في وزارة المعارف: مدرسة اللغات
طه حسين
جريدة السياسة
١٦ يوليو ١٩٢٣
يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به. يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتَّاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها، وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها. تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.
أقرأت ما نشرته «المقطم» حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف، وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء «المقطم» يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وُزِّع توزيعًا حسنًا، فأصاب من ليس لهم في التعليم حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك؟! بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًّا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك شأن بعض العمد الأميين في عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر، فهي تشتري الثناء ولو كلَّفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جديًّا منتجًا، وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج.
لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتُثني عليها، ووزارة المعارف تُبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتَّابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتَّاب الآخرين؛ ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق، والكتَّاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن، فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب، ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.
تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتَّابها الرسميين بأسرارها ودخائلها، وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في «المقطم» تاريخ مدرسة اللغات، وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير، وما اتخذ من قرار في هذا الاجتماع. وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلَّا عن وحي … ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف، ولا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القرَّاء. نعتقد ذلك، ونريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ، وقرروا أن تدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف، وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية، والآخر في هذا الاجتماع الأخير.
على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تُضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يُهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة، شرُّها أكثر من خيرِها، وضرُّها أكبر من نفعِها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري، وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنَّا نحب ألَّا نعرض لها؛ لأنها لا تلائم الكرامة، ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مريت» و«مسبيرو» وأمثال «مريت» و«مسبيرو»، وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت — أو يريد أبواقها أن يثبتوا — أن كمال باشا قد نفع وأفاد، فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيءٍ، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال. وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم، فعلَّمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.
نعم، نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.
نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر، وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد. ولكن مضيها هذا لن يغير في الأمر شيئًا، ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية، فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد، ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين، كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بدُّ من النقص في العناية. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية، ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون، وما أحدثت من ضجة. كلا، إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف، وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها، وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر، ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًّا وإنما هو مصري مثلك ومثلي؛ هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط، ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب، وعنيَ بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله، وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية، وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية؟! وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط، مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلِّف وزارة المعارف عُشْر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار، وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة، وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور؛ فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها. واستغلال عواطف الجمهور؛ لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة، ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة محققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن، فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري، فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكْفَاءُ من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة، والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسِّن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية، وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر، فإن ذلك ضربٌ من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.
ثم نعود فنلفتك — يا معالي الوزير — إلى أنك تريد أن تبني بناءً، فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب، وَكِلْ أمرها إلى الأخصائيين، ثم كلِّف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًّا، وإذن توفق حقًّا إلى صواب.
Tag: public sentiment exploitation
-
في وزارة المعارف مدرسة اللغات