Tag: Resignation

  • وداع٢

    حديث المساء: وداع (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٢ أبريل ١٩٣٣

    لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء، استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا! وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يُلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء، وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب! مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين للقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه لا ليعملوا معه!

    وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس؟! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًّا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس! ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!

    فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء إلى أن انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين؛ فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا يظهر فيه الجهد والإعياء! فانظر إلى رئيس الوزراء وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء لا في الصباح! وقد كان يذهب إلى مكاتبه مع الصبح ولا يدعها حتى يتقدم الليل! وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام …! وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين …!

    ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوروبا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى، ثم تضيف الشعب أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين متى سمحت بذلك الظروف …!

    كل هذا يحزن! وكل هذا يسوء! فمهما تكن خصومة الناس لرئيس الوزراء، ومهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة؟! وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا لغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع …!

    كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية مودعًا، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب، أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله! ضعيفًا فضعف الناس من حوله! كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.

    وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير، وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال، ويأبوا إلا إنكارها! وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم! كأن شيئًا لم يعرض لهم! وكأن حدثًا لم ينزل بهم! وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!

    أمختارٌ رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم والنهوض بأعبائه الثقال رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة يأخذ منها بحظ موفور.

    أَمُكرَهٌ رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقسى السياسة! وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!

    وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح؟!

    وسواء كان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس. حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقى بأعنتها إلى إلا الذين لا يقدرون على تصريفها حقًّا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم.

    وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل وأطال التفكير، وقدر الرجل وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة، وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوروبا، وعلى أن تكون هذه الأعمال خفافًا لا مشقة فيها ولا عناء.

    هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به، وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة، وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور؟ أو يستقر له نظام؟ ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها؛ لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريض إلى هذا الحد، فكيف والناس جميعًا مؤمنون — وأولهم الإنجليز — بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يَستَقِلُّوا بأثقاله، فهم قد وُضعوا في مناصبهم ليُعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.

    كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر، لا أقول مصلحتها الحقيقية؛ فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.

    ما أجدر رئيس الوزراء والذين يؤيدونه في منصبه أن يقرءوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك وباطنها كله عظة! وهي قصة المحامي التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي يُذكِّرنا بها ما نحن فيه الآن!

  • محاولة

    محاولة
    أما أن رئيس الوزراء قد أخفق في تنفيذ الخطة السياسية التي رسمها لنفسه ، أو التي رُسمت له يوم ألّف الوزارة منذ ثلاثة أعوام ، فذلك شيء لا شك فيه ، لا بالقياس إلى الذين يعارضونه ويخاصمونه ، بل بالقياس إلى الذين يؤيدونه وينصرونه ، وبالقياس إليه هو .
    الذين يعارضون رئيس الوزراء لم يشكّوا لحظة في أن إخفاقه محتوم ، وفشله أمر لا بدّ منه ، لأنه أقام سياسته على إكبار كفايته الخاصة أكثر مما ينبغي ، وإصغار شأن الأمة إلى حدّ لا تقبله الكفاية الصحيحة حقًّا . ومن أقام سياسته على إكبار نفسه وإن كان فردًا ، وإصغار خصمه وإن كان أمة كاملة ، فهو مخفق من غير شك .
    وقد أخذ المعارضون لرئيس الوزراء يلاحظون سياسته ، ويتابعون خطواته في تنفيذ هذه السياسة ، ويبتسمون لهذه الخطوات التي كان يراها هو انتصارًا ، ويراها معارضوه إمعانًا في طريق الإخفاق والخذلان . فلا هم اغترّوا بهذه الخطب الطوال التي كانت تُحشد ، ولا بالوفود التي كانت تُرسل ، ولا بتأليف ما سمّاه حزب الشعب ، ولا بإنشاء ما سمّاه جريدة الشعب ، ولا بما رآه فوزًا في الانتخاب ، ولا بأسفاره وإقاماته ، ولا برحلاته إلى أوروبا وعودته منها ، وزياراته للعواصم ومقابلته للوزراء ورؤساء الحكومات ، بل للبابا .
    لم يغترّوا بشيء من هذا ، لأنهم قدّروا — ومن الحق على كل إنسان له حظّ من الفطنة أن يقدّر — أن الفوز الصحيح الباقي المنتج في هذه الأيام لا سبيل إليه إلا أن يعتمد رجال السياسة على الأمم والشعوب ، لأنها وحدها القوام الثابت لكل سياسة عملية .
    ولم يكد يعود صدقي باشا من أوروبا حتى كان فوزه الموقوت قد انتهى إلى غايته ، ولم يبقَ بدّ من أن يتحوّل هذا الفوز شيئًا فشيئًا إلى الفشل والإخفاق . وقد داور صدقي باشا ما استطاع أن يداور ، وأخفى ضعفه ما وجد إلى إخفائه سبيلًا ، ولكنه لم يخدع أحدًا ولم يخفِ شيئًا .
    وما هي إلا أن اعترف هو بهذا الإخفاق في كتاب الاستقالة الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ليتخلّص من زملائه الذين خالفوه في سياسة الحكم . فقد كانت هذه الاستقالة نفسها اعترافًا واضحًا بالفشل ، وأي فشل أشدّ ، وأي إخفاق أعظم من أن يعجز رئيس الوزراء عن أن يقنع زملاءه وأقطاب وزارته بسياسته ، ويضطرّ إلى أن يستقيل ليتخلّص منهم ، وإلى أن يعترف بهذا كله في كتاب الاستقالة ؟
    وقد رقّع صدقي باشا وزارته كما استطاع ، ولكن لم يستفد من هذا الترقيع شيئًا . فنزع الرقعة التي ألصقها بوزارته في يناير ، ووضع مكانها رقعة أخرى منذ أيام ، وكان هذا الترقيع الأخير تسجيلًا آخر لهذا الإخفاق .
    وأنصار رئيس الوزراء يدورون مع رئيس الوزراء ، فهم يردّدون ما يقول ، ويكتبون ما ينطق به ، فيعلنون الفوز إن أعلنه ، ويلطّفون اعترافه بالإخفاق حين يعترف به . وربما كان تسجيل هذا الإخفاق هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه رئيس الوزراء وأنصاره وخصومه جميعًا في وقت واحد ، ولكنهم لا يكادون يتفقون على هذا الإخفاق حتى يختلفوا في المسلك المحرِج منه والتخلّص من أثقاله وآثاره .
    فأمّا رئيس الوزراء وأنصاره فيخيّل إليهم أن الترقيع وسيلة من وسائل التخلّص من هذا الفشل ، فهم يرقّعون ويرقّعون ، وهم يكسبون الوقت وينتظرون ما تدور به الأيام .
    وأمّا معارضوه وخصومه فيرون أن كل شيء قد دلّ دلالة قاطعة على أن وزارة صدقي باشا لم تكن صالحة للبقاء ، ولم تصبح الآن قادرة على محاولة البقاء ، وأن من العبث أن تتحدّى طبيعة الأشياء وتقاومها . وأنت تعلم حق العلم أنك مهما تؤيّدك القوى الظاهرة والخفية ، فلن تستطيع أن تثبت لطبيعة الأشياء ولا أن تتغلّب عليها .
    وإذن فلا مخرج من هذا المأزق الذي اضطرّ إليه صدقي باشا ، وورّط فيه سياسة بلده ، إلا أن يستقيل ، ويدع هذه السياسة لمن هم أقدر منه على تصريفها والنهوض بأعبائها . وحسبه أنه قد أخّر رقيّ وطنه ثلاثة أعوام ، وحسبه أنه قد أضاع على بلاده كثيرًا من الفرص كانت تستطيع أن تنتهزها لتتقدّم خطوات واسعة في سبيل الإصلاح ، وحسبه أنه قد امتحن بلاده ، وأسرف في امتحانها ، وقد فتن أمته وغلا في فتنها ، فأظهر مواضع للضعف ما كان ينبغي أن تظهر مشوّهة قبيحة على هذه الحال .
    ولكن رئيس الوزراء يحبّ الحياة لوزارته ، كما يحبّ كل إنسان لنفسه الحياة ، فهو يماطل ويداور ، ولا يريد أن يتعجّل فيقصي نفسه عن الحكم ، وإنما يريد أن تقهره الظروف القاسية فيدع الحكم كارهًا لا طائعًا . وهو يعلّل نفسه بالأماني ، ويذهب المذاهب المختلفة في إطالة مدّته في الحكم ، ولعله لا يعدم من الإنجليز الذين غلوا في تأييده وإعانته من يشاركه في الرأي ، ويقاوم معه طبيعة الأشياء ، ويدفعه إلى التعلّق بالحكم حتى يضطرّ إلى تركه اضطرارًا .
    وكذلك وضع رئيس الوزراء نفسه في هذا الموضع المؤلم الذي يثير الإشفاق والرحمة حتى في نفوس خصومه ومعارضيه ؛ فهو ضعيف قد فقد كل حيلة في التماس القوة على النهوض بأعباء الحكم ، وهو مريض في حاجة شديدة إلى الراحة ، وهو رغم ضعفه السياسي ، ورغم مرضه ، متعلّق بالمنصب ، حريص على البقاء فيه .
    والناس يقولون (ومن الكتاب السياسيين من يوافقهم على ما يقولون ولا يتحرّج في إظهار شيء من الرضى والأمل بما يقولون) إن في الحركة الإدارية التي أحدثت أمس تمهيدًا لتغيير السياسة الصدقية التي قام على فسادها ألف برهان وبرهان . فقد يظهر أن نقل المديرين من إقليم إلى إقليم إنما هو توسعة على هؤلاء المديرين في أن ينهجوا في السياسة نهجًا رفيقًا ، غير النهج العنيف الذي دفعهم إليه عنف صدقي باشا ، وإيثاره لإظهار القوة والبأس . فقد يكون من العسير على مدير أسيوط السابق أن يلين بعد شدة ، ويخف بعد عنف ، دون أن يعرض كرامته وهيبته لدى الناس . وقد يكون الابتسام على ثغور الناس لا يصور دائمًا الاحترام ، وقد يصور ما هو نقيض الاحترام ، لذلك نقل إلى الغربية ليكون رفيقًا شفيقًا بعد أن كان عنيفًا مسرفًا في العنف . وأرسل إلى أسيوط مدير البحيرة السابق ليظهر فيها من اللين والمصانعة ما لم يكن يستطيع أن يظهره مديرها السابق . وقل مثل هذا في سائر المديرين الذين شملهم التغيير والتبديل .
    وقد يكون هذا حقًّا ، وقد يكون صدقي باشا قد رأى أو رُؤِيَ له أن من الخير أن تتغيّر السياسة في الأقاليم ، وأن يؤخذ الناس بالحسنى ، وتنجلي عنهم غمرة العذاب الذي أخذهم من كل مكان ، لتهدأ ثورة النفوس ، وليخفّ ما أشعرته القلوب من بغض للحكام . ولكن الشيء الذي ينبغي الوقوف عنده إن كان هذا الكلام صحيحًا هو أن الحكومة كانت أشد رعاية لنفسها ولمديريها منها لأهل الأقاليم . فهي تضنّ بمدير أسيوط على أن يكون رفيقًا بعد عنف ، ويلين بعد شدة ، وهي تؤثره بحبها وتحرص على كرامته وهيبته من الناس ، ولكنها لم تؤثر هؤلاء الناس بعطفها ورحمتها ، ولم تحرص على كرامة هؤلاء الناس أن يمتهنها مدير أسيوط بما كان يصب عليهم من عذاب فيه الإيلام والإذلال معًا . هي تخاف على المدير من ابتسامة الناس ، ولا تخاف على الناس من عبوس المدير .
    كرامة موظفيها أعز عليها ، وآثرها عندها من كرامة الأمة التي إنما أقامت الحكومة لتخدمها وترعى مصالحها ؛ لا لتسخّرها لأنواع الذل ، ولا لتؤثر عليها أفرادًا من الموظفين . ومعنى هذا أيضًا إن صح ما يقوله الناس ، وينتظر الخير منه بعض الكتاب السياسيين ، أن الحكومة تعبث بعقول الناس ، وتلاعب الأمة كما يلاعب الرجل الطفل الصغير .
    كان أهل أسيوط يضيقون بمديرهم فينقل هذا المدير ، ويرسل إليهم مدير آخر ، ويخيّل إلى الحكومة أنها قد أرضت أهل أسيوط ، ولكن أهل أسيوط جزء من الأمة المصرية ، لأن أسيوط جزء من أرض مصر . وإساءة مدير أسيوط إلى أهل إقليمه كانت إساءة إلى الأمة المصرية كلها . فانقلوه من أسيوط ، وضعوه حيث شئتم من الأرض ، فلن يغيّر ذلك من الأمر الواقع شيئًا ، والأمر الواقع أن هذا المدير وأصحابه لم يسيئوا إلى أهل أقاليمهم وحدهم ، وإنما أساءوا إلى الأمة كلها ، لأنهم أساءوا إلى القانون الذي كُلِّفوا تنفيذه ، وإلى النظام الذي كُلِّفوا حياطته ، وإلى العدل الذي كُلِّفوا القيام على حمايته . وقد ذهب العصر الذي كانت الحكومات تفرّق فيه بين الأقاليم ، وترى أن الإساءة إلى أحدها لا تمس غيره .
    ذهب هذا العصر ، وأصبح كل فرد من أبناء مصر يصوّر الأمة المصرية كلها في حقه على الحكومة من الحماية والرعاية . ولم تبقَ الأقاليم إلا وحدات إدارية ليس غير . وأكثر من هذا أن نقل المديرين أو عزلهم أو محاكمتهم ، كل ذلك لا يغيّر من الأمر شيئًا ما دام الذي بسط أيدي المديرين على الناس مستأثرًا بالحكم ، قادرًا على أن يبسط أيديهم مرة أخرى . فليس الذي يهدئ ثورة النفوس ويلطّف حدة القلوب هو أن ينقل مدير أو يعزل ، وإنما هو أن تستقيل الوزارة أو تُقال .
    إن الذين يظنون أن هذه الحركة الإدارية قد تكون تمهيدًا لسياسة جديدة تسلكها الوزارة القائمة يخطئون خطأ قبيحًا جدًّا ، ويقيمون أوضح الأدلة على أنهم لم يفهموا الشعب المصري بعد . فالشعب لا يُخدع من الآن بالصور والأشكال ، والشعب لا يرضى بأن يُنقل مدير مكان مدير ، وإنما يريد الشعب أن تجتثّ هذه السياسة من أصلها ، وأن تتخلّى الوزارة القائمة ليأتي مكانها قوم آخرون ، لا يبسطون أيدي المديرين على الناس إلا بالخير . وأغرب من هذا أن من الكتاب السياسيين من عظم حظهم من خصب الخيال وبعده ، فهم يقدّرون أن هذه الحركة الإدارية تمهيد لتغيير السياسة الإنجليزية المصرية كلها ، ولإقامة وزارة مكان وزارة . وإذن فما أقوى رئيس الوزراء على نفسه ، وما أحراه بالإعجاب والإكبار ، وما أقسى هؤلاء الذين يوحون إليه ويملون عليه ، ويدفعونه إلى أن يمهد لخصومه الذين سيخلفونه ويعفون آثاره في سياسة الدولة .
    هذا كثير على رئيس الوزارة ، فما علمنا أنه قد بلغ من الإيثار هذا الحد إلا أن يكون لهذا التغيير المنتظر قوام آخر ، هو الذي أشارت إليه النيو إيست أخيرًا ، وهو توسيع الائتلاف وإضافة رؤوس أخرى إلى رأس الوزارة القائمة . وإذن فما أجدر هذا التغيير بأن يلقى نفس الإخفاق الذي لقيته وزارة صدقي باشا .
    قد تخطر في عقول الساسة حلول مختلفة للموقف السياسي في مصر الآن ، ولكن الشيء الوحيد الذي لا بدّ منه لأي حل يراد أن ينظر فيه نظر جد وتفكير هو أن يتنحّى رئيس الوزراء عن سياسة الدولة الآن ، وما أشد حاجته إلى أن يعتزل السياسة في هذه الأيام ويستريح .
    كوكب الشرق ٢٤ – ٣ – ١٩٣٣

  • راحة

    راحة
    أما القاهرة فمغرقة في هدوء يشبه النوم، هو هذا الهدوء الذي يألم فيه الضمير أشد الألم، ويضطرب فيه القلب أشد الاضطراب، وتظل فيه الحواس الظاهرة مطمئنة مستقرة كأن ليس من وراء هذا الاطمئنان والاستقرار الظاهرين ضمير فائر، ولا قلب مضطرب.
    وأما أقصى مصر فيقظان، شديد اليقظة، متحرك عنيف الحركة، هائج عظيم الهياج. يشترك في ينته وحركته وهياجه ضميره وشعوره، وقلبه وحواسه الظاهرة جميعاً.
    كان هادئاً مستقراً كالقاهرة أمس فاستيقظ واندفعت به يقظته إلى هذه الحركة العنيفة اليوم، لأن زعيمين من زعماء الشعب قد سعيا إليه يزورانه، ويجددان العهد به: هما صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد، والأستاذ الكبير مكرم عبيد. ورئيس وزرائنا المريض يرى هدوء القاهرة فيرضى ويحس حركة الصعيد فيسخط.
    لست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يحتمل ما يختلف على نفسه من آثار هذا الرضا الذي لا عمق له ولا ثبات، ومن آثار هذا السخط الذي يشبه الخوف. ولست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يتدبر فلسفة هذا الهدوء الذي لا يريح، وفلسفة هذا النشاط الذي لا يطمئن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الحياة السياسية لا تبسم لرئيس وزرائنا المريض عن ثغر عذب جميل. ولعل نظراته الهادئة الحزينة التي لا تخلو من وجل تقع من هذه الحياة السياسية على وجه فيه كثير من العبوس، وعليه كثير من التقطيب، لا حظ له من بشر الأمل، ولا من هذه الغبطة التي تدل على القوة وحب البقاء والرغبة في الاستزادة منه.
    فقد كانت طرائق رئيس الوزراء منذ وثب إلى الحكم طويلة جداً، شاقة جداً، ملتوية جداً. لا يتقدم خطوة إلا اضطر إلى الوقوف، ولا ينظر أمامه إلا اضطر إلى أن ينظر وراءه، ولا ينحرف إلى اليمين إلا اضطر إلى أن يتحرف إلى الشمال وهو كلما تقدم أمامه، وأخذ منه الجهد وانتهى به الإعياء إلى أقصاه، نظر فإذا الطريق أمامه ممتدة إلى غير أمد، ملتوية في غير نظام. فهو يمضي ويرجع، وهو يأخذ عن يمينه ويأخذ عن شماله. وهو يطيل النظر إلى السماء، ويطيل النظر في الأرض وهو يستمع بأذنيه جميعاً لعله يتبين شيئاً واضحاً من هذه الأصداء التي تصل إليه فلا يتبين شيئاً.
    ويؤثر هذا كله في قوته المحدودة فتضعف، وفي نشاطه فيفتر، وفي صحته فتعتل. وينسى الطريق الطويلة التي أمامه، وينسى الطرق القصيرة التي قطعها. وينسى العقاب والصعاب، وينسى هذه الأصداء المختلطة ويغرق في علته وآلامه حيناً فيستريح في تعب وهدأ في قلق، ثم يفيق ويسعى سعياً هيناً إلى الشفاء، ويسعى الشفاء إليه سعياً هيناً أيضاً.
    ويؤوي إلى هذا الفندق في ظل الأهرام ليستكمل حظه من هذه الراحة المتعبة، ويفتح عينيه لينظر أمامه فإذا الطريق ممتدة إلى غير أمد، ولينظر وراءه فإذا هو لم يقطع إلا مسافة قصيرة، قصيرة جداً ويهبط إلى نفسه يلتمس فيها العدة والزاد لقطع هذه الطريق التي لا تنتهي فإذا صحته ضئيلة في حاجة إلى العناية. وإذا قوته نحيلة في حاجة إلى الرعاية وإذا ما بقي له من الجهد أعظم ألف مرة ومرة مما عنده من نشاط، وهو مكدود يغضب في غير ثورة، ويسخط في غير هياج. وإذا ابتسامة كلها إذعان ترتسم على وجهه الشاحب وجبينه المنقبض.
    كذلك يقضي رئيس الوزراء أيامه الآن في ميناهوس. قد قطع شوطاً بعيداً شاقاً، ولكنه ما زال في أول الطريق، وليس لديه من أدوات السفر ما يمكنه من المضي في طريقه. كل شيء من حوله ينبئه بأن سياسته قد فشلت وفشلت. فلا هو كسب تأييد الشعب. ولا هو كسب حيدة الشعب، ولا هو حقق لهذا الشعب من آماله ما إن جحده اليوم فقد يضطر إلى الاعتراف به غداً. ولا هو قادر على أن يصلح ما فات ويستأنف سياسة جديدة تمحو آثار سياسته القديمة كلها أو بعضها.
    كل شيء من حول رئيس الوزراء في السياسة قاتم مظلم حتى في بيئته الخاصة. أعوانه ضعفاء، لا تستقل أكتافهم مهما تكن عريضة يحمل هذه الأثقال التي حملها وحده. والناس يحسون ذلك ويخوضون فيه فيسرفون والبرلمان يمشي في طريقه مشياً رفيقاً، لا نشاط فيه ولا خصب حتى تصفه الأهرام بأنه مريض مقعد، والأمة تنظر إلى هذا كله في سخط ملؤه هذه الكبرياء التي تظهر في صورة الإشفاق والرحمة لهؤلاء الذين أفنوا في الإساءة إليها والعبث بمصالحها قوة كان من الخير أن تنفق في الإحسان إليها والتحقيق لآمالها.
    هذه هي راحة رئيس الوزراء الآن في ميناهوس. ليست هي الراحة التي يستحقها المريض بعد أن أنّ المرضى، وليست الراحة التي يستحقها المجاهد بعد أن أضناه الجهاد، ولكن رئيس الوزراء هو الذي اختار طريقه إلى هذه الراحة، فوقف من أمته كلها هذا الموقف الذي لم يجد عليه خيراً، ولم يعقبه إلا مرضاً وألماً وحزناً. وهو الذي بذل صحته كلها في سخاء يشبه الإسراف ليحقق ما لا سبيل إلى تحقيقه، ويبلغ ما لا أمل في بلوغه. فلو أن أحداً استطاع أن يضطر النيل إلى أن يرجع أدراجه ويصعد إلى منبعه بدل أن يجري هابطاً إلى البحر، لاستطاع رئيس الوزراء أن يضطر الأمة المصرية إلى أن تعرض بوجهها عن آمالها ومثلها العليا في الحرية الصحيحة والكرامة الصحيحة والاستقلال الصحيح. وإلى أن ترضى بالقليل من مظاهر الحرية، ومظاهر الكرامة وأعراض الاستقلال في ظل الأوصياء المعصومين.
    سيجري النيل دائماً إلى البحر، وستجري مصر دائما إلى تحقيق آمالها وبلوغ مثلها العليا. وسيتعب دائماً ويخفق دائماً، ويكتئب دائماً كل أولئك الذين يقدرون لأنفسهم من القوة أكثر مما تملك فيسلكون هذه الطريق الطويلة الشاقة الملتوية التي سلكها رئيس الوزراء.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٣ – ١٩٣٣، صـ ٢١٩.