حديث اليوم: بلاغ
طه حسين
جريدة السياسة
٢٧ يوليو ١٩٣٢
بلاغ أذاعته إدارة الأمن العام في الناس عن مصادرة تاريخ بغداد، أقل ما يوصف به أنه لا يدل على سعة في العقل، ولا استقامة في التفكير، ولا علم بالحقائق الواقعة في هذا البلد، ولا عناية بالحرية، ولا احترام للقانون والدستور. وقد كنت أحسب أن ضيق العقل واعوجاج التفكير حلية قصرها الله على وزارة المعارف منذ جعل أمورها إلى وزير التقاليد، وإلى عبد الفتاح باشا صبري، فإذا نحن نستكشف اليوم أن الله قد طوق بهذه الحلية جيد وزارة الداخلية، وإن كانت أمور هذه الوزارة إلى أكفأ المصريين جميعًا، وأذكاهم جميعًا، وأبرعهم جميعًا، في القول والعمل، وفي النوم واليقظة، وفي الرحيل والمقام: صدقي باشا.
نعم، إن أمر هذا البلاغ غريب مضحك محزن في وقت واحد. غريب لأن إدارة الأمن العام التي أصدرته قد علمت في آخر لحظة أن كتابًا يطبع عنوانه «تاريخ بغداد»، وكان قد طُبع من هذا الكتاب اثنا عشر مجلدًا ضخمًا في سنتين كاملتين. ومن المحقق أن إدارة الأمن العام كانت تجهل الكِتاب وتجهل صاحبه، وتجهل أن أحدًا يفكر في نشره أو إذاعته، وكانت مشغولة عن ذلك بما هو أجل خطرًا: كانت مشغولة بمراقبة الأمن واستقرار النظام، والاحتياط لانتقال المعارضين من مدينة إلى مدينة في القطر، ومن مكان إلى مكان في القاهرة.
وهي كانت موفقة في جهلها كتاب البغدادي؛ فليس من شأنها أن تُعنى بالكتب التي تُنشَر في العلم، ولكن ساعيًا سعى بالكتاب وناشره إلى شيخ الأزهر، وإدارة الأمن العام مُسخَّرة في هذه الأيام لشيخ الأزهر، فلم يكد يقول الشيخ حتى اضطربت الإدارة وصودر الكتاب ليتصفحه رجال الأمن العام، وقد تصفحوه في ساعة أو نصف ساعة، وأنا أؤكد لك أنهم لم يفعلوا؛ فإن هذا الكتاب لا يُتصفَّح في يوم ولا في أيام، ولا يستطيع أن يقضي فيه شيخ الأزهر ولا رجال الأمن العام، وإنما أمر الشيخ فأذعنت الإدارة، وظُلم الكتاب ومؤلفه وناشره وقُرَّاؤه والعلم كله، وفُضِحت مصر، وعرف الشرق والغرب أن في مصر مراقبة لا تقف عند الصحف والتمثيل والسينما، ولكنها تمتد إلى كتب العلم الخالص التي أُلِّفت وشُغف بها المسلمون وعُدت من كنوزهم الخالدة منذ تسعة قرون.
نعم، كان هذا كله بأمر من شيخ الأزهر، وطاعة من إدارة الأمن العام عن غير فهم ولا تحقيق ولا نظر دقيق في الكتاب. ولولا أني أكره أن تعود إدارة الأمن العام فتقترف إثمها مرة أخرى بأمر الشيخ الورع الصالح، وتعتدي مرة أخرى على الحرية والدستور والقانون، في ظل حكومة الحرية والدستور والقانون؛ لأظهرت لها مواضع في الكتاب لا يرضى عنها الشيخ، ولكن ما لي ولهذا وأنا حريص على أن يبقى الكتاب، وعلى أن يتم نشره دون أن يصيبه حذف أو مسخ، ولكن ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين، والعلم فوق الحرية والدستور والقانون، وجعلت إدارة الأمن العام وشرطة الدولة وجندها لعبة في يد هذا البابا الجديد، فمن الحق على هذا البابا ألا يحكم رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم ويتبصر.
وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين، والتي يجب أن تصادر لأن بعضها يمس أبا حنيفة، وبعضها يمس القرآن، وبعضها يمس الحديث. وهي تطبع بين سمع الشيخ وبصره، وسيتم طبعها، وسيعجز الشيخ عن مصادرتها؛ لأن الذين ينشرونها ليسوا مصريين ولا شرقيين، ولكنهم أوروبيون تحميهم الامتيازات، وهم يأبون أن يدينوا لبابا الإسلام بعد أن أفلتوا من بابا المسيحية. ستطبع هذه الكتب، وستُرسل إلى أوروبا، وستنشر في أطراف الأرض شرقًا وغربًا، وسيحظر الشيخ قراءتها على المصريين وحدهم، ولكنهم سيقرءونها رغم الشيخ، إلا أن تطلق يده فيأمر بتفتيش الدور والبيوت الخاصة، ويأذن للشرطة أن تقف المارة وتسألهم عما في أيديهم من كتب، وما في حقائبهم وجيوبهم من أوراق؛ ويومئذ يعلم الشيخ وأنصاره إلى أين ينتهي بهم الطغيان.
تضيق عمامة الشيخ إذن بهذه الكتب، فمن الحق عليه أن ينشئ مكتبًا خاصًّا لمراقبة العلم، وأن يحشد في هذا المكتب عددًا ضخمًا من الشيوخ يرزقهم من أموال الدولة ليحموا دين الدولة ومذهب الدولة من عدوان العلم والعلماء عليهما.
غريب بلاغ إدارة الأمن العام ومضحك أيضًا؛ فقد استكشفت إدارة الأمن العام أمس أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه، ثم ينكر الناس على المصريين أنهم أذكياء، وأنهم بارعون، وأنهم مستكشفون، وأين يقع استكشاف حسنين بك للصحراء من استكشاف إدارة الأمن العام والرياسة الدينية العليا مذهب دولتنا الرسمي في الفقه؟
نعم، يقال إن دولتنا ليس لها مذهب رسمي في الفقه؛ وإنما هي بقية من حكم الترك، ويقال إننا منذ زمن طويل فكرنا في أن يكون تشريعنا الفقهي معتمدًا على المذاهب الأربعة، ويقال إن السلطان حسينًا — رحمه الله — قد تقدم في ذلك وأمر به، ويقال إننا خطونا في هذا السبيل خطوات قصارًا أو طوالًا، ويقال إن كثرة المصريين ليست حنفية المذهب، وإنما هي مقسمة بين مذهب مالك والشافعي — رحمهما الله. كل هذا يقال، ولكن الذين يقولونه هم العلماء الذين يكرههم الشيخ، وتخافهم إدارة الأمن العام؛ وإذن فقولهم يجب أن يُكذَّب، ويجب أن يصادر، ويجب أن يُعرف أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه هو مذهب أبي حنيفة، كما أن لها دينًا رسميًّا هو الإسلام.
وإذن فتعالوا أيها المالكية، تعالوا أيها الشافعية، تعالوا أيها الحنابلة، تعالوا أيها المجتهدون، تعالوا ننظم شئوننا وندبر أمورنا؛ فقد أصبحنا قلة في الفقه، كما أن المسيحيين واليهود قلة في الدين، تعالوا ننظم شئوننا الفقهية ونطلب إلى الدولة أن تحمينا كما نظم المسيحيون واليهود أمورهم الدينية وطلبوا إلى الدولة أن تحميهم فحمتهم.
بأي عقل يفكر الشيخ وتفكر معه إدارة الأمن العام؟ ماذا كانا يصنعان لو أن الخطيب نقد الشافعي أو مالكًا أو ابن حنبل؟ أكانا يصادران الكتاب؟ لا؛ لأن مذاهب هؤلاء الأئمة — رحمهم الله — ليست مذاهب رسمية للدولة، وإن كانت مذاهب للأمة المصرية، وإن كان أصحابها أئمة في الدين لهم من الحرمة والجلال مثل ما لأبي حنيفة؛ فالمسألة إذن مسألة الدولة. هي مسألة سياسية، إذن يجب أن يكون في الأمر سر، أو أن يكون بلاغ إدارة الأمن العام سخيفًا يدل على التورط والاضطراب.
وقد ذكرت للشيخ ولإدارة الأمن العام كتاب نهج البلاغة، وفيه ذم قبيح لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية — رضي الله عنهم — فلم يأمر الشيخ بمصادرته، لماذا؟ لأن هؤلاء الخلفاء لا يتصلون بالدولة ولا بمذهبها الرسمي، ومع ذلك فهم أئمة الإسلام وأصحاب النبي، والمسلمون جميعًا يكبرونهم إلا جماعة من الشيعة. أفتراهم أهون على الشيخ من أبي حنيفة؟ رحم الله أبا حنيفة، إنه لمظلوم، وإن الشيخ ليسيء إليه ويعتدي على حرمته ومكانته حين يتخذ اسمه ومذهبه وسيلة للظلم.
لم يكن أبو حنيفة — رحمه الله — جبانًا ولا ضعيفًا، ولم يكن يشفق من النقد، ولم يكن يخاف السلطان ولا يحفل به؛ وإنما كان رجلًا شجاعًا مستقل الرأي، يُعلِّم مذهبه في مسجد الكوفة، ويصبر لنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين. ولقد أراده ابن هبيرة على القضاء فأبى عليه، وأراده العباسيون على القضاء فأبى عليهم، ولقي من الأمويين والعباسيين مشقة وظلمًا، فلم يحفل بأولئك ولا هؤلاء. كان أيام الأمويين معارضًا هاشمي الهوى، وكان أيام العباسيين معارضًا علوي الميل، وكان مع هذا كله لا يرى رأي الشيعة، وإنما يرى رأي المرجئة، أفمثل هذا الرجل يحتاج إلى الشيخ الظواهري ليحميه من نقدٍ نُشر في كتاب؟ إنما يشفق من النقد ويتقيه بالشرطة وسلطان الدولة أمثال الشيخ الظواهري، من هؤلاء الذين لا يحسون ثقة بأنفسهم، فهم يحتاجون دائمًا إلى من يتكئون عليه، فأما أبو حنيفة وأضرابه من أئمة المسلمين فهم أعلى قدرًا، وأكرم أنفسًا، وأعز جانبًا من أن يحتاجوا إلى حماية هذا الشيخ أو إدارة الأمن العام.
وبلاغ إدارة الأمن العام محزن أيضًا؛ فقد أرادت أن تصلح ظلمًا فتورطت في ظلم شر منه، أرادت أن تنفي مصادرة الكتاب، فأعلنت أنها اتفقت مع الناشر كتابةً على حذف جزء وبعض جزء من الكتاب، وأنبأتنا الأهرام أن الاتفاق تم بين الناشر والشيخ في الإسكندرية، ثم أمضته إدارة الأمن العام، وأذعنت له ونسبته لنفسها في بلاغها الرسمي، كأنها تجعل شيخ الأزهر فوق التبعات، أو كأنها تنتحل لنفسها من الفهم والفقه ما ليس لها.
وإدارة الأمن العام تعتقد أن حذف ما حذفته من الكتاب بأمر الشيخ أخف من مصادرته، وهذا دليل جديد على حظ إدارة الأمن العام والشيخ من سعة العقل واستقامة التفكير؛ فكل رجل واسع العقل، مستقيم التفكير، معتدل الذوق، يوافقنا على أن مصادرة الكتاب وإخفاءه كله أهون من مسخه وتشويهه. وليس هناك فرق أمام الأخلاق، وأمام الذوق، وأمام القانون، وأمام العدل الطبيعي بين من يعتدي علي فيسرق مني أو يغصب درهمًا، ومن يعتدي عليَّ فيسرق أو يغصب كل ما أملك.
ذلك أن السرقة والغصب هما السرقة والغصب قلَّ المسروق والمغصوب أو كثر. فكيف إذا أضيف إلى هذا الغصب حذف وبتر ومسخ وتشويه؟ كلا، إن اعتداء الشيخ وإدارة الأمن العام قائم، وظلمهما صارخ، وما زال العلم يطلب منصفًا ومجيرًا، وإذا لم يجد العلم منصفًا ولا مجيرًا من الحكومة، فسيجد منصفًا ومجيرًا من العلماء آخر الأمر. وأنا أتحدى الشيخ، وأتحدى إدارة الأمن العام، وأتحدى ناشر الكتاب أيضًا، وأعلن إليهم جميعًا في صراحة وحزم، أن هذا الجزء الذي حذف من الكتاب ظلمًا وعدوانًا، وتجنيًا على العلم، سينشر، وسينشر في مصر، وستنشره أيد مصرية؛ لأن الدستور والقانون وأصول العدل الطبيعي، كل أولئك يبيح نشره. نعم، سينشر في مصر بأيد مصرية، وستصادره إدارة الأمن العام، ولكن إدارة الأمن العام يومئذ ستؤدي حسابًا عن هذه المصادرة أمام القضاء.
أعرف أن في مصر ظلمًا، وهذا شيء لا شك فيه، ولكني أعرف أيضًا أن في مصر عدلًا، وأن أنصار هذا العدل إن أذعنوا للحكومة فيما يتصل بالسياسة والإدارة، فلن يذعنوا لها في ظلم العلم. وإذا كانت الحكومة لا تحفل بمعارضة السياسيين، فإني أنصح لها أن تحذر مقاومة العلماء؛ فإنها أشد خطرًا، وأبعد أثرًا، وأبقى على الزمان مما يُقدِّر الظالمون.
وبعدُ، فهل من الحق أن الكتاب قد صودر دفاعًا عن أبي حنيفة وعن مذهب الدولة الرسمي في الفقه كما تقول إدارة الأمن العام؟ إن في مصر ألسنة تلهج بغير هذا، وقومًا يزعمون أن أبا حنيفة — رحمه الله — قد اتخذ دريئة وستارًا؛ وأن أبوابًا أخرى في الكتاب وآراء وأحاديث وآثارًا هي التي دعت إلى هذه المصادرة.
فلما كتبت الصحف واشتدت في الكتابة، وأوشك الأمر أن يفتضح تُرك الكتاب، وحذف ما حذف منه سترًا لموقف سيئ وظلم قبيح. في مصر ألسنة تلهج بهذا الكلام، وقوم يذيعونه ويؤكدونه، ولست أدري أصحيح هو أم غير صحيح، ولكني أعلم أن علماء الدين كان ينبغي أن يكون حبهم لأبي حنيفة أطهر وأكرم من هذا.
ومهما يكن من شيء، فإن تصرف الشيخ وإدارة الأمن العام قد أعلن أمر هذا الكتاب أحسن إعلان، وخدم الخطيب البغدادي أحسن خدمة، وأصبح من الحق أن يعرف الناس هذا الكتاب، وأن يوجز لهم ما فيه مما حذفته الحكومة وما لم تحذفه، ومن هذه الفصول التي يلهج بها اللاهجون. ولعلي أوفق في وقت قريب إلى أن أوجز للقراء هذا كله، إلا أن تغضب إدارة الأمن العام فترسل الجند والشرطة لينزعوا الكتاب مني انتزاعًا.
Tag: Religious Dogma
-
منصب الرسالة
منصب الرسالة
طه حسين
مجلة الهداية
يناير ١٩١٠
نكتب اليوم في هذا الموضوع؛ لنوضح مسألتين دينيتين جهلهما عامة المسلمين، وغلا فيهما فريق من أولئك الأدعياء للدين الواغلين فيه؛ خداعًا لهم وتضليلًا حتى كادوا يفتتنون الناس في دينهم، وحتى كاد جهل أولئك وغلو هؤلاء يوردانهم من الدين آجنًا ويسقيانهم من صفوه رنقًا، ويشرفان بهم على أن يشركوا بالله عز وجل من لا يملك لهم من النفع والضر ولا من الخير والشر قليلًا ولا كثيرًا.
هاتان المسألتان هما: ما هو منصب النبي ﷺ؟ وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فلقد زعم أولئك الغلاة المفسدون أن النبي ﷺ يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء؛ فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة وكل ما تمس إليه حاجة الإنسان في أولاه وأخراه، وهو بكل ذلك عالم وفيه مبرز لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم. تعاليت اللهم وتقدست أسماؤك وجلت عظمتك عن الند والشريك من أمثال هذه المقالة الفاحشة التي يذيعها في العامة صفاق الوجوه وغلف القلوب في تقديس الأشخاص ورفعهم إلى منزلة الإله!
مُني الاجتماع الإنساني برذيلتين قبيحتين هما مصدر الشرور والآثام؛ إحداهما: رذيلة الإشراك بالله، والثانية: رذيلة الاستبداد في الملك؛ فإنك مهما أضنيت نفسك في البحث والتنقيب لم تجد علة لامتياز فرد من الناس بالألوهية أو الملك الاستبدادي إلا ما ينتحله له أولئك الغلاة الجاحدون من الصفات والألقاب التي هي بالله عز وجل أحق منها بمن أصله الماء والطين.
فنحن إذا شرحنا اليوم هاتين المسألتين وبينَّا العقيدة الإسلامية فيهما ودعونا المسلمين إلى الاستمساك بأسبابها القوية وعراها المتينة؛ فإنما ندعوهم إلى ما ندبهم إليه محمد ﷺ من الإيمان بأن لا سلطان إلا لله وحده، وأن لا شريك للأمة بعد الله في حقوقها.
قضت إرادة الله عز وجل أن يخلق الإنسان مجتمعًا مدنيًّا بالطبع مستعدًّا للرقي والسيادة على هذا العالم وما فيه، وأن يسلك هذه الحياة الدنيا طريقًا إلى حياة أخرى فيها الكمال التام والسعادة الدائمة، وقد علم سبحانه أن هذه الحياة طريق مظلمة قاتمة، فوهب الإنسان العقل وهو قبس من نوره — عز اسمه — ليهديه قصد السبيل ويرشده إلى الصراط المستقيم، يتعرف به مصالحه ويتبين به منافعه في هذه الحياة الدنيا؛ حتى يستقيم فيها أمره وتنتظم أحواله. وعلم أيضًا أن هذا المخلوق الضعيف لا ينال ذلك إلا بتمجيده والإذعان له والاهتداء بهديه. وأن هذا العقل أقصر من أن يكفل له تعرف المصالح الأخروية والمنافع الدينية على أكمل وجه وأحسنه فوهبه عقلًا آخر هو الرسل الذين والاهم الله عز وجل في الأمم وتابع بينهم في أجيال البشر.
هذا شيء لا يشك فيه ذو ملة، ولا يمتري فيه صاحب دين، ومنه نعلم علم اليقين أن عمل الرسل صلوات الله عليهم إنما هو هداية الناس في دينهم وتمهيد الأمور في حياتهم العامة؛ لينتهوا منها آمنين إلى الدار الأخرى، لكيلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد علم سبحانه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المبلغون عنه بحيث يستطيعون أن يُفهموا الناس دعوته ويشرحوا لهم رسالته ويقيموا عليهم حجته فاختار من كل أمة رسوله إليها.
بذلك مضت سنة الله في الأولين، حتى جاء محمد ﷺ؛ ليتمم للناس دينه ويكمل لهم شريعته، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الحجة، وأقام الدليل، ثم اختار له الله ما عنده فمضى إلى دار النعيم.
فإذا كان هذا هو عمل الرسل وتلك هي حكمة الله في إرسالهم، فلا شك أن العقل يجزم بأنه تجب لهم العصمة من الخطأ والكذب فيما يبلغونه عن الله سبحانه وتعالى حتى تكون دعوتهم حقًّا لا يشوبه باطل ويقينًا لا مجال للشك فيه.
بهذا يجزم العقل ولا يزيد عليه شيئًا؛ فأنت ترى أن عصمتهم محدودة عقلًا بحدود الوحي، وأن العقل لا يوجب لهم العصمة في غير ذلك، فهو لا يوجب عليهم أن يكونوا أطباء أو فلكيين أو رياضيين؛ لأنهم لم يبعثوا ليكونوا كذلك، وإنما بُعثوا ليكونوا مبشرين ومنذرين لمن آمن بالله أو كفر به، فأما في غير ذلك فليس بينهم وبين غيرهم من الناس فرق قليل ولا كثير.
فأما العلوم والحرف وغيرها من أمور الدنيا؛ فإنما السبيل إليها سعي العقل وكده؛ لأن الله عز وجل لم يهبنا العقل عبثًا ولم يخلقه لنا من غير حكمة، ولو كان من عمل الرسل أن يرشدونا إلى كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة ما كان للعقل فائدة ولا تثبت في خلقه حكمة. والله عز وجل مبرأ من العبث في أفعاله، وليس ذلك انتحالًا منَّا أو اختلاقًا، بل هو ما ذهب إليه أئمة المسلمين وجمهورهم؛ فإنهم لم يقرروا العصمة للأنبياء إلا من تعمد الكذب فيما دلَّت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وقد أجازوا عليهم الكذب سهوًا، وإن خالف في ذلك بعضهم وقرروا لهم العصمة من الكبيرة والكفر بعد الوحي، وإن خالف في ذلك الخوارج. على أن أهل السنة لم يعصموهم من الكبيرة إلا سمعًا، وأما عقلًا فقد أجازوها، ولهم في كل ذلك قبل الوحي خلاف كثير فمن شاء فليرجع إليه في كتب الكلام. وإذا كان مبلغ ما أوجبه العقل واتفق عليه أئمة المسلمين هو عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على أنهم صادقون فيه ومن الكفر والكبيرة بعد الوحي، وإذا كان العقل لا يهدي إلى أكثر من ذلك، فمن أين ننتحل للأنبياء أن يحيطوا بكل شيء علمًا؟! وليس هذا كل ما نقوله في هذا الموضوع، بل كثير من أئمة المسلمين في الكلام وأصول الفقه قد جوزوا على النبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام قبل نزول الوحي، وأن يخطئ في اجتهاده، قالوا: وقد وقع ذلك بالفعل ودل عليه كثير من آيات الكتاب الكريم، كقوله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ )، وأصل ذلك أنه ﷺ استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر؛ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية؛ لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم، ومال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر؛ فعاتبه الله في ذلك بالآية.
هذا حديث رواه مسلم وقصة ذكرها المؤرخون بلفظ أطول من هذا. نقول: ولو كان النبي ﷺ معصومًا عن الخطأ في كل شيء ناطقًا بالصواب والحق في كل شيء، ما جاز له أن يجتهد ولا أن يستشير؛ لأنه لا يخفى عليه الحق وليس فوق رأيه رأي ولا وقع منه الخطأ. لكن كل ذلك قد كان، وإذا لم يكفِ هذا لإقناع المعاندين المكابرين؛ فإن في قوله عز وجل: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ما يقطع ألسنة المبطلين ويحطم أقلام المضلين؛ فقد علم الله أن النبي ﷺ بشر يخطئ ويصيب، وأن العصمة التامة له وحده، وأن رأي الجماعة إذا لم ينزل الوحي أقرب من رأيه ﷺ إلى الحق، فأمره بالشورى، وعرف النبي من نفسه ذلك فائتمر، وكثيرًا ما كان يشاور أصحابه في المسائل الخاصة والعامة ويمضي برأيهم إلا أن ينزل وحي. وفي «صحيح البخاري» أنه ﷺ استشار عليًّا وأسامة بن زيد في أمر الإفك وعمل برأي أسامة حتى نزل الوحي فجلد القاذفين. وفي «صحيح البخاري» أيضًا أنه ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه به، فلما لبس لأمته واستعد للخروج أشاروا عليه بالمقام، فأبى ائتمارًا بقوله عز وجل: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، وقال لأصحابه: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله.» وقد عقد البخاري بابًا في «صحيحه» لما سُئل عنه ﷺ قبل الوحي فسكت أو قال: «لا أدري.» وقد روى في سكوته أحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ).
وصح على غير شرط البخاري أحاديث تدل على أن النبي ﷺ سُئل فقال: لا أدري. منها أن رجلًا سأله: أي البقاع أحسن؟ فقال: «لا أدري» (راجع «شرح البخاري» لابن حجر، والقسطلاني). ومن قرأ أخبار المغازي في كتب الحديث والسير عرف أن النبي ﷺ كثيرًا ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب ويعمل برأيهم، وفي قصة بدر من ذلك ما ينقع الغلة. وقد صح في غير واحد من كتب السنة قوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم.»
وقد عرف أصحاب النبي ﷺ منه ميله إلى المشورة؛ فكانوا يسألونه إذا همَّ بشيء: أوحي هو أم رأي؟ فإذا كان الرأي أشاروا عليه فاستمع لهم (راجع قصة بدر).
كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك ولا ينال منها الظن عند أي إنسان إلا إذا كفر بالله وجحد كتابه، وكلها يدل على أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا عن الخطأ إلا فيما يُبلِّغ عن الله عز وجل، وأنه ﷺ علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم، وأن الله عز وجل علم ذلك فأمره بالمشاورة. ولعل لقائل أن يقول: إن هذا يضع من قدر النبي ويغض منه! فنقول: كلا، وإنما الغلو في تقديسه وتمجيده والزيادة في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله هو الذي يحط قدره؛ لأنه كذب عليه وافتراء على الله، وأي شيء أحط لقدر الإنسان من مدحه بما ليس فيه، وقد قال الله عز وجل( : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )، فلم يجعل للنبي على الناس فضلًا إلا بالوحي والرسالة، وحسبك بذلك نعمة ليس فوقها مطمع لإنسان.
والآن وقد أطلنا في القول في غير ملل، وبلغنا ما نريده من إثبات ما ادعيناه، يجب أن نقف عند هذا الحد، وإنا لنرجو أن يكون في هذا القول هداية للضالين وإرشاد للجاهلين.