حديث الوادي
فتنة…
يقال أن فتنة أخرى يراد لها أن تثور، وإن محنة أخرى يراد لها أن تفرض على بعض المصريين في هذا الصيف كما ثارت في الصيف الماضي فتنة منكرة، وكما فرضت في الصيف الماضي محنة آثمة ما زال الناس في أعقابها إلى الآن.
ولعلك قرأت ما نشر في الوادي أمس من أبناء بورسعيد. جماعة من البهائيين ينشرون الدعوة لمذهبهم فيما يقال، ويسلكون إلى ذلك طرقا ملتوية، مموجة، ليس فيها اعتداء على أعراض الناس وليس فيها استغواء للأطفال، ولا اغراء للضعفاء، ولكن فيها عبثا بالقرآن الكريم، ومسخا لألفاظه المقدسة، وتحريفا لكلمه الذي يجب أن يرتفع عن التحريف. فهم فيما يقال يتلون قول الله تعالى «وأشرقت الأرض بنور ربها» ثم يزعمون أن الراء في ربها زائدة. ويتلون قوله عز وجل «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» يفتحون أفواههم حين ينطقون بباء الجر ليثبتوا أن القرآن قد بشر بالبهائية، وأشار إليها.
فهذا العدوان إن صح ينكره القانون، ويعاقب عليه لأن إباحة الحرية للناس محدودة بأن تظل هذه الحرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عدوانا وطغيانا وإهانة، وأي عدوان أو طغيان أو اهانة يشبه هذا العبث بنصوص القرآن فيما لا يحتمل تأويلا ولا تعليلا، ولا شبهة في أنه عبث منكر.
وأغرب من هذا ما نشر أمس في الوادي أيضا من أن رجلا من علماء المسلمين ووعاظهم في بورسعيد أبى أن يلقي الشر بالشر، وكره أن يواجه العبث بالعبث، وأنفذ أمر الله تعالى، فرد على الشر بالخير، وقاوم الفساد بالصلاح ودعا إلى الله بالتي هي أحسن، وحاول أن يعصم عامة المسلمين من أن يؤثر فيهم هذا الفساد. فإذا الإدارة تدعوه إليها، ثم تنهاه عن أن يمضي فيما بدأ، ويستمر في هذه الطريق التي سلكها وتأمره أن يكف عن إلقاء ما أخذ في إلقائه من المحاضرات. ومعنى هذا كله إن صح ما كتبه نائب بورسعيد إلى الوادي، أن بعض الناس لا يجد بأسا من أن يذيع البهائيون دعوتهم، ومن أن يتخذوا العبث بالقرآن، والتحريف لكلمه، والإفساد لألفاظه وسيلة إلى إذاعة هذه الدعوة، ولكنه يجد البأس كل البأس، والحرج كل الحرج في أن يقوم رجل من رجال الدين ليمحو هذا الشر، ويزيل هذا العبث، ويصلح هذا الفساد. فنحب أن نعلم من الذي أباح الإفساد للبهائيين الذين يفسدون في بورسعيد، وحرم الإصلاح على المسلمين الذين يريدون الإصلاح في بورسعيد؟ ونحب أن نعلم أين نص الدستور الذي يبيح حرية الرأي والدعوة إليه للبهائيين، ويحظر حرية الرأي والدفاع عنه على المسلمين؟ ونحب أن نعلم أين نص القانون الذي يجعل الإسلام غريبا في بلده، والذي يكف دين الدولة عن أن يدافع عن نفسه بالمعروف، والذي يسلط رجال الدولة ليمنعوا رجال دين الدولة من أن يحموا أعداء الدين ويحوطوه؟
إن وزير الداخلية خليق أن يفكر ويطيل التفكير، فليس لأحد من الناس منفعة في أن تثور بين الناس فتنة كالتي ثارت في العام الماضي، وليس ينبغي لدولة تزعم أن دينها الرسمي هو الإسلام أن تصر على الاعتداء على هذا الدين الرسمي، وألا تسمح لرجال هذا الدين بالذياد عنه، والقيام من دونه. نحن أبعد الناس عن أن نطلب إلى وزير الداخلية، أو إلى غيره من رجال السلطان، مصادرة حرية الرأي، فليدع البهائيون إلى مذهبهم ما وسعتهم الدعوة، ولكن في حدود القانون، وليدافع رجال الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي عن الإسلام ما وسعهم الدفاع في حدود القانون أيضا. ولتقف الإدارة موقف من يفهم القانون حق الفهم، ويقدر العدل حق قدره، ويخضع الناس جميعا لنصوص الدستور، لا يؤثر فريقا على فريق ولا يفضل فئة على فئة، ولا يظلم دينا معترفا به، بل دينا رسميا هو دين الدولة لمصلحة مذهب لم يعترف به في مصر بعد.
أما بعد فهؤلاء جماعة من العلماء قد كتبوا إلى رئيسهم شيخ الأزهر، لا يستعدونه على أحد، ولكنهم يطلبون إليه أن ينهض بالواجب، ويؤدي الحق إلى أهله، ويسعى عند السلطان، في أن ترد الحرية إلى المسلمين ليذودوا عن الإسلام، وفي أن يؤذن لهذا الواعظ أن يمضي في وعظه، ويدفع عن دينه، ويرد هذه الألفاظ القرآنية التي يفسدها البهائيون إلى أصلها الصحيح، الذي لا ينبغي أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي لا ينبغي أن يعتدي عليه، حتى من البهائيين. أفيسمع شيخ الأزهر لهؤلاء العلماء؟ أفيسعى شيخ الأزهر عند وزير الداخلية ليرضي هؤلاء العلماء؟ أفنقرأ غدا أو بعد غد أن قد أبيح لعلماء المسلمين حماية الإسلام في بلد من بلاد الإسلام؟
طه حسين
الوادي، ٥ يوليو ١٩٣٤.
Tag: Religious freedom
-
فتنة٢
-
خطر
خطر
خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.
كوكب الشرق ٢٢ – ٧ – ١٩٣٣