Tag: Queen of Italy

  • في القاهرة بين الإعجاب والأسف | In Cairo, Between Admiration and Regret

    في القاهرة بين الإعجاب والأسف
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١١ نوفمبر ١٩٠٩

    قام في مسينا الداثرة بيتٌ زيَّنَتْه يَدُ الصانع بما أبدعَتْ فيه من زخرف وتصوير، وزاده زينةً حُسْنُ موضعه وجودةُ مكانه وما كان يحفه من جمال المنظر وجلال الطبيعة، فقد كانت تُقِلُّه ربوةٌ مُشْرِفة على البحر وتُحِيط به حديقةٌ جَمَعَتْ من الأشجار صنوفًا تضاعف سرور الجذل وتسلي هَمَّ المحزون.

    غابت ذكاء، فأشفقت السماء جزعًا عليها أو فزعًا من الليل، ولبس الإنسان عن ذلك ثوبًا من
    الغفلة والذهول كما هو شأنه لا يُعْنَى إلا بأمره ولا يأبه إلا لنفسه ولا يحفظ إلا بأمره عهدًا
    إلا ريثما يصدر عنه بحاجته. أجل؛ أبصر الإنسان الشمس وقد جنحت إلى الغروب فلم يلحظها لحظة وداع.

    رآها مُصْفَرَّة قد ظهر عليها الأسف لفراقه فلم يُجْزِها عن ذلك بشيء.

    رآها تُوَدِّعه، وإنه ليراها كذلك في كل يوم فلا يقع وداعها من نفسه موقعًا، على أنه لو صدق
    فيها نظره اليوم لعلم أن أسفها لفراقه مضاعف، وأنها لم تحزن قط كحزنها اليوم.

    فيمَ وعلامَ؟ ألأنها ستذهب فلا تعود أم لأنها سترجع فلا تجد منا أحدًا؟

    هل خافت صديقتنا من الليل علينا نكرًا أم هل عرفت في وجوه الكواكب الطالعة شرًّا؟ هل استبانت من أنباء الغيب ما سيدور به بَعْدُ الفلك بَعْدَ حين؟ هل علمت أن ثورة الغضب على الإنسان قد بلغت من الطبيعة مبلغها فعوَّلَتِ الليلة على الانتقام مسائل ما جوابها إلا الحقائق المُرَّة المؤلمة؟

    وارحمتاه للإنسان! يجاري هواه ويتمادى في غروره، يحسب إذا استعبد ضعاف الحيوان وصغار الأشياء أن له حولًا وطولًا، يظن إذا استخدم لأغراضه الهواء والماء والبخار والكهرباء، أنه أصبح السيد المُسلَّط على الطبيعة وما فيها، فما له إذن لا يمنع الأرض أن تميد ولا يزع البركان أن يهيج ولا يصد طغيان البحر، ولا يرد صواعق السماء؟! هيهات هيهات! كَلَّ الطالب وجَلَّ المطلوب.

    قِفْ أيها الإنسان الضعيف خاشعًا أمام هذه القوة القاهرة التي لا تستطيع لها مردًّا، هبها طوعًا أو كرهًا بقية حولك وطولك.

    تزود من الدنيا فإنك نازل غداة غدٍ في حيث لا تحمد المثوى

    ما أرقَّ العاشقَ! وما أصفى نَفْسَه! لقد وقفت من دهري موقف المعتبرة بتنقل الكواكب المتعظة بتحول الحال، فما أثار لي هذا الموقف إلا حزنًا وما زادني هذا الاعتبار إلا همًّا، أراني أتنبأ بنوى عاجلة وخطوب نازلة.

    وَيْحِي عليك أيها الحبيب! بل وَيْحِي علينا معًا! لقد وَرَدْنا إلى هذا الحُبَّ مع أمل واسع، وسنصدر عنه ولم نُشْفِ منه علة أو ننقع له غلة.

    تريَّثِي أيتها النازلة، ارأفي بي وبحبيبي، أمهليني وإياه ريثما نَجْتَني ثمرة هذا الحب الناضر؛ فقد أمسينا منها قاب قوسين.

    حِكَم غالية يمازجها شيء من عطف النساء وحنوهن تَجُول بصَدْر مَلِكة الحُسْن وربَّة الجَمال، وقد جلستْ في طنف من ذلك البيت على كرسي من الحرير مُطْرِقةً، وقد تلحظ بعينها النجلاء تلألأ القمر في السماء، وقد أدلى من أشعته الفضية بأسباب إلى غصون الحديقة وأزهارها؛ فأخذت شكلًا بديعًا يملأ العين رواء والقلب ارتياحًا، وربما مدَّتْ بصرها إلى أبعد من ذلك فرأت البحر هادئًا إلا من مداعبة النسيم، وكادت تقرأ عليه آثار العبوس لولا ما يلقيه عليه ضوء القمر وتلألأ الكواكب، وقد ترفع بصرها قليلًا فترى جبال كلبريا، وقد اتخذ فمها من الثلج أديمًا فضيًا يسقط عليه ضوء القمر، وتألق الكواكب وكأنها مصابيح شُدَّت إلى السماء بأمراس من الذهب. ترى كل هذه الزينة، فلا ترجع إلا بِهَمٍّ طريف وحُزْنٍ جديد.

    هي على هذه الحال، وإلى جانبها فتى معتدل القوام حَسَن الهندام، تراه فتعلم أنه من ضباط المشاة في الجيش قد جلس إلى جانبها يُشْعِل لفافة التبغ ويلحظها بعينين كبيرتين في ظل حاجبين مقوسين. يلحظها في طهارة وخشوع كما يلحظ في المحراب دمية العذراء يسألها بصوت هادئ: ما هذا الصمت أيتها الحبيبة؟! ما لك لا تكلميني؟! انظري إليَّ، أسمعيني صوتك الرخيم، تكلَّمي، فيمَ تفكرين؟

    أفاقت الحسناء من ذهولها الطويل وأجابت بصوت يرن رنة الحزن: لا أدري أيها الحبيب، بل ما كنت أفكر في شيء ما … حتى ولا في عرسنا القريب. لا، ما فكرت فيه الآن، لماذا وهل يوجد ما يَحُول بيننا وبينه؟! كلا؛ ليس في العالم من يستطيع ذلك، لا شيء أيها الحبيب، لا شيء إلا الموت على أن قراننا في ذمة الله وهو خير الحافظين، أراني حزينة جدًّا، أرى صدري ضيقًا حرجًا أشعر بآلام كثيرة.

    لماذا أيتها الحبيبة؟ مِمَ يحزن العاشق وكيف يكون حزنه؟ أليس الحب هو كل السعادة؟ بلى، فهل تخافين على حُبِّنا شيئًا؟ كلا؛ إن الله قد ضمن أن يكلأه. إذن فمِمَّ تحزنين؟! ثم مال إليها
    قليلًا، فمس بشفتيه جبينها الوضاح، وتناولت عودًا كان إلى جانبها، فاندفعت تُغنِّي.

    ليت الليالي والأيام إذ حفظت حبي وحبك لا تغري بنا النوبا

    من لي ومن لك بالصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها أربا؟!

    تُرَدِّد هذا الغناء بصوت لا تكاد تسمعه الآذان، ولكن له في العقول والألباب فِعْل الصهباء؛ فلا بدع أن ينسى الفتى نفسه حتى ابتدأت نار اللفافة تلذع شفتيه، فألقى بها وأسلم نفسه إلى الغناء، ولما فرغت الحسناء تناول العود واندفع يُغنِّي ويضرب بأصابع ما كانت لِتُحْسِن إلا تحريك السيف في ميدان القتال:

    إن الليالي والأيام قد حلفت أن لا تخون ولا تغري بنا النوبا

    أنَّى لنا ولك الصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها أربا؟!

    هذا ما نتمناه. وما فرغ الفتى من غنائه حتى أعلنت نواقيسُ البِيَع أن قُضِيَ من المساء عشر ساعات، وأخذ كل شيء في المدينة يقتضي نصيبه من الهدوء.

    استودعتُكِ اللهَ أيتها الحبيبة، استودعتُكِ الله يا زنتا. بعدًا للرقباء! ولكن لا تحزني فعمَّا قليل يجمعنا الليل بعد أن كان يُفَرِّقنا.

    أناتَكَ يا جنار، تمهَّلْ ريثما أملأ عيني منك. تقول ذلك وقد مدَّتْ إليه ذراعيها وعانقته طويلًا، وتلألأ في عينها دمعتان كاللؤلؤ الرطب، وهي تقول: لقد أخشى أن لا أراك بعد الآن. وبعد حين انفصل المتعانقان، وقالت بصوت هادئ: الآن تستطيع أن تمضي في ذمة الله؛ فقد حلَّ قلبي شخصك، امضِ يا جنار نَمْ ملء جفنيك، احلم إذا أردتَ بما تشاء، أنت أنا.

    مضى وأمانيه إليه لذيذة وأسلمها للهم والحسراتِ

    تعاني جوى الحب القديم وتصطلي لظى جمرات منه مشتعلاتِ

    فنام وما ذاقت من النوم والكرى سوى عبرات تقتضي زفراتِ

    أفاق من نومه مذعورًا وقد مضى من المساء ساعات أربع، ما الذي أيقظني الآن ولم أنل نصيبي من الراحة؟! لقد كنت مستغرقًا في نوم لذيذ تتخلله أحلام جميلة، لقد كنت سعيدًا في جوار حبيبتي.

    تنفَّسَ فإذا الهواء مليء برائحة الكبريت، أطَلَّ من النافذة فإذا النجوم متغورة وإذا الجو مكفهر، تبيَّنَ البحر فإذا بوادر الثورة قد بدرت منه وكأنه يتحفز للوثبة؛ فوقف حائرًا يعبث بقلبه الخوف، ثم استرجع حوادث أمسه فذكر حزن حبيبته، وعلم أنها كانت تنبأ بحق وما هي إلا أن سمع كأن انفجارًا عظيمًا في جوف الأرض.

    إنه الزلزال، يَجِب أن أنقذ حبيبتي، يجب أن أخلص زنتا. فأسرع في لبس ثيابه، وإذا بهزة عظيمة عَرَتْه وعملت حتى أطراف أصابعه، اختطف رداءً خفيفًا اشتمل به، وخرج عَدْوًا إلى بيت حبيبته، وكان على مسافة من بيته، فلما توسَّطَ الطريق أخذته رجَّة عظيمة ألقته على ظهره وأخذه الدوار.

    فتح عينيه، فإذا أبنية المدينة ترقص رقصًا محزنًا وسمع أمواج البحر تلتطم كأنها موسيقى الجنائز، إلا أن هذه تشيع ميتًا واحدًا، وتلك كانت تندب مدينة بأسرها.

    يا للطبيعة تجني وتتألم في وقت واحد! هَمَّ الفتى بالقيام فأعاقته صخرة ضخمة سقطت على صدره، فرضَّتْه وكسرت له ضلعين وأسلمته إلى الإغماء، ثم رنَّ في أذنيه صوت حبيبته تستغيث، فأفاق والدم يتدفق من فِيه وعالج الصخرة حتى زحزحها عن صدره، ثم عدا فاقد الشعور إلى بيت حبيبته، وبعد جهد ما وصل إليه فتسوَّرَ الحديقة، وإذا البيت قد تهدَّم نِصْفُه والنصف الآخر يتداعى، ولولا غشاء
    الدوار على عينيه لدلَّتْه على مكان حبيبته ذوائبُ ذهبية تعبث بها نسمات الصباح، ولكنه جاهد حتى دخل حجرة نومها؛ فإذا السرير منكس، وإذا أجزاء السراج متناثرة في أنحاء الغرفة، فكر إلى الطنف وفيه رأى الحسناء قد سقطت مثنية إلى جانب الإفريز، وأسلمت ذوائبها الصفر للنسيم، فخلع رداءه وألقاه عليها، ثم ابتدأ يتسمع خفقان القلب، فإذا قد وقفت دقاته، وإذ ذاك علقت بقلبه سهام اليأس؛ فأخرج من فمه صيحة يحملها الدم المتدفق وخرَّ إلى جانبها صريعًا ثلاثة أيام على هذه الحال.

    وفي صباح اليوم الرابع، أَلْقَتِ السفن مراسيها على شاطئ المدينة الدائرة ودوَّتْ في الفضاء مدافعُ الحزن على الإنسانية؛ فأفاق الفتى على أصوات القنابل ودوي المدافع: مكانَك يا جنار، ليست هذه مدافع العدو إنما هي مدافع أبناء الإنسان جاءوا لنصرة إخوانهم. نظر فلم يَرَ إلا سباع الطير تنهش لحم الإنسان، تنفَّسَ فكاد يخنقه نتن الجِيَف.

    وبعد حين، سمع أصوات الناس فصاح بصَوْتٍ خافت: الغوث الغوث، الإعانة الإعانة! فما هي إلا أن نُصِبَ سُلَّم رَقَتْ عليه الحسناءُ تخاطر بحياتها ولا تبالي بما ستلقاه، رَقَتْ مُسْرِعة نَشِطة، فلم تَكَدْ ترى مصرع الحبيبين حتى انكسر قلبها حزنًا على ابن الشعب وحامي حماه، أمَّا هو فلم يكد يرى حسناء تحمل حقيبة صغيرة لها قفل من الذهب حتى عرفها.

    أجل؛ عرف ولية نعمته، عرف ربَّة التاج، عرف مَلِكة إيطاليا التي طالما شاهَدَها مع مولاه الملك في أعياد رومية؛ فأهدى إليها كلمة الشكر ودَنَتْ منه بشيء من الأدوية المسعفة، ولكن ماذا ينفع الدواء إن الفتى قد عاد إلى غشيته؟!

    جَفَتْ وبها من داخل القلب لوعة وللعين دمع وَاكِف العَبَراتِ

    تصلي بنسك للإله ولم يكن ليرجع نسك ميتًا لحياةِ

    جَثَتْ ربَّة التاج إلى جانبه حزينة منتحبة تقول الصوت تقطعه العَبْرة: يا لله! حبيبان يحملهما الموت على جناح واحد!

    انظري أيتها الملكة الشفيقة، إن الفتى قد ذهبت بعقله غمرات الموت؛ فهو ينظر متلهفًا يظنك حبيبته، اسمعي إنه يدعوك بصوت خافت: عانقيني أيتها الحبيبة عانقيني بازنتا، إنني سأموت الآن!
    مالتْ إليه ربةُ التاج، فأغمضت عينيه بقُبْلَتَيْن طاهرتين وعانقته طويلًا، وإن على شفتيه لابتسامة خفيفة، وهو يقول: لقد كنت أوقن بأنك حية.

    في ذمة الله أيها الحبيبان، ولك الثناء الطيب أيتها المَلِكة.