Tag: Religious Discourse

  • حق الخطأ (١)

    حق الخطأ (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٦ يونيو ١٩٥٥

    وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.

    أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.

    فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).

    والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.

    والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ‌حْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ‌ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).

    بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.

    وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.

    فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!

    كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.

    وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

    وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.

    أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!

    أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!

    وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟

    وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.

    ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.

    كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.

    تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.

    من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟

    ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.

    نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.

    كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.

  • نعم واجب …

    نعم واجب …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٢ أكتوبر ١٩٥٤

    لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أصدَقُ الشكر وأجمله على مقاله القيِّم الذي قرأته اليوم في الجمهورية، عن نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. ولفضيلته كذلك أصدقُ الشكر وأجمله على ما تفضَّل به من ثناء، وما وجه إليَّ من دعاء … وأحب أن يطمئن الأستاذ الجليل إلى أني حريص أشدَّ الحرص على أن أكون عند ما يحب من معونته حسب طاقتي على ما يحاول من تَبْيِين حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب جميعًا … ولكني أعود بعد ذلك إلى الموضوع الذي كتبت فيه منذ حين، والذي أثار الأستاذ الجليل إليَّ الكتابة فيه اليوم، وهو ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.

    فقد يظهر أن فضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني على أن هذه الترجمة واجبة لا ينبغي التقصير في أدائها، ويوافقني كذلك على أن الأزهر قد فكر في هذه الترجمة وأطال فيها التفكير، وتحدَّث عنها وأكثر فيها الحديث منذ عشرين عامًا، ولكنه على ذلك لم يصنع شيئًا، بل لم يأخذ في هذه الترجمة، ولم يتمَّ منها لا قليلًا أو كثيرًا.

    وكنت أظن أن الأزهر في هذا العهد الجديد سيستأنف التفكير الجاد المنتج في هذا الواجب الخطير، ويأخذ في أدائه دون إرجاء له أو إبطاء فيه، مكتفيًا بما ضاع من الوقت في التفكير والحديث أثناء هذه السنين الطوال …

    ولست أدري أمخطئ أنا في فهم الذي نشرته الأهرام للأستاذ الأكبر منذ أسابيع بهذا العنوان الذي لم ينكره الأستاذ الأكبر، ولم ينكره أحد من الأزهريين، وهو إرجاء ترجمة معاني القرآن للغات الأجنبية «مشروع جديد لمشيخة الأزهر للتعريف بأحكام الإسلام ومبادئه».

    رجال الدين مسئولون أمام «الضمير» الإنساني عن سلامة العالم، وهذا العنوان وحده يصور حديث الأستاذ الأكبر تصويرًا دقيقًا، كما أنه يصور المقال الذي نشرته الجمهورية له صباح اليوم؛ ففضيلته يرى في صراحة صريحة أن الغاية التي يقصد إليها من ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، إنما هي تعريف حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب، تعريفًا صحيحًا صادقًا لا لبس فيه ولا غموض ولا التواء …

    والأستاذ الأكبر يرى الإسراع إلى تحقيق هذه الغاية بوضع الكتب والرسائل التي تعرض حقائق الإسلام وأصوله، وترجمة هذه الكتب والرسائل إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ولا يتحدث عن الأخذ في ترجمة معاني القرآن نفسه اليوم أو غدًا أو بعد غد، وأخشى أن يُكتفى بوضع هذه الكتب وترجمتها وإذاعتها ويُستغنى بذلك عن الموضوع الذي أُلِحُّ فيه أشدَّ الإلحاح، وهو ترجمة معاني القرآن نفسه ترجمة دقيقة صادقة يمكن أن يثق الناس بها، ويطمئنوا إليها، ويعلموا أنها هي التي تصور فهم أعلام الإسلام للقرآن الكريم.

    فهناك فرق واضح أشدَّ الوضوح بين كتاب يقدم إلى الناس على أنه ترجمة لمعاني القرآن قد أقرها رجال الدين وأطبقوا على إقرارها، ولم يروا فيها عوجًا ولا انحرافًا عما ينبغي أن يفهم من نصوص الذكر الحكيم، وبين كتاب يقدم للناس على أنه عرض لهذه الحقيقة أو تلك من حقائق الإسلام قد ألفه هذا الأستاذ أو ذاك من أساتذة الأزهر الشريف أو من غيرهم.

    وما أكثر الكتب التي ألَّفَها المستشرقون عن الإسلام، والتي يستقيم بعضها؛ لأنه يصدر عن الإخلاص في حب العلم، والصدق في عرضه على الناس، وتجنب الهوى والتعصب، وحُسن العلم بالتراث الإسلامي، وينحرف بعضها عن الجادة لتأثُّر المؤلف بالهوى أو لقصوره عن فهم هذا النص أو ذاك من النصوص الإسلامية على اختلافها.

    وقُرَّاء العربية يعرفون بعض هذه الكتب؛ لأنها نقلت إلى لغتهم في عصور مختلفة وبأقلام مختلفة أيضًا، والذين يحسنون اللغات الأجنبية يقرءون كثيرًا من هذه الكتب في اللغات التي أُلِّفَتْ فيها أو نقلت إليها، فيعرفون وينكرون، ويرضون ويسخطون.

    ولست أرى بأسًا — كما قلت في الحديث الماضي — بأن يشارك الأزهريون في تأليف بعض هذه الكتب والرسائل، بل أنا أرى في ذلك الخير كلَّ الخير، وأتمنى أن يُسرع الأزهريون إليه، وأرجو أن تكون لي في بعضه مشاركة. ولكن هذا شيء والموضوع الذي أُلِحُّ فيه وأراه واجبًا لا يحتمل إرجاءً ولا إبطاءً شيء آخر.

    فأنا أريد ألا يرجئ الأزهر نقل معاني القرآن نفسه إلى اللغات الأجنبية الحية أكثر مما أرجأه إلى الآن؛ ذلك أن الناس في العالم الغربي كثيرًا ما يحرصون على قراءة الكتب المقدسة نفسها في لغاتهم التي يتكلمونها أو في اللغات الأجنبية التي يحسنونها، وهم يقرءون التوراة والإنجيل ويقرءون كتبًا أخرى تقدسها شعوب لا تؤمن بالكتب السماوية، يدفعهم إلى هذا الحرص حبهم للعلم، ورغبتهم في المعرفة، وطموحهم إلى فقه الشئون الدينية مهما يكن مصدرها. وهم يقرءون تراجم كثيرة للقرآن نشرت منذ أواخر القرون الوسطى، وما زال بعضها ينشر في هذه الأيام. وكان آخر ما وصل إليَّ منها ترجمة فرنسية نشرت بعد الحرب العالمية الثانية للأستاذ الفرنسي رجيس بلاشير أستاذ اللغة العربية بالسوربون.

    وأصحاب هذه التراجم المختلفة يحملون تبعاتهم بالطبع، وهي تبعات ثقال في أكثر الأحيان، والشيء الذي أقطع به هو أن هذه التراجم لا تقع في نفوس المسلمين المتقنين لعلوم الإسلام مواقع الرضا؛ لأنها تنحرف عن الجادة من هذه الناحية أو من تلك، بعضها يخطئ الفهم ويخطئ الأداء، وبعضها ينحرف عن السنة الموروثة في ترتيب القرآن، ويحدث اضطرابًا شديدًا في نفوس الذين يقرءونه، ولن يستطيع الأجانب أن يفهموا هذا الموقف الغريب الذي يقفه المسلمون من كتابهم المقدس الكريم، فلا يترجمون معانيه لهم، ولا يقدِّمون إليهم منه صورة يمكن أن يطمئنُّوا إليها ويثقوا بها، على حين تقدم إليهم التراجم المختلفة للتوراة والإنجيل، وكل ما يتصل بالتوراة والإنجيل من المباحث والشروح.

    والمثل الذي ضربته في الحديث الماضي ليس إلا شيئًا قليلًا من أشياء كثيرة لا أحبُّ أن أعرض لها الآن كما لم يحب الأستاذ الأكبر أن يعرض لها الآن، لا أريد أن أُثِير خصومة قوية أو ضعيفة بين المسلمين وغير المسلمين، وإنما أريد أن ينهض المسلمون بهذا الواجب الذي نهض به كثير من غير المسلمين يخلص أكثرهم وينحرف قليل منهم عن الإخلاص، ويتورط أولئك وهؤلاء في الخطأ الذي لا ينفع أحدًا، والذي يسوء الإسلام ويسوء المسلمين عن عمد وعن غير عمد. والإسلام دين يتجه إلى الناس كافة لا إلى العرب منهم خاصة، وليس من الطبيعي ولا من الممكن أن نفرض على الناس أن يقرءوا القرآن في نصه العربي إذا أرادوا أن يعرفوه؛ لأن هذا تكليف بالمحال كما يقول الأزهريون.

    فلا أقلَّ من أن يُفَسَّر لهم القرآن بنقل معانيه إلى لغاتهم؛ لنتيح لهم ما يريدون من ذلك دون أن يجدوا في ذلك مشقة أو عسرًا، ودون أن يتعرَّضوا في ذلك للخطأ أو الجهل أو التحريف.

    وفضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني فيما أظن على أن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ليس مستحيلًا ولا ممتنعًا، وعسى ألا يكون من العسر بحيث يظن المتحرجون.

    فأنا لا أريد أن أنقل إلى اللغات الأجنبية ما في بيان القرآن من روعة وإعجاز، وإنما أريد أن أعطي الأجانب من القرآن الكريم صورة صادقة تؤدي إليهم معانيه، وإن لم تؤدِّ إليهم روعة النظم وجمال اللفظ وبراعة الأسلوب.

    وفي معاني القرآن نفسها من الروعة والبراعة ما يؤثِّر في القلوب الإنسانية أعظم الأثر وأقواه، وما لا يدرك كله لا يترك جله، كما كان يقال لنا في الأزهر أيام الشباب، وكما يقال لطلاب الأزهر الآن فيما أظن، وما أريد أن يظن فضيلة الأستاذ الأكبر أني قصدت أن أسوء الأزهر من قريب أو من بعيد … فأنا أعرف للأزهر حقه عليَّ، وأحاول أن أؤدي إليه بعض هذا الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا،، ومن أداء حق الأزهر عليَّ أن أذكِّره بالواجب وأدعوه إلى أدائه وأُلِحَّ عليه في هذا التذكير والدعاء.

    فالله يأمرنا أن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف ونذكر الواجب، والأزهر هو الذي علمنا أن الله يأمرنا بهذا كله، فنحن حين نطلب إليه أداء هذا الواجب الخطير في غير إرجاء ولا إبطاء ولا تريث إنما ندله على أننا استمعنا له فأحسنا الاستماع، ودرسنا فيه فأحسنا الانتفاع بما تلقينا من الدروس.

    أما بعد؛ فإني أرجو أن يتفضل الأستاذ الأكبر فيُعنى أشدَّ العناية وأقواها وأصدقها بنقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وبتأليف ما يجب تأليفه من الكتب والرسائل التي تبيِّن حقائق الإسلام للناس؛ فالاستكثار من الخير مرغوب فيه دائمًا مدعوٌّ إليه دائمًا، وفي الأزهر والحمد لله قدرة على النهوض بهذين الأمرين جميعًا، ومن حول الأزهر من المسلمين القادرين على معونته من يستجيبون له إذا دعا ويعينونه إذا احتاج إلى العون. ولا يغضبِ الأستاذ الأكبر من هذه الجملة التي رأى فيها قسوة على معهدنا العظيم، فهو يذكر من غير شك أن من القسوة ما ينفع، وهو يذكر كذلك من غير شك أن قد أتى على الأزهر حين من الدهر كان بعض شيوخه يحرجون على غير الأزهريين أن يخوضوا في حديث الدين من قريب أو بعيد، ويرون ذلك مقصورًا عليهم من دون الناس.

    وليس أحب إليَّ ولا أحسن في نفسي موقعًا من أن يكون هذا العهد قد انقضى، ومن أن يعود الأزهر الشريف إلى سماحته الأولى، فيعمل الخير ويُذِيعه ويدعو الناس إلى المشاركة فيه.

    فتلك مهمة الأزهر التي طالما دعوناه إلى أن يخلص لها نفسه وجهده ووقته ونشاطه كله، وأي شيء أحسن موقعًا في نفوس المسلمين من أن يروا الأزهر قد أقبل على واجبه يؤديه أصدقَ الأداء؟