Tag: Rome

  • من حديث الشهداء

    من حديث الشهداء
    للدكتور طه حسين

    لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيراً من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيراً من آيات الطاعة والإذعان.
    ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضاً حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم؛ هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين.
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كنّ يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل همّ، ويغرن بهم كل نعيم؛ يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم؛ وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم؟ وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبّر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلمّ بهم من الحوادث والخطوب. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام فتمضي معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يُساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباءً مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم؛ ثم يتخذون منه علماً بأمور أوطانهم تلك التي لم يبقَ لهم إليها سبيل.
    كلا، لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيراً منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء.
    وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وما له لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دماً بريئاً ولما ينتصف النهار؟ أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دُفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً، وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين؛ وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألمّ به من كرب، وأحسنهم احتمالاً لما سُلط عليه من محنة، ورضي بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض.
    ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال؛ وهم يعذلونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع.
    وكان نسطاس ملكاً لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة؛ دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يُحبَّب إلى نسطاس، ولكن لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدرُ الغادرين من هذيل.
    ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع؛ فذكر أموراً كان يقرأها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قُتلوا في المسيحية تقتيلاً، والذين امتُحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.
    ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزُلزل قلبه زلزالاً، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباءً. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء.
    على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه:
    "لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت في أهل البادية، لما دُفع صفوان إلى ما دُفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى أسيره، ولما أنفذتُ أمره فيه".
    قال أصحابه:
    "وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟".
    قال:
    "أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي؛ يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان؟ ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وأرفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء؛ خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيّما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.
    ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولاً يروع النفوس ويخلع القلوب، ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال:
    "إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت، لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصوم قريش وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني مَن أصابك؟ فيقول: ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، ثم أصابني السهم. يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن مَن جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء".
    قال قائل:
    "وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الإبل، فضلاً عن مائة من الإبل؟".
    قال نسطاس:
    "والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال. أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم مَن يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون ألا ينزلوا على عهد كافر أبداً ويقاتلون حتى يُقتلوا، وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون، ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يُحملان إلى مكة ويُباعان فيها؛ فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قُدّر له من نعيم، ويتم لي ما قُدّر لي من شقاء".
    ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حيناً، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول:
    "لقد عرفتُ ورأيتُ من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضيّ عليّ ومقدور لي، لكان فيما عرفتُ قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنتُ أخاف لو عصيتُ صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دُفعتُ إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل همّوا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حُدّثتُ أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمسّ كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حُدّثتُ أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميتُ دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخر النهار".
    ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث لم يبكِ وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاءً طويلاً، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحّوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث فقال:
    "وبمَ تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنتُ أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييتُ في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنتُ واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله وإنما سفكتُ دم شهيد كريم. ولقد سمعتُ أبا سفيان زعيم قريش يسأله: أيّما أحب إليك؛ أن يكون محمد مكانك هذا وأن تكون أنت آمناً بين أهلك؟ فيجيبه: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي. فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنتُ أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة، فقد علمتُ الآن إني رقيق حقّاً، وقد علمتُ الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمتُ الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلاً. لقد قتلتُ نفسي يوم آثرتُ الحياة وقبلتُ أن أكون سلعة في يد أولئك التجار".
    قال رجل من أصحابه:
    "إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب؛ لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماءً إلى دمه حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أرادوا قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وأن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب؛ كانت تراه مغلولاً يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يُراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وأن امتلأ قلبها رعباً، وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب وقال للمرأة: أأشفقتِ على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقاراً، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟".
    قال قائل منهم:
    "ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً؛ فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الإيمان الذي زُيّن في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تُساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر؛ كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر أنه كائن ولكنه أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعتُ إلى ذلك سبيلاً".
    قال الآخرون:
    "ما أيسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش؟ وإن مَن حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على مَن أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟".
    قال نسطاس وهو ينتحب:
    "فكروا في ذلك ودبّروا، وتهيأوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كُتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سُلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عني أثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة".
    ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبراً.
    الرسالة ٢٣ – ٤ – ١٩٣٤

  • إغراء

    إغراء
    كانت المسيحية تنتشر في أقطار الأرض انتشارا سريعا منذ ثمانية عشر قرنا. وكان اعتناق المسيحية في ذلك الوقت جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالموت. وكان الناس يدخلون في هذا الدين سرا، ويخفون إيمانهم به وإقامتهم لشعائره. وكان يسعى بعضهم لبعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويدل بعضهم على بعض. فارتفعت إلى حاكم من حكام الأقاليم في آسيا سعايات كثيرة بقوم كثيرين دخلوا في هذا الدين الجديد، ووقف هذا الحاكم موقف التردد والحيرة من هذه السعايات: أيصغي إليها أم يعرض عنها؟ فكتب إلى روما يستفتيها وأجابته روما بهذا الجواب البديع: من سعى بغير فليس منا، وما ينبغي أن تكون السعاية وسيلة من وسائلنا إلى الحكم، فإن ارتفعت إليك الدعوى على أحد أنه دخل في هذا الدين وقامت عليه البينة لديك فأنفذ فيه حكم القانون. وإلا فلا تجعل لنفسك على الناس في هذا سبيلا.
    وأمضى الحاكم هذا الأمر فلم يأخذ بالسعاية ولم يسمع لوشاية الواشين ولم يبث على الناس عيونا ولا أرصادا، ولا جواسيس ليتبين من أمرهم ما كان يجب أن يتبين، فقد كان الدخول في الدين الجديد خروجا على قوانين الدولة، وإهدارا لما كان للإمبراطور في أعناق الناس من واجب العبادة والتقديس، وتحللا من واجب آخر لم يكن أقل من هذا الواجب خطرا، واجب النهوض بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية.
    كان ذلك في عهد تراجانوس الإمبراطور، وكان الحاكم كلينيوس الصغير، وكان تاريخ القصة أول القرن الثاني للمسيح. وكان الإمبراطور وحاكمه وثنيين. ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي والحضارة ما بلغه الآن بفضل نمو العقل، وانبساط سلطانه على حياة الناس وعلى الأشياء، ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي الديني والخلقي ما بلغه في هذه الأيام بفضل انتشار الديانات السماوية وسيطرتها على العقول والقلوب، وتأثيرها في سيرة الناس وتفكيرهم وفي سياستهم العامة والخاصة معا.
    وفي هذا القرن الذي نعيش فيه بعد أن بلغ العقل ما بلغ من الرقي، وبعد أن انتشر نور الديانات السماوية بين الناس فأحيا القلوب والنفوس، وبين سبيل الخير وسبيل الشر وأوضح للناس طريق المعروف ليسلكوها، وطريق المنكر ليجتنبوها.
    في هذا القرن العشرين كثرت طائفة بعينها من الجرائم في بلد بعينه من البلاد، وعجزت حكومة بعينها من الحكومات عن قمع هذه الجرائم، لأنها عجزت عن استكشاف المجرمين. فلما ضاق بها الأمر، وأعيتها الحيلة وسدت عليها السبل، رأت أن أوضح السبل إلى أخذ المجرمين وتقديمهم إلى القضاء ليلقوا جزاءهم على ما اقترفوا من إثم، واجترحوا من سيئة إنما هو تشجيع الساعين أن يسعوا والواشين على أن يشوا، والكائدين على أن يكيدوا، والمفسدين على أن يفسدوا، والعابثين بالأخلاق على أن يعبثوا بالأخلاق.
    وكانت هذه الحكومة قد ظفرت في وقت من الأوقات بطائفة من الآثمين سعى بعضهم ببعض فقدمتهم إلى القضاء، وأجرى فيهم القضاء أمر القانون حازما صارما، ليست فيه هوادة ولا لين. فراع هذا الحكم غير هؤلاء الآثمين من الناس فانقطعت السعاية ووقفت الوشاية، وأمن الأبرياء من أن يزجوا في أعماق السجون أشهرا حتى يظهر القضاء براءتهم، وعمي أمر المجرمين على الشرطة، ولم تمكنها وسائلها الخاصة من أن تستكشف هؤلاء المجرمين بنفسها فسعت وألحت في السعي، وطلبت وألحت في الطلب حتى صدر العفو عن أشد هؤلاء الآثمين إثما، وأكثرهم إغراقا في السعاية والوشاية والكيد فحُطِّمت عنه الأغلال وانحلت عنه السلاسل، وانفرجت عنه أبواب السجون وانطلق حرا يستمتع بما يستمتع به الناس من الحياة والضوء والهواء الطلق ومُنح حظه من مكافأة كانت قد أُرصدت لمن يدل الشرطة على الآثمين.
    كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، فقضى فيها أحد عشر شهرا، وخرج فإذا بألف من الجنيهات تنتظره على باب السجن أو في مكتب من مكاتب الإدارة ليذوق لين العيش بعد خشونته، ولذة الحياة بعد آلامها، وليكون غنيا بعد فقر، ناعما بعد بؤس، سعيدا بعد شقاء. والعفو فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروها ولا سيما إن آثروها وهم قادرون على البأس والبطش. فمن الحق أن يُحمد لهذه الحكومة التماسها العفو عن هذا السجين، وقد كانت قادرة على أن تبقيه في السجن. والجود فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروه، ولا سيما إن آثروه وقت الحاجة إليه. فمن الحق أن تُحمد الحكومة حين تمنح هذا البائس ألفا من الجنيهات، وقد كان محروما لا يجد ما ينفق بعد أن انفرجت عنه أبواب السجون.
    ولكن العفو فضيلة حين يُقصد لنفسه، وحين يُراد به وجه الله. والجود مأثرة حين يُقصد لنفسه وحين يُراد به رفع الكرب عن المكروبين، ورد الحرب عن المحروبين. فأما إذا طلبت العفو لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي طلبت العفو عنه من سعاية ووشاية وكيد، فأما إن أنعمت لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي أنعمت عليه من سعاية ووشاية وكيد، فأنت لم تؤثر عفوا، ولم تصطنع جودا، وإنما عرضت الأخلاق لشر عظيم، ووضعت ضمائر الناس في الأسواق للبيع والشراء، وفتحت على الأبرياء الآمنين أبوابا من الشر منكرة، لا سبيل إلى أن تُغلق إلا بعد الكد والجهد، وبعد المشقة والعناء، وبعد أن يُبلى عدل القضاء في ذلك بلاء حسنا عظيما معقدا أشد التعقيد. واتخذت الفضيلة وسيلة إلى غير الفضيلة، والمعروف وسيلة إلى غير المعروف. وأفسدت على الناس قيم الأشياء، وشككت الناس في الخير والشر، وجعلتهم خليقين أن يزدروا الاستقامة، ويؤثروا عليها الاعوجاج، وأن يعافوا البر ويؤثروا عليه النكر، وأن يسألوا أنفسهم: أيهما ينبغي أن نصدق؟ أهو ما تنبئنا به كتب الدين والأخلاق من أن البر والخير والمعروف وحسن السيرة واستقامة المسعى أمور تليق بكرامة الناس وأتقيائهم، وتضمن لهم رضا الله ومثوبته؟ أم هو ما يغرينا به مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من إيثار السعاية والوشاية وحب الدس والكيد، ونصب الحبائل للأبرياء؟ أيهما ينبغي أن نسمع له ونصغي إليه؟ أهو هذا الذي يقال من أن الحكومة في البلاد المستنيرة المؤمنة إنما أُنشئت لتقيم العدل بين الناس بالعدل، لا بالجور، ولتكشف شر الناس عن الناس بالقسط لا بالظلم، ولترغب الناس في الخير وتعينهم عليه وتمكنهم منه؟ أم هو هذا الذي يلقيه في روعنا مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من أن الغاية تبيح الوسيلة، ومن أن الحلم يمكن أن يُبذل ثمنا للكيد، ومن أن الجود يمكن أن تُشترى به السعاية والوشاية والشر.
    كل هذه الخواطر تضطرب بها نفوس المصريين جميعا منذ أمس، وتخفق لها قلوب المصريين جميعا منذ أمس، وتتحدث بها ألسنة المصريين جميعا منذ أمس. فإن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة حين استصدرت العفو عن هذا السجين البائس قد تفيد — على شك كثير في ذلك — في إعانة الشرطة على استكشاف من أعجزها استكشافه من الآثمين، ولكنها ستضر أكثر مما تنفع، وستفسد أكثر مما تصلح، وستغري الناس بالشر أكثر مما تنهاهم عنه، وسترغب الناس في الإثم أكثر مما تنفرهم منه. ويكفي أنها ستشكك الناس تشكيكا فظيعا مخيفا في هذا الذي تجري به ألسنة الوعاظ والأتقياء والمعلمين والمؤدبين من صنع الخير والثناء عليه، ومن الإشادة بحسن السيرة، ونقاء الضمير. وكم كنا نحب أن تفكر الوزارة فتحسن التفكير، وأن تروي الوزارة فتحسن التروية، وأن تسأل الوزارة نفسها أيهما أحق بالعناية وأولى بالرعاية؟ أهو استقامة الأخلاق العامة، وطهارة ضمائر الناس، أم هو إعانة الشرطة من طريق معوجة ملتوية على ما عجزت عن الوصول إليه.
    أما نحن فنعتقد اعتقادا لا يشوبه الشك أنه قد كان على الوزارة واجب قصرت فيه، وهو أن تتبين الأسباب التي دعت إلى عجز الشرطة فتغيرها. وأكبر الظن أن هذه الأسباب موجودة في الشرطة نفسها وفيما تجري عليه من نظام، فلو قد غيرت الوزارة من نظام الشرطة ما ظهر أنه سبيل إلى هذا العجز لكان هذا خيرا للأمة والحكومة معا، ولكان هذا أبقى على دين الناس وأخلاقهم ورأيهم في قيمة الدين والأخلاق.
    ما كان أجدر الوزارة بأن تعرض عن نصح هؤلاء الناصحين الذين يخيلون إليها أنها وُجدت لنفسها لا للناس، وأن كل وسيلة مهما تكن فهي مشروعة ما دامت تمكنها من الحياة وطول البقاء. إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة تضيق بشيء، فهي تريد أن تخلص من هذا الضيق دون أن تفكر في قيمة الوسائل التي تتخذها للخلاص من هذا الضيق.
    إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة أمس دليل واضح على أنها تؤثر بقاء نفسها وراحتها على أمن الناس وراحتهم واطمئنانهم إلى ما يأمر به الدين، وما تأمر به الأخلاق.
    أما وقد فتحت الوزارة هذا الباب فتستطيع أن تثق منذ الآن بأنها فتحت بابا عظيما من أبواب الشر، وبأن كثيرا من الأبرياء الوادعين سيلقون من صروف الكيد وصنوف الدس ما ينغص عليهم الحياة، وبأن القضاء نفسه سيلقى من الجهد والمشقة ضروبا وألوانا ليستنقذ الأبرياء من حبائل الساعين والواشين، وليفرق بين هؤلاء الذين قد يُقدَّمون إليه ظلما، وقد يذوقون عذاب السجن ظلما، وبين هؤلاء الذين سيُقدَّمون إليه وهم أهل لما أرصد القانون من عقاب الآثمين.
    كوكب الشرق في ٥ – ٨ – ١٩٣٣