يفكرون إلا في السخف، فإن بيوتهم أولى بهم من حكم الأقاليم. ومهما تكن المعاذير التي يذيعها أنصار هؤلاء المديرين فليس لحاكم أن يدخل بين أحد وثوبه، ولا بين أحد ولحيته، فلينظر رئيس الوزراء ووزير المعارف في هذا الأمر وليردوا إلى المصريين شعورهم القديم، لأنهم أحرار فيما يلبسون من ثوب، وما يتخذون من شكل. فإن الشعور بهذه الحرية هو الأساس الصحيح الوحيد الذي ينبغي أن تقوم عليه الثقة بالوزارات، بل أن تقوم عليه الثقة بنظم الحكم، بل أن تقوم عليه الثقة بصلاح الحياة الاجتماعية واستحقاقها للبقاء، ولقد يكون من أبغض الأشياء إلى الناس أن يظلموا في أموالهم وفي مناصبهم وفي حقوقهم السياسية، ولكن أشد من هذا كله بغضاً أن يظلم الناس في ثيابهم وفي لحاهم، فليس إلى وصف هذا الظلم من سبيل.
وإني لأرجو ألا نحتاج إلى أن نتحدث في هذا الأمر مرة أخرى، كما لا ينبغي للوزارة وعلى رأسها نسيم باشا ولا لوزارة المعارف وعلى رأسها نجيب الهلالي بك، أن تضطرنا إلى إعادة هذا الحديث.
طه حسين
الوادي، ٢٤ نوفمبر ١٩٣٤.
Tag: provincial directors
-
في الحرية الشخصية