Tag: scholars

  • قسوة

    قسوة
    قسوة[1] لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالودائع الآمنين الذين لم يقترفوا إثمًا ولم يجترحوا سيئة، فتُلقي بينهم وبين الحياة الراضية حجابًا صفيقًا، وتقطع بينهم وبين الأمل والرجاء الوسائل والأسباب.
    قسوة لا يحبها الله من أحد ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأسر الهادئة المطمئنة، فيها النساء والأطفال، وفيها الشباب والشيب، فإذا هدوؤها يستحيل إلى اضطراب، وإذا اطمئنانها يستحيل إلى قلق مخيف، وإذا ابتسام الأطفال والشبان للحياة وفرحهم بها، وجدهم فيها، قد استحال إلى اكتئاب وحزن وسكون يبعث في قلوب الرحماء لوعة وإشفاقًا، وإذا الآباء والأمهات محزونون مروعون، تشرق عليهم الشمس بالخوف إذا أشرقت، ويقبل عليهم الليل بالهم إذا أقبل، قد قُتِرَ عليهم الرزق أو قُطع عنهم الرزق، فإذا هم لا يدرون ماذا يصنعون ليطعموا هذه البطون التي لا تشبع، وليكسوا هذه الأجسام التي لم تعتد التعرض لألم الحر والبرد، ولا الظهور في أسمال وأخلاقٍ، وليعلِّموا هؤلاء الأبناء والبنات الذين ليس لهم بد من أن يتعلموا، وليحفظوا على أنفسهم هذه المكانة الاجتماعية التي يحرص الناس عليها أشد مما يحرصون على أي مظهر من مظاهر الحياة.
    نعم، وقسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالأساتذة والطلاب فتقطع بينهم وبين أسباب الدرس فجأة، وترد الأساتذة إلى شيء من الحزن والأسى لا حد له، وترد الطلاب إلى شيء من الحيرة والوجد لا حد له.
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأبرياء فتصيبهم بهذا كله وبأكثر من هذا كله، وقد كانوا ينتظرون أن يمسهم العدل بجناحه الرفيق فيزيد لهم ما هم فيه من نعمة الله، ويتيح لهم فضلًا من لين العيش، ويمكنهم من أن يعودوا إلى أهلهم راضين مبتهجين، يحملون إليهم أنباء فيها الغبطة والابتهاج، ثم إذا كان الغد أقبلوا على طلابهم وقد ضوعف حظهم من النشاط، وتجددت قدرتهم على الجد، وفتحت أمامهم أبواب جديدة للبحث والدرس والتفكير والتعليم.
    نعم، قسوة منكرة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني وما نسيناها، وما كان لنا أن ننساها حتى يأذن الله أن يرفع شرها، ويكشف ضرها، وتمحى آثارها السيئة. جماعة من المصريين قد نيفوا على السبعين أو قاربوا السبعين، كانوا منصرفين إلى أعمالهم كأحسن ما ينصرف الناس إلى أعمالهم، نصحًا للناس ولأنفسهم، وصدقًا في هذا النصح، وإخلاصًا فيه، لا يضمرون ولا يظهرون في سيرتهم غير ما يضمرون. وإنهم في ذلك، وإذا الأنباء تسقط عليهم، ولم يكونوا ينتظرونها ولا يتوقعونها، وإذ الأسباب قد قُطعت بينهم وبين العمل، كما قُطعت بينهم وبين الأمل، وكما قُطعت بينهم وبين أسباب الرزق، وإذ هم يعودون إلى أهلهم وقد وقفت عقولهم عن التفكير، وانعقدت ألسنتهم عن القول، وأعربت وجوههم عما يشعرون به من الأسى واليأس، ومن اللوعة الممضة، والخوف المزعج، هذه العلامات التي ترتسم على وجوههم، والتي تصور من الكآبة والحزن ما ليس إلى تصويره في القول من سبيل.
    والذين أرسلوا عليهم هذه الصواعق في غير نذير ولا تنبيه، مصريون مثلهم يكرهون أن تلم بهم الصواعق، ويشفقون أن تُقطع عليهم أسباب العمل والأمل والرزق، ويسألون الله إذا أصبحوا، ويسألون الله إذا أمسوا، وكانوا يسألون الله وهم يرسلون هذه الصواعق ألا يلم بهم مثل هذا المكروه الذي كانوا يسلطونه على إخوانهم المصريين، وألا يعودوا إلى أهلهم كما يعود إخوانهم المصريون وقد أظلمت الدنيا أمامهم، وغشي اليأس وجوههم بهذا الغشاء القاتم الصفيق.
    جماعة من علماء الدين قد وقفوا أنفسهم على أن يدرسوا الدين ويعلموه، وأرادت ظروف الحياة المصرية والحياة الأزهرية خاصة ألا يعرفوا من أسباب العيش غير هذه الصناعة، فأخلصوا لها، وجدوا فيها، ووثقوا بها، واكتفوا بحظهم منها. وإذا هم يُردون عنها ردًّا، ويُدفعون عنها دفعًا، ويُلقَون إلقاءً في الشوارع حيث لا يجدون ما يعملون، ولا يعرفون أين يذهبون. والذين ينزلون بهم هذا الشر ويرمونهم بهذا النكر، ويصدونهم عن درس الدين وتعليمه والانقطاع لدرسه وتعليمه، هم قوم مثلهم من علماء الدين، لو فتشت عن قلوبهم لرأيتها تتضرع إلى الله في أعقاب كل صلاة أن يتم عليها هذه النعمة التي هي فيها، ويصل لها أسباب هذه الحياة التي تحياها، والتي قُطعت فجأة عن هؤلاء العلماء البائسين.
    بهذا كله يذكرنا صديقنا الزنكلوني[2] في كلمات لا يقرؤها المصري الصادق إلا انقطع قلبه حزنًا، وتفطر فؤاده أسى، ولا يقرؤها الرجل الصادق من رجال الدين الذين اشتركوا في هذه المأساة إلا امتلأ قلبه ندمًا، وذابت نفسه ألمًا، وتمنى لو أن ما فات من دهره لم يكن، وتمنى لو رُدَّ عليه ما مضى من الأيام ليصلح بنفسه ما جنت يداه، وتمنى لو أتيح له أن ينفق ما بقي من حياته محزونًا نادمًا تائبًا إلى الله، مستغفرًا، يردد قلبه وعقله ولسانه هذه الدعوة التي كان يرددها «الجحاف بن حكيم السلمي»، وقد ملأها يأسًا وأملًا، وخوفًا وقنوطًا حين كان يطوف بالكعبة ويقول: «اللهم اغفر لي، وما إخالك تفعل». وكان «الجحاف» قد أَيَّم نساءً ويَتَّم أطفالًا. ومن الحق أن أصحابنا هؤلاء لم يؤيموا النساء، ولكنهم جعلوهن كالأيامى، ولم ييتموا الأطفال، ولكنهم جعلوهم كاليتامى، يعيشون أضيق عيش وأنكده، في غير استحقاق لذلك منهم، ولا من هؤلاء الرجال الذين كانوا يقومون على حياتهم، فردوا إلى العجز بعد القدرة، وإلى الضيق بعد السعة.
    قسوة منكرة هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني، وما نسيناها، وما ينبغي أن ننساها، ويزيدها نكرًا وثقلًا أنها ما زالت ملمة بأهلها، لم تُرفع عنهم، ولم يحاول أحد أن يرفعها عنهم، ولم يظهر على الذين جنوها ألم ولا ندم، ولا سعي إلى الخير، ولم تُفتح للذين أصابتهم أبواب ما إلى نوع من أنواع الحياة، فهم كما أراد رؤساؤهم القساة أن يكونوا منذ رُدوا إلى البطالة والحرمان، لا يجدون ما يعملون، ولا يجدون ما يعينهم على احتمال هذا العذاب الذي لا نعرف أنهم جنوا ما يجعلهم له أهلًا.
    إن مما يؤلم المصريين حقًا أن يقسو بعضنا على بعض إلى هذا الحد، في هذا العصر المنكر الذي يدعو كل شيء فيه إلى أن يرفق بعضنا ببعض، ويرق بعضنا لبعض. وإن مما يؤلم المسلمين حقًا أن يقسو بعض رجال الدين على بعض، والدين يأمرهم أن يتواصوا بالخير والصبر، وأن يتعاونوا على البر والمعروف، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وإن مما يؤلم الناس حقًا أن يقسو الإنسان على أخيه الإنسان، والدين والعرف والأخلاق تأمر كلها بالعدل، وتنهى كلها عن الجور، وتدعو كلها إلى الرحمة، وتصد كلها عن القسوة، وتحرص كلها على أن يكون الحب والبر أساس الصلات بين الناس.
    نعم، إن مما يؤلم حقًا، ويسوء حقًا، وييئس من عدل الناس حقًا، أن تقع هذه المأساة في بلد دينه الإسلام، له دستور يكفل العدل والإنصاف، وقوانين تنظم معاقبة المسيء ومكافأة المحسن، ثم لا يُرفع هذا الشر، ولا يزال هذا النكر عن هذه الضحايا البائسة التي لا تعرف في أي سبيل ضُحي بها المضحون.
    لقد احتمل هؤلاء الناس ما سُلط عليهم من الشر كرامًا، وصبروا عليه كرامًا؛ فلهم من هذا الصبر وذلك الاحتمال أحسن العزاء عما هم فيه من الألم والحزن. وإذا كان هناك قوم خليقون بالرحمة والإشفاق، فإنما هم أولئك الذين كانوا يقدرون على دفع الشر قبل وقوعه ثم لم يدفعوه، والذين ما زالوا قادرين على رفع الشر بعد وقوعه ثم لا يرفعونه؛ أولئك خليقون أن تستغفر لهم ضحاياهم مما سُلطت عليهم من سوء. والله وحده خليق أن يعين كلًّا على كل، وأن ينصف كلًّا من كل، وأن يجزي الصابرين المجاهدين أحسن الجزاء، وأن يقرب لـ«مصر» هذا اليوم الذي لا يجني فيه المصريون على المصريين، ولا يقسو فيه رجال الدين على رجال الدين.
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٩-١٩٣٣. [2] هو الشيخ علي سرور الزنكلوني من علماء «الأزهر الشريف».

  • استعداء

    استعداء
    في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
    وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
    وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
    صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
    فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
    وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
    والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
    نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
    ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.
    كوكب الشرق ١٠\٨\١٩٣٣

  • عتاب

    عتاب
    نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
    أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
    ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
    وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
    كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.

  • راحة٢

    راحة
    لم يكن غنيًا يتدحرج على الذهب، ولا معدمًا ينام على القش، وإنما كان رجلًا من أوساط الريف، يأكل حتى يشبع، ويشرب حتى يروى، وينام ملء جفونه إذا جنه الليل. ولم يتكلف في كسب هذا العيش المطمئن الفارغ مشقة ولا جهدًا، إنما تركت له أسرته، التي كانت حسنة الحال فيما مضى من الزمان، بقية من أرض كثر عليها الدين، وتنازعها الغرماء، ولكنها كانت، على ذلك، تقيه وتقي أهله شر الجوع والحرمان.

    ولم يكن مثقفًا ولا قريبًا من المثقف، وإنما تركت له أيام النعيم بقية من علم بالقراءة، كانت تتيح له أن ينظر فيما يصل إلى القرية من الصحف بين حين وحين، وكانت تمكنه من أن يقرأ في بعض هذه الكتب التي يمر بها الطوافون على أهل الريف، فيحملون إليهم قصصًا وطنيًا يجدون في قراءته والاستماع له لذة ومتاعًا.

    وكان راضيًا عن حاله، مطمئنًا إليها، مغتبطًا بها، لا يفكر في أن يغيرها أو ينتقل إلى حال خير منها. بل كان يضيق صدره كلما أحس من أهله رغبة في سعة، أو تمنيًا لخلاص أرضه من الدين والغرماء.

    وكان عقله نائمًا أو كالنائم، لا يكاد يفكر في غير ما يحيط به من أمور أهل القرية. وكان أهل القرية ينظرون إليه في شيء من الإكبار والازدراء والإشفاق معًا. يكبرون أسرته القديمة ذات المجد التليد، ويزدرون فتوره وخموده، وما انتهت إليه حاله من الخمول، ويشفقون عليه مما اضطر إليه من ضيق بعد سعة، وضعة بعد ارتفاع.

    وكان كل شيء من حوله مضطربًا شديد الاضطراب. فالأحزاب تختصم في غير هدنة ولا أمل في الهدنة، والانتخابات النيابية يتبع بعضها بعضًا في سرعة غير مألوفة، لا يكاد يسفر انتخاب عن مجلس من مجالس النواب حتى يحل ويتفرق أعضاؤه، ثم يستأنف الجهاد، وتشب الحرب، ويكون انتخاب جديد، ومجلس جديد، لا يكاد يفتتح ويبدأ عمله حتى يرد أعضاؤه إلى حيث كانوا، فإذا هم يتفرقون مرة أخرى في مدنهم وقراهم، ليستأنفوا الجهاد، ويعيدوا حرب الانتخاب جذعة كما كانت قبل أشهر أو قبل أسابيع.
    ولم يكن صاحبنا يحفل بهذا كله، بل قل إنه لم يكن يفهم من هذا كله شيئًا. قيل له ذات يوم: لا بد من أن تثبت اسمك في جدول الانتخاب، ففعل. ثم قيل له: لا بد من أن تذهب إلى حيث الانتخابات، ومن أن تختار نائبًا أو ناخبًا لنائب، ففعل.

    ويجب أن ننصفه، فنؤكد أنه كان شديد الثقة بالعمدة، لا يأتي في الانتخاب وما يتصل به من الأعمال أمر إلا بعد أن يشيره. فإذا أشار عليه استمع له، ولم يخالف عن أمره مهما تكن الظروف، ومهما تكن المغريات بالخلاف.

    ولم تكن ثقته بالعمدة رهينة بشخص العمدة، وإنما كانت رهينة بمنصبه، فقد كان العمد يغيرون ويبدلون في سرعة ملائمة لسرعة الانتخابات وتتابعها بين حين وحين. وكان صاحبنا دائمًا رهينًا بمشورة العمدة القائم، مطيعًا لأمره في ثقة وتسليم وإذعان.

    وأشرقت الشمس ذات يوم على ما يحيط بالقرية من البراري، وما يطوقها من الحدائق والحقول. واستفاق صاحبنا من نومه سعيدًا راضيًا، كدأبه في كل يوم. فلما خرج من فراشه أكل كعادته فأكثر الأكل، وشرب كعادته فأكثر الشرب، وأخذ يشعل السيجارة في إثر السيجارة حتى أحرق منها خمسًا، كدأبه كل يوم إذا امتلأ من طعام الصباح وقهوته، حتى إذا استقرت معدته في جوفه، وقلبه في صدره، وعقله في رأسه، عمد إلى عصاه الغليظة فأخذها، وخرج يعبث بها حينًا، ويعتمد عليها حينًا آخر، في شيء من الخيلاء لم يكن يقدم عليه أحد من غير هذه الأسرة الخاملة بعد علو الذكر ونباهة الشأن.

    ولم يكد يتجاوز باب الدار قليلًا حتى لقيه العمدة، ومعه من يمثل الإدارة، فسلم عليه العمدة في شيء من الإكبار لم يعهده من قبل، وهو يقول:

    — أين تذهب؟ لقد كنا نريد أن نزورك.

    قال صاحبنا في شيء من الدهشة والعجب:

    — تفضلوا، على الرحب والسعة.

    ثم التفت إلى العمدة وقال:

    — ولكن هلا بعثت إلي ولم تتكلف مشقة هذا السعي؟

    قال العمدة:

    — وإذا لم يسع إلى ابن فلان وحفيد فلان، فإلى من يكون السعي؟

    ثم كانت الزيارة، وكان حديث لست أدري أفهمه صاحبنا أول الأمر حين فهمه، ولكنه أكبره ودهش له على كل حال.

    ومنذ ذلك اليوم كثر تردده على دار العمدة، وتردد العمدة على داره، وكثر انتقاله من القرية إلى حيث تقيم الإدارة، وكثر تردد رجال الإدارة على القرية. وتحول صاحبنا نشيطًا بعد فتور، يقظًا بعد غفلة، ذكيًا بعد غباء.

    وما هي إلا أسابيع حتى كان صاحبنا عضوًا في البرلمان، لا يقيم في قريته البعيدة النائية في أقصى الريف، وإنما يقيم في باريس أكثر العام.

    وكان في أول أمره صامتًا في المجلس، طويل الصمت، ثم أخذ يتكلم قليلًا، ينطق بالجمل القصار، ثم الجمل الطوال، ثم أصبح خطيبًا يسهب ويطنب، ويفصح ويبين!

    تغير في شكله وهيئته كل شيء، وانقطع عنه إلحاح الغرماء، وخلصت له أرض أبيه، وأصبح العمدة يكبره، لا عن تكلف، ولا عن خضوع لأمر الحكام.

    ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير فيه، وهو أنه لم يصدر فيما يأتي من الأمر، أو يلقي من الخطب، إلا عن رأي رجل قام في حياته الجديدة مقام العمدة في حياته القديمة. وهذا الرجل هو الوزير، فقد ارتفع صاحبنا عن منزلته الأولى بين أهل الريف، حيث كان يذعن للعمدة، إلى منزلة جديدة في العاصمة، فأصبح يذعن للوزير.
    وطالت به هذه الحال، فانقضى عام وجاء بعده عام، ولكن صاحبنا أخذ يستفيق بعض الشيء في العام الثاني. وحياة العواصم قوية خصبة، تذكي الشعور الخامد، وتنبه العقل النائم، وتفتح البصائر المغلقة.

    فما أيسر ما تنبه صاحبنا إلى موقفه، وشعر بمكانته، وعرف أنه قد أصبح قوة لا يستهان بها، ولا يستغنى عنها، فكبر في نفسه، وأراد أن يكبر في نفوس الناس. وهنا وجد صاحبنا المشقة، والعناء كل العناء. نظر فإذا زملاؤه ووزراؤه ورفاقه السياسيون لا يزالون ينظرون إليه اليوم كما كانوا ينظرون إليه من قبل، ولا يكبرونه ولا يشعرون بجلال خطره. وكلما هم بأن يتقاضاهم شيئًا من الإعظام والإكبار ابتسموا له، ونغضوا إليه رؤوسهم ساخرين، فإذا ألح ذكروا له بيئته الأولى، وحياته الأولى، وأنبأوه بأن طريق العودة إلى هذه البيئة وتلك الحياة ليست بالشاقة ولا بالطويلة.

    ونظر فإذا كثرة الناس من أهل العاصمة، أولئك الذين لا يظفرون بشرف السياسة ومغانمها، ولكنهم يحتملون أثقالها ومغارمها، ينظرون إليه شزرًا، ولا يقبلون عليه إلا بمقدار ما تدعو إليه الحاجة الماسة إلى الحديث. فضاقت به العاصمة على سعتها، وضاق هو بالعاصمة على حبه لها، وأعرض عن أنديتها ومجالسها، وأعرض عن ملاعبها وملاهيها، وآثر أن يلزم ناديه السياسي، ويكثر الاختلاف إلى اللجان البرلمانية في الصباح، وإلى الجلسات البرلمانية في المساء.

    حتى إذا كان آخر الدورة، وطلب إلى النواب والشيوخ أن يتفرقوا ليستريحوا من عناء العمل، ويريحوا الوزارة من طول الحديث وكثرة الكلام، تنفس صاحبنا كالمبتهج السعيد، فقد آن له أن يدع زملاءه الذين يزدرونه، وأن يدع أهل العاصمة الذين ينكرونه، وأن يذهب إلى الريف، هنالك حيث الهواء الطلق، والبراري الجميلة، وحيث الجبال الشاهقة تحيط بالقرية من بعيد، وقد اتخذت على قممها عمائم من الثلج الناصع النقي، وحيث أهل الريف وطباعهم السمحة، ونفوسهم الساذجة، وقلوبهم الطاهرة التي لا تعرف إسرافًا في الحقد والبغض، ولا غلوًا في الحسد والمنافسة، والتي لا تجحد فضل الأسر القديمة، ولا تعرض عن أبنائها، ولا سيما حين يكون هؤلاء الأبناء قد أعادوا المجد القديم، وارتفعوا إلى حيث أصبحوا من أولي الحل والعقد، ومن الذين يرجع إليهم في تصريف الأمور.

    وبلغ صاحبنا قريته مع الصباح، بعد سفر أنفق فيه ليالي طوالًا، وكان يقدر أنه لن يدع العربة حتى يلقاه أهل القرية جميعًا مكبرين له، مبتهجين بلقائه. أليس قد بلغ رسالتهم، وأبلى في الدفاع عنهم ما أقام في العاصمة؟

    ولكنه ترك العربة، فلم يجد أحدًا إلا خادمه الشيخ قد أقبل ينتظره، فلما رآه حياه، ثم شغل عنه بما كان يصطحب من متاع. وتقدم النائب خطوات، وأبى أن يركب العربة التي كانت تنتظره، وآثر أن يبلغ داره ماشيًا، وكان من غير شك يقدر أن هؤلاء الجاحدين الذين لم يخرجوا للقائه سيرونه رغم أنوفهم وهو يسعى في الطريق، وسيحيونه كارهين.

    ولكنه مضى في الطريق يمر أمام المتاجر، وأمام الدور، ويمر به الناس ذاهبين وجائين، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يشعر به منهم أحد. وهو يتكلف من الأشكال والصور ما يظهره للناس، ولكنهم يمرون وكأنهم لا يرونه. فإذا تلقاه أحد منهم بالتحية رد عليه تحيته، ومضى مسرعًا لا يلوي على شيء.

    ولم يبلغ الرجل داره حتى كان ضيقه بالقرية وأهلها كضيقه بالعاصمة ومن ترك فيها من الناس.

    على أن أهله كانوا قد تهيأوا للقائه فرحين مبتهجين به، ولكنه لم يكد يراهم، ويرى ابتهاجهم به، والتفافهم من حوله، حتى أظهر من الفتور والانقباض ما رد فرحهم إلى شيء، إن لم يكن حزنًا فهو قريب من الحزن.

    ومضت ساعة وساعة، والصمت طويل بين الرجل ومن يحيط به من أهله وذوي قرباه. فلما أذن الله لهم بالحديث، أظهر صاحبنا بعض العجب لفتور أهل القرية في استقباله، وإعراضهم عنه حين كانوا يلقونه في الطريق.

    فابتسمت زوجته، وكانت ذكية فطنة، وقالت في رفق:

    — أكنت تنتظر منهم غير ذلك؟ وقد ذهبت إلى العاصمة، وعدت منها، وأقمت فيها ما أقمت، وأبليت في العاصمة ما أبليت، فلم ينجل عنهم هم، ولا رد عنهم بأس، ولا فرج عنهم كرب.

    لقد كنت أظن أنك قد أقدمت على ما أقدمت عليه، وأنت تعلم حق العلم أنك معرض لدفع ثمنه، احتمالًا لتجهم الناس لك، وتنكر المتنكرين منهم، وسخط الساخطين فيهم.
    منذ ذلك اليوم أقام صاحبنا في الريف كما كان يقيم في العاصمة، لا يرى الناس ولا يراه الناس. وإنما يلزم داره أكثر النهار، فإذا لم يكن بد من خروج، فإلى دار العمدة في القرية، وإلى مستقر الإدارة في المدينة.

    حتى إذا انقضى الصيف، ورجع إلى العاصمة ليستأنف حياته العامة، لقي زملاءه مبتهجًا، راضيًا، مسرورًا. وكان يقول كلما لقي منهم أحدًا:

    — هلم إلى العمل، ما أكثر ما ينتظرنا من الجهد هذا العام! لقد لقينا الناس، وتحدثنا إلى الناخبين، وعرفنا حاجاتهم، فقد آن لنا أن نقضي هذه الحاجات، ونحقق هذه الآمال، وإلا فما نحن عنهم بنواب، وما نحن لهم بممثلين.

    كان ذلك في فرنسا في أوائل القرن الماضي.

    كوكب الشرق ١٤ — ٧ — ١٩٣٣

  • جهاد

    جهاد
    جهاد علمائنا في سبيل الله معروف، وذود علمائنا عن حق الله معروف، وبلاء علمائنا في ذات الله لا غبار عليه. وآية ذلك أن كلمة الإسلام هي العليا، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في البلاد التي تسود فيها الديانات الأخرى أيضاً، لا يستطيع أحد أن يعرض للإسلام بسوء، فهو إن قال في الإسلام ما لا يحب المسلمون نهض له علماء الإسلام من أهل الأزهر فما زالوا به يحاجونه ويجادلونه، ويناضلونه حتى يلزموه الحجة ويفحموه ويضطروه إلى الإذعان وإلقاء السلاح. ومن عرض للإسلام بعمل قليل أو كثير ينافي أصوله أو يناقض قواعده، نهض له العلماء من أهل الأزهر فردوه رداً، وصدوه صداً، واستعدوا عليه سلطان الدولة، وأجلبوا عليه بخيل الدولة ورجلها حتى يتوب ويثوب، أو ينزل به ما هو أهل له من العقاب.
    وعلماء الإسلام من أهل الأزهر يلقون في ذلك جهداً جاهداً، ويحتملون في ذلك عناءً معنياً، وضنىً مضنياً، يؤرقهم بالليل ويكدهم بالنهار، ويذيب قلوبهم غيرةً وحفيظةً لدين الله، وينهك أجسامهم ذوداً عن دين الله حتى بدا عليهم الضر، وحتى ظهرت على وجوههم وأشكالهم آثار العناء. وهم إلى هذا كله قيام بالليل، صيام بالنهار، تلاوة للقرآن، حراص على الصلاة، لا يعيشون إلا لله، ولا يخلصون إلا لله، ولا يخافون فيما نصبوا أنفسهم للذود عنه من حق الله لومة لائم، ولا سلطان متسلط، ولا قوة متكبر جبار. وهم لذلك مستقر الهيبة، لا تقع العين على أحدهم إلا امتلأ له القلب إجلالاً وإكباراً، وامتلأت له النفس حباً وإعظاماً، وهم لذلك شجىً في حلوق الطغاة، وأذىً في أجواف البغاة. هم أبطال الإخلاص للدين في هذا العصر الحديث من غير شك ولا ريب. انظر إليهم وقد اجتمع مجلس الشيوخ أمس، فكان مما نظر فيه أمر من الأمور للدين فيه حكم قاطع، ورأي ساطع، ومذهب واضح، لا سبيل إلى النزاع فيه. وكان
    القانون الذي عرض على مجلس الشيوخ أمس يريد أن ينحرف بعض الشيء عن حكم الدين، ويميل إلى أن يزور بعض الشيء عن محجة الصواب. فلما عرف أمر هذا القانون بين علماء الإسلام ضاقوا به وتنكروا له، واجتمعوا أفواجاً، يزورون شيخهم الأكبر، ملحين عليه أن يجرد عزمة، وينضي همه، ويذهب إلى مجلس الشيوخ حتى إذا عرض هذا القانون أرسل على الشيوخ والوزراء من لسانه العضب، وبيانه العذب صواعق النذير والتحذير حتى يسترد الوزراء قانونهم ويرفضه الشيوخ.
    وكانت أفواج العلماء قد كلفت نفسها هذا العناء في غير غناء، فما كان الشيخ – أيده الله – في حاجة إلى التذكير، وهل ينفق الشيخ بياض يومه وسواد ليله إلا ساهراً ناظراً، ومراقباً محاسباً، يبحث عن شكوك الشاكين وريب المرتابين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فيرد سهام هؤلاء جميعاً في نحورهم، ويحمي الإسلام من شرورهم. فكان – أعزه الله وأصلح باله – لا يستقبل وفداً من وفود العلماء، ولا يلقى فوجاً من أفواجهم إلا قال: بارك الله فيكم، لقد نبهتم غير غافل، وأيقظتم غير نائم، فارجعوا مأجورين مشكورين موفورين!!
    حتى كان مساء أمس، أقبل الشيخ ومن حوله زملاؤه العلماء الذين يشتركون في أعمال مجلس الشيوخ، وفي وجوههم سماحة الإيمان، وعلى وجوههم شدة الغضب للحق. فلما دخلوا المجلس نظر إليهم الأعضاء من غير العلماء فامتلأت قلوبهم حباً ورعباً! ثم عرض القانون فما هي إلا أن يهم الشيخ بالكلام حتى ينهض وزير الحقانية مضطرباً حيراناً، كأنما أخذه دوار، فيعلن في صوت متهدج من الخوف أنه يرى على وجه الشيخ وأصحابه – أبقاهم الله ذخراً للإسلام، وعزاً للمسلمين – إنكاراً لهذا القانون، فهو يسترده معتذراً عن تقديمه، واعداً ألا يعود إلى مثله، مستعطفاً للشيخ وأصحابه، فيغض الشيخ في تواضع وعزة ورضا، ويصفق الأعضاء، ويكفي الله المؤمنين القتال، فلا نزال ولا نضال، بل انتقال إلى جدول الأعمال.
    كذلك تحدثت شهرزاد، ولكن الصباح لم يلبث أن لاح فسكتت عن الكلام
    المباح، وخرج الناس من بيوتهم مع الشمس فاشتروا ما تعودوا أن يشتروه من الصحف، وقرأوا أخبار مجلس الشيوخ، فقرأوا شراً ورأوا نكراً. ووجدوا في الأهرام خلافاً لما تحدثت به شهرزاد! وجدوا أن الشيخ الأكبر – أعزه الله وأبقاه – تخلف عن المجلس مساء أمس، وأن الناس فسروا تخلفه بأنه أراد ألا يشترك في إقرار هذا القانون. ووجدوا في الأهرام أن تفسير الناس لغيبة الشيخ لم يكن فيما يظهر خطأً، فقد أيده خروج عالمين من علماء الدين، أحدهما مفتي الديار المصرية من المجلس حين عرض هذا القانون، وأيده أن عالماً ثالثاً من علماء الدين، وهو من هيئة كبار العلماء لم يخرج ولكنه أعلن أنه لا يوافق على القانون.
    أما الأعضاء الآخرون من غير العلماء فقد وافقوا على هذا القانون بالإجماع، وأما وزير الحقانية فقد خرج ظافراً بقانونه الذي أقره له المجلسان. كذلك قالت الأهرام صباح اليوم، أما «الشعب» فسكتت عن غيبة الشيخ الأكبر، وعن خروج المفتي الأكبر وصاحبه، وذكرت مخالفة الشيخ الذي لم يغب ولم ينسحب.
    وقرأ الناس هذا كله فحاروا وداروا، أيصدقون شهرزاد؟ وإذن فيجب أن تحاكم الأهرام لأنها أهانت علماء الإسلام، وأضافت إلى شيوخ الدولة ووزرائها ما لم يفعلوا ولم يقولوا؟ أم يصدقون الأهرام وإذن فيجب أن تحاكم شهرزاد، لأنها تخيل للناس غير الحق، وتصور لهم أن علماءهم ورجال دينهم يؤدون واجبهم للدين على أحسن وجه، ويؤدون واجبهم للرأي على أحسن وجه، فلا يخافون ولا يفزعون، ولا يفرون ولا ينسحبون، وإنما يحضرون ثم ينكرون ثم يظفرون، كذلك تصور شهرزاد للمسلمين أمر علماء المسلمين فتملأ قلوبهم ثقةً وأملاً واطمئناناً حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جاءت الأهرام بغير هذا الكلام، فخابت الآمال، وساءت الحال، وتبدل الناس من ثقتهم شكاً، ومن طمأنينتهم خوفاً، ومن أملهم يأساً. يجب أن تحاكم شهرزاد؟ إنها تضرب في البلاد ولعلها الآن في بغداد أو في إرم ذات العماد، تلك التي شادتها عاد!!
    وبعد، فهل تعرف هذا القانون الذي غاب له الشيخ، وانسحب له شيخان، وأبى أن يوافق عليه شيخ رابع، هو تعديل لطائفة من مواد قانون العقوبات حول الاعتداء على أعراض الصبيان من البنات والغلمان.
    فقد كان قانون العقوبات يعاقب المعتدي على هذه الأعراض برضا الصبي أو الصبية إلى سن الرابعة عشرة. فعدل بحيث أصبح يعاقب على هذا الاعتداء برضا الصبي أو الصبية إلى سن السادسة عشرة، فهو إذن يتشدد في حماية الصبيان من العدوان، ولكن إذا تجاوز الصبي أو الصبية هذه السن، سن السادسة عشرة، فلا عقاب على من يعتدي على أعراضهما برضاهما!!
    وهنا موضع الخلاف بين أحكام الدين وأحكام القانون. فالدين يعاقب على كل انتهاك للأعراض مهما تكن السن، وسواء رضي القسيم في الإثم أم لم يرضَ.
    وكان الشيوخ من غير شك يودون لو استطاعوا أن يخضعوا قوانين العصر لأحكام الدين، ولكنهم يئسوا قبل أن يحاولوا، فمنهم من انسحب، ومنهم من أنكر. وكلهم قد أدى واجبه. فمن لم يستطع أن يغير المنكر بيده، غيره بلسانه، ومن لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه غيره بقلبه وهو أضعف الإيمان فيما يقول الأثر.
    وويل للظروف التي تضطر كبار الشيوخ إلى أن يقنعوا بأضعف الإيمان.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣