إلى أخي الزيات: الخيال العاقل
تحية صديق مشارك في الحزن آمل في العزاء
للدكتور طه حسين بك
أعرفتَ قط خيالاً عاقلاً أيها الأخ العزيز؟ أما أنا فقد عرفته أمس، ولم أتكلف في معرفته مشقة ولا جهداً، ولم أنفق في البحث عنه قوة ولا وقتاً، بل لم أبحث عنه وإنما سعى إليّ، أو قل هممت أن أدعوه فاستجاب لي قبل الدعاء. ولكني لم أدعه لأعرفه؛ فإن عهدي به بعيد، بعيد جداً لا أكاد أذكر أوله، وإنما أعلم أنه رفيقي منذ بدأت أفكر، بل منذ استقبلت الحياة. ما أكثر ما زيّن لي الأشياء حتى كلفتُ بها ورغبتُ فيها، وما أكثر ما بغّض إليّ الأشياء حتى نفرتُ منها وضقتُ بها، وما أسرع ما اخترع لي أشياء لم أكن أعرفها ولا أقدرها، فإذا هي تملأ قلبي أملاً ورجاءً وتدفعني إلى العمل والنشاط، وإذا هي تملأ قلبي يأساً وقنوطاً وتدفعني إلى الفتور والخمود والانزواء.
لقد خلق لي عالماً كاملاً بعيد الآماد، متنائي الأرجاء، مختلف الألوان، قضيت فيه أيام الصبا وما أكثر ما تمنيت أن أعود إليه. ثم خلق لي عالماً آخر ليس أقل من ذلك العالم سعة وتنوعاً واختلافاً، ولكنه مزاج من الجمال والقبح، ومن اللذة والألم، ومن اليأس والأمل، قضيت فيه أيام الشباب وما زلت أتمنى أن أعود إليه. ثم هو يرافقني الآن فيزين لي الحياة قليلاً، ويقبحها في نفسي كثيراً، ويحاول أن يخلق لي ما يسرّ، ويحاول أن يخلق لي ما يسوء، فأطيعه حيناً، وأعصيه أحياناً. ولكنه وفيّ لي دائماً كلما أردت استعانته على الكتابة والإنشاء؛ وأعترف أيها الأخ العزيز بأني كنت مقتصداً أشد الاقتصاد في الالتجاء إليه والاستعانة به؛ لأني أعرفه جريئاً مسرفاً في الجراءة، نشيطاً غالياً في النشاط، يخترع من الصور وفنون المعاني ما لا أطيق أن أعرضه على بيئاتنا الاجتماعية التي تقتصد في الاطمئنان إلى وحي الخيال.
عرفته وفياً نشيطاً متأهباً دائماً للمعونة كلما دعوته أو فزعتُ إليه، مقدماً من هذه المعونة أكثر مما أسأله، وأعظم جداً مما أقترح عليه. وقد دعوته أمس فاستجاب لي مسرعاً غير مبطئ ولا متثاقل، بل أشهد لقد كان يكاد يتمزّق نشاطاً ومرحاً، ولقد كنت أتهيأ للكبح من جماحه والرد من نشاطه، وأخذه بكثير جداً من الأناة والقصد كما تعودت دائماً. ولكني لم أكد أعرض عليه ما كنت أريد أن يعينني على الأخذ فيه حتى كفكف من نشاطه، واتأد في غلوائه، وابتسم ابتسامة الهادئ المطمئن، وقال في صوت الراضي الرزين في غير عجز مؤلم ولا قصور موئس: (إليك عني فلست مما تريد في شيء).
ذلك أني كنت أريده على أن يمدني بما أصور به فصلاً من حياة النبي الكريم في هذه الأيام التي يذكر فيها المسلمون أكبر حدث من أحداثهم، وأعظم عبرة من عبرهم، والتي يعود فيها المسلمون قروناً طوالاً من الزمان ليشهدوا ذلك اليوم العظيم الذي خرج فيه النبي وصديقه الصدّيق من مكة مهاجرين إلى الله بآمال ستفنى الزمان قبل أن تفنى، وإيمان سيزول هذا العالم قبل أن يدركه ضعف ويسعى إليه فتور، وثقة بنصر الله عاشت عليها الأجيال التي لا تُحصى، وستعيش عليها الأجيال التي لا تُحصى، وسيستمد المسلمون منها أبداً قوة على الجد والكد، واستقبال الحياة بما فيها من خير وشر، ومن حلو ومر، ومن محنة ونعمة.
نعم، دعوته أيها الأخ العزيز إلى أن يلهمني بعض ما تعود أن يوحي إليّ من الصور، فأعرض في غير غضب، وامتنع في غير بخل، وألح في الإعراض والامتناع. فلما ألححت عليه تبينت منه الاستحياء وإيثار العافية، والضن بنفسه على ما لا يحسن، وتجنيبها ما لا يطيق. وإذا هو يقول لي في لهجة الهادئ المطمئن:
"استعن بي فيما شئت، فقد عرفت قدرتي على الاختراع والابتكار، وحسن بلائي في لبس الحق بالباطل حتى يصبح زينة كله، ولكن من الحق ما هو أرفع من أن أسمو إليه مهما أكن قوي الجناح، وأوضح من أن أجليه مهما أكن قوي النور، وأسطع من أن أوضحه مهما أكن نافذاً بعيد الهم، وأنصح من أن أزينه مهما أكن ماهراً في اختراع الزينة وابتكار الجمال".
ولئن حدثتك عن هذا الرجل الكامل لأحدثنك حديث العقل – أستغفر الله – فما يستطيع العقل أن يحدثك عنه كما يجب؛ لأنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه العقل، كما أنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه الخيال. اجتهد في أن تتمثل ما أُتيح للناس أن يعرفوا من حياته، ثم انظر فيه واستمد منه فلست محتاجاً مع ذلك إلى معونة عقل أو خيال. انظر إلى الناحية الحزينة من حياته، واقصص على نفسك أطرافاً منها، فإن لم تملأ قلبك عبرة وعظمة وجمالاً وحباً وإكباراً دون استعانة بعقل أو خيال، فلست إنساناً ولست من الإنسانية في شيء.
انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنيناً، إن كان للأجنة أن يذوقوا المعاني والآلام، ثم لم يكد يستقبل الحياة ويتقدم في الصبا حتى ذاق اليتم مرة أخرى، ففقد أمه بعد أن فقد أباه. ثم لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبا حتى ذاق اليتم مرة ثالثة ففقد جده بعد أن فقد أبويه. ثم ألحت عليه حياة فيها شدة وجهد، وفيها حرمان وفقر، وفيها ضيق وضنك، ثم تظاهرت هذه الآلام كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين هذه النفس المصفاة وبين البؤس والشقاء.
ثم امضِ معه خارجاً من الصبا داخلاً في الشباب متقدماً فيه، فإذا الحياة كما هي شديدة شاقة ثقيلة ضيقة، ولكنه مبتسم الشباب كما كان مبتسم الصبا، وادع النفس رجلاً كما كان وادع النفس طفلاً. إنه يجدّ ويعمل، إنه يكدّ ويكدح، إن الحياة تبسم له أحياناً، إن الناس من حوله يحبونه ويقدرونه ويكبرونه ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به العافية والسلم، ويحكمونه فيما شجر بينهم من خلاف، فلا يعرضه ذلك لبطر ولا لأشر؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوب حياة الناس من الأشر والبطر والغرور.
ثم انظر إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبداً من عباده، وحمّله أثقل أمانة حمّلها أحداً من خلقه، فإذا هو يلقى هذا العبء الثقيل جلداً له، صبوراً عليه، ناهضاً به ماضياً فيه، لا يعرف كلالاً ولا ملالاً ولا فتوراً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه حياة الناس من الكلال والملال والفتور.
ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويُمتحن في نفسه وسمعته، ويُمتحن في صحبه وأوّلي نصره، ويُمتحن في بنيه، ثم يُمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتز بها، ثم يُمتحن في دينه، ثم يُمتحن في كل شيء، ثم يُمتحن في كل إنسان. فإذا هو كما هو؛ باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبا، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب العقيم إليه سبيلاً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الضعف واليأس والاكتئاب العقيم.
ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي المحن التي لا تُحتمل والمكروه الذي لا يُطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فُتحت له أبواب الأمل، وفرّج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب. أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً وبغير النصر حيناً آخر؟ ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاءً كلها، وإباءً كلها، وصبراً كلها، وثقة بالله كلها.
ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبقَ له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه، وإذا المبشر ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بُشّر به. ويجد المسلمون أن عينه قد قرّت فتقرّ عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال. ولكن الله يأبى إلا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً، وإذا إبراهيم يُنزع منه ولما يتمّ الرضاع. أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف؟ كلا، إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف، لم يتمّ إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة.
وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملاً أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر؛ لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راضٍ بقضائه، مذعن لأمره، مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان، وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتمّ مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا، ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا!
قلت لهذا الخيال:
"ما رأيت كاليوم خيالاً عاقلاً رشيداً، إن في حديثك لعبرة لمن أراد أن يعتبر".
قال:
"وأي غرابة في أن يعقل الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح والجموح؟".
قلت:
"لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع".
قال:
"انقله راشداً إلى صديقك وإلى كل محزون جزع، فما أرى أن مسلماً يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف اليأس أو الجزع إلى قلبه سبيلاً".
الرسالة ٣٠\٣\١٩٣٦
Tag: Resilience
-
إلى أخي الزيات
-
درس٢
حديث الوادي
درس…
درس قيم ممتع، فيه جد وهزل، وفيه نصح وسخرية، وفيه عفة وفكاهة، وهو نافع على كل حال، سينتفع به قوم كثيرون، أكثر جدًا مما تظن أنت أو أظن أنا. ولم يكن بد من إلقاء هذا الدرس على الذين تلقوه، بعد أن فسدت قلوب، وساءت نفوس، واختلطت الأمور على بعض الناس، فغلبتهم المنافع العاجلة على المذاهب والآراء.
والناس قد يقتنعون بالحق ويؤمنون له. ولكن الحاجة تلهيهم عنه، والمنفعة تزهدهم فيه، فالحوادث تحسن إليهم حين تذكرهم من حين إلى حين بما نسوا، وتنبههم من وقت إلى وقت لما غفلوا عنه، وتعلمهم أن الباطل قد يطول، ولكن طوله واستقراره في الأرض لا يجعله حقًا ولا يتيح للناس أن يجنوا منه برًا ولا خيرًا.
نعم كان درسًا بليغًا قيمًا ممتعًا هذا الذي ألقي أول أمس، ولم يكن بد من إلقائه، لأن فريقًا من المصريين كانوا في حاجة إلى أن يسمعوه، وقد سمعوه، وضاقت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وجرت له دموع بعضهم فيما يقول القائلون، ولسنا نعرف بالضبط من الذي ألقى هذا الدرس، ولكنا نعرف أنه ألقي في مجلس الشيوخ، ولعل طلاب الحقوق أول المنتفعين به، والمعتبرين بما فيه من العبر والعظات.
شق عليهم ما أصابهم من الإخفاق في الامتحان، ومن الحق أن هذا الإخفاق مؤلم، وأن نظام الامتحان عسير أعسر مما ينبغي في الجامعات. ثم شق عليهم أن لا تتاح لهم الفرصة ليؤدوا الامتحان مرة أخرى في أول العام الجامعي المقبل. ومن الحق أن حرمانهم هذه الفرصة مؤلم لا يلائم نظم الجامعات. وقد شكوا من هذه القسوة، وضجوا من هذه الشدة، ولجأوا إلى الوزير فلم يرحمهم الوزير، ولجأوا إلى الصحف فأعانتهم ما وجدت إلى إعانتهم سبيلًا. ولجأوا إلى النواب فأظهروا ميلًا إليهم، وعطفًا عليهم، ونصرًا لهم، وتحمسوا في ذلك، وجدوا في التحمس، وهيأوا مشروع قانون قاومته الوزارة مقاومة عنيفة طويلة ملتوية، ولكن كثرة من النواب استطاعت أن تحتفظ بموقفها، وأن تمضي هذا المشروع، لأن الوزارة لم تجعله موضوعًا للثقة.
فلما أمضي القانون في مجلس النواب فرح الطلاب وابتهجوا، وظنوا أنهم قد أدركوا ما أرادوا، وظفروا بما أملوا، ولم لا؟ قانون يمضيه مجلس النواب، ويمضيه برغم مقاومة الوزارة له، وإن كرهت إياه. أليس من المعقول أن يمضي هذا القانون في مجلس الشيوخ كما مضى في مجلس النواب، وأن ينتصر الطلاب على طول الخط، كما يقول أصحاب الحرب، وأن يفرغوا بعد ذلك للدرس وإعادة التحصيل طول الصيف، ليؤدوا الامتحان في أول الخريف؟ ولكن الطلاب نسوا أن للسياسة فنونًا يعجزهم فهمها، وتخفى عليهم أسرارها، وأن وزير التقاليد أقوى من أن ينهزم أمام الطلاب، وأمام النواب أيضًا. وقد تكشفت لهم هذه الفنون أول أمس عن أسرارها، وأبدت لهم مكنونها، فعرض القانون على لجنة المعارف في مجلس الشيوخ، ولكن اللجنة لم تنظره، لأنها لم تجتمع، أو لأنها صرفت عن الاجتماع. وهم جماعة من الشيوخ أن يتعجلوا نظر القانون في الجلسة الأخيرة لمجلسهم أول أمس، ولكن اعتراضًا شكليًا أثير، فنام له القانون نومًا عميقًا، وأتم البرلمان دورته وانصرف، والقانون معلق قد دبت فيه الحياة حتى انتهت إلى نصفه، ولكنها وقفت عند ذلك، فلم يستطع هذا القانون أن ينشط ولا أن يتحرك ولا أن يغني شيئًا عن الذين طلبوه وجدوا فيه. وتفرق الطلاب أمس، وهم يائسون بعد أن كان الأمل يملأ قلوبهم رضى، والرجاء ينعم نفوسهم غبطة وابتهاجًا. وعاد وزير التقاليد إلى داره هادئًا مطمئنًا لا يكاد يفكر في الطلاب، ولا في النواب، ولا في القانون. وألقي الستار، وهدأ كل شيء، إلا هذه الصيحات التي يبعثها اليأس من أفواه الطلاب، يبكون ويشكون، ويستغيثون فلا يغاثون.
كل هذا كان، وكل هذا مؤلم حقًّا، ولكن كل هذا نافع حقًّا. فلو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم بعض الشؤون الأخرى التي تتهالك عليها الوزارة لتشد أزرها، لما تفرق مجلس الشيوخ قبل أن يقضي فيه مسرعًا، كما قضى مسرعًا في أمر القناطر، التي يراد إنشاؤها لا غدًا ولا بعد غد، ولكن بعد عام أو عامين. ولو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان، كما تعنيهم هذه المسائل التي يحرص عليها الوزراء أشد الحرص، لما تفرق الشيوخ قبل أن يضمنوا للطلاب تحقيق ما يريدون. ولكن أمر الطلاب يسير، هم غاضبون اليوم فسيرضون غدًا. هم محزونون اليوم فسيبتهجون غدًا. هم يائسون اليوم فسينسون يأسهم وقنوطهم بعد أيام. أمر الطلاب أيسر على كل حال من أمر الوزراء ومن أمر العميد، والوزراء لا يريدون أن يمضي القانون، والعميد لا يريد أن يمضي القانون، ويقال إن مجلس الجامعة قد رفض هذا القانون بإجماع الآراء. وفي مجلس الشيوخ رزانة ووقار، وحسن تقدير للأمور وحسن تقدير لمنازل الناس أيضًا، فليس عليه بأس من أن يهمل أمر الشباب ليرضي الشيوخ من الوزراء والجامعيين.
ليس شيء من هذا غريبًا، وإنما الغريب حقًّا أن تسيطر الآمال الكاذبة على نفوس الطلاب، فإذا هم ينتظرون الخير، ويطمعون فيه في عهد لا ينتظر فيه الخير، ولا يصح أن يطمع فيه. وهنا تظهر المنفعة القيمة لهذا الدرس البليغ، فقد قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت وعند كل فرصة إنكم تعيشون في عهد لا ينبغي أن تنتظروا فيه عناية بكم أو استماعًا لكم، أو حرصا على ارضائكم، وإنما ينبغي أن تنتظروا فيه الشدة والقسوة والعنف والجهد الثقيل. لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن الذين يغرونكم بالآمال ويستهوونكم بالأماني ويخيلون إليكم أنهم يرحمونكم ويحبونكم ويحدبون عليكم لا يريدون على أن يقولوا لكم كلامًا، قد يحسن موقعه في النفوس ولكنه عند البحث والتمحيص لا يحقق شيئًا ولا يدل على شيء.
لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن أمركم في هذا العهد يجب أن يكون كأمر الشعب كله محنة متصلة وبلاء مقيمًا، وإن واجبكم في هذا العهد يجب أن يكون كواجب الشعب كله صبرًا لا يعرف الضجر، واحتمالًا لا يعرف الضعف، وإيثارًا للوطن وثباتًا للملمات على المنافع العاجلة مهما تكن.
قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: ها أنتم أولاء قد طمعتم في النواب فاستيئسوا الآن من الشيوخ، ها أنتم أولاء قد فتحت لكم أبواب الأمل فلا تدخلوا، ولكن انظروا أنها تغلق في وجوهكم إغلاقًا.
عودوا إلى ما كنتم فيه من الصبر والثبات واليأس من الخير، حتى يبدل الله عهدًا بعهد، ويأتي قوم مكان قوم، وينقل الحكم من أيد إلى أيد، ويفتح أبواب الأمل لمصر كلها لا لفريق من أبنائها دون فريق. عزيز علينا أن يحزن الطلاب وأن تذهب آمالهم مع الريح، وأن يفرض عليهم الجهد الثقيل سنة أخرى، ولكن رب حزن يحمل في طياته العزاء، ورب يأس مظلم يحمل في تضاعيفه النور والرجاء. فليصبر الطلبة وليتعظوا ولينتفعوا بهذا الدرس المفيد.
طه حسين
الوادى، ٣٠ يونية ١٩٣٤. -
إياب …
إياب …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٩ نوفمبر ١٩٣٣
كان المصريون يستعدون للقائهما باسمَيْن في جوٍّ باسم، مُشْرِقَيْن في سماء مشرقة، فعادا إليهم هامدَيْن خامدَيْن لا يعرفان ابتسامًا ولا إشراقًا يحملهما قطار يمشي على الأرض وسفينة تَسْبَح في الماء، ثم قطار يمشي على الأرض ثم عربة تجرها الجياد. لا يذل لهما متن الهواء، ولا يبتهج لهما ضوء الشمس، ولا تصعد إليهما أصوات المصريين رافعة إليهما التهنئة والإعجاب، وإنما تحتجب الشمس ويكتئب الجو، وتبكي السماء وتضطرم نار الحزن واللوعة في قلوب المصريين، وقد تَغْلِب العبراتُ جَهْدَ الجاهد وصبر الصابر، وجَلَد المتجلِّد، فتفلت من العيون، وتنحدر على الخدود.
كان المصريون يرجون أن يكون اليوم يوم ابتهاج فأبى الدهر إلا أن يكون يوم ابتئاس، كان المصريون يقدرون أن الجو سيؤدي إليهم أمانتهم، ويرد عليهم أبناءهم موفورين سالمين، فإذا الجو يخون أمانة الأرض، وإذا السحاب يخفر ذمة الإنسان، وإذا الخطوب تعتدي على هذين الشابين الباسلين فتقهرهما، بعد طول الصراع، وتفجع فيهما أسرتين بائستين وبلدًا مكلومًا حزينًا.
إن من حق المحن على كرام الناس أن يلقوها معترفين بها ومقدرين وقعها في القلوب وأثرها في النفوس، ثم محتملين لها وصابرين عليها، ملتمسين في احتمالها والصبر عليها والانتفاع بها وسيلة إلى المجد، وطريقًا إلى جلال الخطر وارتفاع الشأن.
يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بأنهم قد فقدوا شابين عظيمين كان كل منهما ابتسامة نضرة مشرقة في حياتهم، وكان كل منهما قرة بأعينهم وصلة بينهم وبين الأمل القوي، ورسولًا لهم إلى المجد والعز، وقوامًا لأسرة تعتمد عليه وتفخر به وتعقد به كبار الآمال.
يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بهذا كله، وأن يذوقوا لذع الألم ومرارة الحزن لهذا كله حتى إذا أرضوا حاجة نفوسهم إلى الحزن وحاجة قلوبهم إلى الألم، جدُّوا في التماس ما تحتاج إليه نفوسهم الحزينة من العزاء، وما تحتاج إليه قلوبهم الكئيبة من الأمل والرجاء.
إن حياة المصريين جميعًا فداءٌ في كل وقت وفي كل محنة لمصر الخالدة، ولكن هذا الفداء لا خطر له، إذا لم يشعر المصريون بقيمته، إذا لم يعلم المصريون أنه عزيزٌ عليهم أثيرٌ عندهم، وأنهم لو خُلِّي بينهم وبينه لضنوا به وحرصوا عليه، فنحن لا نريد أن نبذل في سبيل الوطن نفوسًا تَهُون علينا، ولا نريد أن نحتمل في سبيل الوطن آلامًا يخف علينا احتمالها. إنما نريد أن نبذل نفوسًا غالية كريمة في سبيل وطن غالٍ كريمٍ، وأن نحتمل آلامًا فادحة ثقيلة في سبيل وطن نُؤْثِره ونُكْبِره، ونحتمل في سبيله ما يشق حمله، ونرضى في سبيله بما لا يسهل الرضا به والصبر عليه.
لا تتحرج القلوب إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بالحزن اللاذع العميق، ولا تتحرج الوجوه إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بهذه الكآبة القاتمة التي تقطب لها الجباه، وتظلم لها الوجوه، وتنهلُّ لها الدموع، فقد فقدت مصر عزيزًا، ومُنِيَتْ مصر برزءٍ عظيمٍ.
لِنَحْزَن اليوم ولْنُظْهِر حزننا في غير تحرج ولا احتشام؛ فذلك أيسر ما لهذين الشابين العظيمين علينا من حق، ثم لنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من أملٍ، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من جدٍّ ونشاط، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من تضحية وفداءٍ فهذا أيسر ما يجب للوطن علينا من حق.
إن القلوب الكريمة لا تأبى الحزن ولا تكره الألم، ولكنها لا تحب الجزع ولا تعرف اليأس. وقد كانت قلوب المصريين كريمة دائمًا فلم تلقَ الخطوب مُنْكِرةً لها ولا ضيِّقةً بها، وإنما عرفت دائمًا كيف تَفِي للذين وفوا لها فتُكْبِرهم أحياء وتذكرهم مع الحب والحزن والألم حين يفارقون الحياة، ثم لا يمنعها ذلك أن تمضي في طريقها إلى ما قُدِّر لها من الرقي، لا وانية ولا يائسة ولا مستسلمة للخطوب. وهل كانت حياة مصر الخالدة إلا مزاجًا من الألم المُلِحِّ والأمل المبتسم الذي لا يعرف ضعفًا ولا فتورًا؟!
إن في هذا الخطب العظيم لعِبَرًا يجب أن يعتبر بها المصريون وإلا تلهيهم عنها الحياة بهزلها وجدِّها، وإلا تلهيهم عنه بنوع خاص هذه الألفاظ الضخمة التي تمتلئ بها الأفواه والأسماع وقلما تصل إلى القلوب والنفوس.
يجب أن يعلم المصريون أن الوفاء لهذين الشهيدين ليس بالحزن عليهما اليوم والانصراف عنهما إذا مضى هذا الجيل وأقبلت الأجيال التي تليه فإنهما لم يضحيا بنفسيهما فحسب، ولكنهما أنْبَأَا العالم الحديث بأن المصريين يعرفون الآن كما كانوا يعرفون من قبل كيف يموتون في ميدان الشرف، وكيف يبذلون أنفسهم ثمنًا لرفعة مصر الخالدة.
نعم؛ وأنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين نهضوا، ولم يكونوا يلغون حين فدوا بلادهم بأنفسهم، وإنما كانوا يجدون حقًّا ويريدون ما يقولون حقًّا ولا يبخلون بالحياة حين تطلب إليهم مصر بذل الحياة، وهما أنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين أرادوا أن يرفعهم نشاطهم إلى الجو، لم يكونوا يتخذوا الطيران لهوًا ولعبًا، وإنما كانوا كغيرهم من الشعوب يتخذون الطيران وسيلة من وسائل الرقي، وسببًا من أسباب النضال الصحيح في الحياة يحتملون في سبيل ذلك ما يُفرَض عليهم من التكاليف، ويبذلون في سبيل ذلك ما ينبغي بذله من النفس والمال.
فهذان الشهيدان خليقان أن يعرفهما هذا الجيل، وأن تعرفهما الأجيال المقبلة وأن يظل شخصاهما ماثلين لا في قلوب المصريين فحسب بل على الأرض المصرية وتحت السماء المصرية تُحَيِّيهما الشمس في كل صباح، وتُحَيِّيهما النجوم في كل مساء.
نعم؛ وقد أَبَتْ عناية الله بمصر، وحب الله لمصر، إلا أن يكون هذا الخطب العظيم رمزًا مقدسًا لحقيقة مقدسة، يجب أن تكون قوام الحياة المصرية دائمًا، ويجب أن تكون فوق كل الحقائق، فهما مصريان، أحدهما مسلم والآخر مسيحي.
كلاهما كان في مهمة وطنية، كانا يؤديانها معًا في حب مشترك لمصر، ووفاء مشترك لمصر، واحتمال مشترك لأمانة مصر، حتى إذا هاجمتهما الخطوب لم تُؤثِر أحدَهما دون صاحبه ولم تُفرِّق بينهما فيما أضمرت لمصر من كيد، وإنما هاجمتهما معًا وصرعتهما معًا ودفعتهما معًا إلى موتٍ مشتركٍ كريم، فالجو الفرنسي قد شهد مصر الخالدة الخالصة من كل خلاف تصارع الموت. والأرض الفرنسية قد تلقَّتْ رمز مصر الخالدة الخالصة من كل خلافٍ حين صرعه الموت.
ومصر الآن، مصر الخالدة مصر الخالصة من كل خلاف، مصر التي تسمو فوق كل فكرة وفوق كل اعتبار، مصر الواحدة ستلقى رمزها الواحد، وستودع هذا الرمز المقدس أرضها المقدسة، وسترمم هذا الرمز المقدس في قلوب أبنائها جميعًا. فيجب أن يفكر المصريون في هذا، ويجب أن يقدر المصريون هذا، ويجب أن يعلم المصريون أن الخطوب والمحن حين تلم بمصر لا تختار من أهلها فريقًا دون فريق، وأن المجد والعز حين يطلبان التضحية من مصر لا يطلبانها من فريق دون فريق وإنما يطلبانها من المصريين؛ لأنهم مصريون لا أكثر ولا أقل.
ولو لم يكن في هذا الخطب العظيم إلا هذا الدرس العظيم الذي تلقيه الأيام على المصريين، لكان هذان الشهيدان خليقين بألا نكتفي بأن نواري جسميهما في التراب ونحفظ شخصيهما في القلوب، ونسفح عليهما بعض الدموع.
كلا، كلا. يجب أن يظل هذا الرمز المقدس للوحدة المصرية خالدًا ماثلًا أمام الأجيال المصرية كلها تحييه الشمس إذا أشرقت، وتحييه النجوم إذا تألقت في السماء.
نعم؛ وعبرة أخرى في هذا الخطب العظيم يجب أن يعيها المصريون جميعًا وأن يعيها الشباب من المصريين خاصة وهي أن لمصر عند الجو ثأرًا، وأن هذا الثأر يجب أن يُنال، وأن هذا الجو الذي خان أمانة مصر، وقتل ابنين كريمين من أبنائها يجب أن يؤدي ثمن هذه الخيانة، وأن يذل للأجنحة المصرية، وأن يذعن متنه، لا لطائرتين ولا لطائرات تُعَدُّ بل لطائرات كثيرة كثيرة، تلائم نشاط الشباب ونهضته واعتداده بنفسه واعتزازه بوطنه، وحرصه على أن يثأر لنفسه حتى من الطبيعة حين تعتدي عليه الطبيعة.
أفيبلغ هذا النداء قلوب الشباب المصريين؟ -
عدلي
عدلي…
يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟
طه حسين
الرسالة – 1/11/1933 -
عظيم
عظيم
كان حازمًا إذا قال أو فعل. كان عازمًا إذا همّ أو مضى. وكان أبيًّا إذا سيم الضيم، عصيًّا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أُريد على الهوان. جمع الله له قلبًا زكيًّا، وأنفًا حميًّا، وضميرًا نقيًّا، وخلقًا رضيًّا، ولسانًا صيرفيًّا صارمًا كحسام السيف ما مسّ شيئاً إلا قطع، ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عمّا رسم لنفسه من طريق. ثم رمى به الأحداث والخطوب فلم تثبت له، وإنما ولّت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار.
وليست الخطوب التي تعترض عظماء الرجال شرًّا كلها، وليست الآلاء التي تتاح لعظماء الرجال خيرًا كلها. فهذه النعمة السابغة التي يتمّها الله على الرجل العظيم نوع من أنواع المحنة، وضرب من ضروب الفتنة، لأنه خليقة أن تغريه بالأشر والبطر، وتزيّن له الكسل والفتور. وهذه النقمة القاتمة التي يمتحن بها الله الرجل العظيم ضرب من ضروب التشجيع، ولون من ألوان التمحيص، خليقة أن تعوده احتمال المكروه والصبر للنوائب والتفوق في مصارعة الأحداث.
وقد ابتُلي سعد بالنعم السابغة فلم تُفسد عليه من أمره شيئًا، وابتُلي سعد بالنقم الملحّة فلم تفلّ له حدًّا، ولم تُضعف له عزمًا، ولم تجعل لليأس إلى نفسه العظيمة سبيلًا.
أجمع المصريون على حبّه وإكباره قبل الثورة لأنه كان زعيم صفوتهم وقائد خلاصتهم إلى مثلها الأعلى من الحرية والكرامة، ومن العزة والاستقلال. إليه أوى «قاسم أمين» حين كتب «تحرير المرأة» فتنكّر له الدهر وأهله، وبه لاذ «محمد عبده» وأصدقاؤه القليلون الذين كانوا يمثلون في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن آمال مصر ومثلها العليا في الحياة الكريمة الراقية.
وأجمع المصريون على حبّه وإكباره إبان الثورة، لأنه كان يقود الشعب كله إلى هذا الأمل العزيز الذي كان مقصورًا قبل الحرب على الخلاصة والصفوة، ثم شاع بعد الحرب في الناس جميعًا.
ثم اختلف المصريون فيه بعد الثورة، فسلمت له كثرتهم الضخمة وعددهم الرائع، ونهضت له جماعة منهم تقاومه وتخاصمه، وتحاوره وتساوره ما وسعتها المقاومة والمخاصمة، وما أطاقت المحاورة والمساورة. وأُغريت به أقوى أمم الأرض وأشدّها بأسًا وبطشًا، وأعظمها حولًا وطولًا، وأوسعها سلطانًا وملكًا. نفته ثم ردّته، ثم ضاقت به فأبعدته، ثم عجزت عن أمره فأطلقته. وظلّ هو طول حياته باسمًا للنعمة، باسمًا للنقمة، لا تدفعه تلك إلى أشر ولا بطر، ولا تضطره هذه إلى ضعف ولا وهن. وظلّ طول جهاده ثابتًا لخصومه من مواطنيه، ساخرًا بهذه الكوارث التي كان يسلطها عليه أعداؤه من الأجانب حتى أعيا أولئك وهؤلاء جميعًا.
وإذا أولئك يقبلون عليه، ويضعون أيديهم في يده، ويؤمنون له بالزعامة والتقدمة، ويتعاونون معه على البرّ والخير والمعروف. وإذا هؤلاء يسعون إليه ويعترفون له بالسلطان على نفس الشعب المصري وقلبه، ويسجلون أن ليس لهم إلى إرضاء هذا الشعب من سبيل إلا أن يتفقوا مع هذا الرجل. وإذا هو يقضي الشطر الأخير من حياته العظيمة وقد سلّم له إجماع الشعب كله على حبّه وإكباره. لم يشذّ منه أحد ولم يندّ منه إنسان. وإذا هو قد قهر عدوًّا عنيفًا وخصمًا عنيدًا، كان لا يزال ثملًا بأعظم انتصار عرفه التاريخ في أعظم حرب عرفها التاريخ.
ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، وتجزع لفقده مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم. ويأسى لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا.
وكذلك ابتسم الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي ابتسام الدهر عظيمًا، وعبس الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي عبوس الدهر عظيمًا. وكذلك عرف هذا الرجل كيف يكون كريمًا في المسالمة، كريمًا في المخاصمة، كريمًا في الجهاد، كريمًا في الهدنة. وكيف يذوق البغض كأشدّ ما يكون فلا يفسده البغض، وكيف يذوق الحب كأحسن ما يكون فلا يبطره الحب، وكيف ينصرف عن هذه الحياة وقد ملأ قلوب الأحياء، وكيف تمضي الأيام والشهور والأعوام على موته فلا تنقص من مكانه في القلوب، بل تزيده، ولا تضعف من سلطانه على النفوس، بل تقوّيه، ولا تغري بذكره النسيان، بل تذود عنه وتجعل شخصه مثلًا دائمًا أمام الشعب المصري، وأمام الشعوب الشرقية كلها، تلتمس عنده الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتتعلم من سيرته الصبر على المحن والفتن، والجدّ في الذود عن الوطن، والازدراء لكيد الأعداء والثبات لمكر الخصوم.
إنما الرجل العظيم كتاب خالد، لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، وللشعوب جميعًا. يعرف الناس أوله ولكنهم لا يعرفون له آخرًا. لن يعرفوا آخر الكتاب إذ عرفوا موته، لأن هذا الموت لا يختم حياة العظماء. ولعله يبدأها أو يبدأ خير أجزائها وأعظمها غناء، لأنه يزيل منها العناصر الفانية ويبقي منها العناصر التي لا تقبل الفناء. فإذا عرف الناس أن سعدًا قد وُلد عام كذا، ومات عام كذا، فإنهم قد بدأوا كتاب سعد، ولكنهم لن يختموه إلا إذا كان للخلود ختام.
فقد تختلف الخطوب على مصر والشرق، وقد تلمّ بهما الأحداث، وقد يصيبهما الخير والشر، ويتناوبهما البؤس والنعيم، ولكنهما سيذكران دائمًا أن هذا الرجل قد فتح لهما باب الحياة العزيزة الكريمة، وعلّمهما كيف يبتغيان لها الوسائل ويسلكان إليها الطرق ويصبران في سبيلها لما يفرض عليهما من تضحية وما يلمّ بهما من آلام.
وستبحث مصر، وسيبحث الشرق عن عظمة سعد هذه من أين جاءته، وكيف أتيحت له، وسيجد أن في صبره الذي لم يكن يعرف ضيقًا بالحوادث ولا إشفاقًا منها، وفي مضائه الذي لم يكن يعرف وقوفًا عن السعي، ولا التواءً عن قصد السبيل، وفي حلمه الذي لم يكن يعرف بطشًا بالجاهل حين يقدر على البطش، وفي غضبه الذي لم يكن يعرف هوادة في الحق حين يأبى الحق الهوادة على طلابه، وفي لسانه الذي لم يكن يعرف وقوفًا ولا ترددًا حين يجب القول، وفي قلمه الذي لم يكن يعرف اضطرابًا حين يجب المضي، وفي عقله الذي لم يكن يعرف كللًا حين يجب التفكير، وفي فطنته التي لم تكن تعبأ بمشكلة ولا تفتر عن معضلة، ولا تعجز عن النفاذ إلى أعماق ما يعترضها من الأمور، وفي غير ذلك مما يعرفه الناس ومما لا يعرفونه. وأكبر الظن أن الناس لم يعرفوا من أمر هذا الرجل إلا أقله، لأن حياة العظماء لا يكشف عن أمرها للناس ولا تبدو أسرارها ودخائلها إلا حين يبعد بها العهد، وحين تتعرض غيرها من حياة الناس لعبث النسيان.
ليذكر المصريون سعدًا اليوم، وليذكروه غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى سعد كما يحسنون بذلك إلى أنفسهم، فقد انتقل سعد إلى هذه الدار الخالدة التي لا يفيد العظماء فيها من ذكر الناس لهم شيئًا، وإنما يفيد الناس من ذكرهم العظماء، لأنهم لا يجدون من سيرتهم ما يعلّمهم الصبر حين يحتاجون إلى ازدراء الكوارث. وما أشدّ حاجة المصريين في كل يوم، وفي هذه الأيام خاصة، إلى أن يذكروا سعدًا ويطيلوا النظر في سيرته، ليعرفوا كيف يكون الصبر حين تلمّ الخطوب، وكيف يكون الجهاد حين يتألب العدو، وكيف يكون حسن البلاء حين يطالب الوطن أبناءه بأن يبذلوا ما يملكون من قوة وجهد، ومن مال وروح، ليحفظوا عليه عزته وكرامته وليبلغوا به ما يريد من حرية واستقلال.