حديث الوادي
حزم البدار…
كلمة أحدثها النائب العام في أول الربيع، أو في آخر الشتاء، فظفرت بحظ قلما تظفر به الكلمات في هذه الأيام، جرت بها الأقلام وانطلقت بها الألسنة وأثارت في قلوب بعض الناس خوفاً وأثارت على شفاه بعضهم الآخر ابتساماً.
والكلمة غريبة في حقيقة الأمر، قد لا يكون عليها اعتراض من الناحية اللغوية، وقد لا يضيق بها سيبويه أو الخليل كما يضيقان ببعض ما يدفع إليه النائب العام من الكلمات. ولكن غرابتها تأتي من أنها تثير ميلاً إلى التأويل وإلى التأويل الذي يدور دوراناً متصلاً، لا ينقطع حتى يتعب المؤولين. فالحزم مصدر والبدار مصدر آخر، وإضافة أحد هذين المصدرين إلى صاحبه يحدث حيرة لذيذة في الفهم والتقدير، ويخلع أحد المصدرين على صاحبه في غير تحديد ولا تحقيق. فحزم البدار قد يفهم منه البدار الحازم وقد يفهم منه الحزم المبادر، فالمضاف صفة للمضاف إليه، أو المضاف إليه صفة للمضاف، أو كلاهما صفة لصاحبه، وأنت تستطيع أن تدور بين هاتين الصفتين خالعاً إحداهما على الأخرى كما أنك تستطيع إذا أتعبك الدوران أن تستريح فتخلع الصفتين على رجل واحد هو صاحب العزة النائب العام الذي أحدث هذه الكلمة إحداثاً.
فحزم البدار أو بدار الحزم أو الحزم المبادر أو البدار الحازم أو النائب العام الذي يجمع بين الحزم والبدار معاً فيكون حازماً مبادراً ويكون مبادراً حازماً ويكون حازماً إذا بادر، ويكون مبادراً إذا حزم. كل هذا يملأ القلوب روعة وروعاً في وقت واحد، وهو خليق أن يصدر من المجمع اللغوي أو هو خليق على كل حال -نقول هذا في غير مزح ولا دعابة- أن يرقى بالنائب العام صاحب العزة لبيب عطية بك إلى المجمع اللغوي، وإن كانت الطرائق الندد وتعدية الفعل الذي لا يتعدى قد تردان عن هذا المجمع رداً. فمهما يكن من شيء فإن حزم البدار أو بدار الحزم لم يكن في يوم من الأيام لازماً واجباً محتوماً كما هو في هذه الأيام وهو لازم واجب محتوم بالقياس إلى النائب العام نفسه، وليس في هذا شيء من الغرابة، فالنائب العام قد ابتكر حزم البدار وبدار الحزم فهو خليق أن يمضي بهما إلى أقصى الغايات وأبعد الآماد. وليس حزم البدار ولا بدار الحزم أن تجد حازماً مبادراً أو مبادراً حازماً حين تريد أن تأخذ الناس بما يجب أن تأخذهم به مما يقتضيه الحق والعدل والقانون فحسب، وإنما حزم البدار وبدار الحزم أن تأخذ نفسك بذلك قبل كل شيء وقبل كل إنسان. والنائب العام يعلم أن قد أضيفت إليه أمور منها أنه اشترك في عمل سياسي، وكانت نتيجة اشتراكه أن أقحم القضاء في السياسة أو أقحمت السياسة في القضاء، أو اتخذ القضاء وسيلة لحل أزمة سياسية بين الوزارة والإنجليز. وقد سكت النائب العام على هذا حين أضيف إليه وإن نفاه نفياً خفيفاً، ولم ينكره صراحة إلا حين جد الجد، وأخذت آثار ذلك تظهر وتشغل بها الدوائر الرسمية. وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفي هذا الأمر من فوره وأن يكون هذا النفي صادقاً قاطعاً، لا سبيل إلى الشك فيه. ولكنه أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم، وترك الصحف تقول والناس يخوضون. فلما نفى بعد أيام أقبلت السياسة اليوم تتحداه نوعاً من التحدي غريباً، وتطالب الأهرام وتستحلفها بالشرف والنزاهة أن تقول إن الذي أنبأها بهذا النبأ لم يكن هو النائب العام. وإذن فالسياسة لا تقبل نفي النائب العام لما أذيع من اشتراكه في السياسة وإقحامه القضاء فيها، أو إقحامها في القضاء. بل هي تريد أن نفهم الناس شيئاً أبعد من هذا يفهمه كل من قرأ سؤال السياسة للأهرام.
ومن هذه الأمور التي أضيفت إلى النائب العام ما رواه الأستاذ الكبير الهلباوي بك فقد تحدث الناس به أثناء الصيف، ونشرته السياسة صباح الخميس، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفيه مساء الخميس وألا يقف عند النفي بل يتجاوزه إلى التحقيق في هذا الأمر وفي الأمر الآخر الذي نشر يوم الثلاثاء، ولكن النائب العام أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم يوم الخميس كله ويوم الجمعة كله، حتى تنحى المستشاران عن نظر القضية صباح السبت. وكان النائب العام يستطيع لو آثر حزم البدار أو بدار الحزم أن يرد عن هذين المستشارين الكريمين هذا الحرج. ولكنه لم يفعل والغريب أن يصطنع حزم البدار وبدار الحزم رجل آخر غير النائب العام هو رئيس تحرير الوادي فيطلب يوم السبت في حزم مبادر أو بدار حازم أن يستقيل النائب العام أو أن يلغى انتدابه للنيابة العامة. وبعد أن ظهر ما ظهر وكتب صديقنا الزيات ما كتب ذكر النائب العام حزم البدار وبدار الحزم فنفى في الأهرام صباح أمس، ما أضافه الأستاذ الهلباوي بك إليه من الحديث. نفى ولكن الأستاذ الهلباوي بك يصر على صدق ما قال ويؤكده تأكيداً، أكده لمندوب الوادي صباح أمس، وأكده في توسع وتفصيل للسياسة صباح اليوم. ووقف الناس جميعاً من النائب العام والذين أضافوا إليه ما أضافوا، هذا الموقف الغريب الذي يجب أن يرتفع عنه الأمين على الدعوى العامة.
النائب العام ينفي أن يكون قد اشترك في عمل سياسي، والسياسة تتحداه، والنائب العام ينفي أن يكون قد قال في المستشارين ما نسب إليه والهلباوي بك يتحداه. فنظن أن حزم البدار أو بدار الحزم يقضي على النائب العام وعلى وزير الحقانية وعلى رئيس الوزراء أن يبينوا للناس وجه الحق في هاتين القصتين بطريقة قاطعة حاسمة لا تدع للشك إلى نفوسهم سبيلاً.
ونظن أن أول ما يفرضه حزم البدار أو بدار الحزم على النائب العام إنما هو أن يتنحى عن أمانة الدعوى العامة حتى يظهر الحق واضحاً جلياً. وإذا كان حزم البدار قد أهمل حتى شكا من إهماله الناس، فقد يكون من الحق ومن المعقول أن يرفق النائب العام ووزير الحقانية ورئيس الوزراء بحزم البدار وأن يردوا إليه شيئاً من الاعتبار.
طه حسين
الوادي، ٢٩ أكتوبر ١٩٣٤.
Tag: public prosecutor
-
حزم البدار
-
براءة
حديث الوادي
براءة . . .
براءة لا بد منها إذا كان يراد بهذا البلد أن يطمئن الناس فيه إلى أن الحق مكفول، وإلى أن العدل مضمون، وإلى أن لكل إنسان أن يأمن على نفسه وماله وكرامته، ومنافعه على اختلافها.
براءة لا بد أن تثبت في نفوس الناس جميعاً واضحة لا يشوبها الشك، ناصعة لا يكدرها الريب، براءة يجب أن تكون قواماً لحياة الأفراد والجماعات وجزءاً من هذا اليقين الذي تمتلئ به القلوب، وتستريح إليه الضمائر، وتمكن الناس من أن يعيشوا أحراراً، مؤمنين بالحرية، ومن أن يعيشوا متحضرين واثقين بأن الحضارة وسيلة إلى الخير، والرقي، لا وسيلة إلى الشر والفساد.
براءة نطالب بها، ونلح فيها، ونرجو بل نحرص كل الحرص على أن تدل الحقائق الواقعة على أنها ثابتة جلية، وعلى أن الذين أثاروا حولها الشكوك، وسلطوا عليها الريب، قد دفعوا إلى ذلك مخطئين لا مصيبين ومتكلفين لا مصورين للحق الواقع المخيف، قد كثر الكلام في هذه الأيام حول ما يقال من اقتحام النائب العام لشؤون السياسة ودخوله فيها، واشتراكه في مشكلاتها التي تتعسر حيناً، وتتيسر حيناً آخر، وتتأثر على كل حال بالمنافع والطبائع، وبالأهواء والميول، وبهذه المؤثرات التي يجب أن يقتنع الناس أشد الاقتناع بأنها بعيدة كل البعد عاجزة كل العجز عن أن تبلغ النيابة والقضاء.
فالصحف كلها أو أكثرها على الأقل تتحدث بأن النائب العام قد أفتى في الأزمة القائمة حول وزيرين يراد إخراجهما من الوزارة، لأن إخراجهما لا يحسن أو لا تجوز قبل أن يصدر فيهما حكم القضاء، وليس النائب العام وزيراً، ولا شيئاً يشبه الوزير في مصر وهو من أجل ذلك ليس عضواً في مجلس الوزراء، وليس هو مستشاراً ملكياً لمجلس الوزراء أو لوزارة من الوزارات، فليس له إذن أن يشير فيما يعرض للدولة من المشكلات السياسية، وطبيعة منصبه تفرض عليه، وتفرض على الوزارة مهما تكن، أن يظل بعيداً كل البعد عن السياسة ومشكلاتها، وإذن فقد كنا ننتظر، بل لم نكن نشك لحظة، في أن هذه الأنباء التي سبقت المقطم إلى إذاعتها يوم الثلاثاء، ثم أذاعتها الصحف بعد ذلك إذاعة متصلة، ستكذب في أسرع وقت أشد تكذيب وأصرحه وأقطعه، وأبلغه في إزالة الريب. ولكن يوم الثلاثاء مضى وتبعه يوم الأربعاء، وتبعهما يوم الخميس، ولم يكذب النائب العام هذا الحديث، ولم يكذبه رئيس الوزراء ولم يكذبه وزير الحقانية، ولم يكذبه أحد من الناس، بل نشرت الصحف وما زالت تنشر أن قضية السياسة التي تقع فيها الخصومة بين الوزيرين وبين الأستاذ حفني بك محمود لم تكن مثبتة بين القضايا التي تنظر في شهر نوفمبر، فأثبتت بينها.
ونشرت الصحف وما زالت تنشر أن محكمة الجنايات كانت ستجلس للقضاء في الثالث عشر من شهر نوفمبر. فتقرر أن تجلس في الخامس من هذا الشهر، وصرح رئيس الوزراء بأن أمر هذين الوزيرين سينجلي بعد أن يصدر حكم القضاء. ومعنى ذلك أنهما سيبقيان إذا أدين المتهم، وسيخرجان من الحكم إذا برئ المتهم. ومعنى ذلك أن القضاء لن يفصل في خصومة بين الوزيرين وكاتب من الكتاب فحسب، بل سيفصل في خصومة سياسية خالصة بين الوزراء والإنجليز، ومعنى هذا كله أن ما نشرته الصحف من اشتراك النائب العام في حل المشكلات السياسية، أو معالجة حلها من حيث هو نائب عام صحيح أو راجح، أو محتمل ما دام لم يكذب إلى الآن. وإذن فمن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق السياسة وبعيد عنها ومن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق الأحزاب، وبعيد عنها، لأن السياسة في مصر الآن هي سياسة أحزاب فمن اشترك فيها واحتمل أثقالها فهو حزبي والناس يعلمون أن النائب العام أمين على الدعوى العامة، والدعوى العامة ليست، ولا ينبغي أن تكون ملكاً لحزب من الأحزاب، وإنما النائب العام يمثل الجماعة كلها، حين يحمل أمانتها وليس يعنينا الآن أن يكون من الخير أو من الشر، في رأي أصحاب السياسة والقانون والفقه، أن يشترك النائب العام في السياسة الحزبية فليست الصحف موضع هذا البحث أثناء هذه الأزمة، وإنما الذي يعنينا هو أن الأمر المقرر في مصر إلى الآن، بعد النائب العام عن السياسة ومشكلاتها وعن الأحزاب وما تثير من الخصومات. فيجب أن نعلم هل تغير الأمر وهل أصبح مقرراً أن النائب العام عضو من أعضاء الوزارة أو شريك للوزارة في السياسة يحتمل معها تبعات السياسة، ويذهب معها مذاهبها السياسية المختلفة؟
نحب أن نعلم هذا ليطمئن المعارضون إلى أنهم قد يشقون اليوم، ولكنهم قد يسعدون غداً فيكون لهم نائب عام حين يطوق الحكم يشاركهم في السياسة ويذهب معهم مذاهبهم فيها وإذن فستنقل الدعوى العامة بين الأحزاب كما تنقل الوزارات، وإذن فستجري أمور النيابة كما تجري أمور الوزارات، وما دامت الأيام دولاً فليشق خصوم الوزارة اليوم ليسعدوا إذا كان الغد، وليشق أنصار الحكومة يوم تدور عليهم الدائرة. وما نظن أن هذا الأمر يستقيم وما نظن أن النائب العام يرضاه، وما نظن أن ضميره القضائي وثقافته الفقهية يبيحان له السكوت عليه، وما نظن أن النائب العام يستطيع أن يمضي فيما مضى فيه من الصمت إلى الآن، وهو الدقيق في كل ما يمس النيابة. وإذن فما زلنا ننتظر أن يصدر النائب العام بياناً صريحاً ينفي ما يقوله الناس وتذيعه الصحف، من أنه اشترك في السياسة وعالج مشكلاتها؟
وشيء آخر لا نتصور أن يسكت النائب العام عليه نشرته السياسة أمس وعادت فأشارت إليه اليوم وهو يمس مستشارين من أعضاء محكمة الجنايات زعمت السياسة أن النائب العام قاله للأستاذ الكبير الهلباوي بك، وكنا واثقين بأن ظهر أمس لن يأتي حتى يكون بيان النائب العام قد صدر بإنكار هذا الذي نشرته السياسة بل كنا نعتقد موقنين أن النائب العام لن يكتفي بالإنكار بل قد يتجاوزه إلى شيء آخر، وهو الذي حقق مع نقيب المحامين، ثم حقق مع رئيس الوفد ونقيب المحامين، ثم حقق مع الأستاذ قاسم، لأنهم عرضوا له بالنقد وما نظن أن شخص النائب العام آثر عنده وأكرم عليه من قدس القضاء. وإذن فالنائب العام يعذرنا من غير شك حين نلح عليه في أن يقنع الناس جميعاً ببراءته الساطعة الناصعة من اقتحام السياسة من جهة، ومما حمل عليه في شأن بعض المستشارين من جهة أخرى. والنائب العام يوافقه على أن لا يتجاوز القصد والاعتدال، وتأدية أيسر ما يجب علينا للعدل حين نطالبه بأن يرد إلى الناس ما ينبغي من الثقة والاطمئنان إلى أن الدعوى العمومية لا تزال مصرية للمصريين لا حزبية للأحزاب.
طه حسين
الوادي، ٢٦ أكتوبر ١٩٣٤. -
عطاش
حديث الوادي
عطاش
هم هؤلاء الإنجليز الذين يعملون في خدمة الإدارة المصرية مع رجال الشرطة المصريين. فقد يظهر أن القيظ اشتد عليهم في بلاد القيظ، وأن أكبادهم تتحرق عطشاً، وأن أفواههم قد جفت من الظمأ، وأنهم في حاجة إلى أن يبلوا هذا الظمأ، ويروو هذا الصدى، وينسوا هذا الغليل الذي لا يستطيعون الصبر عليه، ويظهر أن ماء النيل يستطيع أن يبل ظمأ المصريين لا ظمأ الإنجليز، وأن يشفي غلة المصريين لا غلة الإنجليز. ويظهر أن في مصر شيئاً واحداً هو النافع الناجح، في بل الظمأ، وشفاء الغليل إذا تحرقت لهما أو بهما أفئدة الكونستبلات الإنجليز، وهو دم المصريين.
فقد سمعنا أمس، وقرأنا اليوم نبأً لا نستطيع أن نشك فيه، لأن الذي حدثنا به أصدق من أن يرقى إلى كلامه الشك، وأنزه عندنا وعند الإنجليز أنفسهم من أن يسعى إلى إخباره الريب.
سمعنا أن هؤلاء الكونستبلات من الإنجليز كانوا قساة أمس إلى أقصى حدود القسوة، حين انصرف رئيس الوفد من صلاة الجمعة. وكانوا مترفين في قسوتهم يفتنون فيها افتناناً، ويصطنعون فيها أناةً لا تصدر إلا عن المترفين، الذين يفكرون قبل أن يقدموا، ويقدرون قبل أن يعملوا، ويستبقون اللذة ما وسعهم استبقاؤها. كانوا لا يفرقون الناس حين يستقبلون رئيس الوفد، وإنما يفرقونهم بعد أن يمر رئيس الوفد. وكانوا لا يفرقونهم بالقول، ولا بالإشارة، وإنما يفرقونهم بالمقارع والعصي، يهوون بها إلى الرؤوس، ويصبونها على الأبدان، ولو أنهم صبروا عليهم بعض الوقت لتفرقوا بعد أن رأوا زعيمهم وحيوه.
ولكنهم فيما يظهر لم يكونوا يريدون تفريقاً ولا محافظة على الأمن، ولا حماية للنظام، وإنما كانوا يريدون صب العذاب، وإنزال العقاب، وشفاء الغليل الذي تتأجج ناره في الصدور.
لقد حدثنا محدثنا الذي لا نشك في صدقه، أنه رأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز يصب عصاه الغليظة صباً على رجل من الناس بعد أن مضت سيارة رئيس الوفد فيسقط هذا الرجل على الأرض، وقد شق رأسه شقاً، وتفجرت منه الدماء، كما يتفجر الماء من الينبوع. والإنجليزي لا يعنيه ولا يشفق عليه، وإنما يمضي في ضربه وإيذائه، كأنما يريد المزيد من هذا الدم الذي يتفجر فيصبغ الأرض ويتطاير بعض رشاشه إلى الثياب. وحدثنا هذا المحدث الذي لا نرتاب في صدقه أنه التفت مرة ينظر إلى هذه المعركة الآثمة فرأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز وقد اصطبغت مواضع من ثيابه، بهذا الدم المصري البريء. وكانت "الأجيبشيان جازيت" قد أنبأت قراءها صباح أمس بأن تدبيراً خاصاً سيدبر لصلاة الرئيس فقد رأينا إذن هذا التدبير وهو مضاعفة القوة المحشودة والإكثار من الإنجليز القساة لأن المصريين لا يحسنون القسوة على المصريين، وإعمال العصي والسياط في الناس، لا صرفاً لهم عن استقبال الرئيس، بل عقاباً لهم على هذا الاستقبال بعد أن تم، وفرغ الناس منه.
فلنسجل أن "الأجيبشيان جازيت" قد أصبحت فيما يظهر لساناً من ألسنة الإدارة تنطق باسمها، وتعرب عما أرادت أو تريد. أو فلنسجل أن العناية برئيس الوفد، وتفريق الناس عنه وعقاب الناس إذا أحاطوا به والتفوا حوله قد خرجت من أيدي الإدارة المصرية، إلى أيدٍ إنجليزية خاصة تستطيع "الأجيبشيان جازيت" أن تعلم علمها وتتلقى عنها الوحي، وتذيع أعمالها في الناس قبل أن تتم هذه الأعمال. ثم لنهنئ "الأجيبشيان جازيت" بهذه المكانة الجديدة التي ظفرت بها عند الإدارة المصرية، أو عند هذه الإدارة الإنجليزية الخاصة ثم لنسجل بعد ذلك على الإنجليز غير شاكين – فالمصريون بحمد الله أكبر من الشكوى – لنسجل على الإنجليز أنهم يظهرون في هذه الأيام كما أظهروا في بعض الأيام الماضية ميلاً إلى القسوة والعنف، وظمأ إلى الدم المصري، ورغبة جديدة في صبغ الأرض المصرية، بدماء أبنائها المصريين على حين لا يثور المصريون بالإنجليز ولا يتحدونهم ولا يخاصمونهم إلا في حدود السلم، ولا يجادلونهم إلا بالحق، وبالتي هي أحسن.
ثم لنسأل بعد ذلك وزير الداخلية القيسي باشا رأيه في هذا؟ أراضٍ هو عنه أم ساخط هو عليه، أهو الذي أمر به، وتقدم فيه، وإذن فهو يسلط عصي الأجانب وسياطهم وقسوتهم وعنفهم على مواطنيه؟ أم لم يأمر به، وإذن فماذا يصنع بسلطان الوزير، وما بقاؤه في الوزارة إذا كانت الأمور تجري على غير ما يريد، وإذا كانت الأحداث تحدث والدماء تراق، وهو لم يأمر بذلك ولم ينه عنه؟
ثم لنسأل النائب العام ما رأيه في هذا، وما موقفه بإزائه؟ أيرى النائب العام أن الشرطة إن كانت تملك تفريق الناس محافظة على النظام فهي لا تملك عقاب الناس، إذا خالفوا النظام، وإنما عقاب الناس إذا تجاوزوا الحدود رهين بتحقيق النيابة وحكم القضاء؟ وإذا كان النائب العام يرى هذا وما نظنه يرى غيره، فهل يرى النائب العام أن من الحق على النيابة أن تسأل عن هذا الدم المصري كيف أريق؟ وعن هذا العقاب كيف صبه على الناس، من لا يملك صب العقاب؟
أيرى النائب العام أن إراقة الدم المصري في هذه القسوة وبهذا العنف خليقة أن تكون موضوعاً للتحقيق؟
أيوافقنا النائب العام على أن إراقة الدم المصري على هذا النحو ليست أقل استحقاقاً للعناية واستلزاماً للتحقيق من سرقة تقترف، أو صدام يقع، أو خطبة تلقى، أو فصل يكتب، أو كلمة تقال؟ وإذن فهل نستطيع أن نرجو من النائب العام سؤالاً عما كان أمس، وتحقيقاً فيما كان أمس، فقد يكون لهذا السؤال إن صدر عن النائب العام، وقد يكون لهذا التحقيق إن أمر به النائب العام، أثر من الآثار، يمنع قساة الإنجليز من ضرب المصريين، ويمنع عصي الإنجليز من تفليق هامات المصريين، ويمنع أيدي الإنجليز من إراقة دماء المصريين؟
لقد سمعنا أن النيابة تسأل عن تحطيم الإنجليز للعلم المصري، فأرضتنا عناية النيابة بكرامة العلم المصري. فهل نسمع أن النائب العام يسأل عن إراقة الإنجليز للدم المصري؟ لننتظر، فمن يدري؟ لعل النائب العام يجيبنا إلى ما نريد.
طه حسين
الوادي،١٢\٨\١٩٣٤.