Tag: satirical critique

  • قوة …!

    قوة …!

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١١ نوفمبر ١٩٤٥

    لم يعرف الائتلاف الذي يحكم مصر الآن قوة رهيبة مهيبة كهذه القوة الفتية الهائلة التي تجري نشيطة مرحة في جميع المؤتلفين؛ فقلوبهم كلها صافية لا يشوبها كدر، ولا يعرض لها قليل أو كثير من سوء الظن، ونفوسهم كلها متفقة لا تنحرف واحدة منها عن الطريق التي رسمت يوم قام الائتلاف، ولا يعرض لها شيءٌ من الاختلاف في الرأي، أو التنافر في الهوى، أو التباين في المذهب. وكلمتهم كلها سواء ليس فيها عوج، وليس فيها شذوذ، وإنما هو صوتٌ واحدٌ مطرد قوي، لا يرتفع أكثر مما ينبغي، ولا ينخفض أكثر مما ينبغي، صوت موسيقي رائع قد انسجمت أنغامه، وعذبت ألحانه، واستقامت طريقته، ودلَّ كل شيءٍ فيه على أن المؤتلفين قد بلغوا ذروة الائتلاف، وانتهوا به إلى غايته، وأخذوا يجنون ثمرته لذيذة حلوة تملأ النفوس أملًا ورجاءً.

    وأيسر الأدلة على ذلك منظر مدينة القاهرة في أوقات السلم والحرب، فمدينة القاهرة الآن كرة يتقاذفها السلم والحرب، تخلص للسلم يومًا، وتخلص للحرب يومًا، ويصطدم فيها هذان العدوان يومًا آخر. خلصت للحرب يوم عاد رئيس الوفد من الإسكندرية، فكانت حرب أي حرب، ثم كان انتصار أي انتصار. قال قوم: إنه كان انتصارًا لأهل القاهرة الذين طغوا على قوة الائتلاف، فحيَّوا رئيس الوفد كما أرادوا أن يُحيُّوا، وكرَّموا زعيم الشعب كما أرادوا أن يكرموا، ولم تستطع قوة الائتلاف أن تبلغ منهم شيئًا، ولا أن تحوِّلهم عما أرادوا.

    وقال قوم: إنه كان انتصارًا لقوة الائتلاف؛ لأنها أكرهت رئيس الوفد على أن يسعى إلى داره مستأنيًا متمهلًا، وعلى أن يرى الكرَّ والفرَّ، والإقدام والإحجام، وكان رئيس الوفد يحرص على أن يبلغ داره في أسرع وقت ممكن، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يبلغ داره في أبطأ وقت ممكن. وكان رئيس الوفد يريد أن يصل إلى داره صامتًا لم يقل شيئًا، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يخطب الجماهير في ميدان من الميادين العامة.

    وليس المهم أن يكون المنتصر هو جمهور الشعب أو قوة الائتلاف، وإنما المهم هو أن القاهرة كانت في لهفة للحرب في ذلك اليوم، ثم خلصت لحرب أخرى منكرة في غد ذلك اليوم، دلَّت قوة الائتلاف فيها على أنها متفوقة كل التفوق، ممتازة كل الامتياز، ساحقة ماحقة لا تبقي ولا تذر، وأبلى رئيس الوزراء فيها بلاءً حسنًا رائعًا حقًّا، فأخذ بيده بعض الأسرى، وأسلمهم إلى رجال الشرطة، ثم عاد إلى مكتبه موفورًا يشرف من قرب ومن بُعدٍ على إنهاء الأعمال الحربية التي لم يكن بدٌّ من إنهائها بعد أن انصرف عن الميدان.

    وقد عرف المصريون له ذلك، فأثنوا به عليه، وعرفه له الإنجليز خاصةً، فأثنوا على هذا البطل الذي يجمع بين السياسة والعمل، ويخاطر بنفسه في ميدان القتال. والأصل في القادة أن يديروا الحرب من بعيد، ثم ظلت القاهرة مترددة بين السلم والحرب، فإذا كانت الحرب اصطدمت قوة الائتلاف بخصومها من عناصر الفوضى، فمنعت اجتماع مصر الفتاة، ومنعت تكريم رئيس الغرفة التجارية، وضايقت المصلين حيث يصلي رئيس الوفد، وانتصرت في هذه المواقع كلها انتصارًا مؤزَّرًا. وإذا كانت السلم فهي سلم مسلحة؛ لأن التجارب أظهرت أن السلم العزلاء خطرة كل الخطر، ورئيس وزرائنا مجرب يحسن الانتفاع بالتجارب، فهو لا يحب السلم العزلاء، وإنما يحبها سلمًا مدججة بالسلاح، بادية الأظافر والأنياب، مستعدة لما يشاء مكرم باشا من الانقضاض في أي وقت، أو الانقضاض في أي زمان.

    وتنتشر الشرطة في أنحاء المدينة مستعدة للعمل في كل لحظة، وترابط القوة في المواقع الاستراتيجية الخطيرة الحساسة، مستعدة للانتشار في شكل مروحة مرة، وفي شكل كماشة مرة أخرى، كما كان يقال منذ وقت قصير.

    ومن أهم المواطن الخطرة والمواضع الحساسة تلك الدار التي يقيم فيها رئيس الوفد، فعناصر الفوضى تزورها مصبحة، وتزورها ممسية، حتى توشك هذه الدار أن تعرض أمن الدولة كلها للخطر؛ ولذلك حوصرت أشد حصار، وضيق عليها وعلى أهلها أشد تضييق، وقالت لسان الحال لرئيس الوفد: لو أنك عدت من الإسكندرية كما يعود الناس جميعًا فلم يحتفل بك أحد، ولم يجتمع للقائك شعب، لكفيت هذه المضايقة، ولأعفيت دارك من الحصار، ولأعفى زائروك من هذا العنت. وقال لسان الحال لزوار رئيس الوفد: لو أنكم تركتم رئيس الوفد يذهب ويجيء كما يذهب الناس ويجيئون، فلم تحتفلوا به ولم تجتمعوا له، ولم تحتشدوا لتحيته؛ لأتيحت لكم زيارته في غير مشقة، ولأبيح لكم لقاؤه في غير عناء. فأما وأنتم تحبونه فذوقوا ثمرة الحب، وأما وهو يحبكم فليذق ثمرة الحب أيضًا. وليس للحب قيمة إذا لم ينغصه العواذل والرقباء، فليكن بينكم وبين رئيس الوفد من الحب ما تشاءون، وليكن لنا نحن من القول والمراقبة ما نشاء.

    ثم لا يقف احتياط السلم المسلحة عند هذا كله، فرئيس الوزراء رجلٌ قويٌّ جدًّا، ولكنه — مع الأسف — لا يستطيع أن يقف دورة الفلك، ولا أن يؤخر اختلاف الليل والنهار، وكرُّ الغداة ومرُّ العشي، وإنما الزمن يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ شهر نوفمبر، ثم يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ التاسع من شهر نوفمبر، وما هي إلَّا ليال قليلة حتى يبلغ الزمان هذا اليوم الفظيع الشنيع الذي رفعت مصر صوتها فيه مطالبة بالاستقلال.

    وقد تعود المصريون أن يكبروا هذا اليوم ويعظموه ويحتفلوا به، وكان رئيس الوزراء فيما مضى ينظم هذا الاحتفال، وينفق في تنظيمه والاستعداد له الأيام والأسابيع، ولكن الدنيا قد تغيرت، وأصبح رئيس الوزراء زعيم الائتلاف الذي يحكم مصر، والعالم كله ينظر إلى مصر في هذه الأيام الشداد كما قال رئيس الوزراء نفسه منذ حين، وما ينبغي أن ينظر العالم إلى مصر فيراها مُحتفلةً بالجهاد، فقد انقضى وقت الجهاد، أو مُطالبةً بالاستقلال، فالوزارة وحدها هي التي تطالب بالاستقلال متى حان الوقت المناسب.

    الوقت المناسب في رأي رئيس الوزراء، أو في رأي وزير الخارجية البريطانية، أو في رأيهما معًا، لا في رأي الهيئة السياسية، ولا في رأي مجلس الوزراء، فهما يريان أن الوقت المناسب قد حان منذ زمن بعيد، ولعله الآن قد فات. مهما يكن من شيء، فيجب أن ينظر العالم إلى مصر فيراها وادعةً قانعةً راضيةً بما قسم الله لها، مقبلة على البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والطعام والشراب إن وجدت طعامًا وشرابًا، والجوع والظمأ إن لم تجد طعامًا ولا شرابًا.

    يجب أن ينظر العالم إلى مصر، فلا يرى فيها استعدادًا للاحتفال، أو مطالبة باستقلال، فهذا كله خليق أن يسيء رأي العالم في مصر، وأن يحط مكانتها بين الأمم، ومن أجل ذلك تمنع المظاهرات منعًا قاطعًا، وتمنع إقامة السرادقات، ويمنع الانتفاع بمكبرات الصوت.

    ولكن هذه مسألة أخرى، ولها وجوه أخرى من التأويل، فمكبرات الصوت هذه قد تؤذي صوت رئيس الوفد حين يلقي خطبته السياسية إلى الجماهير، والجماهير تحب هذا الصوت فيجب ألَّا تسمعه، ورئيس الوفد يحب التحدُّث إلى الجماهير، فيجب ألَّا ينتهي صوته إليها. أليست قوة الائتلاف تقوم بين الشعب وزعيمه مقام العاذل والرقيب بين العاشقين؟

    والناس يتساءلون عن حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الانتقال، وعن الدستور الذي كفل هذه الحريات، وعن الوعد الذي قطعته الوزارة على نفسها بأنها ستحترم هذا الدستور في نصه وروحه جميعًا، وعن المرسوم الذي صدر بإلغاء الأحكام العرفية، ولكن الشعب المصري ساذج طيب القلب، يصدِّق كل ما يقال له، ويتقبل كل ما يلقى إليه، ولا يجهل إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن الحياة في هذا البلد العزيز، وفي هذا العهد السعيد تقوم على الكلام الذي يُقال في الليل فيمحوه ضوء النهار، ويُقال في النهار فتنسخه ظلمة الليل.

    أليس هذا كله يدل دلالة قاطعة ساطعة على أن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام أشد قوةً، ولا أعظم بأسًا مما هو الآن. فلو كان الائتلاف ضعيفًا لما أظهر هذه القوة المادية الهائلة، على أن له قوة معنوية أشد هولًا، وأعظم خطرًا من قوته المادية، فقد يُقال: إن الحزب السعدي نفسه ليس متفقًا ولا مجتمع الكلمة. وقد يُقال: إن رئيس الحزب الوطني ليس مستريح النفس ولا مطمئن القلب. وقد يُقال: إن رئيس الكتلة ليس هادئ النفس ولا مستقر الفؤاد، وإنه يشتط على الوزارة ويطالب بنوع من الجلاء لا تبقى بعده مطارات ولا طائرات ولا قواعد بحرية للإنجليز، كأن الوزارة مستعدة لقبول جلاء تبقى بعده المطارات والطائرات والقواعد البحرية للإنجليز.

    وقد يُقال: إن أستاذ الجيل في البأس والبطش، وفي تمرين الشعوب على الطاعة وأخذها بالقناعة، وتعليمها الخنوع والخضوع ليس راضيًا ولا منشرح الصدر، يستقيل من الهيئة السياسية، ثم يسترد استقالته على مضض، يقدِّم رجلًا ويؤخر أخرى، وينظر في السماء ثم ينظر في الأرض، ويستخير الله ويستشير الأصدقاء، ثم يقبل الترشيح لرياسة مجلس النواب منافسًا بذلك مرشح الحزب السعدي.

    كل هذا يُقال، ويُقال أكثر منه، وكل هذا يخيل لأصحاب القلوب الطيبة والنفوس الساذجة أن الائتلاف يريد أن ينقض أو يريد أن ينفض، ولكن هذا هو الوهم كل الوهم، والخطأ كل الخطأ، فلم يكن الائتلاف في يومٍ من الأيام أشدَّ قوةً، ولا أعظم بأسًا، ولا أمتن بناءً مما هو الآن. وليس هذا الاختلاف أو ليست هذه المظاهر للاختلاف إلَّا دليلًا على قوته ومتانته وقدرته على البقاء؛ لأنه ائتلاف من نوع جديد، ومن طراز خاص، يزيده اختلاف أعضائه قوةً، فكلما ذهب أعضاؤه مذاهب متباينة متضادة متناقضة، وخُيِّل إلى الناس أنهم لن يلتقوا؛ أُتيح لهم حبل يشد أو يمد، وإذا هم يلتقون ويجتمعون حتى يصبحوا كأصابع اليد الواحدة، وهذا الحبل هو بغض مصطفى النحاس وتنحية الوفد عن الأمور العامة.

    وما دام القوم يتفقون على بُغض مصطفى النحاس، ويأتلفون على تنحية الوفد في الشئون العامة، فأمورهم على خير دائمًا، وليس عليهم من اختلاف الرأي واختلاف الهوى.

    والمهم هو أن يدعم العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منقض. ورحم الله تلك الفتاة العربية التي رأت جماعة من الشعراء قد أقبلوا مؤتلفين يلتمسون أباها، فلما سألتهم عمَّا يريدون منه قالوا: نريد أن نقارضه الشعر، فردَّتهم مُستخذين ببيت واحد قالته هي ولم يقله أبوها:

    تجمعتو من كل أوب ووجهة على واحد لا زلتمو قرن واحد

  • هزيمة (٢)

    حديث المساء: هزيمة (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٩ مارس ١٩٣٤

    لم تكن حرب أمس في المنصورة، ولكن كان بلاغ، بلاغ رسمي من الطراز الأول، بديع في لفظه، بديع في معناه، رشيق خفيف الروح في تحقيق الغرض الذي يرمي إليه، وليس غريبًا أن يكون هذا البلاغ الذي صدر متصفًا بهذه الصفات كلها، فمصدره لا يمكن أن يخطئ ولا يمكن أن يقول غير الحق، ولا يمكن أن يتعرض الشك لشيء مما يقول؛ وهو مدير الدقهلية.

    وأنت تعرف أن مدير الدقهلية رجل مبارك بأدق معاني هذه الكلمة، ولو لم يكن مباركًا بأدق معاني هذه الكلمة لما أبلى هذا البلاء الذي سَيُسَجَّلُ له كما تسجل الأعمال الخالدة للأخيار الخالدين، فهو منذ الصيف الماضي يشن على الطربوش حربًا عنيفة لا هوادة فيها ولا لين، ويمنح العمامة نصرًا وتأييدًا لا تردد فيهما ولا اضطراب.

    وقد كتب الله لهذه الحرب المباركة التي يشنها هذا الرجل المبارك فوزًا عظيمًا لم يُتَحْ لقائد من القواد في يوم من أيام الجهاد، فسقطت الطرابيش عن الرءوس، وقامت منها العمائم مقام التيجان، وانحسرت الجاكتات عن الأبدان، وقامت مقامها الجبة والقفطان، واستحال إقليم الدقهلية كله إلى مسجد معمور، يُذْكَرُ الله فيه إذا أشرق الصباح، ويذكر الله فيه إذا أظلم الليل؛ حتى أشفق الأزهر من هذا الإقليم أن ينافسه ويتفوق عليه في تخريج الصالحين البارعين في الوعظ والإرشاد.

    وسرت هذه الحفيظة للعمة مسرى النار في الهشيم، فبلغت وزارة التقاليد فضرَّمتها تضريمًا، وأثارت فيها لهبًا وجحيمًا، وأنضجت فيها قرارًا عظيمًا يجعل العمة ضربة لازب على كل رأس يريد أن يشتغل بالتعليم الإلزامي معلمًا أو متعلمًا، أفتظن أن رجلًا يمضي هذا المضاء، ويبلي هذا البلاء، ويكتب لنفسه هذه الحسنات، ويفتح لنفسه وللناس أبواب الجنات على مصاريعها يستطيع أن يخطئ الحق أو يتجنب الصواب إذا فعل أو قال؟!

    كلا، كلا، مدير الدقهلية مصيب دائمًا، ومدير الدقهلية صادق دائمًا، ومدير الدقهلية موفق دائمًا، مدير الدقهلية غرة ناصعة في جبين هذا العهد السعيد، لا يمكن أن يقاس به مدير، ولا بد من شيء من الجهد واحتمال المشقة وإكراه الحقائق الواقعة على ما لا تحب لنُشبِّه المدير العظيم بوزيره العظيم، أو لنشبه الوزير العظيم بالمدير النابغة؛ فليس من يقارب مدير الدقهلية إلا وزير الداخلية، كلاهما فذ حقًّا، وكلاهما مصيب دائمًا، وكلاهما موفق أعظم التوفيق، وكلاهما ضرورة من ضرورات الأمن، وحاجة من حاجات النظام.

    وإذن فكل مصري مُلْزَمٌ أن يصدق مدير الدقهلية، كما أن كل مصري ملزم أن يصدق وزير الداخلية، وقد زعموا أن مدير الأمن العام قد خرج عن حقه في الراحة أمس، وذهب إلى وزارة الداخلية ليتصل بهذا الإقليم الذي كان هادئًا كل الهدوء، مطمئنًا كل الاطمئنان، وزعموا أن مدير الأمن العام اتصل بهذا الإقليم وعرف أخباره كلها، ولم يَخْفَ عليه منها شيء، وعاد إلى بيته هادئًا مطمئنًا؛ لأن الإقليم كان هادئًا مطمئنًا، وانصرف إلى راحته مستقر البال؛ لأن مدير الدقهلية أنبأه بالحق الذي لا شك فيه، وقَصَّ عليه القصة التي لا غبار عليها.

    وليس من شك في أن القصة التي تلقاها مدير الأمن العام من مدير الدقهلية مشبهة من جميع وجوهها للقصة التي أملاها مدير الدقهلية على صحيفة من صحف المساء، وهي قصة أقل ما توصف به أنها ملأت قلوب المصريين أمنًا واطمئنانًا، على أن النظام الحاضر قد استقر، واطمأنت إليه قلوب الناس، وعلى أن رئيس الوفد قد أصبح رجلًا وحيدًا لا نصير له ولا عون في هذه البلاد، وعلى أنه مضطر أن يرحل عن مصر ليلتمس لنفسه ولمذهبه الأنصار والأشياع على سفح جبل قاف، أو على قمته، أو من ورائه في جزيرة من تلك الجزر التي لا يظهر فيها الأبطال من أمثال مدير الدقهلية النابغة العظيم.

    وما رأيك في رجل يزعم أن الأمة كلها معه؟ ثم يذهب إلى مدينة كمدينة المنصورة، فيقف في محطتها ربع ساعة، لا يلتفت إليه أحد، ولا يشعر بمقدمه أحد، ثم يريد أن يسعى في المدينة لعل الناس يشعرون به أو يلتفتون إليه، فيرغمه أمر المدير الهمام والبطل المقدام على أن يركب السيارة؛ فيركبها كارهًا مزدردًا حزنه وهمه ازدرادًا.

    والغريب أن رئيس الوفد — مع هذا كله، وبرغم هذا كله — لا يتحرج من أن يخطب فينبئ نفسه، ويظن أنه ينبئ الناس بأن الشعب انتصر على الإدارة، مع أن الشعب لم يحفل به، والإدارة لم تلتفت إليه.

    لم تكن حرب في المنصورة، ولكن كان بلاغ أصدره مدير الدقهلية إلى صحيفة من صحف المساء، وأنبأ فيه بأن كل شيء كان على ما يرام، وبأن هذه الحرب التي لم تكن، ولم تخطر لأحد ببال، قد انجلت مع ذلك عن انتصار الإدارة وانهزام خصومها، تاركين أسلابًا أخذها المنتصرون. وهذه الأسلاب هي أوراق وأداة من أدوات التصوير، انتزعها المنتزعون انتزاعًا من المنهزمين في حرب لم تكن، ولم تخطر لأحد على بال، كذلك قال مدير الدقهلية، ومدير الدقهلية صادق دائمًا في كل ما يقول، وهو في أكبر الظن قد قال هذا لمدير الأمن العام، كما قاله لتلك الصحيفة من صحف المساء.

    ورحم الله الذين كانوا يستحون، والذين كانوا يعرفون لأنفسهم أقدارها، ولكن مدير الأمن العام بين اثنتين: فإما أن يكون قد سمع من المدير مثل ما قرأنا في صحيفة المساء؛ وإذن فويل للأمن العام من إدارة الأمن العام! وويل للنظام من وزارة النظام إذا كان المشرفون على الأمور العامة في وزارة الداخلية يتلقون من ممثليهم في الأقاليم مثل هذا العلم المزيف! وإما أن يكون مدير الأمن العام قد تلقى من مدير الدقهلية أنباء صحيحة لا كذب فيها ولا مين، ولا عبث فيها بالحقائق، ولا لعب فيها بالعقول.

    وإذن فلمدير الدقهلية لسانان: لسان يتحدث به إلى رؤسائه فيقول الحق، ولسان يتحدث به إلى الصحف فيقول غير الحق؛ وهو إذن ينصح للحكومة ويخدع الجمهور، وهو إذن يجعل من نفسه شخصين: أحدهما يتحرج من رواية ما لا يقع؛ لأنه يخاف العقاب، والآخر لا يتحرج من رواية ما لا يقع؛ لأنه لا يحسب للأمة ولا للصحف حسابًا.

    وإذن فوزارة الداخلية أو وزارة الرجل الطيب النزيه مضطرة إلى إقالة مدير الدقهلية إن كانت ترعى الله حقًّا، وترعى النزاهة حقًّا، وتحرص على أن يخلص الموظفون في القول والعمل حقًّا. إن كان مدير الدقهلية قد أنبأ رؤساءه أمس بمثل ما أنبأ به البلاغ فهو خليق أن يُقَالَ؛ لأنه أنبأ رؤساءه بغير الحق، وإن كان قد أنبأهم بغير ما أنبأ به البلاغ فهو خليق أن يُقَالَ؛ لأنه أعلن إلى الناس غير الحق، وتورط في خصلة لا ينبغي للرجل الكريم أن يتورط فيها، وما ينبغي للوزارة أن تجعل أمور الناس إلا إلى كرام الرجال.

    ذلك أنا نقطع بأن ما أملاه مدير الدقهلية على البلاغ أمس لم يكن حقًّا، ولا شبيهًا بالحق، ولا قريبًا من الحق، ومدير الدقهلية يقطع بذلك كما نقطع به، ومدير الدقهلية كان يعلم وهو يتحدث إلى البلاغ أنه يتجنب الحق، ويتجنبه عن عمد، وعن إرادة وتصميم، وهو مع ذلك من أنصار العمامة وخصوم الطربوش، وهو مع ذلك من حماة التقاليد والملحين في المحافظة على الدين وآدابه، وفي تجنب ما لا ينبغي لرجال الفضيلة والورع والصلاح أن يتورطوا فيه، فنحب أن نعلم أي الموقفين يريد الرجل الطيب الذي لا يشك أحد في أنه طيب أن يقف من هذا الموظف الكبير! يريد أن يقره على ما أتى أمس؟

    وإذن فليس من أخلاق الرجال الطيبين أن يقروا كبار الموظفين على أن يقولوا جهرة غير الحق، ويسنوا للناس هذه السنن السيئة، أم يريد أن يُعَاقِبَ مدير الدقهلية على ما أتى أمس؟ وإذن فقد يستطيع أهل هذا الإقليم أن يستعدوا لوداع مدير ولقاء مدير، ولكن الذين لا نشك فيه هو أن الرجل الطيب لن يمس مدير الدقهلية بسوء، ولم يمسه بسوء. إن له مخرجًا من هذه الورطة، فهو يستطيع أن ينكر بقلبه ما أتاه مدير الدقهلية، دون أن ينكره بيده أو بلسانه، وهو يستطيع بهذا الإنكار الصامت أن يُرْضِيَ ضميره، فأما إرضاء الناس، فآخر ما يفكر فيه الآن، ومن الذي يحفل بإرضاء الناس في هذه الأيام؟!

    أما بعد، فقد سجل مدير الدقهلية على الوفد هزيمة في المنصورة أمس، نتمنى أن يتيح للوفد أمثالها في كل يوم، وسجل للحكومة انتصارًا نتمنى أن يتيح الله أمثاله للحكومة في كل يوم؛ فإن مثل هذه الهزائم تسر الصديق، وتغيظ الخصم، وإن مثل هذا الانتصار يملأ قلوب المنتصرين حزنًا وكمدًا، ويضطرهم إلى مخالفة الأخلاق، وإلى الجهر بغير الحق حين يتحدثون إلى صحف المساء.

  • جريء

    حديث المساء: جريء

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٦ فبراير ١٩٣٤

    هو — من غير شك — دكتاتورنا العظيم صدقي باشا، فقد تستطيع أن تبحث بين المصريين وغير المصريين عن رجل تستطيع أن تصفه بهذا الوصف وأنت مطمئن واثق بأنك لم تخطئ ولم تقصر ولم تسرف، فلن تجد غير هذا الرجل العظيم.

    وعظماء الرجال يمتازون في أكثر الأحيان بصفات خاصة تُشخِّص عظمتهم، وتخطر للناس كلما ذُكِرَتْ أسماؤهم؛ فهذا يمتاز بالرحمة، وهذا يمتاز بالشجاعة، وهذا يمتاز بسعة العقل، وهذا يمتاز بسعة الحيلة، وهذا يمتاز بطيبة القلب، وهذا يمتاز بحب التقاليد، وهذا يمتاز بالإقدام يتبعه الإحجام، وبالكر يتبعه الفر، وبالتورط في الكلام …

    أما صدقي باشا فيمتاز بالجرأة … بالجرأة التي لا حد لها … لا في الطول، ولا في العرض، ولا في العمق.

    فصدقي باشا جريء في أي نحو من الأنحاء، جريء على نفسه، جريء على الناس، جريء على الدستور، جريء على القانون، جريء على الأجانب، جريء على الإنجليز، جريء على ما شئت وما لم تشأ، جريء على من شئت ومن لم تشأ. لا يخاف شيئًا، ولا يحسب لشيء حسابًا، ولا يرجو لشيء وقارًا. ليس هو الرجل الجريء وإنما هي الجرأة تمثلت رجلًا بهذه الصفة.

    امتاز صدقي باشا بين عظماء المصريين، بل بين عظماء العالم كله إن شئت، فما ينبغي أن تتكلف مع صدقي باشا تحقيقًا أو تدقيقًا؛ لأن الرجل لا يتكلف مع نفسه ولا مع الناس تحقيقًا ولا تدقيقًا.

    كان محاربًا للوفد، يكيد له ويهجم عليه، يتربص به الدوائر، ويصب عليه ما استطاع من المكروه. ثم لم يمنعه ذلك أن يكون صديقًا للوفد مسرفًا في الصداقة، يجهر بتأييده والذود عن مبادئه، جادًّا في ذلك متهالكًا عليه!

    ثم دارت الأيام دورة قصيرة غير طويلة، فإذا صدقي باشا حرب على الوفد يجهر بمخاصمته والتأليب عليه جادًّا في ذلك متهالكًا عليه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة جدًّا وإذا صدقي باشا يفكر في التقرب إلى الوفد، ويسعى في ذلك ولا يتردد في أن يتحدث به أو يستعين عليه بمن وسعه أن يتحدث إليهم أو يستعين بهم.

    ثم دارت الأيام دورة قصيرة وإذا صدقي باشا يؤلف وزارته برغم الوفد وبرلمان الوفد، وإذا هو يلغي الدستور وقد كان من أشد أنصار الدستور، وإذا هو يحل البرلمان.

    وأغرب من هذا كله أنه لم يتردد لحظة في أن يجهر بأن الأمة كلها كانت معه حين لم يستطع أن يصل إلى البرلمان وكانت معه بعد أن وصل إلى البرلمان، وكانت معه حين لم يستطع أن ينال الإذن بدخول البرلمان وكانت معه حين حل البرلمان، وكانت معه حين كان حريصًا على دستور سنة ١٩٢٣ وكانت معه حين كان معطلًا لهذا الدستور، وكانت معه حين رجع إلى تأييد هذا الدستور ثم كانت معه حين رضي عن تعطيل الدستور، وظلت معه حين كان يسعى إلى الوفد ليستمتع بنعمة هذا الدستور، ثم ظلت معه حين ألغى الدستور وحين أنشأ الدستور الجديد.

    ولما ألف وزارته وأصدر الدستور، ودعا إلى الانتخاب وأجرى هذا الانتخاب لم يَبْقَ شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه؛ لأنها أعطته سبعة وستين وسبعة أثمان من أصوات الناخبين، ولم يكن شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه تمنحه التأييد وتخلص له الود، حين كان ما كان في البداري وغير البداري من مواطن الخزي.

    وأغرب من هذا أن الأمة كلها كانت معه، حتى خصومه الذين كانوا يحاربونه فهم كانوا يحاربونه في ظاهر الأمر ويؤيدونه من وراء الستار، حتى تلك الأرواح التي أُزْهِقَتْ في ظِلِّ حكمه السعيد فإنها كانت تصعد إلى السماء راضية عنه مثنية عليه، داعية لحكمه بطول البقاء؛ لأنه ضحى بها في سبيل الحرية، وأزهقها في سبيل حماية مصر من الفوضى والخراب!

    ثم دارت الأيام دورة كانت قصيرة في حساب الزمان؛ لأنها لم تكن تتجاوز الأعوام الثلاثة، وكانت طويلة في حساب المصريين؛ لأنها كانت مملوءة بالشر والضر، وبالهول والروع …

    دارت الأيام هذه الدورة القصيرة الطويلة، وإذا صدقي باشا تزل به قدمه فيهوي عن منصب الحكم، ولكن الأمة في هذا الوقت نفسه كانت معه، كانت تظهر الفرح بسقوطه، وتضمر حزنًا ممضًّا وألمًا لازعًا عميقًا!

    واستقال من حزب الشعب فأظهرت الأمة فرحًا بذلك، وأضمرت الأمة حزنًا على ذلك، ورجع إلى حزب الشعب، فلم تبخل الأمة عليه بالتأييد والتشجيع، واستقال من مجلس النواب فجزعت الأمة لهذه الاستقالة فيما بينها وبين نفسها، وفيما بينها وبين الله، وأظهرت الأمة رضا بذلك اتقاء لصولة الرجل الطيب ليس غير، فلما رجع إلى مجلس النواب لم تستطع الأمة أن تخفي ابتهاجها، ولا أن تسر اغتباطها، وإنما اندفعت إلى ذلك اندفاعًا، واستبسلت في ذلك استبسالًا، ولم تحفل بسخط الرجل الطيب ووزارته.

    وكان الرجل الطيب طيبًا حقًّا، فلم يؤدبها ولم يعذبها وإنما صبر لها على هذا الجموح، وغفر لها هذه الزلة. وأكبر الظن أنه خاف من صدقي باشا ومن أسئلته في مجلس النواب ومن استجواباته التي لا تثبت لها الوزارات مهما تكن قوية، فكيف إذا كانت وزارة طيبة كوزارة الرجل الطيب؟!

    وكان صدقي باشا رجلًا مطمئنًّا كل الاطمئنان أثناء تلك الحرب المنكرة التي أثارها عليه الرجل الطيب، لم يداخله خوف ولم يصل إلى قلبه ذعر، وقد أخطأ من ظن أنه استقال من حزب الشعب أو من مجلس النواب فرارًا أمام الرجل الطيب أو خوفًا من وزارة الرجل الطيب … إنما استقال لعبًا بطيبة الرجل الطيب. واللعب مباح لعظماء الرجال؛ فهم في حاجة إلى أن يرفهوا على أنفسهم، وإلى أن يظفروا بشيء من اللهو البريء الذي يضحكهم ويضحك الناس أيضًا.

    وأُثِيرَتْ حول صدقي باشا إشاعات وأنباء تملأ الأرض والسماء فلم يَضِقْ بها ولم يجزع لها، وإنما لقيها باسمًا ساخرًا؛ لأنه جريء لا يخاف شيئًا ولا يحسب لشيء حسابًا ولا يرجو لشيء وقارًا.

    أُثِيرَتْ حكاية القطن فابتسم لها وهزأ من الذين أثاروها وتحدَّى وزير المالية أن يتكلم فلم يستطع وزير المالية أن يتكلم.

    أُثِيرَتْ قصة الكورنيش؛ فضحك منها وأطمع الناس فيه … دنا من المحققين حتى كادوا يضعون أيديهم عليه، ثم نأى عن المحققين حتى عجزوا عن أن يبلغوه بالأبصار فضلًا عن أن يبلغوه بالأيدي، وهو الآن يذهب ويجيء في القاهرة وفي مصر كلها، وبين داره ومجلس النواب.

    ترك حزب الشعب وناديه ارتفاعًا عن حزب الشعب وناديه، ولكنه سينشئ لنفسه ناديًا؛ فهو لا يستطيع أن يعيش من غير أن يكون له نادٍ يتجلى فيه على مريديه، وهو الآن يخطب في مجلس النواب، ويقف أمام الرجل الطيب معتدل القامة، مرفوع الرأس، شامخ الأنف، منطلق اللسان. ثم يخطب فيدفع وزير المالية ووزير الزراعة إلى ما شئت من التورط والاضطراب.

    أفتشُكُّ بعد هذا كله في أن عظمة صدقي باشا إذا امتازت بشيء فإنما تمتاز بالجرأة؟!

    وقد فرغ صدقي باشا من خصومه الشعبيين وأشباه الشعبيين، والتفت صدقي باشا إلى أصدقائه القدماء … إلى الإنجليز، وهل نَسِيَ صدقي باشا أصدقاءه الإنجليز في يوم من الأيام؟! ولكنه أظهر الالتفات إليهم على كل حال وأخذ يتحدث إلى صحفهم، فبدأ بالإجبشيان جازيت، ولعلَّه أن يُثَنِّي بالديلي تلغراف، وأن يُثلِّث بالتيمس، وأن يغمر الصحف الإنجليزية كلها بأحاديث … يا لها من أحاديث!

    وسيعلم الرجل الطيب منذ اليوم كيف تكون السياسة، وكيف تكون الحرب بين أقطاب السياسة، وسيستيقن الرجل الطيب منذ اليوم أن ليله لن ينام، وأن نهاره لن يستريح؛ فقد نشط صدقي باشا وهمَّ بالهجوم، وويل لخصوم صدقي باشا حين ينشط، وحين يهم بالهجوم!

    وقد أظهر صدقي باشا في حديثه مع الإجبشيان جازيت أقصى ما يستطيع الرجل الجريء أن يظهره من الجرأة، فأنكر نفسه إنكارًا تامًّا، وكذَّب نفسه تكذيبًا قاطعًا، ومحا شخصية كانت له، واتخذ مكانها شخصية جديدة، ولم يستبدل شخصية بشخصية في السر خلف الأستار، ومن دون الأبواب المغلقة، وإنما خلع ثيابًا ولبس ثيابًا أخرى جهرة أمام الناس جميعًا، لم يتردد في ذلك ولم يشفق منه، ولم يحفل بما سيقوله الناس. ومتى حفل صدقي باشا بما سيقوله الناس؟! فصدقي باشا رجل هو أعظم من الناس جميعًا!

    كان صدقي باشا يقول ويقول، ويحمل زملاءه على أن يقولوا ويقولوا أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، وأنه منتهٍ برغم خصومه جميعًا إلى المفاوضة ثم إلى إمضاء المعاهدة، ثم إلى إبرام المعاهدة. قد اتفق على ذلك مع الإنجليز في مصر، ثم اتفق على ذلك مع وزير الخارجية الإنجليزية في جنيف، ثم بدأ في ذلك مع المندوب السامي في مصر حتى أخذ خصومه يسألون أنفسهم: كيف يستطيع رجل أن يجرؤ على تقرير الباطل إلى هذا الحد؟!

    ولكن صدقي باشا لم يتردد أول أمس في أن يعلن في هدوء لا يشبهه هدوء أن كل ما قال وحَمَل زملاءه على أن يقولوه إنما كان تمويهًا وتهويشًا ولعبًا بالعقول وضحكًا على الذقون وأن الإنجليز لم يفاوضوه، ولم يهموا بمفاوضته، ولم يظهروا ميلًا إلى هذه المفاوضة وإنما أفهموه أنهم لا يريدون أن يفاوضوا إلا حكومة ديموقراطية حقًّا …

    وإذن؛ فقد كان صدقي باشا أثناء الحكم يريد أن يضحك على الناس فيضحك على نفسه وعلى زملائه لتجوز الحيلة ويخفى التكلف، وهو الآن يريد أن يضحك على الناس مرة أخرى فيضحك على نفسه وعلى أصدقائه مرة أخرى لتجوز الحيلة وليظن الناس أنه ما زال رجلًا سياسيًّا يستطيع أن يتحدث في السياسة وأن يرسم الخطط ويفسر التاريخ ويتنبأ بالمستقبل.

    ولم ينس صدقي باشا إلا شيئًا واحدًا يسيرًا جدًّا، وهو أن جرأته لم تخدع أحدًا في يوم من الأيام، وأن أحدًا لم يصدقه في شيء مما قال قبل أن يلي الحكم، وحين ولي الحكم وبعد أن ترك الحكم، وأن الناس لن يصدقوه اليوم بعد أن أبوا تصديقه أمس.

    إنما كان صدقي باشا رجلًا عظيمًا حين واتته الظروف وأمكنته الفرص، فلما خذلته الظروف وتخلت عنه الفرص أصبح رجلًا كأيسر الناس قدرًا وأهونهم شأنًا؛ فهو يستطيع أن يذهب ويجيء، وأن يصول ويجول، ويكتب ويقول؛ فلن يبلغ شيئًا إلا أن تعطف عليه تلك الظروف التي عطفت عليه من قبل، فجعلته رجلًا عظيمًا.

    وصدقي باشا جريء؛ فهو يدور حول هذه الظروف لعلها تعطف عليه، ولعلها تجعله رجلًا عظيمًا مرة أخرى، ولعلها ترفعه إلى الحكم، وتديل له من الرجل الطيب … ولكن الجرأة شيء والفطنة شيء آخر، وكثيرًا ما يكون الرجل جريئًا وتخطئه الفطنة برغم جرأته.

    والظاهر أن صدقي باشا لم يفقد جرأته ولكن المرض قد ترك في فطنته ندوًبا وآثارًا، فهو يطمع في غير مطمع، ويدور حول ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وأقصى ما يبلغه صدقي باشا بهذه الأحاديث إنما هو تنبيه الرجل الطيب إلى حربه، ولفت الرجل الطيب إلى أنه لم يُلْقِ السلاح بعد، وإلى أنه ما زال قادرًا على أن يعرض به ويكيد له ويتقرب على حسابه إلى الإنجليز، وقد يخاف الرجل الطيب ذلك وقد لا يخافه …

    ولكن أحدًا غير الرجل الطيب وأصدقائه لا يستطيع أن يحسب لشيء من هذا حسابًا ولا أن يناقش صدقي باشا فيما يقول مناقشة الجد، إنما أمر صدقي باشا هزل في هزل منذ الآن، وأظرف ما فيه أن صحيفته القديمة وصحيفة الرجل الطيب الآن صامتة مفحمة أمام هذا الحديث لا تنكره؛ لأنها لم تبلغ من الجرأة ما بلغه صدقي باشا؛ فتنكر نفسها كما أنكر نفسه، ولا تقره؛ لأنها لا تستطيع أن تحارب الرجل الطيب وقد أصبحت سلاحًا في يد الرجل الطيب.

    وقد كان من الخير أن تتحدث إلينا صحيفة صدقي باشا أمس وصحيفة الرجل الطيب اليوم برأيها في تقرُّب صدقي باشا إلى الإنجليز، والحاجة في هذا التقرب، وكيده للوزارة القائمة، وإغرائه الإنجليز بها، فقد طالما أنكرت ذلك على قوم لم يفعلوه، فما لها لا تنكر ذلك على رجل يفعله ويغرق فيه إلى أذنيه؟! أراضية هي عما يقول مولاها القديم أم ساخطة هي عليه؟!

    وشيء آخر ظريف نحب أن نعرف فيه رأي صدقي باشا؛ فهو يرى أن المندوب السامي لا ينبغي له أن يتدخل في شئون الحكم إلا إذا أساءت الحكومة المصرية إلى هذه الشئون، وتعرَّض الحق والعدل والديمقراطية للخطر. هذا رأيه، فقد نحب أن نعلم أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل في موقفه هو من قصة الكورنيش، وفي موقف الحكومة المصرية منه الآن، وفي تقصير الحكومة المصرية أو قصورها عن سؤاله حتى أمام البرلمان.

    فليس من شك في أن هذا كله إفساد للحق والعدل والديمقراطية، ودليل واضح على أن أساس الديمقراطية في مصر ضائع أو معرض لخطر عظيم. فما رأي صدقي باشا؛ أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل فيسأل الحكومة المصرية: ما بالها تسأل فلانًا وفلانًا من الموظفين، ولا تفكر، أو لا تريد أن تفكر في سؤال صدقي باشا عن قصة الكورنيش؟

    أما نحن فنكره أن يتدخل الإنجليز حتى في هذا، ونؤثر أن يمتاز صدقي باشا، وإن عجزت الحكومة عن سؤاله أو قصَّرت الحكومة في سؤاله؛ لأن امتياز صدقي باشا وإشفاق الحكومة منه أو محاباة الحكومة له إن كانت له نتيجة فإنما هي إقناع الشعب المصري بما هو مقتنع به من أن هذا العهد السعيد، عهد صدقي باشا ليس عهد ديمقراطية، ولا احترام لدستور أو قانون، وإنما هو عهد أزمة من هذه الأزمات التي تعرض للشعوب ثم لا تلبث أن تزول، وهي إنما تزول بتقليم أظافر صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وقطع ما بينهم وبين الحكم أو الطموح إليه من الوسائل والأسباب.

    ما أجدر صدقي باشا أن يستريح! فإن استقامة الصحة البدنية ليست كل شيء.

  • قناعة …

    حديث المساء: قناعة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ نوفمبر ١٩٣٣

    كنا شَرِهين يكاد يُفْسِدنا الشَّرَهُ، وكنا نَهِمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت حياتنا السياسية، والعقلية، والاقتصادية، معرضة لأخطارٍ لا تكاد تُحصَى، ومصدرها الاندفاع في حب المثل الأعلى، وفي طلبه إلى غير حد. فلم نقنع من السياسة بأقل من الاستقلال التام، والحياة الديمقراطية الكاملة. ولم نكن نقنع من الرقي العقلي بأقل من الوصول إلى مثل ما وصل إليه الأوروبيون من التفوق في الأدب والفن، وفي العلم والفلسفة. ولم نكن نقنع من الرقي الاقتصادي بأقل من هذا الاستقلال الذي يكفل لنا شخصية بارزة في الاقتصاد على اختلاف فروعه، شخصية لا تفنى في الأجنبي، وإنما تثبت له وتقاومه، إن دعت المصلحة إلى المقاومة.

    كنا شرهين يكاد يفسدنا الشره، وكنا نهمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت القناعة أقل الفضائل التي تزدان بها نفوسنا تلك الطامعة، الطامحة، التي لا تعرف هدوءًا ولا استقرارًا، ولا رضا بالقليل.

    كنا مضرب المثل بين الشرقيين في الطمع والطموح، بل كنا مصدر العدوى للشرقيين في الطمع والطموح، وكان كثير من شعوب الشرق لا يكاد يتصل بنا من قريب أو بعيد، حتى يصيبه ما أصابنا من الشره، ويدركه ما أدركنا من النهم، ويصبح مثلنا شجى في حلوق المستعمرين، وأذى في أجواف الأوروبيين.

    ونشأ عن إسرافنا في الشره والنهم، وعن إسراف الشرق في تأثرنا والاقتداء بنا أن أصبحنا وأصبح الشرقيون مصدر تنغيص لهؤلاء الساسة الأوروبيين، الذين كانوا يودون لو استراحوا منا ومن إخواننا الشرقيين، ومضوا في استغلالنا وفي استغلالهم لا يجدون مقاومة ولا إباء، وفرغوا لما يعنيهم من شئونهم الأوروبية الخالصة. ولكنهم كانوا ينظرون، فإذا مصر تطلب الاستقلال وتلح في الطلب، وإذا الشرق يسعى إلى الحرية ويلح في السعي، وإذا هم مضطرون إلى أن يقاوموا هنا ويقاوموا هناك، وإلى أن يسلكوا في هذه المقاومة طرق المخاشنة حينًا وطرق المحاسنة حينًا آخر.

    وكنا ننظر، وكان الشرقيون ينظرون إلى هذه المقاومة العنيفة اللينة، فلا يزيدنا النظر إليها إلا غلوًّا في الطمع، وإغراقًا في الطموح، وشجاعة على المطالبة بالحق، وإلحاحًا في الوصول إليه كاملًا موفورًا.

    كذلك كُنَّا. ولكن الله قيَّضَ لنا من يعلمنا القناعة ومحاسنها، ويردنا عن الشره ونقائصه؛ فأخذنا نتواضع قليلًا قليلًا، حتى انتهينا من القناعة إلى حظٍّ لا بأس به، وبلغنا من الاعتدال منزلة معقولة، يرضى عنها ويطمئن إليها سادتنا المستعمرون.

    كنا نستمتع من الحرية الدستورية بنصيبٍ عظيم: انتخاب عام مباشر، وسلطة واسعة للبرلمان في السيطرة على الوزارات وتصريفها لأمور السلطان؛ فرُدِدْنا عن ذلك إلى انتخاب ضيق مقيد، وإلى سيطرة محدودة على الوزارات، وكنا نحيا حياة ملؤها الأمل في حل ما بيننا وبين الإنجليز من خلاف، وتحقيق ما نطمح إليه من الاستقلال، وكنا نسعى إلى ذلك سعيًا مطردًا، ونُوفَّق إلى الخير فيه توفيقًا متصلًا؛ فقيَّض اللَّه لنا مَنْ علَّمَنا كيف نصبر، وكيف نتئد، وكيف ننتظر.

    وها نحن أولاء نصبر منذ ثلاثة أعوام وننتظر منذ ثلاثة أعوام. وقد ظهر أن الوزارة المستقيلة قد نجحت فيما أخذت نفسها به من الصبر والاتئاد والانتظار، وأن لا بد من وزارة أخرى تخطو بمصر خطوة أخرى فالصبر خير، ولكن اليأس خير من الصبر، والاتئاد خير ولكن العدول خير من الاتئاد، والانتظار خير ولكن النسيان خير من الانتظار.

    وكذلك استطاع رئيس الوزراء أن يتحدث إلى مكاتب الديبا، فيقول في هدوء واطمئنان إنه يضع السياسة في المرتبة الثانية، وهذا نوع من الاقتصاد في التعبير؛ فالظاهر أن رئيس الوزراء لا يريد أن يضع السياسة في مرتبة من المراتب، وإنما يريد أن يهملها إهمالًا، وينصرف عنها انصرافًا، وينفق أيامه في أن يدبر لنا حياة وادعة كوداعته، متواضعة كتواضعه، هادئة كهدوئه، راضية بالقليل، كما يرضى هو بالقليل.

    وإذن؛ فمن الخير أن يسير الناس سيرة وزرائهم، كانوا ينتظرون حين كان صدقي باشا ينتظر، فيجب أن يعدلوا لأن عبد الفتاح يحيى باشا يُؤْثِر العدول. حديث المفاوضة إذن لغو لا ينبغي أن يُضيَّع فيه الوقت، وحديث الاستقلال عبث لا ينبغي أن يُنْفَق فيه الجهد، وحديث الحرية ترف لا ينبغي أن يُعْنَى به قوم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الجوع. ومن يدري؟! لعل الأمة المصرية كلها كانت مخطئة أقبح الخطأ حين سَعَتْ إلى الاستقلال، واندفعت في الآمال، وضحَّتْ بالأنفس والأموال، واحتملت ما احتملت من الفتن والمحن، ولقيت ما لقيت من الكوارث والخطوب. لعل الأمة المصرية كلها كانت وما زالت مخطئة حين فكرت في الاستقلال وحين تفكر فيه؛ لأن الأمم تخطئ وتصيب!

    وما دام صدقي باشا وهو معصوم قد رأى لها القناعة والاعتدال، وما دام عبد الفتاح يحيى باشا وهو معصوم قد رأى لها الزهد، والرضى، والنسيان، فيجب أن تكون الأمة المصرية كلها مخطئة، ويجب أن يكون الصواب كله عند هذين الرئيسين العظيمين.

    ليرتح الإنجليز إذن لقناعة المصريين، وإقبالهم على الزهد، كما ارتاح حزب الشعب لعودة المفصولين من الحظيرة بعد أن أُخْرِجوا منها. وليثق الإنجليز بأن المصريين سيقنعون، وسيحرصون على القناعة حرصًا شديدًا، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه، فما دامت الوزارة قانعة تضع السياسة في المرتبة الثانية، أو تضعها في غير مرتبة، فيجب أن يقنع المصريون، وأن يسيروا سيرة وزرائهم. فإنْ أعجبهم هذا فذاك، وإن لم يعجبهم هذا ففي مصر شرطة وجند، يعرفان كيف يغلان الأيدي والأرجل، وكيف يعقدان الألسنة، ويكممان الأفواه، وكيف يردان الناس إلى ما ينبغي لهم من الطاعة والإذعان.

    كنا لا نقنع بالرخاء واليسر، بل نطمع في التزيد منهما والإغراق فيهما، فعلمنا صدقي باشا أن نداعب الأزمة وتداعبنا، وأن نحس لذعها وننكر وجودها. وهذا عبد الفتاح يحيى باشا يعلمنا الشجاعة والقناعة معًا، فهو يأخذنا بأن نحس لذع الأزمة ونعترف بها، ونرضى عنها ونيأس من زوالها؛ لأن وزارته لا تستطيع أن تأتي بالمعجزات! وإذن؛ فلابد من أن نكد ونجد، ونهلك أنفسنا في الكد والجد؛ لنؤدي الضرائب، ونوفي الدَّين كما يريد الدائنون، إنْ بقي لنا شيء استعنا به على الحياة وإن لم يبقَ لنا شيء؛ فما ألذَّ ألم الجوع! وما أجمل الرضا به والصبر عليه!

    كنا نريد أن ينتشر فينا التعليم واسعًا، عميقًا، متينًا، مرقيًا للعقول، مقوِّمًا للأخلاق، ضامنًا لكرامة العلماء والمتعلمين جميعًا؛ فعلَّمَنا صدقي باشا أن العلم وسيلة لا غاية، وأن العلماء والطلاب وسائل لا غايات، وأنهم لذلك أدوات لا أكثر ولا أقل، وأنهم أدوات في يد الدولة، تصوِّرهم كما تحب وتصرفهم كما تشاء.

    وأقبل عبد الفتاح يحيى باشا فأخذ يعلمنا أن الأدوات لا ينبغي لها أن تفكر ولا أن تريد ولا أن تقاوم، وإنما ينبغي لها أن تستسلم وتطيع؛ فإذا قيل للجامعيين: اقبلوا ما يأباه القانون. وجب عليهم أن يقبلوا، وإذا قيل للإلزاميين: تخففوا من حريتكم وكرامتكم وحقوقكم التي يكفلها الدستور. وجب عليهم أن يفعلوا! ذلك لأننا جميعًا في حاجة إلى أن نعيش، والرجل العاقل هو الذي يُعنَى بالضروري قبل الكمالي، والرجل العاقل هو الذي يذعن للظروف، والرجل العاقل هو الذي يُؤثِر العيش على أي شيء آخر.

    طلب الاستقلال يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب العدل في تدبير الأمور الاقتصادية يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب الكرامة للعلماء والمتعلمين يصرفهم عن العيش ويلهيهم بالمثل الأعلى.

    ولست أعرف أشدَّ حمقًا من هؤلاء الذين يلهون أنفسهم بالمثل العليا ويعرضون أنفسهم للجوع.

    رئيس الوزراء رَفِيقٌ بنا، شَفِيقٌ علينا، يريد أن يبرئنا من عيب الشره والنهم وأن يعلمنا القناعة والاعتدال، يريد أن ندع المثل العليا للشعراء والمترفين، وأن نفرغ لما ينبغي أن يفرغ له أمثالنا من طلب العيش.

    أفترانا نستفيد من هذه الدروس العالية الغالية، التي يلقيها علينا رئيس الوزراء؟! كلا؛ لأننا لم نستفد من دروس عالية غالية ألقاها علينا قوم آخرون قبل رئيس الوزراء، ولأننا — مع الأسف أو مع السرور — نؤثر المثل العليا على العيش، ونتهافت على المثل العليا كما يتهافت الفَرَاش على النار، لا نكره أن نحترق فيها وإنْ أَحَبَّ غيرُنا العافيةَ وهدوءَ البال.

    ما أجدر رئيس الوزراء أن يقتنع بما اقتنع به غيره من الذين سبقوه إلى وضع السياسة في المرتبة الثانية أو في غير مرتبة؛ فيضع السياسة في المرتبة الأولى، فإن لم يستطع ذلك استقال؛ لأن الأمة لا تريد، ولا تستطيع إلا أن تكون السياسة قوام حياتها حتى يقضي اللَّه بيننا وبين الإنجليز!