مثلث …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٨ أكتوبر ١٩٤٦
هو الذي يحكمنا الآن، ويريد أن يقرر مصيرنا، ويقضي في أمرنا سواء رضينا أو كرهنا، ويريد فوق ذلك أن يقرر مصير أجيال مقبلة من المصريين، ويقضي في أمرها، لا يستشير في ذلك غير نفسه، ولا يراجع في ذلك غير نفسه، ولا يرجع في ذلك إلى غير رأيه، ولا يعقل في ذلك لما يُقدَّم إليه من نصح، أو يُعرَض عليه من تحذير. وهذا المثلث الخطير الذي يؤمن بنفسه أشد الإيمان، وإن لم يؤمن به أحد من المصريين، ويثق بنفسه أعظم الثقة، وإن لم يثق به أحد من المواطنين، يأتلف من ثلاثة أشخاص، لكل منهم مكانة رفيعة إلى أبعد حدود الرفعة، ممتازة إلى أقصى غايات الامتياز؛ أحدهم: وهو رئيس الوزراء بارع لا يُشَقُّ له غبار، ولا يباريه في براعته أحد، ولا ينفذ إلى أسرار دهائه إلا القضاء الذي لا ينفذ إلى أسراره إنسان، وهو يؤمن لنفسه بهذه الخصال كلها. وقد يؤمن له بها، أو ببعضها فريق من أقربائه وذوي خاصته. ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد، ولا يشك فيه صدقي باشا نفسه، هو أن الشعب المصري كله لا يثق به، ولا يطمئن إليه. ومن الحمق والإطالة أن نحاول الاستدلال على أن الشعب المصري قد أبى دائمًا أن يمنح صدقي باشا من ثقته قليلًا أو كثيرًا، فقد نهض صدقي باشا بأعباء الحكم وزيرًا يرأسه غيره، ووزيرًا يرأس هو غيره. فلم يستطع أن يحكم في مصر إلا بالقوة والعنف، وبالبأس والبطش، وبالإرهاب ينشره على الأرض المصرية كلها، وبالترغيب يقصره على أفراد قليلين لا يغنون عنه، ولا عن حكمه شيئًا. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الشعب كله أو ثلثه أو نصفه لما احتاج إلى قوة، ولا عنف، ولما احتاج إلى ترغيب أو ترهيب. وأغرب من هذا أن صدقي باشا ابتكر في يوم من الأيام حزبًا طويلًا عريضًا، ولكنه غير عميق، وأن هذا الحزب آمن به ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقْصِيَ عن الحكم تفرق الحزب عنه، ونظر صدقي باشا فرأى نفسه وحيدًا، لا يؤنس وحدته إلا الحزن الذي تثيره الذكرى، وإلا أشباح حمر كانت تتراءى له من هنا وهناك، وتدعوه في أنين المريض وحشرجة المحتضر، وهي أشباح أولئك الصرعى الذين أرسلهم بأسه وبطشه إلى الموت. وأشد من هذا غرابة أن صدقي باشا أنشأ في ذات يوم من الأيام برلمانًا كاملًا له مجلسان، ووثق به البرلمان ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقصي عن الحكم نظر فإذا البرلمان يسترد ثقته، ويؤثر العافية على أن يناصر منشئه الذي منحه الوجود وبث فيه الحياة. وأشد غرابة من هذا وذاك أن صدقي باشا في وزارته الأولى، أو قُلْ في دكتاتوريته الأولى، لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه به، فاضطر ذات يوم أن يستقيل؛ ليتخلص من بعضهم، ثم أُقصي عن الحكم، فإذا أحد زملائه يخلفه، ويسومه ما يعرف الناس جميعًا من ألوان المحن والخطوب. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا في وزارته القائمة لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه؛ فقد همَّ أن يتخلص من بعضهم، فكانت أزمة التعديل التي لم ينسها الناس بعد، ثم استقال ورُفِضت استقالته، وظن أن الأمور قد استقامت له، وإذا زميلان من أخص زملائه به، وأصفاهم له، وأعطفهم عليه يستقيلان فجأة، وعلى غير انتظار. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا قد رأس هيئة المفاوضات، ثم نظر ذات يوم فإذا نصف هذه الهيئة لا يثق به، ولا يطمئن إليه، وإنما يعلن الشك في كل ما كان يصدر عنه من قول أو عمل، فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن صدقي باشا — وهو رأس هذا المثلث الخطير — لا يوحي بالثقة، ولا يشيع الاطمئنان من حوله. ومصدر ذلك في أكبر الظن أنه هو نفسه لا يثق بأحد، فلا يستطيع أحد أن يثق به. والشيء البديع أنه على رغم هذا كله ينهض بأعباء الحكم، ويريد أن يقرر مصير المصريين، ويقضي في أمرهم، ويزعم مع ذلك أنه يفعل هذا كله على أساس من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والثقة التي يفرضها الدستور. أمَّا الطرف الثاني: من أطراف المثلث فهو حضرة صاحب الدولة النقراشي باشا، وهو رجل حزم وعزم، ورجل شدة وبأس، ورجل مضاء وإقدام، وكان يظن أن الناس يثقون به، ويؤمنون له، ويطمئنون إليه، ولكنه لم يتولَّ الحكم مرءوسًا أو رئيسًا حتى استيقن أن ثقة الناس به وهم من الأوهام، وباطل من زخرف القول، وعلم أن الذين كانوا يعملون معه، ويخضعون لسلطانه لم يكونوا يصدرون عن حب، أو أمن، أو ثقة، وإنما كانوا يصدرون دائمًا عن الشك، والخوف، والاحتياط. والنقراشي باشا يعلم حق العلم، والناس جميعًا يعلمون حق العلم، أن زملاءه في وزارته الأخيرة كانوا يرتابون به، ويشكون فيه، ويقسون عليه، حتى اضطروه آخر الأمر إلى أن يستقيل، وهو يعلم حق العلم أن حزبه نفسه قد انقسم عليه، وتفرق من حوله، وأن جماعة من خاصته وأصفيائه يقفون منه الآن موقف الخصومة المنكرة، وهو مع ذلك يرى نفسه زعيم الكثرة في مجلس النوَّاب، ويرى نفسه قادرًا على أن يشد أَزْر زعيمه، ومعلمه، وأستاذه صدقي باشا في المفاوضات مع أنه هو محتاج إلى من يشد أزره في الحياة الداخلية لحزبه حين يجتمع في ناديه، وحين يجتمع في البرلمان. أمَّا الطرف الثالث لهذا المثلث الخطير، فهو رئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الأحرار الدستوريين، وهو رجل حظه من الأدب أعظم من حظه في السياسة، وإقباله على الفكاهة أشد من إقباله على الجد، لا يبغض شيئًا كما يبغض مواجهة المصاعب واحتمال التبعات، أقصى ما تصبو إليه نفسه أن يهدأ، ويقرأ، وينعم، ويستريح. وقد يجادل في مقال يكتبه أو حديث يلقيه، ولكنه أبغض الناس للنضال يوم يحتاج النضال إلى العمل، والاشتداد على النفس، والنهوض بالأعباء الثقال. وهو أعلم الناس بأن الشعب لا يثق به، وإنما يضحك له أحيانًا، وقد يضحك منه كثيرًا، وهو أعلم الناس بأن حزبه ليس ملتفًّا حوله، ولا مستعدًّا للمضي في تأييده؛ لأن هذا الحزب لم يلتفَّ قط حول رئيس، ولم يطمئن قط إلى ما ينبغي أن تقوم عليه الأحزاب من التضامن واحتمال التبعات، ورئيس هذا الحزب مع ذلك يرى أنه قادر على أن ينهض بالأعباء، ويقضي في أمر مصر، ويقرر مصير المصريين، ويسند رئيس الوزارة، ورأس المثلث بحوله وطوله، وهو رجل لا حول له ولا طول، وبقوته وأَيْده، وهو رجل لا حظ له من قوة أو أَيْد. هذا هو المثلث الخطير تفرضه الظروف القاسية على مصر في أشد الأوقات حرجًا، وأعظمها دقة، والذي يفرض نفسه على الأمة المصرية ليقرر مصيرها، ويقضي في أمرها، وينظم العلاقة بينها وبين الإنجليز. رأس هذا المثلث لا يثق به أحد، وليس له حزب يظهر تأييده، ويتكلف معونته، وطرفَا هذا المثلث لا يثق بهما أحد، ولا يؤيدهما حزباهما إلا مقدار ما يتيحان من المنافع لهذا أو ذاك. فإذا استطاع أحدهما أن يتيح الوزارة لِزَيْدٍ أغضب عَمْرًا، فإن استطاع أن يرضي عمرًا أغضب بكرًا، وخالدًا، وما شئت من الأسماء. أليس من حق المصريين بعد هذا كله أن يشكُّوا أعظم الشك وأعمقه فيما يُقال لهم، وفيما يُقال عنهم من أنهم شعب ديمقراطي يَقُوم أمر الحكم فيه على الحق والعدل والحرية والدستور. إن الثقة هي قوام النظام الديمقراطي، وهي أساس الحكم الدستوري؛ ثقة الشعب بالبرلمان أولًا، وثقة البرلمان بالوزارة ثانيًا، فإذا فقد البرلمان ثقة الشعب وجب أن يتفرق أعضاؤه، ويُنتخَب مكانهم أعضاء آخرون، فكيف إذا لم يثق البرلمان بنفسه، وإنما وضع يده على قلبه دائمًا مخافة الحل، أو مخافة الانحلال؟! وإذا لم يثق البرلمان بالوزارة وجب أن تستقيل، ولكن برلماننا سيثق بالوزارة دائمًا إلى أن تُقال أو تُكرَه على أن تستقيل. أليس غريبًا أن يتهيأ هذا المثلث الخطير للسفر إلى لندرة؛ ليفاوض الإنجليز في مصير مصر، وفي حقوق المصريين؟! ولكنَّ أبا العلاء لم يخطئ حين قال: إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ الصحيح أطلتُ همسي
Tag: public trust
-
يمين الوزراء
حديث الوادي
يمين الوزراء
أقسموها أمس بين يدي جلالة الملك صريحة صدرت عن قلوب صريحة، نقية، صدرت عن ضمائر نقية، صادقة حارة صدرت عن نفوس لا تحب إلا الصدق، ولا تريد إلا البر، ولم تتعود إلا النزاهة والإخلاص.
أقسموها واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا غموض. يمين يقسمها كل مصري، مهما يكن مذهبه في السياسة، ومهما يكن رأيه في تصريف الأمور. يمين لا تصور ميلاً إلى الهوى ولا جنوحاً إلى الأحزاب، ولا تأثراً بالشهوة، ولا انحيازاً إلى فريق من المصريين دون فريق، يمين تعلو على الأهواء والمنافع، وعلى النزعات والميول، وعلى الخصومات وأصناف الخلاف، يمين يقسمها مصريون صادقون على أنهم سينهضون بمصالح هذا البلد كما ينبغي أن ينهض الرجل الكريم في غير تحيز ولا تعنت ولا أثرة ولا إيثار ولا محاباة.
يمين تلائم مقام جلالة الملك الذي أُديت بين يديه، وتلائم كرامة الوطن الذي بدأت بها خدمته؛ فجلالة الملك فوق الأحزاب جميعاً، ويجب أن يكون فوق الأهواء جميعاً، والوطن فوق الأحزاب وفوق الأهواء وفوق الأشخاص، لأنه أنقى وأخلد من الأهواء والأحزاب والأشخاص. وقد أقسم الوزراء يمينهم فارتفعوا بها عن هذا كله، ولم يعاهدوا الله إلا على أن يخلصوا للملك ويصدقوا في خدمة الوطن. فهم إذن يقسمون يميناً لا يتعرضون للحنث بها. ومن حنث فيها فهو خائن، وما أبعد ما بين هؤلاء الوزراء وبين الخيانة للملك والوطن. هم يقسمون يمين الجندي الذي يبذل نفسه وجهده وراحته فداءً للملك والوطن، لا يمين السياسي الذي يروغ كما يروغ الثعلب، ويحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، ويعلن إلى الناس ما يريد وما لا يريد. ولعله يعلن إليهم ما لا يريد أكثر مما يعلن إليهم ما يريد. يقسم وهو يعلم أنه معرض للحنث، ويعد وهو يعلم أنه قد يعجز عن الوفاء. ولعله يعد وهو يعلم حق العلم أنه لن يفي، لأنه لا يريد أن يفي، وإنما هو يمكر ويخادع؛ لأنه يرى السياسة مكراً وخداعاً. نعم أقسموا يمين الجندي لا يمين السياسي، والجندي قادر في مثل هذه المواقف على أن يكون سياسياً إن فهم السياسة على وجهها واستقبلها صادقاً مخلصاً طاهر القلب والضمير، وآمن بأن السياسة ليست كذباً ولا غدراً، وليست مكراً ولا خداعاً، وإنما هي خدمة صادقة للوطن وإيثار صادق لمنافع الوطن، واحتفاظ أبٍ بكرامة الوطن، وجدّ في ذلك كله ما استطاع الإنسان أن يجد، ثم اعتزال العمل إذ أحس العجز عن النهوض بما احتمل من أعباء.
أقسموا يمين الجندي التي يستطيع أن يقسمها معهم كل مصري، بل يجب أن يقسمها معهم كل مصري، فكل مصري مخلص للملك والوطن. ولكن لهذه اليمين الصريحة الواضحة في صيغتها السهلة اليسيرة، خطراً عظيماً يجب أن يعلم الوزراء أن المصريين جميعاً قد فهموه وقدروه؛ فالمصريون جميعاً قد علموا مغتبطين أن وزراءهم لم يقسموا يمين الإخلاص للدستور الذي استحدثه الطغاة لأنهم لا يستطيعون ولا يريدون أن يبقوا على هذا الدستور فضلاً عن أن يخلصوا له ويتقيدوا به. وقد علم المصريون جميعاً أنهم لم يقسموا يمين الإخلاص للقوانين، لأن بين هذه القوانين ما لا يريدون، ولا يستطيعون أمام ضمائرهم ومصالح بلادهم أن يبقوه فضلاً عن أن يخلصوا له. فهم إذن يقسمون اليمين التي يشعرون أمام ضمائرهم وضمائر مواطنيهم أنهم قادرون على الوفاء بها، وهم إذن يشهدون الوطن وأبناءه جميعاً على أنهم كالوطن وكأبنائه جميعاً، لا يؤمنون بنظام الطغاة، ولا بما استحدث من بدع، ولا بما فرض على الناس من قانون، وهم إذن أحرار كالشعب المصري، وهم إذن يسعون في طليعة الشعب لمحو الظلم، وإلغاء الجور ورد العدل إلى نصابه، وإنقاذ الوطن مما ألم به من الكوارث، وما سلط عليه من الخطوب. هم صورة لميل الشعب، وهم صورة لصدق الشعب والوطن. هم لم يقسموا أمس عن أنفسهم فحسب، ولكنهم أقسموا عن أنفسهم وعن مواطنيهم جميعاً. وهم قد ألغوا الدستور الجديد منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص له، وهم قد ألغوا القوانين الجائرة منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص لها، فلم يبق إلا أن يتخذوا إجراءات رسمية ترضي الأشكال والصور، فأما الجوهر فقد حققوه، فأما الضمير فقد أرضوه، تحللوا من طاعة الدستور الجديد فأحلوا الشعب من طاعته. فالدستور إذن ملغى منذ أمس، والمصريون إذن أحرار منذ أمس، والطغيان أذن منته منذ أمس، وهذا كله محقق منذ فرغ الوزراء من تأدية يمينهم أمام الملك.
ليقل بعد ذلك المخاصمون للوزراء ما يقولون، فلن يجدي ما يقولونه شيئاً ولن يعتبر ما يقولونه شيئاً، قد أبى الوزراء أن يقسموا يمين الإخلاص للنظام الغابر. وقُبل منهم لتلك ألا يقسموا، ودفعهم الشعب كله ألا يقسموا، فتم الاتفاق منذ أمس بين الشعب والملك والوزراء، على أن هذا النظام لاغٍ لا يستحق أن يخلص له أحد ولا أن يحفل به أحد، وهذه هي الخطوة الأولى الموفقة إلى الإصلاح من خطوات وزارة التوفيق.
يقول بعض الإنجليز المقيمين في مصر والذين يكتبون فيها إن الوزارة لا تمثل ما كان ينتظر أن تمثله من القوة، فأي قوة يريدون؟ إن كانوا يريدون قوة الشعب فقد أخذت الوزارة منذ أمس تمثل هذه القوة تمثيلاً صادقاً، وأخذت تحس ذلك إحساساً قوياً، وستظل ممثلة لهذه القوة واثقة بهذا التأييد ما مضت في طريقها الذي رسمته أمس حين أبت أن تقسم اليمين بالإخلاص للنظام الغابر وما استحدث من قوانين. وإن كانوا يريدون قوة الذكاء والكفاية فإن هؤلاء الوزراء قد أظهروا إلى الآن ذكاء غير مجحود، وكفاية لا غبار عليها، وما ينبغي لقوم نهضوا بأثقل الأعباء في أدق أمور الفن والإدارة أن يعجزوا عن النهوض بأثقل الأعباء في مسائل السياسة ما دام الإخلاص والصدق والوفاء للملك والوطن والاعتماد على الله والشعب هو برنامجهم.
وإن كانوا يريدون القوة التي تأتيهم من الخارج فإن هذه القوة لم تظهر بعد، وسيرتهم هي التي ستظهر حظهم منها، وها هم لولا مساحة الإنجليز الرسميون وغير الرسميين يتحدثون إلى مكاتب الأهرام في لندن بأن إنجلترا لا تريد أن تعبث باستقلال مصر، ولا أن تدخل في شؤون مصر إلا في حدود التحفظات، والمصريون يعلمون أن نسيم وأصحابه سيعرفون كيف يحوطون استقلال مصر، وكيف يقومون دون استقلالها يحمونه من كل تدخل واعتداء؛ فإذا توفر حسن النية من الإنجليز فالمصريون خير من يلقي النية الصادقة بنية صادقة مثلها. ولن يكون نسيم وأصحابه كما كان الرجل الطيب وأصحابه ضعافاً يتكلفون القوة، وأصحاب سذاجة يتكلفون المكر، وبسطاء يتكلفون المهارة والذكاء.
نعم لن يكون نسيم وأصحابه إلا وزراء مخلصين لوطنهم وملكهم، صادقين في سياستهم مع الإنجليز وغير الإنجليز، مؤثرين للصراحة والاستقامة، منكرين للغموض والالتواء، أقسموا أمس على ذلك وهم خير من يبر إذا أقسم، ولن يكون منهم حنث، ولن يكون منهم استعداد للحنث، لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يحنثوا، ولأنهم يعلمون حق العلم أن شعبهم كريم لا ينبغي أن يخدمه الخائنون.
لهؤلاء الوزراء ثقة الشعب كاملة، وتأييد الشعب كاملاً؛ صاروا بهذه اليمين التي أقسموها أمس والتي يقسمها المصريون معهم في غير تحفظ ولا احتياط.
فامضوا إلى أمام فإن الشعب ينتظر أعمالهم، وإنما يكون الثناء بعد البلاء كما قال الأحنف بن قيس.
طه حسين
الوادي، ١٦ نوفمبر ١٩٣٤. -
براءة
حديث الوادي
براءة . . .
براءة لا بد منها إذا كان يراد بهذا البلد أن يطمئن الناس فيه إلى أن الحق مكفول، وإلى أن العدل مضمون، وإلى أن لكل إنسان أن يأمن على نفسه وماله وكرامته، ومنافعه على اختلافها.
براءة لا بد أن تثبت في نفوس الناس جميعاً واضحة لا يشوبها الشك، ناصعة لا يكدرها الريب، براءة يجب أن تكون قواماً لحياة الأفراد والجماعات وجزءاً من هذا اليقين الذي تمتلئ به القلوب، وتستريح إليه الضمائر، وتمكن الناس من أن يعيشوا أحراراً، مؤمنين بالحرية، ومن أن يعيشوا متحضرين واثقين بأن الحضارة وسيلة إلى الخير، والرقي، لا وسيلة إلى الشر والفساد.
براءة نطالب بها، ونلح فيها، ونرجو بل نحرص كل الحرص على أن تدل الحقائق الواقعة على أنها ثابتة جلية، وعلى أن الذين أثاروا حولها الشكوك، وسلطوا عليها الريب، قد دفعوا إلى ذلك مخطئين لا مصيبين ومتكلفين لا مصورين للحق الواقع المخيف، قد كثر الكلام في هذه الأيام حول ما يقال من اقتحام النائب العام لشؤون السياسة ودخوله فيها، واشتراكه في مشكلاتها التي تتعسر حيناً، وتتيسر حيناً آخر، وتتأثر على كل حال بالمنافع والطبائع، وبالأهواء والميول، وبهذه المؤثرات التي يجب أن يقتنع الناس أشد الاقتناع بأنها بعيدة كل البعد عاجزة كل العجز عن أن تبلغ النيابة والقضاء.
فالصحف كلها أو أكثرها على الأقل تتحدث بأن النائب العام قد أفتى في الأزمة القائمة حول وزيرين يراد إخراجهما من الوزارة، لأن إخراجهما لا يحسن أو لا تجوز قبل أن يصدر فيهما حكم القضاء، وليس النائب العام وزيراً، ولا شيئاً يشبه الوزير في مصر وهو من أجل ذلك ليس عضواً في مجلس الوزراء، وليس هو مستشاراً ملكياً لمجلس الوزراء أو لوزارة من الوزارات، فليس له إذن أن يشير فيما يعرض للدولة من المشكلات السياسية، وطبيعة منصبه تفرض عليه، وتفرض على الوزارة مهما تكن، أن يظل بعيداً كل البعد عن السياسة ومشكلاتها، وإذن فقد كنا ننتظر، بل لم نكن نشك لحظة، في أن هذه الأنباء التي سبقت المقطم إلى إذاعتها يوم الثلاثاء، ثم أذاعتها الصحف بعد ذلك إذاعة متصلة، ستكذب في أسرع وقت أشد تكذيب وأصرحه وأقطعه، وأبلغه في إزالة الريب. ولكن يوم الثلاثاء مضى وتبعه يوم الأربعاء، وتبعهما يوم الخميس، ولم يكذب النائب العام هذا الحديث، ولم يكذبه رئيس الوزراء ولم يكذبه وزير الحقانية، ولم يكذبه أحد من الناس، بل نشرت الصحف وما زالت تنشر أن قضية السياسة التي تقع فيها الخصومة بين الوزيرين وبين الأستاذ حفني بك محمود لم تكن مثبتة بين القضايا التي تنظر في شهر نوفمبر، فأثبتت بينها.
ونشرت الصحف وما زالت تنشر أن محكمة الجنايات كانت ستجلس للقضاء في الثالث عشر من شهر نوفمبر. فتقرر أن تجلس في الخامس من هذا الشهر، وصرح رئيس الوزراء بأن أمر هذين الوزيرين سينجلي بعد أن يصدر حكم القضاء. ومعنى ذلك أنهما سيبقيان إذا أدين المتهم، وسيخرجان من الحكم إذا برئ المتهم. ومعنى ذلك أن القضاء لن يفصل في خصومة بين الوزيرين وكاتب من الكتاب فحسب، بل سيفصل في خصومة سياسية خالصة بين الوزراء والإنجليز، ومعنى هذا كله أن ما نشرته الصحف من اشتراك النائب العام في حل المشكلات السياسية، أو معالجة حلها من حيث هو نائب عام صحيح أو راجح، أو محتمل ما دام لم يكذب إلى الآن. وإذن فمن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق السياسة وبعيد عنها ومن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق الأحزاب، وبعيد عنها، لأن السياسة في مصر الآن هي سياسة أحزاب فمن اشترك فيها واحتمل أثقالها فهو حزبي والناس يعلمون أن النائب العام أمين على الدعوى العامة، والدعوى العامة ليست، ولا ينبغي أن تكون ملكاً لحزب من الأحزاب، وإنما النائب العام يمثل الجماعة كلها، حين يحمل أمانتها وليس يعنينا الآن أن يكون من الخير أو من الشر، في رأي أصحاب السياسة والقانون والفقه، أن يشترك النائب العام في السياسة الحزبية فليست الصحف موضع هذا البحث أثناء هذه الأزمة، وإنما الذي يعنينا هو أن الأمر المقرر في مصر إلى الآن، بعد النائب العام عن السياسة ومشكلاتها وعن الأحزاب وما تثير من الخصومات. فيجب أن نعلم هل تغير الأمر وهل أصبح مقرراً أن النائب العام عضو من أعضاء الوزارة أو شريك للوزارة في السياسة يحتمل معها تبعات السياسة، ويذهب معها مذاهبها السياسية المختلفة؟
نحب أن نعلم هذا ليطمئن المعارضون إلى أنهم قد يشقون اليوم، ولكنهم قد يسعدون غداً فيكون لهم نائب عام حين يطوق الحكم يشاركهم في السياسة ويذهب معهم مذاهبهم فيها وإذن فستنقل الدعوى العامة بين الأحزاب كما تنقل الوزارات، وإذن فستجري أمور النيابة كما تجري أمور الوزارات، وما دامت الأيام دولاً فليشق خصوم الوزارة اليوم ليسعدوا إذا كان الغد، وليشق أنصار الحكومة يوم تدور عليهم الدائرة. وما نظن أن هذا الأمر يستقيم وما نظن أن النائب العام يرضاه، وما نظن أن ضميره القضائي وثقافته الفقهية يبيحان له السكوت عليه، وما نظن أن النائب العام يستطيع أن يمضي فيما مضى فيه من الصمت إلى الآن، وهو الدقيق في كل ما يمس النيابة. وإذن فما زلنا ننتظر أن يصدر النائب العام بياناً صريحاً ينفي ما يقوله الناس وتذيعه الصحف، من أنه اشترك في السياسة وعالج مشكلاتها؟
وشيء آخر لا نتصور أن يسكت النائب العام عليه نشرته السياسة أمس وعادت فأشارت إليه اليوم وهو يمس مستشارين من أعضاء محكمة الجنايات زعمت السياسة أن النائب العام قاله للأستاذ الكبير الهلباوي بك، وكنا واثقين بأن ظهر أمس لن يأتي حتى يكون بيان النائب العام قد صدر بإنكار هذا الذي نشرته السياسة بل كنا نعتقد موقنين أن النائب العام لن يكتفي بالإنكار بل قد يتجاوزه إلى شيء آخر، وهو الذي حقق مع نقيب المحامين، ثم حقق مع رئيس الوفد ونقيب المحامين، ثم حقق مع الأستاذ قاسم، لأنهم عرضوا له بالنقد وما نظن أن شخص النائب العام آثر عنده وأكرم عليه من قدس القضاء. وإذن فالنائب العام يعذرنا من غير شك حين نلح عليه في أن يقنع الناس جميعاً ببراءته الساطعة الناصعة من اقتحام السياسة من جهة، ومما حمل عليه في شأن بعض المستشارين من جهة أخرى. والنائب العام يوافقه على أن لا يتجاوز القصد والاعتدال، وتأدية أيسر ما يجب علينا للعدل حين نطالبه بأن يرد إلى الناس ما ينبغي من الثقة والاطمئنان إلى أن الدعوى العمومية لا تزال مصرية للمصريين لا حزبية للأحزاب.
طه حسين
الوادي، ٢٦ أكتوبر ١٩٣٤. -
خصام
حديث المساء: خصام
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٤
خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون. -
سوس …
حديث المساء: سوس …
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ مارس ١٩٣٤
ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.
ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.
وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.
لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!
وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!
وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!
ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء — ولم يكن حينئذ رئيس وزراء — بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!
لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.
صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.
أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.
ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء. -
مداورة
حديث المساء: مداورة
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ فبراير ١٩٣٤
وقد تكلم صدقي باشا آخر الأمر بعد أنْ آثر الصمت وتعلق به وألح فيه، وكان الذي أخرجه عن هذا الصمت كلام نشرته المقطم مساء أمس، وظن صدقي باشا أنه أوحي به إلى المقطم، بل قال صدقي باشا: إنه سمع منذ أيام أنَّ الوحي سيهبط على المقطم بهذا الكلام.
فلما هبط الوحي على المقطم — إنْ صح ما قاله صدقي باشا — لم يجد محب الصمت بدًّا من أنْ يخرج عن الصمت، ولم يجد الدكتاتور العظيم مندوحة عن أنْ يقبل هذا التحدي، وأنْ يرد على كلام بكلام، ولا ينبغي أنْ تنخدع بما قاله صدقي باشا، فإن صدقي باشا لم يقل في حقيقة الأمر شيئًا، إنما أحس أنَّ وحيًا هبط على المقطم، فأنزل هو وحيًا على الأهرام، واستحال الأمر إلى خصومة بالوحي، وحرب بالكلام بين شخص مستتر يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يوحي إلى الأهرام.
فأما مصر ومصالحها، فأما العدل والحق وكرامتهما، فأما حقيقة الأمر فيما يتصل بصدقي باشا من قصة الكورنيش، فأما رأى الناس في رجل أشرف على أمور الدولة أكثر من ثلاثة أعوام، وكثرت حوله الأنباء والإشاعات، وأثار خصومه حوله الشكوك والريب والظنون، فكل هذه أمور لا قيمة لها ولا خطر، ما دام شخص مستتر يستطيع أنْ يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يستطيع أن يوحي إلى الأهرام، وما دام القُرَّاء يستطيعون أنْ يقرءوا ما يوحي به هذا وذاك، وأن يلاحظوا أنَّ موحي المقطم كان لبقًا، وأنَّ موحي الأهرام كان رشيقًا مداورًا، وما دام الأمر كله يستطيع أنْ يستحيل إلى خصومة كلامية تعتمد على التصريح والتلميح، ويقضي القُرَّاء فيها بالمهارة لهذا الموحي أو ذاك.
إنَّ من المؤلم حقًّا أنْ تستحيل أمور مصر إلى هذا اللغو، وأنْ يراد بالمصريين أنْ يقنعوا بهذا الفن من فنون المزاح في أشد المسائل بعدًا عن اللغو والمزاح. إنَّ الفرنسيين لم يكتفوا بالغمز واللمز تنشرهما صحف المساء والصباح حين ظهرت في بيئتهم تلك الفضائح المالية، وإنما تجاوز الأمر عندهم صحف الصباح والمساء إلى الوزارة، ثم إلى البرلمان، ثم إلى القضاء، ثم إلى الشارع … وانتهى الأمر عندهم إلى ما هو معروف من سقوط وزارتين، ومن حركة عنيفة قمعت بالحديد والنار في باريس وغير باريس، ومن تعرض النظام السياسي كله للخطر، ولم ينته الأمر في فرنسا بعد … والله يعلم متى ينتهي، وإلام ينتهي، وكيف ينتهي.
ونحن — والحمد لله — متواضعون، نقدر ما بيننا وبين فرنسا من الفروق، ونعلم حق العلم أننا نطلب المحال إنْ أردنا أنْ تستقيل وزارة لقصة الكورنيش كما استقالت وزارة لقصة استافسكي، ونحن أبعد الناس عن أنْ نطلب مثل ما فعله الفرنسيون، إنما نطلب شيئًا يسيرًا جدًّا … شيئًا من أيسر حقوقنا أنْ نطلبه، ومن الغريب ألا نُجاب إليه … نطلب أنْ يُسأل الذين يحتملون التبعات عما يحملون من التبعات، نطلب أنْ يُسأل الذين ينفقون الأموال العامة عما ينفقون من هذه الأموال، نطلب أنْ تمحى الشكوك والظنون عن الذين ينهضون بأمور الدولة، ويتشرفون برياسة الوزارة.
نطلب ألَّا تسوء آراء الناس في رؤساء الوزارات والوزراء، وألَّا يقول بعضهم لبعض: لقد كثرت الأحاديث والإشاعات حول فلان فلم يستطع — أو لم يرد — أنْ يثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات، ولم تستطع الدولة — أو لم ترد — أنْ تثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات … نطلب آخر الأمر ألا يمتاز صدقي باشا من بقية المصريين، وأن يُسأل صدقي باشا عما يُضاف إليه، كما يُسأل المصريون عما يضاف إليهم، وأن يثبت آخر الأمر في وضوح وجلاء أنَّ صدقي باشا رجل سياسي لا غبار عليه، وأنَّ الذين يقولون في صدقي ما يقولون إنما يتجنون عليه، ويتهمونه بما هو بريء منه؛ كيدًا له، وإغراء به، وتأليبًا عليه.
هذا هو الذي نطلبه، وهو — كما ترى — شيء يسير لا خطر له بالقياس إلى ما طلبه الفرنسيون، وما يزالون يطلبونه، ومع ذلك فنحن لا نُجاب إلى هذا الذي نطلبه، لا تُجيبنا إليه الدولة لأمر يعلمه الله، وتعلمه هي، ولا يُجيبنا إليه صدقي باشا لأمر يعلمه الله، ويعلمه هو … والظريف مع ذلك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت» فيذكر الديمقراطية الصحيحة، ويذكر التنفيذ الصحيح للدستور، وهو يعلم حق العلم أنه قادر — إنْ أراد — على أنْ يحقق الديمقراطية الصحيحة حين يُسوِّي بين نفسه وبين المصريين، وحين يقدم إلى اللجنة ما تنتظر أنْ يقدم إليها من البيان، أو حين يطلب إلى البرلمان أنْ يؤلف لجنة تسأله وتسمع منه، فصدقي باشا يفسد الديمقراطية حين لا يُمكِّنها من نفسه، وهو مع ذلك يدعو إلى هذه الديمقراطية، ويعلن أنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية إنْ كان المصريون يريدون الاستقلال.
والدولة تعلم من ذلك ما يعلمه صدقي باشا، ولكنها تقف من ذلك موقف صدقي باشا نفسه … تريد أنْ تعرف الحق، وأن تعرِّفه للناس، ولكنها لا تسعى إلى معرفة هذا الحق، ولا إلى تعريفه للناس، ونحن بعد هذا وذاك نعيش في بلد ديمقراطي فيه دستور يجعل الناس سواء أمام القانون، ويجعل الوزراء مسئولين عن أعمالهم أمام البرلمان.
وأغرب من هذا وذاك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت»، فيعلن أنه قد أراد بتغيير النظام تقوية الأمة، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة فيها، وتمكينها من كسب الاستقلال، وهو يقف موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف المحارب للديمقراطية، الخارج عليها، المُضْعِف للأمة، المباعد بينها وبين الاستقلال، المباعد بينها وبين احترام الإنجليز وغير الإنجليز.
أعلن صدقي باشا في الصحف أنه مستعد لأن يقدم إلى لجنة الكورنيش من البيانات ما تحتاج إليه؛ ليثبت أنَّ الصلة بينه وبين مقاول الكورنيش صلة نقية لا غبار عليها، ثم ظهر أنَّ لجنة الكورنيش لا تستطيع سؤاله، فطلبنا إليه نحن أنْ يقدم إليها ما وعد بتقديمه من البيان، وألححنا عليه في هذا الطلب، ثم خيرناه بين هذا وبين الالتجاء إلى البرلمان؛ ليؤلف لجنة تنظر فيما عنده من بيان، ولكن صدقي باشا لم يصنع شيئًا، ولم يختر شيئًا، بل آثر الصمت، ونسى الوعد الذي كان قد وعد به حين كان يصول ويجول في الصحف، وطلبنا إلى الحكومة أن تهيئ لسؤال صدقي باشا في البرلمان، فلم تصنع الحكومة شيئًا، وطلبنا إلى البرلمان أن يسأل صدقي باشا، فلم يصنع البرلمان شيئًا، وسجلنا بعد ذلك أنَّ صدقي باشا رجل ممتاز، وأن امتيازه هذا مخالف للدستور والقانون، وأن الذين يطلبون إلغاء امتيازات الأجانب خليقون أن يطلبوا قبل ذلك إلغاء امتيازات المصريين؛ فلم يصنع أحد شيئًا.
ثم نشرت أمس تلك الأسطر التي نشرت في المقطم، فتحرك صدقي باشا، وليته لم يتحرك، وكتب صدقي باشا، وليته لم يكتب؛ لأنه لم يزد على أنْ أثبت أنه رجل ممتاز تميزه الظروف، أو يميز نفسه من المصريين جميعًا، ويتحدى الحكومة القائمة، ويتحدى معها البرلمان فيما يظهر، ويتحدى الدولة كلها هادئًا مطمئنًا، مزينًا ثغره بابتسامته الساحرة التي يكثر عنها حديث الناس.
نشرت المقطم أنَّ اللجنة تنتظر أنْ يرسل إليها صدقي باشا ما وعد بإرساله من بيان، فقال صدقي باشا: إنَّ مركزه لا يسمح له بأن يرسل إلى اللجنة بيانًا ما. ومعنى ذلك أنَّ صدقي باشا قد استكشف في آخر الأمر كما استكشفت الدولة في آخر الأمر أيضًا أن ليس للجنة سبيل عليه. وكان صدقي باشا في أول الأمر يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فوعد بأن يقدم إليها كل ما تحتاج إليه من البيان، فلما ظهرت له جلية الأمر في مركزه ابتلع وعده ابتلاعًا، وأعلن أنه لا يستطيع أنْ يقدم إلى اللجنة بيانًا ما، وكانت الدولة في أول الأمر تظن — فيما يظهر — أنَّ للجنة سبيلًا على صدقي باشا، فلما ظهرت لها جلية الأمر اكتفت بهذه الأسطر التي نشرت في المقطم أمس، ورد عليها صدقي باشا بهذا الرد الذي نُشِرَ في الأهرام صباح اليوم.
ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فصدقي باشا رجل متفضل على اللجنة لا يريد أنْ يتركها حائرة هائمة، ومن حقه أنْ يفعل إنْ أراد، فليس للجنة سبيل عليه، ولكنه يتفضل عليها وعلى الحكومة، وعلى رئيسها الرجل الطيب، فيطلع صديقًا من أصدقائه الذين لهم مكانة في الحكم، والذين ترجع إليهم اللجنة فيما عنده من المستندات، ويكتفي بذلك، ويريد أنْ تكتفي اللجنة منه بذلك، فأي فضل يشبه هذا الفضل؟ وأي طول يشبه هذا الطول؟ إنَّ صدقي باشا لرفيق باللجنة شفيق على الحكومة؛ كان يستطيع ألَّا يحفل باللجنة ولا بالحكومة، ولكنه مع ذلك تفضل فأظهر ما عنده من المستندات لصديق في الحكومة ترجع اللجنة إليه.
أرأيت جراءة تشبه هذه الجراءة؟! أرأيت تحديًا يشبه هذا التحدي؟! أرأيت استخفافًا بالوزارة واللجنة والمصالح العامة يشبه هذا الاستخفاف؟ مئات الألوف من الجنيهات تُنْفق، ويشك الناس، وتشك الحكومة في طريقة إنفاقها، وتؤلف لتحقيق ذلك لجنة، ولكن صدقي باشا يكتفي بأن يظهر ما عنده من المستندات لرجل من الأصدقاء؛ ليتحدث عنها إلى الحكومة أو إلى اللجنة. مسألة يُطلب فيها التحقيق الرسمي، فيعالجها صدقي باشا بالطريقة العرفية. وهو في هذا العلاج متفضل متبرع لا سلطان لأحد عليه، بل هو ينتظر أن تشكره اللجنة، وأنْ تشكره الحكومة؛ لأنه أظهر ما عنده من المستندات لبعض الأصدقاء.
وقل بعد ذلك: إننا نعيش في بلد ديمقراطي يخضع لأحكام الدستور، ويجعل الناس سواء أمام القانون، ويُسأل فيه الوزراء أمام البرلمان، وتحاط فيه الأموال العامة بما شئت وما لم تشأ من ألوان الحماية والرعاية. قُلْ هذا كله ولا تخف أنْ يضحك منك الناس، ولا تخف أنْ يضحك منك الأجانب بنوع خاص، ولا تخف أنْ يضحك منك الفرنسيون، ولا تشك في أنَّ حياتنا الحاضرة تضمن لنا احترام الإنجليز وإقناعهم بأننا قوم أحرار، وبأننا أهل لمفاوضتهم، وأهل لكسب الاستقلال.
ويقرأ الرجل الطيب هذا الكلام الذي يكتبه صدقي باشا في الأهرام، فيبلع ريقه، وينظر في المرآة، ويذهب إلى المحطة ليأخذ القطار إلى الإسكندرية. ومن يدري؟! لعله يؤخر سفر القطار دقائق في هذا اليوم كما أخَّره دقائق منذ أيام.
ونشرت المقطم أنَّ صدقي باشا كان قد وعد بتقديم البيان إلى اللجنة في الصحف، وكان قد أفهم بعض أعضاء اللجنة أنه مستعد لتقديم هذا البيان، فينشر صدقي باشا في الأهرام أنه لم «يتشرف» بلقاء أحد من أعضاء اللجنة، ولم يعده بتقديم هذا البيان. وما رأي صدقي باشا في وعده الذي سجله على نفسه في الصحف، والذي لا يستطيع محوه ولا إنكاره؟ لماذا عدل عن هذا الوعد وأعرض عن تقديم البيان؟ لأنه كان يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فلما ظهر له أنه محمي من سؤال اللجنة صال وجال، واسترد وعده الذي كان سبق بتقديمه في الصحف.
وما رأى صدقي باشا في أننا نؤكد له ونحن واثقون بما نقول، أنه قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة وأفهمه أنه مستعد لتقديم البيان، ولسنا نزعم أنه لقي أحدًا من أعضاء اللجنة، ولكننا نزعم أنه اتصل ببعض أعضاء اللجنة، ونظن صدقي باشا يوافقنا على أنَّ من الممكن أنْ يتصل بعض الناس ببعض دون أنْ يلقى بعض الناس بعضًا، ومن الممكن أنْ يتحدث بعضهم إلى بعض دون أنْ يرى بعضهم وجوه بعض.
فنحن — إذن — نؤكد أنَّ صدقي باشا قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة، وقد وعد بتقديم البيان إذا لم يقدمه المقاول، فما بال صدقي باشا يعدل الآن عن هذا الوعد الشفهي كما عدل عن ذلك الوعد الكتابي؟ ليس في الأمر شيء غريب، فصدقي باشا واثق بأن اللجنة لا تستطيع أنْ تسأله، وصدقي باشا لهذا لا يقدم إلى اللجنة بيانًا، وحسبه أنْ يتفضل، فيظهر ما عنده من المستندات لصديق يسعى بينه وبين اللجنة سعيًا عرفيًّا، قوامه المودة وحب الإصلاح.
ولا يشير صدقي باشا إلى اللجنة البرلمانية … ولم يُشِر إليها، ولم يفكر أحد فيها، وليس لأحد عليه أنْ يحمله على أنْ يقدم نفسه إلى التحقيق ما دامت الدولة لا تدعوه إلى التحقيق. صدقي باشا — إذن — رجل متفوق الآن … متفوق على خصومه الذين أثاروا حوله ما أثاروا، وأرادوا به ما أرادوا، ثم ردوا عنه خاسئين، متفوق على الوزارة التي لا تستطيع — أو لا تريد — أنْ تسأله عن شيء، متفوق على البرلمان الذي لا يريد أنْ يسأله عن شيء، متفوق على المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة موقفه من قصة الكورنيش، ولا يجدون إلى ذلك سبيلًا، ونحن مع هذا كله بلد ديمقراطي خاضع لحكم الدستور، يستوي الناس جميعًا فيه أمام القانون، ويُسأل الوزراء فيه أمام البرلمان. والغريب أننا نقول ذلك ونكتبه ولا نستحي، وأنَّ صدقي باشا نفسه يتحدث بذلك إلى الإنجليز. -
امتحان (١)
امتحان (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٩ فبراير ١٩٣٤
ونقول اليوم كما قُلنا أمس، وكما قُلنا أول أمس: إنَّ فكرة الديمقراطية في مصر تُمْتَحَنُ الآن امْتِحانًا دَقيقًا عَسيرًا، كما يمتحن فهم المصريين لها، وإيمانهم بها، امتحانًا دقيقًا عسيرًا. بل نقول اليوم أكثر مما قُلنا أمس وأول أمس، نقولُ: إنَّ النظام القائم نفسه هو الذي يُمْتَحن الآن امتحانًا دقيقًا عسيرًا، والذي يمتحنه هو صدقي باشا مُنْشِئ النِّظام القائم، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام، وتكلف في حمايته ما تكلف، وكلف المصريين في هذه الحماية ما كلفهم.
ففكرة الديمقراطية الصحيحة تقتضي أنْ يُسأل الوزراء عما فعلوا، وهي تقتضي أن يكون سؤال الوزراء شديدًا مُتحرجًا، مُبالغًا في الشدة والتَّحرج؛ لأنَّها تقتضي أن يكون الذين ينهضون بالأعمال العامة أطهارًا أتقياء، لا فيما بينهم وبين أنفسهم فحسْب، بل فيما بينهم وبين الناس قبل كل شيء؛ لأنَّ الثِّقَةَ بنزاهة الوزراء هي قوام الحكم في كل نظام، وهي قوام الحكم في نظام الديمقراطية خاصة. ولا ثقة حيث تُوجَدُ الإِشَاعَات ويَكْثُر فيها حديث الناس، وتخوض فيها الأندية في الليل والنَّهار، ثُمَّ لا تَجِدُ من شمس الحق المُشرقة ما يبدل سحابها الكثيف أو الرَّقيق.
والنظام القائم ديمقراطي فيما يقول أصحابه ومنشئوه، وهو قد قَرَّرَ أَنَّ الوزراء مسئولون، وهو قد قرَّرَ أنَّ الوزراء يُحَاكَمُون إذا اقتضت أعمالهم أن يحاكموا. وقد ملأ صدقي باشا وأصحابه، وملأ الرجل الطيب وأصحابه أسماع الناس وقلوبهم وعقولهم، بكلماتِ العدل والقسط والنَّزَاهة والإنصاف والدِّيمُقراطية، وما يشبه هذه الكَلِمَات التي يُحِبُّ الناس أن يَسْمَعُوها، ولكنهم يحبون قبل كل شيء أن يروا معانيها الجميلة الرائقة، وأن يبلوا آثارها الحلوة العذبة، وأن ينعموا برحمتها ويطمئنوا إلى أنها تبسط عليهم ظلها، وتحميهم من الجور والظلم والعبث، وتطرد عنهم القهر والعسف والاستبداد.
والناس يشهدون هذا الامتحان الذي تخضع له فكرة الديمقراطية، ويخضع له النِّظام القائم، وهم يُحِبُّون أنْ يَرَوا نتيجة الامتحان؛ ليعلموا أنَّ فِكْرة الديمقراطية موجودة حقًّا في مصر، وليعلموا أنَّ النِّظام القائم يُحَقِّق هذه الفكرة ويحميها، ويُثبت أنَّه صَالِحٌ للبقاء وقادرٌ عليه. وموضوع الامتحان سهل يسير ليس بالمعضل ولا بالمعجز، يستطيع أبسط أصول الديقراطية، ويستطيع أبسط النظم الديمقراطية أنْ يجوزاه مع نجاح عظيم. فوزير الداخلية السابق صدقي باشا قد أجاز أعمالًا خطيرة شعر الناس بخطرها وأكثر الناس فيها الحديث، وزَعَمُوا أنَّها أَضَاعَتْ مئات الألوف من الأموال العامَّة، وشعرت الوزارة القائمة نفسها بهذا الخطر، وجزعت له، وأَظْهَرَتِ الحِرْصَ على أن تتبينه وتُعاقب الذين تورطوا، وورطوا غيرهم فيه، وأُلِّفَتْ لذلك لجنة كلفتها التحقيق الدقيق، وانتظر الناسُ وانْتَظَرَتِ الحُكومة نتيجة هذا التحقيق.
فالمسألة التي تلقى الآن على الديمقراطية والنظام الدِّيمُقراطي في مصر، هي هذه: أيبلُغ التحقيقُ صدقي باشا أم يعجز عن الوصول إليه؟ وقد كان الجواب الأول مُحزنًا مع الأسف فقد ظهر أنَّ التَّحقيق الذي فرضته الحكومة، وأنشأت له لجنة لا يستطيعُ أنْ يبلغ صدقي باشا، بل لا يستطيع أن يفكر في الوصول إلى صدقي باشا؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا؛ ولأنَّ الوزراء لا يسألون إلا أمامَ البرلمان ولجان البرلمان، واللجنة التي ألفتها الحكومة ليست برلمانية، وظهر أيضًا أنَّ السلطة القضائية القائمة ليستْ مُخْتَصَّة بسُؤال صدقي باشا وإنما البرلمان وحده هو المختص بهذا السؤال. وليس على شيء من هذا كله غبار، فليس الخطر على الديمقراطية والحق والعدل ألا يسأل صدقي باشا أمام اللجنة أو أمام السلطة القضائية، وإنما الخطر كل الخطر والإفلاس الديمقراطي كل الإفلاس، والهزيمة المنكرة للحق والعدل والإنصاف والنزاهة، ألا يسأل صدقي باشا بحال من الأحوال. وقد تكلمنا أمس، وتكلمنا أول أمس، عن موقف الوزارة القائمة من هذه المَسْأَلة، حين أُلِّفت لجنة التحقيق، فقد كانت تعلم من غير شك أنَّ في مصر دُستورًا، وأنَّ الدستور لا يُبيح سؤال الوزراء عن أعمالهم إلا أمام البرلمان، وهي إذن قد ألفت هذه اللجنة، وهي مُعتزمة في نفسها ألا يسأل أمامها صدقي باشا، ونحن نكره أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الوزارة كانت تجهل الدستور. فالمسألة الآن هي: هل يظل صدقي باشا بمأمن من أن يُسأل، ما دامت اللجنة لا تستطيع أن تسأله، وما دامت السُّلطة القضائية لا تستطيع أن تسأله، أم هل ينفذ الدستور الذي أصدره صدقي باشا في صدقي باشا نفسه؟ أم هل يؤلف البرلمان الذي أشرف على انتخابه صدقي باشا لجنةً لسؤال صدقي باشا؟ أم هل يُقِيمُ النِّظام القائم دليلًا لخصومه، وخصوم مُنْشِئِه على أنه قادر على البقاء، مُحَقِّق للعدل والنزاهة، لا يتحرج حتى من أن يسأل مُنشئه ومصدره، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام؟ هذه هي المسألة، وهي كما ترى مسألة عَظِيمة الخطر، خليقة أن يُعنى الناس بها، ويلتفتوا إليها، ويتحدثوا فيها. وهي خليقة — بنوع خاص — أن يُعْنَى بها الوزراء، لا لأنَّهم خصومُ صِدقي باشا، فأُمور الحكم يجبُ أن تكون فوق الخصومات؛ بل لأنَّهم مكلفون بتنفيذ الدستور، ولأنهم قاموا لحماية النظام الجديد. وهي خليقة أن يُعنى بها الشيوخ والنواب، لا لأنهم أصدقاء الدكتاتور العظيم أو خصومه، فأمور الدَّولة يجبُ أن تكون فوق الحب والبغض، وفوق النصر والخصومة؛ بل لأنهم عمد النظام الجديد، قد أقسموا جميعًا يمين الإخلاص له، والاحترام لأصوله وأحكامه. ثم هي خليقة أن يُعنى بها صدقي باشا، لا ليدفع عن نفسه ما تصوغه حوله الإشاعات، فقد يكون صدقي باشا عند نفسه أرفع من أنْ تَمَسَّه الإشاعات، ولا ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من سوء الظَّنِّ، فقد يكون صدقي باشا أشجع من أن يحفل بسوء الظن؛ ولكن ليحمي النظام الذي أنشأه، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام. وصدقي باشا يُحِبُّ هذا النظام، كما يحب الأب الرحيم الشفيق ابنه البر الوفي، فمن حق النِّظام علي صدقي باشا أن يحميه، ومن حق صدقي باشا على نفسه أن يحمي ابنه، وأن يُثْبِتَ للنَّاس ولنفسه أَنَّه أَبٌ رَحِيمٌ يَعْرِفُ كيف يحمي أبناءه الأَعِزَّاء. وصدقي باشا مع ذلك قد أقسم يمين الإخلاص والاحترام للنِّظام القائم، فمن الحق عليه أنْ يبر بهذه اليمين، ومن الحق عليه أن يسعى إلى اللجنة القائمة، وإن لم تَدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تسأله. فإن شق عليه ذلك ورأى سكوتًا من الوزارة، وسكوتًا من الشيوخ والنواب، فمن الحق عليه أن يطلب إلى مجلس النواب تأليف هذه اللجنة البرلمانية التي تستطيع وحدها أن تدعوه وأن تسأله، وأن تحكم له أو عليه، وأن تثبت أن في مصر ديمقراطية ونظامًا ديمقراطيًّا.
وكم يرتفع صدقي باشا في أعين الناس إن تقدم إلى البرلمان يطلب إليه تأليف هذه اللجنة! ثم نحب أن نقول في صَرَاحَةٍ ووضوح للوزراء وللشيوخ وللنواب، ولصدقي باشا نفسه: إنَّ التَّحقيق الذي جرى مع المُوَظَّفين في قصة الكورنيش ليس شيئًا إذا لم يتبعه التحقيق مع الوزير الذي أذن لهم في العمل إن كان قد أذن، أو الذي تركهم يعملون بغير إذن، إن كان قد تركهم يعملون بغير إذن. فالموظفون مسئولون من غير شك عن كل ما يعملون، ولكنَّ رؤساءهم من الوزراء ليسُوا أَقَلَّ منهم تبعة، بَلْ هُم أَشَدُّ منهم تبعة وأثقل واجبًا. ولعلَّ مِنْ مُجَاوزة العدل أن يُسأل الموظفون المرءوسون؛ لأنَّ الحكومة تملك سؤالهم ومحاسبتهم، وأن يُترك الوزراء المسئولون؛ لا لشيء إلا لأنَّ الدستور يجعل سؤالهم إلى البرلمان! فليسألهم البرلمان إذن، وليُنشئ بذلك القُدْوَة الصَّالحة والأُسْوَةَ الحَسَنَة، وليبين للموظفين الذين يُسألون أنهم لا يسألون وحدهم وإنما يسأل معهم وزراؤهم أيضًا.
أرأيت أنَّ الامتحان الذي تجوزه الديمقراطية، والنِّظام الديمقراطي في مصر الآن ليسا من الأشياء التي يُمكن الإغضاء عنها، أو التهاون في أمرها، وإنما هو من الأشياء ذات الخطر حقًّا. أما إذا جرت الأمور كما ينبغي أن تجري في البلاد التي لم يفسد مزاجها الظلم؛ فليس من شك في أن صدقي باشا سيسأل قبل أن يمضي وقت طويل. وأمَّا إذا لم يسأل صدقي باشا؛ فقد يكون من العسير أن نعتقد أن في مصر ديمقراطية وأنَّ النظام القائم قد نجح في الامتحان. -
خذلان (١)
حديث المساء: خذلان (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٢ نوفمبر ١٩٣٣
يستطيع رئيس الوزراء أن يقول ما يشاء، سواء أحب الكلام أو ضاق به، ويستطيع زملاؤه وأنصاره أن يقولوا ما يشاءون، فلن يستطيع رئيس الوزراء، ولن يستطيع زملاؤه وأنصاره أن يزعموا أن ذلك الحفل العظيم الذي أقيم في الكونتننتال أول أمس لم يكن لامعًا ولا رائعًا، ولم يكن باهرًا ولا فاخرًا، ولم يكن من هذه المجامع التي ترتفع لها رءوس الزعماء السياسيين، أو تقوم بها حجج الرؤساء الذين يصرفون أمور الحكم على أنهم مؤيدون مظفرون، تمدهم الأمة بما يريدون من تأييد، وتضمن لهم الأمة ما يبتغون من فوز.
يستطيع رئيس الوزراء وأصحابه أن يصطنعوا إيجاز الموجزين، وأطناب المطنبين في وصف ذلك الحفل، ولكنهم لن يستطيعوا بحالٍ من الأحوال أن يثبتوا أنه كان حفلًا يدل على ثقة الشعب، أو يصور حب الشعب، أو يشير ولو من طرف خفي جدًّا إلى أن الشعب ينظر إلى هذه الوزارة القائمة في شيء من العطف، أو فضل من الاكتراث، إنما كانت حفلة وزارة للوزارة، وترحيب الوزارة بالوزارة، وتكريم الوزارة للوزارة.
وما رأيك في حفل يشرف عليه محافظ القاهرة، ويستقبل المدعوين إليه محافظ القاهرة، ويخطب لرئيس الوزراء فيه نقيب الأشراف؟ نقيب الأشراف يخطب في السياسة. هذه آية من آيات العصر الحديث، ومعجزة من معجزات العهد السعيد، ثم يزعم رئيس الوزراء بعد ذلك لمكاتب «الديبا» أن الناس لا ينبغي أن ينتظروا من وزارته أن تأتي بالمعجزات. كلا، بل ينبغي أن ينتظر الناس من هذه الوزارة أن تأتي بالمعجزات؛ لأنها قد أتت بمعجزة أول أمس، فجعلت نقيب الأشراف خطيبًا سياسيًّا، يؤيد الوزارة ويبارك عليها، ويذكر الأزمة ويدور حولها، ويقول ما تعود أن يقول الخطباء السياسيون، وماذا يريد رئيس الوزراء من المعجزات فوق هذه المعجزة الباهرة، والآية الظاهرة، والبرهان القاطع على أن الوزارة تستطيع أن تستغني عن تأييد المؤيدين، وتشجيع المشجعين، لا من كثرة الأمة؛ فكثرة الأمة ميئوس منها، بل من هؤلاء الخطباء المبرزين في هذه القلة القليلة الضئيلة التي تسمي نفسها حزب الشعب، وتسمي نفسها حزب الاتحاد، ويقودها إلى ميدان الفوز والانتصار صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.
تستطيع الوزارة أن تستغني عن هؤلاء المؤيدين، أو يستطيع هؤلاء المؤيدون المبرزون أن يبخلوا عليها بما يملكون من سحر البيان؛ فهي قادرة على أن تخلق زعيمًا من لا زعيم، وخطيبًا من لا خطيب، وتجعل نقيب الأشراف لا ممثل الأشراف وحدهم، ولا ممثل رجال الدين وحدهم، بل ممثل الأمة كلها في تكريمها والترحيب بها، وتطويق أجيادها بعقود الثناء، فمن طلب من الوزارة معجزة أبهر من هذه المعجزة، وآية أبرع من هذه الآية، فهو مكابر عنيد، ومن استكثر على الوزارة أن تأتي بالمعجزات بعد معجزة الكونتننتال، فهو حاسد مغيظ، ولكن رئيس الوزراء قلنا أمس: متواضع يأتي بالمعجزات، ويطلب إلى الناس ألا ينتظروا منه المعجزات، وأنت تعلم أن من تواضع لله رفعه، فثق بأن الله — عز وجل — قد يرفع رئيس الوزراء، وقد يجري على يديه معجزات أبهر وأبرع من معجزة الكونتننتال، فإذا سمعت بعد اليوم أن حفلًا آخر أقامه وزير الداخلية مثلًا، وخطب فيه من شئت ومن لم تشأ، ممن يستطيعون أو لا يستطيعون أن يخطبوا، فلا تنكر شيئًا، ولا تعجب لشيء، فإنما هي المعجزات يأتي بها رئيس الوزراء، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولكن الأمر الذي يستحق التفكير هو موقف الخطباء المبرزين من زعماء الحزبين الشقيقين، ومن مصاقع البرلمان، ما بالهم لم يكثروا في هذا الحفل؟ وما بالهم لم يخطبوا فيه والحزبان يشتركان في الوزارة، والحزبان يعلنان تأييد الوزارة؟!
فقد زعم الناس أن الذين اشتركوا في الحفل من حزب الشعب لم يبلغوا العشرين. ولسنا ندري كم اشترك في الحفل من حزب الاتحاد، ولكن الذي لا شك فيه هو أن أحدًا من الحزبين الشقيقين لم يرفع صوته العذب الخلاب بقليلٍ من الكلام أو كثير.
وكيف نستطيع أن نفسر إعراض الحزبين عن هذا الحفل، وعن الكلام فيه؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن حزب الشعب يؤيد ولكن في فتور، ويناصر ولكن على دخل؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن ما تم من الصلح بين رئيس الحزب ورئيس الوزراء، إنما كان صلحًا ظاهره فيه الوفاق، وباطنه فيه الخلاف؟ وإذن فهدنةٌ ما عُقد بين رئيس الحزب ورئيس الوزارة تنقضي أو تُستأنف بعد وقت قصير أو طويل، وإذن فالوزارة مخذولة حتى من أنصارها، منبوذة حتى من أوليائها الأقربين.
كل هذا ممكن، ولكن هذا كله لا يضر الوزارة شيئًا، ما دامت قادرة على أن يخطب لها نقيب الأشراف، وما يضر الوزارة أو ينفعها أن تلقى من الحزبين الشقيقين تأييدًا أو خذلانًا، وأي فرق بين تأييد الحزبين الشقيقين وتأييد نقيب الأشراف؟ إلا أن في تأييد نقيب الأشراف بركة ليست في تأييد الرئيسين العظيمين: صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.
رئيس الوزراء عاجزٌ إذن عن أن يظفر بتأييد الأولياء رغم ما يملك من قوة وبأس، وما يطلق لسانه به من وعيد ونذير، ورئيس الوزراء عاجز بالطبع عن أن يظفر بتأييد الشعب؛ فالشعب لا يؤخذ بوعيد ولا نذير، والشعب لا تغريه الوعود، وإن صدرت عن وزير المالية، والشعب لا تطمعه الأماني، وإن أفعمت بها الصحف، وامتلأت بها الأفواه، والشعب يعلم أين يضع حبه، ولمن يبذل تشجيعه وتأييده.
والشعب يعلم فيمن يكون الأمل، وممن يكون اليأس، والشعب يعلم أنه إن ذهب صدقي، ففي مصر صدقي آخر، وأن رضاه لا يُشترى بتغيير الأشخاص، وإنما يشترى بشيءٍ آخر أغلى وأعلى، وآثر في القلوب، وأحب إلى النفوس، وهو تغيير السياسة، والشعب ينظر إلى الرئيس الجديد كما كان ينظر إلى الرئيس القديم، والشعب واثق بأن الرئيس الجديد سيسلك طريقه متمهلًا أو متعجلًا، ولكنه سينتهي في غير شك إلى حيث انتهى الرئيس القديم.
ورئيس الوزراء ليس عاجزًا عن أن يحمل الحزبين الشقيقين على تأييده الظاهر الباطن الذي لا مرية فيه، أو أن يحمل الشعب على تأييده، أو تكلُّف تأييده فحسب، بل هو عاجز حتى عن أن يحمل زملاءه الوزراء على أن يؤيدوه. وقد يظهر هذا غريبًا، ولكنه — فيما يظهر — الواقع الذي لا شك فيه؛ فليس من تأييد الوزراء لرئيسهم أن يسيروا معه كما يسير وزير الداخلية ووزير المعارف مع عبد الفتاح يحيى باشا.
رجل يعلن أن وزارته ستُوزِّع العدل بين الناس لا مُتأثِّرة بالهوى ولا مُذْعِنة لميول الأحزاب، ووزير الداخلية يرى ويسمع ما ينزل بخصومه وخصوم وزارته من الظلم في أبي جرج، وفي غير أبي جرج، فلا يُصلحه ولا يرفعه، ولا يحاول له تغييرًا أو تبديلًا. أمُتَحَدٍّ هو لرئيس الوزراء؟ أم مُتَّفق هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟
رجل يعلن أن المصريين جميعًا سيَظفرون بالعدل، وستُنفَّذ فيهم أحكام القانون بالنزاهة والقسط، ثم تأتي مديرية من مديريات الأقاليم فتُخضِع عددًا ضخمًا من المصريين لحكم «قره قوش»، ولظلمٍ صارخٍ لا يُقرُّه قانون ولا يرضاه دين: تتحكم في أزيائهم، وتُسلِّط عليهم العمد والخفراء، ويُكرِههم المفتشون على أن يقولوا غير ما يعتقدون، وتأخذهم بأن يكرهوا ويقولوا: إنهم راضون، ويبتئسوا ويقولوا: إنهم مبتهجون، ويشكوا ويقولوا: إنهم يستزيدون من الظلم ويطمئنون إليه، ووزير الداخلية لا يغير من هذا شيئًا، ولا يقول في هذا شيئًا، كأنما أصبح إقليم الدقهلية دولة مستقلة تقف عند أحكام الدستور المصري والقانون المصري. أمُتَحَدٍّ وزير الداخلية لرئيس الوزراء، أم متفقٌ هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟
رجلٌ يعلن إلى الناس أن وزارته ستكون وزارة العدل والإنصاف واحترام القانون، ثم يأتي وزير المعارف فيتجاوز القانون في أمر معهد هو أحق المعاهد أن تحترم فيه القوانين. ولا يكتفي بتجاوز القانون وحده، بل يريد أن يشرك فيه اللجنة المالية ومجلس الوزراء، ويكتب إليهما في ذلك كلامًا أقل ما يوصف به أنه محتاج أشد الاحتياج إلى كثيرٍ من النزاهة، وإلى كثير من تصوير الحق وملاءمة العدل. فإذا نشر هذا الكلام في الناس سكت الوزير، وسكت رئيس الوزراء، أمُتَحَدٍّ وزير التقاليد لرئيس الوزراء أم متفقٌ معه على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟
كلا، ليس هناك تحدٍّ، وليس هناك اتفاق، وإنما هي الأمور تجري كما تستطيع، وهم الوزراء يجرون مع الأمور كما يستطيعون، فهل رئيس الوزراء عاجز عن ضبط الأمور، عاجز عن ضبط الوزراء، كما أنه عاجز عن كسب التأييد من الحزبين الشقيقين، وكما أنه عاجز عن كسب التأييد من الشعب؟
رئيس الوزراء رجلٌ طيبٌ تخذله الظروف، ويخذله الناس، والناس والظروف يتواطئون على خذلانه، وهو راضٍ بذلك، مطمئنٌّ إليه، يسكت حينًا، ويعلن حينًا آخر أن للحكومة جهدًا، ولكنه محدود، وأن الناس لا ينبغي أن ينتظروا منه ولا من وزارته المعجزات. وقد تسألني بعد ذلك ما بقاء الرئيس في الحكم وهو مخذول إلى هذا الحدِّ، عاجزٌ إلى هذا الحدِّ، ولكني لا أدري لِمَ تُوجِّه إليَّ أنا هذا السؤال. وجِّهْهُ إن شئتَ إلى رئيس الوزراء. -
قذف
حديث المساء: قذف
طه حسين
كوكب الشرق
٢١ أكتوبر ١٩٣٣
ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يشتد إليها الميل، أن تلقي دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحتَمل أو تبتغى أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق.
وحسب الكُتَّاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامة إلى الواجبات السياسية التي تفرِضها المصلحة العامة، ويحتمها الإخلاص في خدمة الشعوب.
والأمر يزداد مشقَّةً وعُسرًا حين يتصل بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد؛ فهم معصومون من الخطأ، مبرَّءُون من العيب، مُنزَّهون عن هذه الخصال التي يمكن أن تَشين مثلك ومثلي من عامة الناس. ولولا أنهم معصومون من الخطأ ولولا أنهم مبرَّءُون من العيب، ولولا أنهم مُنزَّهون عن كل ما يَشين لما ارتقوا إلى مناصب الوزارة، ولما قبضوا بأيديهم على أَعِنَّةِ الأمور يصرفونها كما تقضي المصالح العامة وحدها لا يتأثرون في ذلك بميول الأحزاب وأهوائها، ولا بنزعات الأفراد وشهواتهم، ولا يجورون في ذلك عن قصد السبيل.
وإذا كانت هذه حالُهم فنحن جماعة الكُتَّاب نتجنَّى عليهم ونتجاوز الحدود في أمرهم، حين تزعم أنهم قصروا في السياسة أو أخطَئوا سبيل المنفعة العامة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس. وهُم كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجنِّي ويعفون لنا عن النقد، ولا يخاصموننا في ذلك إلا قليلًا، وقد يُغرِينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنُغرِق في التَّجنِّي، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويُلِحُّونَ في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويُريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتصل بالأخلاق؟ ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاص، تدعو إلى شيء من التطفل، وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني. وسيصفحون عن نقدهم فيما يمَس الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمس السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميالة بطبعها إلى التجاوُز عن السيئات جميعًا.
فإذا كان نقد الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد في أمر يمس الأخلاق متصلًا بالسياسة العامة من بعض الوجوه، كان طمعُهم في عفو الوزراء أعظم، وأملُهم في صفح الوزراء أشد، وثقتهم بحُلم الوزراء أدنى إلى أن تملأ قلوبهم أمنًا، وتشعر نفوسهم طمأنينة وهدوءًا.
ونحن نريد أن نعرض لأمر من أمور الأخلاق متصل بالسياسة أشد الاتصال، أثارته تلك القصة المضحكة التي مثَّل فصولَها حزبُ الشعب في هذه الأيام الأخيرة الماضية. فقد زعموا أن الصلح لم يَكَدْ يَتم بين الحظيرة وبين الوزيرين اللذين أُقْصِيَا عنها. حتى نهض وزير الزراعة السابق فأعلن في حدة وغضب، وغيظ وحنق: أن وزير المواصلات السابق تحدث إلى بعض الناس بأن وزير الزراعة اللاحق يقذفه، ويتهمه بأمور تمس الانتفاع المادي على حساب المصلحة العامة، واختلف الناس بعد ذلك في تحقيق هذه الأمور، فبعضهم زعم أنها تمس حزب الشعب، وإدارة الوزير السابق له، وهذا هو الذي قرأناه في الصحف صباح أمس، وبعضهم زعم أنها تمَس الحكومة وأموالها. وهذا هو الذي قرأناه في صحيفة من صحف المساء نشرته أمس للناس في صراحة مؤلمة حقًّا. ولسنا نحب أن نروي ما صرحت به صحيفة المساء تلك فقد يثقل ذلك علينا، وقد يثقل ذلك على الناس، ولكن الذي نحب أن نلاحظه هو أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد — مع أنهم معصومون من الخطأ ونحن جميعًا نخطئ — مبرَّءون من العيب، ونحن جميعًا قد نتورط في العيب، لا تمنعهم العصمة ولا تعفيهم البراءة من أن يكونوا كغيرهم من الناس يخطئون كما يخطئ الناس، ويعيبون كما يعيب الناس، ويدفعون كما يدفع الناس إلى أشياء لا تليق. فهذا وزير مقيم في الحكم يتهم وزيرًا معتزلًا للحكم في نزاهته، وهذا وزير سابق ينقل عن الوزير اللاحق ما قاله، فإذا هو يُذاع ويُشاع، حتى يقرع سمع الوزير المقذوف، وإذا هو الوزير المقذوف يحاول أن يبرئ نفسه، ويدفع عنها، فلا يزيد الأمر إلا ذيوعًا وانتشارًا، وقد كُنَّا نقدر أن عصمة الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد، ترفعهم عن أن يتورطوا في مثل ما يتورط فيه غيرُ المعصومين من الناس، وتجعلهم أعلى وأكرم على أنفسهم من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسوق بعضهم إلى بعض هذه التُّهَم التي إن صحت كانت مزرية مخزية. ثم يسعى بعضُهم إلى الناس بما قال بعضهم في بعض، حتى يشيع الشر، وينتشر النُّكر، وتسوء سمعة السابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد. والقاذف والمقذوف من وزراء حزب الشعب، والساعي بهذا القذف من وزراء حزب الشعب، ومبلغ القذف إلى المقذوف من أعضاء حزب الشعب. فهل هي المصادفة التي جمعت بين حزب الشعب وبين هذا النحو من أنحاء الاتهام؟
على أن للأمر وجهًا آخر أعظم خطرًا من هذا. فليس من شَكٍّ في أن الناس جميعًا يتمنَّوْنَ أن يكون وزراء هذا العهد السعيد أرفع من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم ببعض. ولكن الناس يتمنَّوْنَ بنوع خاص ألَّا يكون هذا القذف صحيحًا، ولا مصوِّرًا لحقيقة من هذه الحقائق المزرية المؤذية، والناس يتمنَّوْن أن يكون الغضب وحده هو الذي أنطق وزير الزراعة القائم بما نقله وزير المواصلات السابق حتى انتهى إلى وزير الزراعة المستقيل. ولكن كيف يستطيع الناس أن يتبيَّنوا جَلِيَّةَ هذا الأمر، وأن يعلموا ويستيقنوا ويطمئِنُّوا، وتُمحى من نفوسهم الريب والشكوك، ولا يتطرق الوهم إلى أحد منهم بأن وزير الزراعة السابق موسوم بما رماهُ به وزير الزراعة القائم إن صح ما نقل عنه؟
أمَّا حزب الشعب فسيصلح الأمر بين أعضائه إصلاحًا ظاهرًا تصفو معه القلوب أو لا تصفو، وتخلص معه النِّيَّاتُ أو لا تخلص. وسيزول الخلاف بين وزير الزراعة القديم ووزير الزراعة الجديد، وسيعود أولهما إلى الحظيرة بعد أن خرج منها، كما عاد ثانيهما إلى الحظيرة بعد أن أُخْرِجَ منها إخراجًا. وسيرتاح صدقي باشا لرجوع وزير الزراعة السابق إلى الحظيرة كما ارتاح لرجوع وزير الزراعة القائم إليها. ولكن الأمر لم يبقَ مقصورًا على حزب الشعب ولا على الوزيرين المختَصِمَيْن، وإنما هو يتجاوز الحزب وأعضاءه جميعًا إلى الأمة وإلى الدولة؛ فلم يَبْقَ بُدٌّ من أن يعرف الناس جلية هذا الأمر، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تتبين الدولة حقيقة هذه التهم، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تعود إلى قلوب الناس الثقة بأن وزراءهم لا يستفيدون لأنفسهم على حساب المصلحة العامة. ونحن نعلم حق العلم أن هذه الجملة المشئومة التي قالها علي المنزلاوي بك، إن صح ما رواه عنه توفيق دوس باشا، وقد وقفت جماعة من الوزراء بين أمرين كلاهما شَرٌّ وأحلاهما مُرٌّ، فهي إن صحت أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء، واستتبعت آثارًا لا تَسُرُّ ولا تُرْضِي، وهي إن لم تَصِحَّ أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء من اتهام الناس بغير الحق وبما لا يليق. وواضح جدًّا أن تحقيق هذا الأمر وإظهار جليته للناس لا يمكن ولا ينبغي أن يكون في حزب الشعب ولا بين يدي صدقي باشا، وإنما يجب أن يكون في مكان غير حزب الشعب، وأمام رجل غير صدقي باشا، أفترى هذا التحقيق ممكنًا، أفترى هذا التحقيق واقعًا غدًا أو بعد غدٍ؟ أم تظن أن أمر هذا القذف سيُترك لتمضي به الريح وليُسدِل عليه النسيان ستارًا صفيقًا. أما نحن فنعتقد أن ليس على أخلاق الناس ومصالحهم ونزاهتهم فيما يأتون وما يَدَعُونَ خطر أشد من إهمال مثل هذا القذف وتركه غنيمة للنسيان. فذلك يُغرِي الناس بالإقدام على الشر طامعين في عفو النسيان، وذلك يُغري الناس بالإقدام على القذف طامعين في عفو النسيان أيضًا. ونحن نعتقد أن في مصر قوة حريصة أشد الحرص على الأخلاق وعلى صيانة المصالح العامة، وعلى صيانة سمعة الوزراء السابقين واللاحقين، ونعتقد أن هذه القوة لن تقصر فيما يجب عليها من التحقيق.