Tag: Rivalry

  • تنافــس

    تنافس
    هما حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف، ولن يقع بينهما خلاف. لم تكن بينهما فرقة ولن تكون بينهما فرقة. أصدق تصوير لما بينهما من ألفة ومودة، ومن صلة لن تنقطع وحب لن يصيبه الصدأ هو قول الشاعر القديم:
    رضيعي لبان ثدي أم تقاسما
    بأسحم داج عوض لا نتفرق ولا يتفرق الحزبان إن شاء الله فقد نهضا بالحكم معا، وأقاما في الحكم معا، وسينزلان عنه معا يوم تتحقق نبوءة «الديلى تلغراف» أو قبل ذلك بقليل، أو بعد ذلك بقليل. وسيذوقان معا لذة البعد عن الحكم كما ذاقا معا لذة القرب منه والبقاء فيه. ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن التنافس لا يكون بين الأشقاء فالتنافس ظاهرة من ظواهر الحياة، ودليل من أدلة القوة وأثر من آثار النشاط.
    وحزب الاتحاد قوي من غير شك، لأن بين أعضائه وزير التقاليد وحزب «الشعب» قوي جدا لأن زعيمه رئيس الوزراء. وحزب الاتحاد قوي جدا لأن زعيمه رئيس الشيوخ. وما دام الحزبان الشقيقان قويين إلى هذا الحد الذي يتجاوز كل حد فلا بد من أن يظهر بينهما التنافس ليتبين الناس أي الوزيرين أجدى على حزبه وأنفع له أوزير الزراعة على حزب الشعب أم وزير التقاليد على حزب الاتحاد؟ وليتبين الناس أي الرئيسين أكثر بركة وأوسع نعمة على حزبه: أرئيس الوزراء لحزب الشعب أم رئيس الشيوخ لحزب الاتحاد؟ وهذا التنافس ينفع ولا يضر، ويحسن ولا يسيء. فقد يكون التنافس في الخير، كما يكون التنافس في الشر. وقد يكون الاستباق إلى النفع، كما يكون الاستباق إلى الضر. تنافس في النفع كما يكون
    وحزب الشعب والاتحاد شقيقان لم يختلفا ولن يختلفا، صديقان لم يتباغضا ولن يتباغضا. وكلاهما جاد في خدمة مصر، حريص على نفعها، فإذا تنافسا فلن يكون
    تنافسهما إلا في الخير، وإذا استبقا فلن يكون استباقهما إلا إلى النفع والبر والمعروف. وإذن فلا بد من أن يتنافسا وقد تنافسا في هذين اليومين، فوزير التقاليد مسافر إلى أوربا ليستشفي ويستريح، وقد يبحث في أثناء ذلك عن أعضاء أجانب للمجمع اللغوي، فيجب أن يسافر وزير الزراعة إلى أوربا ليستشفي ويستريح، ولعله يبحث في أثناء ذلك عن نوع من أنواع القطن، ولون من الألوان الكتان أو فن من فنون تجفيف التمر، أو ضرب من ضروب تصفية العسل. فوزير التقاليد يغذي العقول، ويحمي الأخلاق. ووزير الزراعة يغذي الأجسام ويحمي الجلود من البرد والقيظ وكلاهما خليق أن يفكر في الناس إذا استشفى واستراح. وقد شعر حزب الاتحاد بخطر هذه الرحلة التي هم بها وزير التقاليد فاحتشد لتوديعه واحتفل لتشجيعه وألقى خطبا وشرب الشاي فشعر في الحال حزب الشعب بخطر الرحلة التي هم بها وزير الزراعة فاحتشد للتوديع واحتفل للتشييع، وقال كلاما وسمع كلاما ولكنه سبق حزب الاتحاد بعض السبق، فلم يشرب الشاي ولم يسقه للناس وإنما تعشى وعشى الناس.
    ومن هنا كان حزب الشعب أكرم من حزب الاتحاد أو أغنى من حزب الاتحاد، فطعام العشاء شيء، وتناول الشاي والحلوى شيء آخر. والعشاء أطول بقاء في البطون وأعسر هضما. والشاي قصير البقاء، يسير الهضم. فحزب الشعب متفوق من الناحية المادية على حزب الاتحاد. وهذا طبيعي لا غبار عليه. فقد قلنا إن حزب الشعب مستأثر بوزارة الزراعة، ووزارة الزراعة مسيطرة على ما تخرج الأرض من النبات وما تغذو الأرض من الضأن والمعز ودواجن الطير وما تثمر الأرض من الفاكهة والعنب.
    ولكن حزب الاتحاد تفوق على حزب الشعب من ناحية أخرى، هي الناحية العقلية، فقد كان خطباء الاتحاديين أكثر من خطباء الشعبيين. ولم يخطب في الحفل الشعبي إلا وزير واحد، هو زعيم حزب الشعب ووزير ما تخرج الأرض وما تغذو من النبات والحيوان والثمرات.
    وإذن فالحزبان متكافئان، يتفوق أحدهما في تغذية الأجسام، ويتفوق الآخر في تغذية العقول. ثم يتكافأ هذان النوعان من التغذية فإذا الحزبان ما يزالان كما كانا من قبل، وكما سيكونان دائما فرسي رهان، لا يسبق أحدهما إلا ريثا يلحقه صاحبه.
    وكان الموضوع الخفي الذي من أجله احتفل الحزبان هو تلك الرسالة المشئومة، رسالة الديلى تلغراف . فلم يكن بد من أن يتنافس الحزبان في الرد على هذه الرسالة وإقامة الأدلة الواضحة والبراهين الفاضحة على أن هذه الرسالة سخف من السخف، وهذيان من الهذيان، لا تغير من موقف الوزارة شيئا، لأن موقف الوزارة ليس رهينا بما تقوله الصحف في مصر أو في بلاد الإنجليز، إنما هو رهين بشيء آخر يعرفه الناس جميعا. وقد أعلنه رئيس الوزراء ألف مرة ومرة، وهو رضا جلالة الملك وثقة البرلمان. ولم يكن بد من أن يستبق الحزبان إلى البراعة في الرد على هذه الرسالة، وقد استبقا والغريب أنهما تكافآ في هذا أيضا. فلم يتفوق أحدهما على صاحبه قليلا ولا كثيرا. ولم يسبق أحدهما صاحبه قيد إصبع أو جناح ذبابة كما يقولون. ولم يفتح الله على أحد الحزبين المتنافسين بأن يزيد على ما قاله رئيس الوزراء ألف مرة ومرة حرفا واحدا، وإنما أراد الحزبان المتنافسان أن يصطنعا فنونا من البيان في التعبير عن هذا الموضوع. والغريب أنهما تكافآ في هذه الفنون أيضا. فقد أراد وزير التقاليد أن يسخر من كتاب الإنجليز، ومن المعارضين المصريين، فاصطنع الأدب الذي لا يشبهه أدب، والظرف الذي لا يشبهه ظرف وارتفع عن لغة العامة إلى لغة الخاصة، وعن لهجة الشعب إلى لهجة الوزراء. فقال إن هؤلاء الكتاب الإنجليز يضحكون من ذقون الأغرار المعارضين. وأراد وزير الزراعة أن يذم هؤلاء المعارضين ذما سياسيا نزيها نظيفا بريئا عفيفا لا يصدر إلا عن أصحاب الثقافة العليا والألسنة الطاهرة والطباع السمحة والترفع عن الفحش، فقال إن غير الشعبيين والاتحاديين قد أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة، فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. فكلا الوزيرين كما رأيت فرسي رهان في كل شيء، لا يكاد أحدهما يبلغ الغاية حتى يكون الآخر قد بلغها. ولن يظفر الحزبان فيما يظهر بنتيجة حاسمة لهذا التنافس فيستبقان دائما دون أن يسبق أحدهما صاحبه. وسيتنافسان دائما في الخير والمعروف دون أن يتفوق أحدهما على صاحبه في الخير والمعروف. وستستفيد مصر من هذا التنافس المتصل والسباق الذي لا ينقطع وستجني من غير شك منه ثمارا عذبة في الذكاء والمهارة، وفي النبوغ والبراعة، وفي أدب اللفظ وعفة اللسان. وسنتعلم كيف نذكر الضحك من الذقون، وكيف نصف الخصوم السياسيين بأن الشهوات والمصالح قد أعمت بصائرهم فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. وإذا لم تقتد مصر بوزرائها فبمن تقتدي؟ وإذا لم تقلد مصر وزير التقاليد فمن تقلد؟
    والظريف من أمر هذا التنافس أنه لم يأت بشيء جديد، فقد عرف الناس رأي الوزارة في مكتب الديلى تلغراف وصدقوه وآمنوا به واستيقنوا أن الوزارة أثبت من المقطم، وأرسخ من الأهرام. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأنها قد قدمت لمصر ما لم تقدمه إليها وزارة أخرى من النعم والآلاء فأنقذتها من الجوع وبرأتها من المرض، ورفعت رأسها، وحفظت كرامتها، وردت عنها عدوان الأجانب وصدت عنها طغيان الإنجليز. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأن الأمة قد منحتها الثقة والتأبيد، واختصتها بالمودة والحب، وكانت الإسكندرية أسبق المدن المصرية إلى الثقة بالوزارة والإيمان لها وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت الإسكندرية أحرص المدن المصرية على حب الوزارة وتأييدها، وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت كل مدينة مصرية يخطب فيها وزير أسبق المدن المصرية إلى حب الوزارة وأحرصها على فدائها بالأنفس والأموال.
    ومصر كلها أسبق من مصر كلها إلى حب الوزارة وأحرص من مصر كلها على فدائها بالأنفس والأموال. ومن يدري؟ لعل الحزبين الشقيقين الذين لم يتفرقا ولن يتفرقا لا يتنافسان إلا في الكلام، وما أيسر التنافس في الكلام وما أنفعه وأجداه فإنه يضحك ويسلي الهم ويهون احتمال الآلام.
    كوكب الشرق ٢٩ — ٧ — ١٩٣٣