حديث الوادي
اعتراف
نسجل به للمرة الأول أو الثانية بعد الألف ، أو بعد الألفين ، أن رئيس وزرائنا رجل طيب ، رجل طيب لاحد لطيبته . رجل طيب . لم يعرف الزمن رجلا طيبا مثله ، وما نظن أنه سيعرف ، رجلا طيبا مثله في يوم من الأيام ، رجل طيب ، يسبغ المتناقضات ويهضمها ، ويريد غيره على أن يسبغ المتناقضات ويهضمها ، لا يرى بذلك بأسا ولا يجد في ذلك مشقة ولا يحسب لآثار ذلك حسابا .
كان أخص ما يمتدح به منذ نهض بأعباء الحكم ، أنه ليس كصدقي باشا يقول ما لا يفعل ، ويعد بما لا يقدر عليه ، ويقنع بما لا يقنع به أولو الحزم والعزم من هذه الحلول النصفية التي لا تحل شيئا بل تعقد كل شيء، والتي لا تنفع المصريين ولا خزانتهم، وإنما تنفع الأجانب ومصارفهم ، والتي تفسد على المصريين أمورهم لأنها توهمهم أن مشكلاتهم قد حلت ، حتى إذا ظهر لهم الحق بشعا مخيفا رأوها قد ازدادت عسرا وتعقيدا . فساء ظنهم بأنفسهم وساء ظنهم لحكامهم ، وساء ظنهم بضيوفهم الأجانب أيضا . .
تلك كانت سياسة صدقي باشا التي لم يكن يحبها الرجل الطيب ، ولا يرضاها والتي كان يعلن ازدراءها ، والاستهزاء بها في مجالسه الخاصة وفى أحاديثه إلى الصحف ، وفى خطبه التي كان يلقيها في الأندية ، وبياناته التي كان يهديها إلى البرلمان ، ويجب أن نعترف لأنفسنا بشيء من الفطنة ، فنحن لم نؤمن لرئيس الوزراء في يوم من الأيام ولم نطمئن إلى ما كان يقول ، ولم نصدق أنه كان قادرا أو سيكون قادرا ، على أن يصل إلى الحلول الكاملة الحاسمة . لا لأننا نشك في أنه رجل طيب ، بل لأننا نؤمن بأنه رجل طيب ، ونؤمن بأن الوزير الذي يستطيع أن يجد الحلول الكاملة الحاسمة ، إنما هو الوزير الذي يظفر من الأمة بالتأييد الكامل الحاسم ، ويثق من الشعب بالحب الذي لا غبار عليه، والثقة التي لا حدلها، والإخلاص الذي لا شك فيه.
ورئيس وزرائنا بعيد كل البعد ، كما يعلم ، وإن كان رجلا طيبا . ، عن أن يظفر من أمته بهذا التأييد وهذه الثقة ، وهذا الحب، فهو إذن بطبعه عاجز عن أن يصل إلى حل حازم أو حاسم . ولكنه كان يقول ذلك ويردده ويتمدح به ، ويستعلى بتكراره على صديقه
وخصمه الدكتاتور العظيم ، ولم يكن وزير المالية النابغة أقل منه أعلانا لذلك، ولا إلحاحا فيه . ولا تمدنا به .
ومضت أشهر طوال والحلول الحاسمة تعلن ولا تجيء ، وتنتظر ولا تصل، وتدعى ولا تجيب ، حتى كان الاستجواب الذي قدمه النواب ، فأما وزير المالية فقد قام منذ أيام وألقى إلى النواب كلاما هو جهد المقل وقوة الضعيف ، وقدرة العاجز، ثم أراح واستراح! وأما رئيس الوزراء فقد قام ضحى الأمس ، مؤمنا بنفسه كما كان يؤمن بها منذ نهض بالحكم واثقا بكفايته كما كان يثق بها منذ ألف الوزارة أو الفت له ، فلما قام شخصت له الأبصار ، وهي تشخص إليه دائما ، وتعلقت به القلوب وهي تتعلق به دائما ، واتصلت به الآذان وهي تتصل به دائما وتهيأت النفوس المجدبة لاستماع الكلمة التي تحمل الخصب ، والدعة ، والسعة والرخاء ، وصدرت هذه الكلمة الساحرة ، ولكنها لم تسخر أحدا ولم تحمل الخصب إلى نفس مجدبة ولا السعة إلى نفس ضيقة ولا الدعة إلى قلب مضطرب، ولا الرجاء إلى رجل محروم.
قال رئيس الوزراء كلمته فإذا هي تسجل في كل سذاجة ، ويسر ، وطيبة قلب ، وصفاء نفس ، وراحة ضمير إنه كصدقي باشا لا ينقص عنه ، ولا يزيد عليه ، ولا يصل إلى الحلول الحاسمة ، وأن وعد بها ، ولا يستطيع أن يصل إليها ، وإن طمع فيها، وما أكثر ما يطمع الناس، في أن يرقوا إلى السحاب، وينالوا بأيديهم النجوم، ولكن رئيس الوزراء ، سجل على نفسه هذا الاعتراف راضيا به ، مطمئنا إليه ، وأعلنه كما يعلن أن الحر شديد في الصيف ، وإن البرد شديد في الشتاء ، ونسى كل ما قدم من إعلان وتمدح ، ومن طمع، وطموح، ومن عيب لصدقي باشا، وغض من حلوله الناقصة ، أتريد دليلا أوضح من هذا الدليل ، على أن رئيس وزرائنا رجل طيب حقا بأوسع ما لهذه الكلمة من حدود؟ وطيبة رئيس الوزراء معدية، لم تقف عنده، ولم تقصر عليه، بل تجاوزته إلى وزير المالية ، فهو أيضا كان يريد الحلول الحاسمة ، ولا يرضى إلا بها ، ثم قبل الحلول الناقصة ، وحمد الله على السلامة والعافية ، بل طيبة رئيس الوزراء معدية ، تجاوزت الوزراء إلى النواب ، فقد كان النواب ، وأصحاب الاستجواب منهم خاصة لا يقنعون إلا بالحلول الحاسمة ، ولا يرضون إلا أن تكون لازمتنا العقارية فرجة كحل العقال ، ولكن طيبة رئيس الوزراء مستهم أمس بجناحها الرقيق فقبلوا الحلول الناقصة ، وانتقلوا إلى جدول الأعمال
أليس يمكن أن تنتشر هذه العدوى إلى حدود أوسع وآماد أبعد، فتمس المعارضين أيضًا بجناحها الرقيق، وإذا هم جميعًا يقبلون الحلول الناقصة، ويستيأسون من الحلول الكاملة، ويؤمنون بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان؟ وما بال المصريين يطمعون في الحلول الكاملة، وقد عجز عنها روزفلت برغم ما بذل وما سيبذلون من الجهود، وبرغم قوته وقدرته وسلطانه الواسع البعيد؟ المصريون معذورون إذا لم يبلغهم اليأس؛ فعجز روزفلت لا يعنيهم، ولا يقنعهم؛ لأن لهم وزير مالية هو أشد من روزفلت ذكاء، وأوسع منه كفاية، وأبعد منه نظرًا، وأقدر منه على إصلاح الأمور. وكيف يقرن صبري بك إلى روزفلت؟ وكيف تقاس مصر إلى أمريكا؟ وصبري بك هو زعيم الثورة في أمور المال، ومصر هي بلد الأعاجيب؟ بل كيف تقرن مصر إلى أمريكا، وأمور أمريكا تدبر بالعقل والمنطق، وأمور مصر تدبر بالبركة؟ ومن الذي يشك في أن البركة أنجع في حل الأزمات من العقل والمنطق وعلم الاقتصاد؟
لا ينبغي أن ييأس المصريون، فستحل أزمة الدين العقاري، وستحل أزمة الدين العام، وستحل أزماتهم جميعًا، بإذن الله، ما دام الرجل الطيب على رأس الوزارة؛ فالله لم يخلق الرجال الطيبين عبثًا، وإنما خلقهم لتفيض بركاتهم على الناس، وكل ما يطلب من المصريين هو أن ينتظروا وأن يصبروا، وأن يحتملوا البؤس والضنك والجوع؛ فكل ذلك لا خطر له، ما دامت طيبة الرجل الطيب قد تمسهم بجناحها الرفيق ذات يوم، فتملأ أرضهم لبنًا وسمنًا، وحسبك من غنى شبع وري.
وارحمتاه لمصر، إلى متى تظل أمورها لعبًا في أيدي اللاعبين؟
طه حسين
الوادي، ٢٦ يونية ١٩٣٤ .
Tag: public debt
-
استقالة٢
حديث الوادي
استقالة…
لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
طه حسين
حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤. -
حظوظ
حديث الوادي حظوظ . . .
لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.
هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.
لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.
فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:
صدّت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!
فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.
أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.
أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤.