Tag: school fees

  • أخلاق سياسية

    حديث الوادي
    أخلاق سياسية
    وزير التقاليد يعبث بالنظم والقوانين فيعفي من نفقات التعليم قوما لا ينبغي إعفاؤهم منها، ويفرض هذه النفقات على قوم لا ينبغي أن تفرض عليهم، أولئك أغنياء يملكون الأرض الواسعة التي تغل لهم المال الكثير، أو موظفون يتقاضون المرتبات الضخمة التي تبلغ الألف أو تزيد على الألف، ولكن أبناءهم يتعلمون على حساب الدولة، لأنهم أبناء الأغنياء، أو أبناء كبار الموظفين، ولأن للوزير أرباً في إرضاء آبائهم، أو التقرب إليهم، وهؤلاء معسرون قد ألح عليهم الفقر، واشتد عليهم الضيق، وسدت أمامهم مسالك الحياة، فهم لا يجدون ما ينفقون، ولكن الوزير يخيرهم بين التعليم تدفع نفقاته وبين الجهل لأنهم فقراء لا يستطيعون أن يتوسلوا بثروة، ولا أن يستعينوا بوظيفة، ولا أن يعتزوا بجاه.

    وهذا كله يقع في عهد كان يقال إنه عهد دستوري قوامه احترام القانون والدستور. وهذا كله يقع من وزير كان يقال له إنه مثقف ثقافة عالية حتى أنه ألف كتاباً في البيع، وكان يقال له الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يقال له المثل الأعلى في النزاهة والأخلاق للمتعلمين والمعلمين جميعاً.

    وهذا كله لا يقع من الوزير وحده وإنما يعينه عليه موظفون منهم الكبير ومنهم الصغير، وكلهم يفرض عليه العدل، ويفرض عليه الضمير، ويفرض عليه الواجب الوطني، أن يكون نزيهاً منصفاً، نقي اليد والقلب واللسان، وألا يسرق أموال الفقراء، ليعطيها لأبناء الأغنياء. فإذ وقع هذا كله، إذ سرقت أموال الفقراء المعوزين، ودفعت إلى الأغنياء المترفين، وأشرف على هذه السرقة جماعة من المثقفين، الذين اتخذتهم الدولة حماة لنظمها، أمناء على قوانينها، حراساً لأموالها، إذ وقعت هذه السرقة وأشرف عليها هؤلاء المثقفون عالمين بها، راضين عنها آمنين إليها، ثم أقبل وزير المعارف الجديد، فأراد رد الحق إلى أهله، وأراد إنصاف الفقير المعوز من عدوان الغني المترف، قيل إنه غير مجامل، وأن المجاملة كانت تفرض عليه فلا يأتي من ذلك شيئاً، فليس يليق بنجيب الهلالي أن يحرج موقف حلمي عيسى.

    كل هذا دليل على فساد في الخلق السياسي عظيم، فساد يدعو إلى العبث بالحق، والاستهانة بالإثم، وإيثار الغني الذي لا يحتاج على الفقير الذي يحتاج، واختلاس أموال الدولة، لإنفاقها في غير وجهها، وفرض الجهل على الفقراء فرضاً، ثم فساد يدعو إلى الرضى بهذا كله، والمضي في هذا كله، وضرب المثل في هذا كله، ثم فساد يدعو إلى لوم الذين يحبون أن يعدلوا، ومعاتبة الذين يريدون أن ينصفوا وإيثار الأشخاص على الحق والعدل، وأخذ الوزراء بأن يتستروا على الآثمين، في سبيل المجاملة وإرضاء المودة والهوى. لقد أحسن وزير المعارف حين قال لمندوب إحدى الصحف إنه لا يستطيع أن يجامل بذمته، فليست الذمة الإنسانية شيئاً يؤخذ ويعطى، أو يباع ويشرى، أو يتأثر بالمودة والمجاملة. فليت شعري هل يرضى وزير التقاليد بل ليت شعري هل يفهم وزير التقاليد هذا المعنى، وهل يقدر قيمة هذه الحكمة وهل يعرف أن ذمم الوزراء خاصة، يجب أن تكون فوق كل شيء، حتى المجاملة؟.

    وجماعة من الموظفين في المعاهد الدينية يرون إضراب الطلاب الأزهريين ويعلمون أن المضي في هذا الإضراب مناقض للمصلحة العامة، مسيء إلى ما يريد الشعب من تحقيق آماله في الحرية السياسية الصحيحة، مخالف لما يجب أن يعين رجال العلم عليه من الإخلاد إلى الهدوء والنظام، حتى تمضي الأمور على وجهها، وحتى تأخذ الوزارة في الإصلاح وهم يعلمون أن الوزارة لا ترضى عن المضي في هذا الإضراب، ولا تحبه للطلاب، وهم يعلمون أن الموظفين لن يوضعوا في مناصبهم ليحرضوا على الإضراب أو ليشيروا به أو ليؤلبوا الناس على الوزارة، أو ليغروا الناس بتجاوز النظام. ولكن الصحف تنبئنا مع هذا بأنهم كانوا يسعون بين الأزهريين، يغرونهم بالإضراب ويرغبونهم فيه ويدفعونهم إليه، ويحثونهم عليه، ولعل منهم من كان يلوح بألوان الترغيب والترهيب. فهؤلاء الموظفون الذين تحدثت عنهم الأهرام صباح اليوم مرضى بفساد الخلق السياسي لا يقدرون واجبهم ولا يقدرون حقهم وإنما هم قوم قد نزلوا عن إرادتهم وجعلوا ضمائرهم تجارة لا قدر الناس على الدفع وأنشطهم إلى البذل، وأسخاهم بالأماني والوعود، وهؤلاء الموظفون يعملون في المعاهد الدينية حيث يجب أن يكون الطهر الشامل والنقاء التام، وحيث يجب أن ترتفع الأخلاق عن الدنيات، وحيث يجب أن تلتمس المثل العليا لسيرة الأفراد والجماعات، والشر لا يقف عند هؤلاء الموظفين، فأمرهم هين لأنهم ضعاف، ولكنه يتجاوزه إلى السادة الذين جبنوا فلا يظهرون وخافوا فلا يبرزون، وعملوا مع ذلك من وراء ستار فاتخذوا هؤلاء الضعفاء أدوات للفساد.

    والأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يعلم حق العلم أن الأزهر كله مجمع على الانصراف عنه والزهد فيه، والضيق بمكانه من الرياسة لهذه المعاهد الدينية، لأن العلماء والطلاب يحصون عليه وعلى سياسته أموراً ينكرونها وينكرها معهم الناس جميعاً وينكرها معهم الدين أيضاً، وهو يعلم بعد هذا كله أنه قد ظاهر في العهد البغيض، وأعان على إقامة النظام الزائل واشترك في بعض آثامه، ويعلم بعد هذا أيضاً، أنه قد حمل ضميره، وحمل الأزهر معه عبئاً ثقيلاً حين فصل هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، وحين فصلهم في غير سؤال ولا تحقيق، ولا التماس للمنفعة، ولا إيثار للعدل ولا خوف من سخط الله، وهو يعلم بعد هذا كله أن بقاءه في منصبه مناقض كل المناقضة لروح العهد الجديد، وأنه لن يستطيع أن يبقى وإنه خارج أما غداً أو بعد غد، طبيعة الأشياء تريد هذا، وطبيعة الإصلاح تفرضه فرضاً، ولكنه مع هذا كله لا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، أما لأنه لا يشعر بشيء من هذا كله ولا يقدره، وأما لأنه لا يحفل بشيء من هذا كله ولا يريد أن يخرج إلا إذا أمر بالخروج، ومن الناس من يقول شيئاً غير هذا وذاك، ويزعم أن الشيخ مقيم حيث لا تنبغي له الإقامة، لأن هناك خطة مرسومة يجب أن تنفذ، وإقامة الشيخ بعض هذه الخطة، ومهما يكن من شيء فأخلاق الشيخ السياسية في حاجة إلى كثير جداً من الاستقامة والاعتدال، فما ينبغي له أن يبقى وهو يعلم أن بقاءه مستحيل، وما ينبغي له أن يبيح للناس ما يقولون فيه من الأقاويل، ولا أن يسمح بأن يكون موقفه غريباً شاذاً يذهب الناس في تأويله المذاهب، ويظن الناس به الظنون، ورؤساء الدين يجب أن يكونوا قدوة في الكرامة والزهد والارتفاع عن الظنة وسوء الرأي، ولكن الشيخ لم يرتفع عن الظلم، فليس عليه بأس مما هو فيه.

    وأمثال هذه الهنات التي أحصيناها في وزارة المعارف وفي إدارة المعاهد وفي مشيخة الأزهر كثيرة لا تحصى، وهي منبثة في جميع المصالح والوزارات والدواوين فلن تجد مصلحة تخلو من رجل أفسد وهو يعلم أنه مفسد ومن رجل قبل أن يسخر لغير ما ينبغي أن يعمل فيه الموظفون ومن رجل يعلم حق العلم أن بقاءه في منصبه شيء غير مرغوب فيه، وأنه إن احتمل اليوم فلن يحتمل غداً، ولكنه مع ذلك لا يخرج ولا يفكر في الخروج، لن تخلو مصلحة من هؤلاء الناس لأن العهد البغيض قد بث فساد الخلق السياسي في كل بيئة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان، فما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى الحزم والعزم وما أشد حاجتها إلى ألا تقتنع بالنزاهة الهادئة المطمئنة والارتفاع عن المجاملة بالذمم، وما أشد حاجتها إلى أن تأخذ في الإصلاح بقطع أسباب الفساد وقطع دابر المفسدين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٥ نوفمبر ١٩٣٤.

  • عيسويات٣

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين
    الوادي، ٢٣\٩\١٩٣٤

  • الوزارة الجديدة تواجه بقايا الماضي | The New Cabinet Faces the Old Regime’s Remnants

    حديث الوادي
    العدل
    ليقرأ رئيس الوزراء

    كلمة حلوة رددها الناس جميعاً في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضاً؛ لأنهم يعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما اختلفت فروعها. ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها، وبين الحقائق الواقعة بوناً شاسعاً واختلافاً عظيماً. وأنت تشعر بحرص الناس على العدل وتحرقهم ظمأً إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه، تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهداراً، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكاً، تجبى منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبِيَت لم تنفق في مصالحهم وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث وإرضاء الأهواء والشهوات وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يباح لهم أن يشكوا، فإن دفعوا إلى الشكوى عذبوا فيها تعذيباً، وربما سفكت دماؤهم سفكاً. ثم لا يباح لهم أن يجتمعوا، فإن هموا بالاجتماع، فرقوا بالحراب والرصاص، ثم لا يباح لهم أن ينطقوا، فإن نطقوا دفعوا إلى القضاء وألقوا في غيابات السجن. ثم لا يباح لهم أن يكتبوا، فإن كتبوا حطمت أقلامهم تحطيماً، وعطلت صحفهم تعطيلاً، ثم لا يباح لهم أن يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء. إذا احتمل المصريون هذا كله، وشراً من هذا كله أربعة أعوام بل أكثر من أربعة أعوام، يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أن عهد الظلم ينقضي، وأن سلطان الجور يزول، ظهر تحرقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مثله، وأروع صوره، وخيل إليهم أن أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمناً يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءاً يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافاً يكافئ ما وجدوا من الجور، ومن المؤلم للنفوس أن تخيب هذه الآمال، وأن يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أن القيسي باشا وبأن الإدارة تمثل وتعتذر وتزعم أنها لا تستطيع أن تغير شيئاً حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأي رئيس الوزراء في أن ذلك الكبت الرسمي يجب أن يزال، وفي أن ذلك الجور الخفي يجب أن يمحى، وفي أن هذا العهد الجديد لا ينبغي أن يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضاً؟ نظن أن رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن نفوسهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا غير الحق، وأن يأخذوا الأموال بغير الحق، وأن يعاقبوا الناس على آرائهم، وأن يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، ظن الذين يتولون أمور الناس في هذا العهد أن يرضوا عن شيء من هذا، ولن يقروا شيئاً من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك بأن أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غداً يرفع هذا الظلم، وبأن الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القيسي باشا سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.

    طه حسين
    الوادي، ١٩ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    كنافة
    ستضحك حين تقرأ هذا العنوان ولا بأس على من أن تضحك، ولعلي لم أكتب اليوم إلا لهذا. وأنا أعلم وأنت تعلم أيضاً أن في حياتنا السياسية الآن أموراً عظاماً، تفرض على الكُتّاب أن يُعنوا بها، ويكتبوا فيها، وهم يفعلون. ولكني مع ذلك أريد أن أدع هذه الأمور العظام اليوم لغيري من الكتاب، بل أريد أن أدعها للذين يملكون تصريفها والقضاء فيها، فقد يحدثنا بعض الكتاب بأن القضاء فيها قد يتم اليوم.

    أريد أن أدع هذه الأمور العظام للذين لا يعرفون إلا الجد، ولا يحبون غيره، وأن أقف عند هذا الشيء الصغير الذي لا نذكره إلا ضحكنا، وهو الكنافة. وإني لأملي هذه الكلمة فيأخذني ضحك شديد أدافعه عن نفسي لأمضي في الإملاء، ويأخذني حياء من أن أتخذ هذه الكلمة عنواناً لمقال في صحيفة سياسية، ومن أن أتخذ هذا اللون من الطعام موضوعاً لفصل افتتاحي في صحيفة سياسية أيضاً، وفي اليوم الذي لا يتحدث الناس فيه إلا عن النظام وإلغائه، وانتظار الأمر الملكي بهذا الإلغاء، ولكني أدافع الحياء كما أدافع الضحك لأمضي في الإملاء، فلا بد من الكتابة عن الكنافة، لا لأن شهر رمضان يُقبل علينا سريع الخطى، ويفتح موسم هذا اللون من الطعام على مصراعيه، فليس ذلك من السياسة في شيء، وأنا أزعم أني سأكتب عن الكنافة لأنها تتصل بالسياسة، وتتصل بها اتصالاً قوياً متيناً، والمسؤول عن هذا هو صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا الذي يفصل الموظفين من الخاصة برغم أمانتهم ودقتهم لأنهم يريدون أن يتشددوا في الحرص على الأمانة والدقة وأن يساوموا في أثمان الكنافة. والأستاذ الدكتور أحمد ماهر لأنه هو الذي أذاع في الناس قصة الكنافة هذه حين تحدث عن سوء إدارة الإبراشي باشا في الخاصة الملكية أمس.

    وما دامت الكنافة تفصل الموظفين من أعمالهم فهي كدكتوراه الشرف بالضبط لا فرق بينهما في قليل ولا كثير، وهي كتحية من موظف من كبار الموظفين لعضو من أعضاء الوفد، وهي كإباء التزوير في الانتخاب، وهي كإباء بيع الضمائر في أعمال الانتخاب أيضاً، وهي كإباء الخضوع لجور السلطان حين يريد أن يفرض الجور على الناس، وهي كإباء الكتابة في جريدة الشعب، وهي كالذهاب إلى نادي المحامين حين يفتتح المحامون ناديهم. هي كهذه الأشياء كلها، وكغير هذه الأشياء من الأسباب التي كان يعتمد السلطان عليها، ليفصل كبار الموظفين وصغارهم من العمل، وليحول بينهم وبين ما ينبغي من الأمانة والدقة والإخلاص، وليحول بينهم وبين ما ينبغي لهم من النزاهة والحرية والكرامة أيضاً. هي إذن سبب من أسباب العزل والفصل، ووسيلة من وسائل التحكم في نزاهة الناس وضمائرهم وفي أرزاقهم وأرزاق أبنائهم، وفي حياة الأسر ومن يُكونها من الرجال والنساء، ومن الأبناء والبنات. وهي من هذه الناحية ومن هذه الناحية وحدها، خليقة أن تكون موضوعاً لمقال سياسي في صحيفة سياسية، وأن يكون اسمها المضحك عنواناً لهذا المقال.

    وليس على التاريخ السياسي لمصر بأس من أن يُسجل أن عصراً من عصور الخزي قد مر على المصريين فكانوا يتحملون الأذى في سبيل الكنافة! وكانوا يفصلون من أعمالهم ويطاردون كلما قصدوا إلى عمل آخر لأنهم أرادوا أن يساوموا في ثمن الكنافة، وكان أبناؤهم وبناتهم يعرضون للجوع ويفرض عليهم البؤس والشقاء، وتحرم عليهم الكنافة تحريماً، لأن آباءهم كانوا يريدون أن يكونوا أمناء فيما يدفع للكنافة التي تُورد للقصر من ثمن.

    ومن الناس من يزعم أن الأستاذ الدكتور أحمد ماهر قد دفع إلى الفضول، وتحدث فيما لا يعنيه حين ذكر ما ذكر من قصة الكنافة أمس، فإن هذه القصة تمس السراي الملكية، وهي لا تمس الشؤون العامة بحال من الأحوال. ولكن الذي نعلمه أن الذين يعملون في الخاصة الملكية من الموظفين كباراً وصغاراً، ومن الخدم على اختلاف طبقاتهم مصريون، وأنهم أحرار لم تشترهم الخاصة ولم يشترهم زكي الإبراشي باشا، ولا ينبغي للخاصة ولا لزكي باشا الإبراشي أن يسيرا فيهم سيرة السيد في العبيد، وأن يعاقباهم ويعاقبا أبناءهم وبناتهم بالجوع والحرمان لأنهم أرادوا أن يكونوا أمناء في أثمان الكنافة! والذي نعلمه أن هذه المظالم لو ارتفعت إلى جلالة الملك لعاقب عليها الإبراشي باشا أشد العقاب. فجلالة الملك قد أقر الحكم الدستوري وأقر بهذا الحكم أن المصريين أحرار كرام في بلادهم، وأنهم يجب أن يُعاملوا معاملة الأحرار الكرام، سواء أكان ذلك في مصالح الدولة أم في مصالح الأفراد أم في مصالح الجماعات الحرة. وهب أن أي فرد من أفراد المصريين استخدم جماعة من مواطنيه، ثم سار فيهم كما يسير الإبراشي باشا في موظفي الخاصة سيرة الظلم والجور، والعقاب على الأمانة، والفصل للتدقيق في ثمن الكنافة، أفلا يكون من حق كل مصري يقدر الحرية والعدل ويعرف للأخلاق حقها وللكرامة الإنسانية ما ينبغي لها أن يُنكر على هذا المصري سيرته وأن يلومه في ظلمه وأن يبين أمره للناس، وإن لم يكن من رجال السياسة، ولا من المسيطرين على المصالح العامة، فكيف إذا كان هذا المصري الذي يظلم المصريين مديراً للخاصة الملكية التي يريد الناس بحق أن تكون إدارتها مثلاً للعدل والإنصاف وإيثاراً للنزاهة والمؤثرين لها من الموظفين. كلا، من حق الدكتور أحمد ماهر أن يذيع هذه القصة وأن يُنكر ما تشتمل عليه من ظلم وأن يتخذها دليلاً على أن الإبراشي باشا لم يكن بارعاً ولا موفقاً حتى في إدارة الخاصة الملكية على كثرة ما قيل في براعته وتوفيقه.

    ومن حقنا نحن أن نسأل عن هذه القصة أصحيحة هي أو غير صحيحة؟ فإن كانت صحيحة فمن حقنا أن نأسف أشد الأسف وأن نتحدث بهذا الأسف إلى المصريين ليأسفوا معنا على أن مثل هذا الظلم الصغير في مظهره، الكبير في معناه، الخطير في آثاره، يقع من مدير الخاصة الملكية على موظف الخاصة الملكية.

    إن الذين يأخذون أنفسهم بخدمة الملوك وإدارة شؤونهم الخاصة يجب أن يشعروا بأنهم ينهضون بأعباء ثقال، ليست كأعباء غيرهم من الناس، لأن الملوك في هذه العصور خاصة يجب أن يكونوا المثل العليا للشعب في جميع أنحاء الحياة، فيجب أن يكون خدامهم مظاهر لهذا الرقي الخُلقي، ومظاهر للارتفاع عن الصغائر، ومظاهر للبراءة من الظلم، ومظاهر لتحقيق العدل، مهما تكن الظروف، فإذا قصروا في ذلك عن غير علم فهم ليسوا أهلاً لخدمة الملوك، وإذا قصروا في ذلك عن علم وإرادة وعمد فهم أولى ألا يكونوا أهلاً لخدمة الملوك، لأنهم يدلون بذلك على أنهم يفهمون خدمة الملوك على غير وجهها، ولا يكنون ما ينبغي للملوك من الإخلاص الصحيح الذي يحقق ما لا بد من تحقيقه من جعل الملوك مثلاً عليا، ومن جعل إدارات الشؤون الخاصة لهم مثلاً عليا للإدارات في إيثار العدل والإنصاف والنزاهة والبقاء.

    هذا الموظف الذي أراد أن يكون أميناً فعوقب على أمانته بالفصل، والذي أراد بعد ذلك أن يعمل فطورد في كل ما أراد من عمل وفرض عليه العقاب المتصل فرضاً، رجل مصري، فأمره يعني المصريين جميعاً، وأمانته خُلق مصري فأمره يعني المصريين جميعاً، واحتماله للأذى في سبيل الأمانة محنة مصرية فأمرها يعني المصريين جميعاً، ومحنته هذه صدرت عن رجل كان ينبغي ألا يصدر عنه إلا الخير، لأنه يدير الخاصة الملكية فأمره يجب أن يحزن المصريين جميعاً.

    أرأيت أن الأشياء قد تكون في نفسها صغيرة دقيقة لا تستحق عناية ولكنها قد تثير مع ذلك من الحوادث ما هو عظيم خطير يستحق العناية كل العناية، ويرتقي بالتفكير الإنساني إلى أرقى أصول العدل السياسي وإلى أرقى أصول الأخلاق.

    أرأيت أن اسم الكنافة مضحك ولكنه قد يبكي، وهو قد أبكى بالفعل الذين يتصلون بهذا الموظف الذي فصل لأنه أراد أن يكون أميناً؟

    أرأيت أن صغار الأمور هي التي تكون كبارها وأن حياة الأمم والشعوب ليست إلا نسيجاً من هذه الأمور اليسيرة الهينة؟ أما أنا فأعتقد أن إساءة الإبراشي باشا بتدخله في السياسة المصرية خطيرة جداً، ولكن إساءته في قصة الكنافة هذه ليست أقل منها خطراً. وإذا كان أصحاب السياسة يريدون أن يكفوا الإبراشي باشا عن الأمور العامة لأن تدخله فيها يفسدها، فإن من حق رجال الأخلاق والذين يحبون العدل والإنصاف أن يتمنوا كف الإبراشي باشا عن أمور الخاصة الملكية لأنه يُسيء إليها في سمعتها، وما ينبغي أن يتحدث الناس عن الخاصة الملكية وإدارتها بالسوء.

    طه حسين
    الوادي، ٢٠ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة
    قلق وكيد . . .

    وهذا موضوع ليس أقل إثارة لعناية الأدباء من غيره من الموضوعات لأنه يتصل بالحياة العامة، ويتصل بالحياة الخاصة، ويعرض للكتاب والشعراء صوراً طريفة حقاً، يستطيعون إن وقفوا عندها وأطالوا النظر فيها، ثم صاغوها في صيغهم الفنية، من الشعر والنثر، أن يخرجوا للناس آيات بينات.
    فلعلك تلاحظ معي أن صاحب الدولة رئيس الوزراء ما زال مقلقاً للراحة منغصاً لحياة كثير من الناس، يحول بينهم وبين الهدوء ما أشرقت الشمس ويذود عنهم النوم إذا أقبل الليل. أقلق المستوزرين أياماً وليالي لأنه لم يعرب عن مذهبه في تأليف الوزارة ولم يبين عن وجهته في اختيار الوزراء وترك الصحف تشيع وتذيع، وترك الأحاديث تختلط والآراء تصطدم، فخيل لكل مستوزر أنه وزير، وخلى بين المستوزرين وبين الخيال البعيد، والأمل الذي لا حد له، وأخذ هؤلاء الناس يسعون مع الأمل ويمضون مع الخيال، والجمهور معهم يسعى ويمضي ويرقب وينتظر، وهو يتحدث ويتنبأ ويتفكه على كل حال. ورئيس الوزراء صامت مغرق في الصمت. عامل جاد في العمل، حتى إذا أمسى الناس ذات يوم سمعوا لبعض الأسماء ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا لبعض الأشخاص، فإذا أسماء لم تكن تقدر وإذا أشخاص لم يكونوا منتظرين.
    هنالك قام الدهش مكان القلق، ثم لم يلبث الدهش أن زال وقامت مكانه الموجدة، والحفيظة، واليأس المضني للقلوب، والحزن المهلك للنفوس. ثم لم تلبث هذه العواطف أن أنتجت نتائجها الطبيعية وولدت بناتها التي تمتاز بالخفة والرشاقة، وباللباقة واللين، والتي تضمن الانسلال من كل مكان، والدخول إلى كل مكان، والعبث بكل قلب، والإفساد لكل نفس، وهي الكيد والسعي والوشاية والنميمة وما يشبهها من هذه المعاني التي ملأت الجو المصري، وتراءت في الجو الإنجليزي منذ ظهر تأليف الوزارة وتبين أن رئيس الوزراء قد خيب آمالاً وأخلف ظنوناً واختار زملاءه من غير المستوزرين. قوم يرون أن رئيس الوزراء قد استسلم للوفد، فتلقى منه الأمر وانقاده في غير تردد ولا روية، وإذن فما أجمل استغلال هذه الفكرة، والسعي برئيس الوزراء عند الإنجليز، وعند القصر؟
    وقوم آخرون يرون أن رئيس الوزراء على ما أظهر من إذعان وخضوع للوفد، لم يظفر بتأييده الصريح الخالص! وإنما الوفد يتخذ وزارته طريقاً إلى الانتخاب ثم جسراً إلى الحكم، وإذن فما أجمل استغلال هذه الفكرة للإفساد بين الوفد ورئيس الوزراء ولإظهار الوفد على ما يضمره رئيس الوزراء من شك وريبة، وائتمار به إذا سنحت الفرصة، ولإظهار رئيس الوزراء على ما يضمره الوفد من مكر وخديعة وتهيؤ للمعارضة التي لا ترد.
    وبنات اليأس هذه كما قدمت رشيقـة لبقـة خفيفة غالية في الخفة تطير في كل جو، وتسعى إلى كل مكان، وتلقي أحاديثها في خفة وظرف ولطف، في كل ناد، وفي كل مجلس، ثم تنسل لم يحسها أحد، ولم يشعر بها إنسان، وإذا الناس يشعرون كأن ما ألقته من السعايا والوشايات حقائق مستقرة لم تنشأ في ذلك البيت، ولم تخترق في ذلك النادي، ولم تخترق ذلك المستوزر اليائس، ولم ينطلق لسان ذلك السياسي، الذي كذبت آماله، وأخلفت ظنونه، وأفلتت منه الوزارة فأقسم على الانتقام.
    على أن رئيس الوزراء لم يكتف بإقلاق هؤلاء الناس أياماً واضطرارهم إلى الكيد، بعد أن زال عنهم القلق، واستقر مكانه اليأس، وإنما هو يستبقي ظلاً من القلق يسيراً يضطرب في الجو اضطراباً ما، فيسحر عقولاً، ويستهوي نفوساً، ويطلق بعض الألسنة ببعض الحديث. فما زال رئيس الوزراء محتاجاً إلى زميلين أو إلى ثلاثة من الزملاء، فمن عسى أن يكون هذان الزميلان؟ أيختار رئيس الوزراء بين المستوزرين، من رجال الأحزاب، وإذن فمن يختار، وكيف يختار؟ أم يختار رئيس الوزراء بين كبار الموظفين وإذن فمن يختار، وكيف يختار؟ فالقلق متصل، النفوس مضطربة والقلوب معلقة، ورجال السياسة يحتاطون، يودون لو أتوا على رئيس الوزراء ولكنهم يخافون ألا يختارهم للخارجية أو المواصلات، فهم يتحفظون، يودون لو كادوا لرئيس الوزراء ولكنهم يرجون أن يختارهم للخارجية أو المواصلات، فهم يتحفظون، هم يعدون الغشاء ليطلقوه إذا أصبحوا وزراء وهم يعدون الكيد ليطلقوه إذا خطأهم الاختيار، وهم في أثناء ذلك يسعون بالإشاعة والإذاعة، والترشيح.
    وإذا ظن رئيس الوزراء أن هذا هو كل ما أحدث من القلق، فهو مخطئ أشد الخطأ، فهو قد آثر الصمت بعد أن ألف الوزارة، كما آثره قبل تأليفها وهو إذا تكلم آثر الإيجاز والألغاز وهو إذ عمل لم يسرع ولم يتعجل، وهو يحير الراغبين والراهبين جميعاً.
    أولئك الموظفون الذين اتخذهم صدقي باشا والإبراشي باشا أدوات لنشر الفساد وإذاعة الظلم، ونشر الجور وتعذيب الناس وسفك الدماء، واستصفاء الأموال. هؤلاء الموظفون قلقون أو قل إنهم كانوا يائسين، فلما رأوا صمت رئيس الوزراء وأناته هدأ الخوف، واستحال إلى قلق مؤلم ممض هو شر من الخوف. أيعزلهم رئيس الوزراء أم يبقيهم؟ وإن عزلهم فهل يخلى بينهم وبين الأمن والراحة والعافية أم هل يقفهم أمام القضاء ليسألوا عما اقترفوا من إثم، ويؤخذوا بما اجترحوا من السيئات؟ وإن أبقاهم فهل يدعهم حيث وجدهم، أم هل ينقلهم من مناصبهم، ثم يمسهم بما يمس به الموظفون من ألوان الإبعاد والتخفيض والنفي إلى هذه الزوايا المهملة في حجرات الدواوين؟ هل منهم يسأل، وكل منهم يترقب، وهل منهم يقرأ الصحف ويكلف نفسه تأويلاً وتعليلاً وتحليلاً، يقرأ بين السطور، يقرأ ما كتب، وما لم يكتب، يسمع ما قيل وما لم يقل يحدق في الوجوه تحديق الملح، يريد أن يصل إلى أعماق النفوس ويتبين ما انطوت عليه الضمائر من النيات، يسعى بالتهنئة وهو مستعد للبغض الشديد إن أصابه الشر، وللحب الشديد إن أخطأه العقاب. وهؤلاء الموظفون الذين أصابهم صدقي باشا والإبراشي باشا بألوان الظلم والتنكيل قلقون أيضاً: وعدهم رئيس الوزراء بالإنصاف، ولكنهم لا يعلمون كيف يكون هذا الإنصاف، ولا إلى أي حد ينتهي، ولا على أي نحو يقوم، أهو رد إلى المناصب التي أبعدوا عنها أم هو رد إلى خدمة الدولة ليس غير؟ أهو إصلاح لما كان، أهو إصلاح لما سيكون؟ أفيه تعويض لما احتملوا من أذى أم تعويض ذلك عند الله لا عند رئيس الوزراء؟ ومتى يكون هذا الإنصاف، أتحمله شمس اليوم حين تشرق، أم تحمله شمس الغد، أم هو بطيء يحب الأناة كما يحبها رئيس الوزراء ويكره العجلة كما يكرهها رئيس الوزراء؟ وهؤلاء النواب والشيوخ الذين قيل لهم إنهم سيبقون فاستبشروا ثم قيل لهم إنهم سيصرفون فابتأسوا ثم هم الآن معلقون بين الموت والحياة هم نواب وشيوخ في الورق، وليسوا نواباً ولا شيوخاً لأن رئيس الوزراء قد أعلن أنه سيلغي النظام ويصرف البرلمان.
    نعم ولكن متى يلغى النظام ومتى يصرف البرلمان؟ وما لرئيس الوزراء يصطنع هذه القسوة وينضج هؤلاء الناس على نار هادئة ويطيل تعليقهم في هذا اليأس الذي لا يخلو من أمل وفي هذا القنوط الذي لا يبرأ من رجاء، ومن يدري لعلهم إن قرأوا عدية يس، في ليلة النصف من شهر شعبان، لعلهم إن زاروا بعض المقابر وأضاؤوا حولها الشموع،
    ووزعوا عندها الصدقات، لعلهم إن استعانوا ببعض السحرة، وأصحاب العزائم والطلسمات أن يظفروا بمعجزة من هذه المعجزات التي تغير رأي رئيس الوزراء أو تحول بينه وبين ما يريد! وما الذي يمنع هؤلاء الشيوخ والنواب، من أن يضعوا شيخ الأزهر على رأسهم، ثم يذهبوا معه لزيارة السيد الإنبابي، والسيدة سكينة، ثم ما الذي يمنعهم من أن يضعوا إسماعيل صدقي باشا على رأسهم ثم يذهبوا معه لزيارة سانت تيريز، هذه القديسة التي تقوم كنيستها في شبرا والتي يقال إنها تأتي بالأعاجيب، ثم من يدري لعل الإبراشي باشا أن يكون أقدر من الأولياء والقديسين على رد رئيس الوزراء عما يريد. فالإبراشي باشا واسع الحيلة خصب الذكاء يستطيع أن ينفق وأن ينفق بغير حساب، والمال قوة يا لها من قوة، فمن يدري لعله يستطيع تسميم الجو، ولعله آخذ في ذلك ولعله لا يمهل رئيس الوزراء إلا ليعلمه بعد يومين أو أيام أن إلغاء النظام ليس شيئاً هيناً ولا يسيراً.
    ثم شيخ الأزهر وما شيخ الأزهر؟ إن له بركات ظاهرة وأخرى خفية، إن له مساعي واضحة، وأخرى غامضة، إنه يستطيع أن يقرأ العدية الكبرى ومن ورائها الدعاء المشهور، أن له عند الأولياء وسائل. إن بينه وبين السيد العدوي صلات لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، إنه يستطيع أن ينفق ليلة من لياليه ساهراً في غرفة من غرفه. يطلق البخور ويجري لسانه بما تيسر من الكلمات، فإذا النظام باق لا خطر عليه، وإذا الشيوخ والنواب لا يتعرضون لشر، ولا يخافون بأساً، وإذا العلماء المفصولون حيث هم لا يتقدمون، وقد يتأخرون . . أرأيت أن رئيس الوزراء ما زال مقلقاً للراحة يكلف الناس عناء طويلاً وهماً ثقيلاً، أرأيت أن هذا القلق الذي يثيره رئيس الوزراء، وهذا الكيد الذي ينتجه القلق وهذا الاضطراب الذي يعبث بكثير من الناس، خليق كله أن يثير عناية الأدباء وأن يلهمهم نشراً رائعاً، وشعراً بارعاً، لو أرادوا أو لو استطاعوا ولكنهم لا يريدون أو لا يستطيعون. فستفلت منهم هذه الفرص وما أكثر ما تفلت الفرص من الأدباء.
    طه حسين
    الوادي، ٢١ نوفمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    كيد
    لم يترك العهد البغيض بيئة من البيئات المصرية إلا نشر فيها الظلم، وأقر فيها الجور، وبسط عليها سلطان الفساد، وغرس فيها أشجار الشر تؤتي ثمرها منكراً قبيحاً مرذولاً، في غير ريث ولا إبطاء. وأنت لا تلم ببيئة مصرية إلا وجدت فيها آثار الشر ومظاهر الضر، ولا تتحدث إلى رجل مصري إلا سمعت منه الشكوى وأحسست منه الألم، ولا تفكر في مصلحة من مصالح المصريين إلا تبينت فيها آثار العبث، وعرفت أنها قد وكلت إلى قوم لا يرعون للوطن وحقوقه ومنافعه كرامة ولا حرمة.
    هذا شيء لا شك فيه. قاله الناس فأكثروا من قوله، وسيقولونه فيكثرون من قوله، حتى يرد العدل إلى نصابه وتستقر الأمور في قرارها ويعود إلى القلوب والنفوس والضمائر ما هي في حاجة شديدة إليه من الأمن والهدوء والاطمئنان. ولكن هناك ظاهرة غريبة يلاحظها الناس جميعاً، ويتساءل عنها الناس جميعاً، وقد بدؤوا يتحرونها ويتبينون مصادرها الخفية؛ فالمصريون جميعاً مظلومون وهم جميعاً يطالبون برفع الظلم ولكنهم جميعاً يقدرون موقف الوزارة، ويعلمون أنها لم تكد تنفق في مناصبها أسبوعاً، وأن أكثر هذا الأسبوع قد ذهب في استقبال المهنئين ورد الزيارات والأخذ في أسباب الدرس والبحث والتهيؤ لما لا بد منه من إلغاء النظام الممقوت، فهم يعلنون ابتهاجهم بقيام الوزارة وانتظارهم لما ستقدم عليه من إصلاح، وهم يرفعون إليها المظالم ويعرضون عليها الاقتراحات لا يشقون عليها ولا يسرفون في الإلحاح، ولا يطلبون إليها أن تغير كل شيء، في يوم أو يومين. الموظفون المظلومون يثقون بأن الظلم سيرفع عنهم وينتظرون مطمئنين، والعمد المظلومون يثقون بأن الظلم سيرفع عنهم وينتظرون مطمئنين، وغير الموظفين والعمد، من الأفراد والجماعات الذين أصابهم الضر ومعهم [أسرهم]، ينتظرون في غير تعجل ويطلبون في غير إلحاح. ومن المصريين كثيرون [وقع عليهم] ظلم لا سبيل إلى رفعه ومنهم [من أصابه ضر] لا سبيل إلى محوه، فالأسر التي [فجعت] حين سفكت دماء [أبناءها] ، لا تنتظر من الوزارة أن تنشر لها الموتى، ولا أن ترد عليها الشهداء وإنما هي تحتسب هؤلاء الأبناء عند الله وعند الوطن، وهي مع ذلك لا تضطرب ولا تظهر ميلاً إلى الاضطراب وإنما تصبر كريمة وترضى بالتضحية الأليمة طيبة النفس قريرة العين، مؤمنة بالقضاء.
    والمصريون الذين مسهم الأذى في أجسامهم، لا ينتظرون إصلاحاً لما أصابهم؛ فكيف السبيل إلى أن يرفع عنهم الشر وقد وقع عليهم، وكيف السبيل إلى أن يكشف عنهم الضر وقد نزل بهم؟ وللطلاب مظالم قد رفعوها وآمال ينتظرون تحقيقها ولكنهم رفعوا مظالمهم وصبروا، وأعلموا أهلهم وانتظروا، ومضوا فيما ينبغي لهم أن يمضوا فيه من درس وتحصيل، إلا الأزهر والمعاهد الدينية فإن طلاب الأزهر والمعاهد الدينية لم يذهبوا مذهب غيرهم من الناس، ولم يسلكوا طريق غيرهم من طلاب الجامعة المصرية وطلاب المعاهد الأخرى، وإنما أضربوا أو مضوا في الإضراب واحتجوا ومضوا في الاحتجاج، وشرطوا للرجوع عن موقفهم شروطاً، وأصروا على موقفهم حتى تنفذ هذه الشروط. فكان غريباً من غير شك أن يشذ طلاب الأزهر والمعاهد الدينية عن إجماع الشعب كله، وأن يسلكوا طريقاً غير طريق الطلاب الآخرين، وأن يقفوا موقفاً ظاهره طلب الإنصاف وهو مع ذلك لا يخلو من التحدي والعناد. والمصريون يعرفون طلاب الأزهر ويعرفون أن شعورهم مصري كشعور غيرهم من الناس، وأن أمانيهم مصرية كأماني غيرهم من الناس، وأن ضمائرهم خالصة للوطن كضمائر غيرهم من الناس. وإذن فما سر هذا الموقف الغريب وما تأويل هذا الشذوذ الذي لا يخلو من نبو عن المألوف؟ تحدثت الصحف منذ حين بأن قوماً يكيدون للأزهر والأزهريين ويسعون بينهم وبين الوزارة بالفساد، ويريدون أن يحملوهم على إفساد الأمر وإحباط السعي، وشغل الوزارة بأنفسهم عن الإصلاح بل عن الشعب كله وعن حقوق الشعب كله، وعن إلغاء النظام البغيض. ثم أخذت الأمور تتكشف شيئاً فشيئاً عن أن الصحف لم تكن واهمة فيما ظنت ولا مخطئة فيما أذاعت، وها نحن أولاء نقرأ في الكوكب التي ظهرت مساء أمس تفصيلاً لهذه الظنون وتوضيحاً لهذا الكيد، وتقديراً لأن هناك قوماً يوعزون إلى طلاب الأزهر أن يلحوا في إخراج الشيخ، ويوعزون إلى الشيخ ألا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، يريدون بذلك أن يوقفوا الوزارة، موقف الحيرة والحرج والضيق.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ في الأهرام صباح اليوم أن هذا الكيد حقيقة واقعة فيما يظهر وأن الوزارة قد عرفته وتبينت أصله، وأن رسلاً قد سعوا بالسوء وأن أموالاً أنفقت في سبيل هذا السوء، وإذاً فقد وضح ما كان غامضاً، وظهر ما كان خفياً. وتبين أن أنصار النظام البغيض يحاولون أن يتخذوا الأزهر أداة لاستبقاء هذا النظام، وأن الذين نشروا الفساد في الأرض يريدون أن يتخذوا الأزهر وسيلة لنشر الفساد، فقد نحب أن نعلم من هم هؤلاء الناس الذين سعوا بالشر بين الأزهر والوزارة وجدوا في الإفساد بين الأزهر والشعب واتخذوا معهداً دينياً وسيلة لأبغض الأشياء إلى الدين وأبعدها عنه وهو الفساد؟ وقد نحب أن نعلم من أين لهم هذه الأموال التي أنفقوها؟ من الذي قدمها إليهم؟ ومن أين أخذها؟ ومن الذي تلقاها منهم وكيف تلقاها؟ أو قد نحب أن نعلم ماذا تريد الوزارة أن تصنع مع هؤلاء المفسدين الذين يكيدون للسلطان ويشترون الضمائر ويفسدون الأخلاق ويغرسون أشجار الشر في أرض لا ينبغي أن يصل إليها الشر؟ أتريد الوزارة أن تبحث عن هؤلاء الناس حتى إذا وضعت يدها عليهم لم تقنع بكفهم عن الشر بل عاقبتهم عليه وجعلتهم نكالاً للذين يريدون أن يفسدوا على هذا الشعب أمره وأن يردوا كل شيء إلى الاختلاط؟
    وكذلك تحدث الناس أن الشعب قد ابتهج بالوزارة في كل مكان وأن ابتهاج الشعب لم يعقب أثراً سيئاً إلا في مدينة واحدة هي الإسكندرية، ثم أخذت الجهاد تتحدث عنه منذ أمس بأن بعض الذين يكلفون حماية الأمن قد سعوا بالفساد في الإسكندرية حتى حدث ما حدث من شر أراد الله أن يكون يسيراً وكان من الممكن أن يتفاقم، ويعقب آثاراً سيئة بغيضة، فقد نحب أن نعلم أحق هذا الذي أذاعته الجهاد أمس واليوم؟ وإذا كان حقاً فمن هؤلاء الناس الذين حثوا على الشر ودعوا إليه وعمن تلقوا الأمر بهذا الفساد؟ وماذا أريد بالوزارة أن تصنع معهم، ومع الذين أمروهم بإحداث الشغب والاضطراب؟
    نحب أن نعلم هذا، ونحب أن نقول في صراحة، إن أمور الإصلاح لن تستقيم للوزارة ما دامت لا تتخذ من الحزم ما يريحها من أسباب الكيد، ويكف عنها وعن الشعب شر هؤلاء الآثمين الذين لا يستطيعون أن يظهروا ولكنهم يحسنون الكيد ويجيدون الإفساد من وراء ستار. إن للنظام البغيض أفاعي ما زالت حية لم تقطع إلا أذنابها، بل لم يكد يقطع من أذنابها إلا الشيء القليل الذي لا خطر له، فإذا كانت الوزارة تريد الإصلاح حقاً وتحرص على أن تنهض بالوفاء بما أخذت على نفسها من عهد فإن أول ما يجب عليها هو أن تريح نفسها من هذه الأفاعي لتقدم على الإصلاح، وهي مطمئنة إلى أنها لن تنسى من وراءه.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    في الحرية الشخصية . . .
    الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعاً بنصوص الدستور القديم، وبنصوص الدستور الذي يراد إلغاؤه.
    وكانت مكفولة قبل إعلان الحياة الدستورية، بالقوانين العادية منذ عهد بعيد، فقد نشأ هذا الجيل حراً لا يعرف لأحد عليه حقاً فيما يأتي وما يدع ما دام لا يخالف القانون ولا يتجاوز حدود الآداب العامة، ولا يعرض غيره للأذى.
    فمن الغريب أن تتعرض هذه الحرية الشخصية للخطر بعد هذه الضمانات كلها، وبعد أن أمن الناس عليها منذ عهد بعيد، وبعد أن نشأت أجيال مصرية، لا يستطيع السلطان أن يتدخل في حريتها الشخصية أو يعرضها للتحكم والعبث.
    ولكن هذه الحرية الشخصية مع ذلك تنتهك حرماتها جهرة، وفي غير ما يدعو إلى أن تنتهك هذه الحرمات. كان ذلك يقع أيام صدقي باشا، وأيام عبد الفتاح باشا، لأن هذين الرجلين، وأعوانهما، لم يكونوا يرعون لشيء حرمة، ولا يرجون لأحد وقاراً إنما كانوا يحكمون بالهوى، ويفرضون إرادتهم وإرادة سادتهم فرضاً، ويقيمون الشهوة مقام القانون، ويمنحون الهوى سلطة الدستور، يعبثون بعقول الناس ويعبثون بعقول أنفسهم، فيحيلون إلى الناس وإلى أنفسهم أنهم ينفذون القانون، ويطبقون أحكام الدستور، مع أنهم يهدرون هذا، ويتجاوزون ذاك، في غير تحفظ ولا احتشام. لم يكن غريباً في العهد الماضي، أن يفرض مدير الدقهلية على المعلمين الإلزاميين زيّاً دون زيّ، وأن يعاقبهم إن خالفوا أمره، وأن يخيرهم بين المنصب والطربوش، ولم يكن غريباً أن يتحكم مدير المنوفية في اللحى وأن يأمر الموظفين أو ينصح لهم – ونصحه أمر – بحلقها ويخيرهم بين إرسالها وبين المنصب.
    لم يكن شيء من هذا غريباً في ذلك العهد فقد كان هذا وأكثر من هذا ملائماً لطبيعة الأشياء في ذلك الوقت، موافقاً كل الموافقة لأساليب الحكم وإنما الغريب أن يمضي المديران بعد قيام الوزارة الحاضرة، بما كانا يمضيان به في ظل الوزارتين الساقطتين. فما زال ناس يشكون من مدير الدقهلية ومن بطشه بالمعلمين، وتحكمه في أزيائهم وفصل من رجع منهم إلى زيه الذي يحبه في غير تمهل ولا أناة، وما زال الناس يذكرون من أمر مدير المنوفية في قصة اللحى، التي يجب أن تحلق، والتي لا ينبغي أن ترسل، ما يذكرون، وما زال قوم يعتذرون عن المديرين بالأعذار المختلفة ويتعللون لهما بالتعلات المتباينة ومع ذلك فالذي يعرفه المصريون جميعاً ويؤمنون به إيماناً لا يتعرض له الشك هو أن الوزارة القائمة إنما أقبلت لتنصف المصريين بعد أن جار عليهم رجال العهد السابق، ولترفع عنهم الظلم رفداً وتقر فيهم العدل إقراراً، ولترد إليهم هذه الحريات المقدسة التي اعتدى عليها المعتدون، وانتهك حرماتها الآثمون، في غير رعاية للحق، ولا احتفاظ بكرامة القانون، وكل شيء يطاق إلا أن يرى المصري نفسه في هذه الأيام خاضعاً لسلطان المدير وتحكمه، في الزي الذي يريد أن يتخذه، وكل شيء يحتمل إلا أن يرى المصري في هذه الأيام خاضعاً للمدير في لحيته، أيحلقها أم يرسلها؟ هذا كثير ما ينبغي أن تخوض الصحف فيه، ولا أن يحتاج الكتاب إلى أن يبينوا مقدار ما فيه من شر ونكر. ولقد تحدثت “البورص” منذ أيام في أمر اللحى، فاستحيينا للمصريين من أن تكتب عنهم الصحف الأجنبية، أنهم ليسوا أحراراً في إرسال لحاهم، أو إزالتها، واستحيينا لهم من أن يتحدث الأجانب في مجالسهم بأن المصريين يطلبون الاستقلال، ويلحون في الحرية وهم لا يزالون يقبلون أن يتدخل المدير بينهم وبين ثيابهم، أو أن يتدخل المدير بينهم وبين لحاهم دون أن يكون هناك قانون، يبيح للمدير أن يتدخل في أمر اللحى والثياب ولكنا حملنا ذلك على ما كان يخضع له الناس في العهد الماضي من ظلم، وما كان يثقل به العهد الماضي من سيئات وآثام. فأما الآن وقد نهضت وزارة الأمة، لترد إلى المصريين حرية الأمة فأما الآن وقد نهضت وزارة الحق لترد إلى المصريين سلطان الحق، فأما الآن وقد نهض بالحكم قوم مثقفون يقدرون الثقافة، متحضرون يفهمون الحضارة أحرار يقدسون الحرية فإنا نرجو أن يعنى رئيس الوزارة ووزير المعارف بإلغاء هذا العبث ومحو هذا الفساد وإطلاق حرية الناس فيما يختارون من الثياب وإطلاق حرية الناس في لحاهم أيضاً، وحماية مصر، من أن تكون مصدراً للسخرية والاستهزاء ووسيلة للهو والفكاهة، يتخذها الأجانب لينفسوا بها عن أنفسهم هموم الحياة. إن للمديرين أعمالاً أخرى أنفع وأكرم وأوجب وأجل خطراً من العناية بأمر الثياب، وحلق اللحى، فإذا كان هؤلاء المديرون لا يقدرون إلا على العبث ولا يحسنون إلا التحكم ولا يفكرون إلا في السخف، فإن بيوتهم أولى بهم من حكم الأقاليم. ومهما تكن المعاذير التي يذيعها أنصار هؤلاء المديرين فليس لحاكم أن يدخل بين أحد وثوبه، ولا بين أحد ولحيته، فلينظر رئيس الوزراء ووزير المعارف في هذا الأمر وليردوا إلى المصريين شعورهم القديم، لأنهم أحرار فيما يلبسون من ثوب، وما يتخذون من شكل. فإن الشعور بهذه الحرية هو الأساس الصحيح الوحيد الذي ينبغي أن تقوم عليه الثقة بالوزارات، بل أن تقوم عليه الثقة بنظم الحكم، بل أن تقوم عليه الثقة بصلاح الحياة الاجتماعية واستحقاقها للبقاء، ولقد يكون من أبغض الأشياء إلى الناس أن يظلموا في أموالهم وفي مناصبهم وفي حقوقهم السياسية، ولكن أشد من هذا كله بغضاً أن يظلم الناس في ثيابهم وفي لحاهم، فليس إلى وصف هذا الظلم من سبيل.
    وإني لأرجو ألا نحتاج إلى أن نتحدث في هذا الأمر مرة أخرى، كما لا ينبغي للوزارة وعلى رأسها نسيم باشا ولا لوزارة المعارف وعلى رأسها نجيب الهلالي بك، أن تضطرنا إلى إعادة هذا الحديث.
    طه حسين
    الوادي، ٢٤ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أخلاق سياسية
    وزير التقاليد يعبث بالنظم والقوانين فيعفي من نفقات التعليم قوما لا ينبغي إعفاؤهم منها، ويفرض هذه النفقات على قوم لا ينبغي أن تفرض عليهم، أولئك أغنياء يملكون الأرض الواسعة التي تغل لهم المال الكثير، أو موظفون يتقاضون المرتبات الضخمة التي تبلغ الألف أو تزيد على الألف، ولكن أبناءهم يتعلمون على حساب الدولة، لأنهم أبناء الأغنياء، أو أبناء كبار الموظفين، ولأن للوزير أرباً في إرضاء آبائهم، أو التقرب إليهم، وهؤلاء معسرون قد ألح عليهم الفقر، واشتد عليهم الضيق، وسدت أمامهم مسالك الحياة، فهم لا يجدون ما ينفقون، ولكن الوزير يخيرهم بين التعليم تدفع نفقاته وبين الجهل لأنهم فقراء لا يستطيعون أن يتوسلوا بثروة، ولا أن يستعينوا بوظيفة، ولا أن يعتزوا بجاه.

    وهذا كله يقع في عهد كان يقال إنه عهد دستوري قوامه احترام القانون والدستور. وهذا كله يقع من وزير كان يقال له إنه مثقف ثقافة عالية حتى أنه ألف كتاباً في البيع، وكان يقال له الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يقال له المثل الأعلى في النزاهة والأخلاق للمتعلمين والمعلمين جميعاً.

    وهذا كله لا يقع من الوزير وحده وإنما يعينه عليه موظفون منهم الكبير ومنهم الصغير، وكلهم يفرض عليه العدل، ويفرض عليه الضمير، ويفرض عليه الواجب الوطني، أن يكون نزيهاً منصفاً، نقي اليد والقلب واللسان، وألا يسرق أموال الفقراء، ليعطيها لأبناء الأغنياء. فإذ وقع هذا كله، إذ سرقت أموال الفقراء المعوزين، ودفعت إلى الأغنياء المترفين، وأشرف على هذه السرقة جماعة من المثقفين، الذين اتخذتهم الدولة حماة لنظمها، أمناء على قوانينها، حراساً لأموالها، إذ وقعت هذه السرقة وأشرف عليها هؤلاء المثقفون عالمين بها، راضين عنها آمنين إليها، ثم أقبل وزير المعارف الجديد، فأراد رد الحق إلى أهله، وأراد إنصاف الفقير المعوز من عدوان الغني المترف، قيل إنه غير مجامل، وأن المجاملة كانت تفرض عليه فلا يأتي من ذلك شيئاً، فليس يليق بنجيب الهلالي أن يحرج موقف حلمي عيسى.

    كل هذا دليل على فساد في الخلق السياسي عظيم، فساد يدعو إلى العبث بالحق، والاستهانة بالإثم، وإيثار الغني الذي لا يحتاج على الفقير الذي يحتاج، واختلاس أموال الدولة، لإنفاقها في غير وجهها، وفرض الجهل على الفقراء فرضاً، ثم فساد يدعو إلى الرضى بهذا كله، والمضي في هذا كله، وضرب المثل في هذا كله، ثم فساد يدعو إلى لوم الذين يحبون أن يعدلوا، ومعاتبة الذين يريدون أن ينصفوا وإيثار الأشخاص على الحق والعدل، وأخذ الوزراء بأن يتستروا على الآثمين، في سبيل المجاملة وإرضاء المودة والهوى. لقد أحسن وزير المعارف حين قال لمندوب إحدى الصحف إنه لا يستطيع أن يجامل بذمته، فليست الذمة الإنسانية شيئاً يؤخذ ويعطى، أو يباع ويشرى، أو يتأثر بالمودة والمجاملة. فليت شعري هل يرضى وزير التقاليد بل ليت شعري هل يفهم وزير التقاليد هذا المعنى، وهل يقدر قيمة هذه الحكمة وهل يعرف أن ذمم الوزراء خاصة، يجب أن تكون فوق كل شيء، حتى المجاملة؟.

    وجماعة من الموظفين في المعاهد الدينية يرون إضراب الطلاب الأزهريين ويعلمون أن المضي في هذا الإضراب مناقض للمصلحة العامة، مسيء إلى ما يريد الشعب من تحقيق آماله في الحرية السياسية الصحيحة، مخالف لما يجب أن يعين رجال العلم عليه من الإخلاد إلى الهدوء والنظام، حتى تمضي الأمور على وجهها، وحتى تأخذ الوزارة في الإصلاح وهم يعلمون أن الوزارة لا ترضى عن المضي في هذا الإضراب، ولا تحبه للطلاب، وهم يعلمون أن الموظفين لن يوضعوا في مناصبهم ليحرضوا على الإضراب أو ليشيروا به أو ليؤلبوا الناس على الوزارة، أو ليغروا الناس بتجاوز النظام. ولكن الصحف تنبئنا مع هذا بأنهم كانوا يسعون بين الأزهريين، يغرونهم بالإضراب ويرغبونهم فيه ويدفعونهم إليه، ويحثونهم عليه، ولعل منهم من كان يلوح بألوان الترغيب والترهيب. فهؤلاء الموظفون الذين تحدثت عنهم الأهرام صباح اليوم مرضى بفساد الخلق السياسي لا يقدرون واجبهم ولا يقدرون حقهم وإنما هم قوم قد نزلوا عن إرادتهم وجعلوا ضمائرهم تجارة لا قدر الناس على الدفع وأنشطهم إلى البذل، وأسخاهم بالأماني والوعود، وهؤلاء الموظفون يعملون في المعاهد الدينية حيث يجب أن يكون الطهر الشامل والنقاء التام، وحيث يجب أن ترتفع الأخلاق عن الدنيات، وحيث يجب أن تلتمس المثل العليا لسيرة الأفراد والجماعات، والشر لا يقف عند هؤلاء الموظفين، فأمرهم هين لأنهم ضعاف، ولكنه يتجاوزه إلى السادة الذين جبنوا فلا يظهرون وخافوا فلا يبرزون، وعملوا مع ذلك من وراء ستار فاتخذوا هؤلاء الضعفاء أدوات للفساد.

    والأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يعلم حق العلم أن الأزهر كله مجمع على الانصراف عنه والزهد فيه، والضيق بمكانه من الرياسة لهذه المعاهد الدينية، لأن العلماء والطلاب يحصون عليه وعلى سياسته أموراً ينكرونها وينكرها معهم الناس جميعاً وينكرها معهم الدين أيضاً، وهو يعلم بعد هذا كله أنه قد ظاهر في العهد البغيض، وأعان على إقامة النظام الزائل واشترك في بعض آثامه، ويعلم بعد هذا أيضاً، أنه قد حمل ضميره، وحمل الأزهر معه عبئاً ثقيلاً حين فصل هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، وحين فصلهم في غير سؤال ولا تحقيق، ولا التماس للمنفعة، ولا إيثار للعدل ولا خوف من سخط الله، وهو يعلم بعد هذا كله أن بقاءه في منصبه مناقض كل المناقضة لروح العهد الجديد، وأنه لن يستطيع أن يبقى وإنه خارج أما غداً أو بعد غد، طبيعة الأشياء تريد هذا، وطبيعة الإصلاح تفرضه فرضاً، ولكنه مع هذا كله لا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، أما لأنه لا يشعر بشيء من هذا كله ولا يقدره، وأما لأنه لا يحفل بشيء من هذا كله ولا يريد أن يخرج إلا إذا أمر بالخروج، ومن الناس من يقول شيئاً غير هذا وذاك، ويزعم أن الشيخ مقيم حيث لا تنبغي له الإقامة، لأن هناك خطة مرسومة يجب أن تنفذ، وإقامة الشيخ بعض هذه الخطة، ومهما يكن من شيء فأخلاق الشيخ السياسية في حاجة إلى كثير جداً من الاستقامة والاعتدال، فما ينبغي له أن يبقى وهو يعلم أن بقاءه مستحيل، وما ينبغي له أن يبيح للناس ما يقولون فيه من الأقاويل، ولا أن يسمح بأن يكون موقفه غريباً شاذاً يذهب الناس في تأويله المذاهب، ويظن الناس به الظنون، ورؤساء الدين يجب أن يكونوا قدوة في الكرامة والزهد والارتفاع عن الظنة وسوء الرأي، ولكن الشيخ لم يرتفع عن الظلم، فليس عليه بأس مما هو فيه.

    وأمثال هذه الهنات التي أحصيناها في وزارة المعارف وفي إدارة المعاهد وفي مشيخة الأزهر كثيرة لا تحصى، وهي منبثة في جميع المصالح والوزارات والدواوين فلن تجد مصلحة تخلو من رجل أفسد وهو يعلم أنه مفسد ومن رجل قبل أن يسخر لغير ما ينبغي أن يعمل فيه الموظفون ومن رجل يعلم حق العلم أن بقاءه في منصبه شيء غير مرغوب فيه، وأنه إن احتمل اليوم فلن يحتمل غداً، ولكنه مع ذلك لا يخرج ولا يفكر في الخروج، لن تخلو مصلحة من هؤلاء الناس لأن العهد البغيض قد بث فساد الخلق السياسي في كل بيئة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان، فما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى الحزم والعزم وما أشد حاجتها إلى ألا تقتنع بالنزاهة الهادئة المطمئنة والارتفاع عن المجاملة بالذمم، وما أشد حاجتها إلى أن تأخذ في الإصلاح بقطع أسباب الفساد وقطع دابر المفسدين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٥ نوفمبر ١٩٣٤.

  • التعليم الأولي ومعلمو مصر | Primary Education and Egypt’s Teachers

    مسألة التعليم
    ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين. وإنما المسألة هي أن نعلم لِمَ ندرس العلم؟ ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه. على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى إليه هذه المسألة. فلو أنك سألت وزارة المعارف لِمَ تدرس العلم في مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين. أحدهما يصدر عن الإنجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة. أما الإنجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه. تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون: وهو أننا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالًا صغارًا يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الإنجليز. وإذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة. القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلًا وقليلًا جدًّا من القلة بحيث لا يسمح لنا أن نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين.
    القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردي أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار.
    هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى إليها الإنجليز في وزارة المعارف: يجب أن نعلم قليلًا وأن نُسئ علم هذا القليل. يجب ألا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئًا على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية. بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف في الحياة. فإذا عني بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الإنجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل. هذا جواب الإنجليز. وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغي أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قويٍّ خليق بالاستقلال قادر عليه.
    أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الأحيان غير موجود. فكثير جدًّا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى أنفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضًا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات. يعملون ليتقاضوا أجورهم. يعملون ليعيشوا. وهم معذورون فقد كان سلطان الإنجليز قويًّا شديدَ الأثر في نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا. خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلي طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الأصول التي ينبغي أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية. وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم وأغراضه ولكن هناك شيئًا لا أدري ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بيّنة لهذا التفكير. ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين إنجليزي مستعمر ومصري خاضع أو متهالك على الخضوع. ثقيل جدًّا هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح. فهو مضطرب حائر ليس له رأي أو له رأي لا يكاد يتبينه. وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون في الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الإنجليز والاستئثار بمناصبهم. ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الإنجليز. ذلك أن الإنجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد آن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فإذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون في إصلاح التعليم.
    هذه فيما أعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف، في إصلاح التعليم وهي أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قومًا آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها. قد تسأل عن غاية التعليم قومًا هم المعلمون. وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال. ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقسامًا كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون أقسامًا مختلفة. فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم في أمته. فيفكر ويقرأ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيًا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه. ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان. يريد أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش. ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة. ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه في الديوان. يستعمر أكثر مما يعلم. والأمر غير واقف عند هذا الحد. فإن هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الإنجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون. هم خاضعون لهذه النظم والقوانين. فهم أقل الناس حظًّا من حرية الرأي. يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا. يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم إن أعلنوا آراءهم أو نشروا شيئًا من أفكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون. وإذن فاليأس أسرع إليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى أن يعملوا في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون. هم خاضعون لهذه النظم. وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويرًا رديئًا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون إليها حق السعي ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين. فإذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعًا حينًا وساخرًا حينًا آخر: غاية التعليم هي شيء شاق. شاق جدًّا. هي أن ينجح الطلبة في الامتحان. فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه. هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر. نستغفر الله! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تلقي نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين. بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابًا واحدًا: غاية التعليم هي أن أنجح في الامتحان. هي أن أحصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانًا من دواوين الحكومة والتي تكفل لي التفوق على غير المتعلمين.
    كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف. وكذلك يجيبك المعلمون. وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة. وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة. وكل هذه الأجوبة على اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين: أحدهما أن الذين يُعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم.
    والثاني أن الإنجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم في أنفسنا صورة ما. ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرًا وجوًّا، أن يُحبَّ – كما يقول الفرنسيون – وإنما هو إن لم يكن يسيرًا كل اليسر، فليس عسيرًا كل العسر.) لِمَ نتعلم؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها. فهناك التعليم الأولى. وهناك التعليم الثانوي. وهناك التعليم العالي. وهناك التعليم الفني. وقد تشترك كل هذه الأنواع في أنها نافعة مكونة للعقل الإنساني. منمية للملكات الإنسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية. قد تشترك كل هذه الأنواع في هذه الأغراض وما يشبهها. ولكن يُخَيَّل البيان أن لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضًا يجتهد في الوصول إليه.
    ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمي ملكاته المختلفة. ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء. بل إن هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير في شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه. الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الأخلاق وهذه الملكات. وهذه الصورة نفسها يجب أن يُنظر إليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص: أحدهما أنك تريد أن تكون رجلًا وأن تمنحه من التعليم سلاحًا يمكنه من النضال في الحياة. الثانية أنك تريد أن تكون فردًا من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائمًا لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو إليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع. أنت إذن في المدرسة الأولية مكلف أن تنظر إلى هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالًا شديدًا. فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد. وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية. وإذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفرادًا قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة.
    ولقد نعلم أن هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل. ولقد نعلم أن هذا كله غامض يحتاج إلى التوضيح. وليس التفصيل علينا عسيرًا. وليس التوضيح علينا شاقًا. ولكننا نريد أن نجتنب الإطالة. فنكتفي بمثل واحد نعتقد أنه يفصل هذا الرأي ويوضحه.
    علامَ تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على أننا أمة قد سُلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود. فإذا استردت هذه الحقوق وأثبتت هذا الوجود السياسي فهي تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا الوجود وسيلة إلى الرقي السياسي وغير السياسي. وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو أن تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصًا على استرداد هذه وإثبات هذا. فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصري يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصري بأن له وطنًا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقًا سياسية أو وجودًا سياسيًّا. ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد. فإن لنا في الحياة آمالًا ولنا في الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال. فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه الآمال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ في هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب. نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيًّا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية. نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال. نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بيّنة قوية. فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة. نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبًا تُصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون. ومن هنا لا نجد سبيلًا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه. ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يُصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية.
    هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه. فإذا تعقّد هذا الغرض وتنوّع. ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال.
    طه حسين
    السياسة، ٢٢ يونية ١٩٢٣.

    العبث بالعلم والتعليم والمعلمين
    نكتب في إصلاح التعليم وتنظيم وزارة المعارف لأننا ننتظر الخير العاجل مما نكتب، فنحن يائسون من هذا الخير العاجل، مقتنعون بأن الأمور كلها قد تتغير وتتبدل وبأن الأرض قد تندك من حول وزارة المعارف دون أن تشعر وزارة المعارف بشيء أو تحفل بشيء في هذه الأيام. ذلك لأن وزير المعارف في شغل عن وزارة المعارف بهذه الحوادث الجسام والنكبات المختلفة التي تنال مصر من يوم إلى يوم، هو عن وزارة المعارف في شغل بما يدبر في مجلس الوزراء من تأمينات وتعويضات واجتماعات إلى آخر هذه القوانين المختلفة، هو في شغل بالسياسة عن التعليم. ولست أقول هذا منتحلاً له أو متكلفًا إياه، ولكني أذكر أني تحدثت إلى وزير المعارف في يوم من الأيام فلما ألححت عليه في مراقبة المدارس الحرة أجابني بأن هذا خير وبأنه معني به ولكن الوزارة الآن في شغل عن هذا كله… وأذكر أني لم أكن في ذلك الوقت فطناً ولا حسن الرعاية لمقتضى الحال… فسألت وزير المعارف: وما شأن وزارة المعارف فيما يقع في مصر مما لا يمس التعليم؟ أجابني الوزير في لطف وسخرية وشيء من الغضب قليل: أظن أن لوزير المعارف صلة بمجلس الوزراء!
    نعم. كان وزير المعارف محقاً في هذا الجواب. فله صلة بمجلس الوزراء لأنه عضو من أعضائه، ومجلس الوزراء في شغل عن التعليم وما يشبه التعليم بأشياء أخرى ليس من شأنها أن تعين على إصلاح التعليم لأنها توجه أموال الدولة إلى حيث لا يستطيع أن يستفيد بها التعليم. كان وزير المعارف محقاً ولكنه كان مخطئاً أيضاً. فليست وزارة المعارف محصورة في شخص الوزير، وإنما فيها الفنيون والمشيرون والمديرون لأمور التعليم. وهؤلاء مقصورة جهودهم على التعليم، ليس لهم أن يتجاوزوه إلى غيره ولا أن يشتغلوا عنه بالسياسة العامة وأخطارها. فإذا شغل وزير المعارف عن التعليم فليس لرجال المعارف أن يشغلوا عن التعليم. وفي الحق أن رجال المعارف ليسوا مشغولين عن التعليم وإنما يعنون به ويفكرون فيه ويعملون له، ولكن الرحى في وزارة المعارف تدور إلى الشمال لا إلى اليمين فتسمع لها جعجعة ولا ترى لها طحناً. نعم. رجال المعارف يشتغلون بالتعليم ولكن على غير وجهه؛ لأن رجال المعارف قد أخذوا بنوع من أنواع العمل والتفكير، هم عاجزون عن أن يتجاوزوه إلى غيره، قد ألفوا سياسة تعليمية خاصة وضعها دنلوب فليس من اليسير عليهم بل ليس من المتاح لهم أن يتبدلوا من هذه السياسة سياسة أخرى مهما تتبدل الظروف وتتغير الأحوال، ومهما يقتضي استقلال مصر ودستور مصر أن يقوم التعليم على أساس الاستقلال والديمقراطية لا على أساس الاستعمار والاستبداد. وزير المعارف مشغول عن التعليم ورجال المعارف قاصرون عن أن يفهموا التعليم كما ينبغي أن يُفهم الآن. وإذن فنحن يائسون من الخير العاجل حين نطالب بإصلاح التعليم وتنظيم وزارة المعارف. نحن يائسون من هذا الخير ولكننا نرجو خيراً كثيراً من البرلمان. فستعرض على البرلمان أمور وزارة المعارف جليلها ودقيقها وسيشعر البرلمان بما بين هذه الوزارة وبين آمال الأمة ومستقبلها من البون الشاسع والبعد العظيم فيفكر في إصلاح هذه الوزارة ويعمل ليلائم بينها وبين حياة أمة مستقلة ديمقراطية وأملنا في البرلمان هو الذي يحملنا على أن نكتب وعلى أن نلح في الكتابة؛ فإن الواجب الوطني يقضي على كل مصري بأن يظهر ما يشعر به من عيوب التعليم والنظام في هذه الوزارة ليعد الرأي العام إلى ما ليس منه بد قريباً أو بعيداً من إصلاح هذه الوزارة. وقد رأينا في مقال سابق أن نظرية المركزية في وزارة المعارف قد أفسدت فيها شيئاً كثيراً وأضاعت فيها كفايات مختلفة كان من الحق والمنفعة ألا تضيع. فكلفت رجال التعليم الثانوي العناية بالتعليم الأولي وأهملت رجال التعليم الأولي الإهمال كله. بل كلفت أمر التعليم من ليس لهم صلة بالتعليم ووكلت نظار المدارس الثانوية إلى من لم يعرفوا المدارس الثانوية، وخالفت في هذا كله مصلحة الأفراد ومصلحة الأمة ومصلحة العلم نفسه. فرغنا من هذا في مقال مضى، ويظهر أن رجال التعليم الذين ليس لهم في الوزارة حول ولا طول يشعرون بنفس ما نشعر به ويشكون من نفس ما نشكو منه. ولكن الرقابة عليهم شديدة. فهم لا يستطيعون أن يجهروا بما يشعرون؛ لأن السلطة المركزية لهم بالمرصاد، وهي تبث عليهم الجواسيس، وتأخذ عليهم الطرق حتى إن أحد أصدقائي من المعلمين طلب إلي ذات يوم أن أكف عن نقد وزارة المعارف إذا كنت أريد حقاً أن تظل الصلة بينه وبيني قائمة متينة؛ لأنه يخشى عواقب هذه الصلة إن مضيت أنا في هذا النقد. وربما كان ميلي إلى هذا الصديق شديداً وحرصي على منفعته عظيماً. ولكني أشد ميلاً إلى التعليم وحرصاً على منفعة التعليم مني إلى هذا الصديق ومنفعة هذا الصديق. فسأمضي في هذا النقد والله يتولى أصدقائي المعلمين بشيء من الحياطة والرعاية.
    هذه المركزية التي بينت آثارها في مقال مضى قد أنتجت آثاراً أخرى شديدة الشر على التعليم لم أتمكن من الإشارة إليها. وأريد اليوم أن أذكرها في أسطر قليلة لأنها لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفصيل ولأنها تنطق بأنها شر ليس فوقه شر. فكرت وزارة المعارف – فيما يظهر – في إصلاح التعليم على اختلاف درجاته ومنازله، وليس في هذا التفكير إلا الخير. فالتعليم في حاجة إلى الإصلاح ووزارة المعارف أحق الوزارات بالإعداد لهذا الإصلاح، ولكنها سلكت إلى هذا الإصلاح غير سبيله، فأنت لا تطلب إلى الحداد القيام بصناعة الخباز ولا إلى الخباز القيام بصناعة الحداد، ولكن لكل صانع صناعته ولكل اختصاصي فنه واختصاصه. ذلك شيء لا معنى للإطالة فيه، ولكنه غير مفهوم في وزارة المعارف، أو هو مفهوم ولكن أحداً لا يحفل به لأنه يناقض المركزية التي هي أساس كل شيء في هذه الوزارة. إذا أردت أن تصلح التعليم وجب عليك أن تؤلف لإصلاح التعليم لجاناً من الأخصائيين. أول هؤلاء الأخصائيين هم المعلمون الذين مارسوا التعليم فبلوا حلوه ومره وعرفوا خيره وشره – وقد ألفت وزارة المعارف لجاناً لإصلاح التعليم، ولكن ما رأيك في أن هذه اللجان تخلو خلواً تاماً أو تكاد تخلو خلواً تاماً من المعلمين. هي مقصورة على المفتشين ورجال المعارف الذين لم يمارس أكثرهم التعليم إلا قليلاً. ولعل منهم من لم يمارسه قط.
    ما رأيك في هذه اللجان التي ستصلح التعليم وهي لا تعرف التعليم إلا معرفة نظرية تؤخذ من الكتب والأسفار والتقارير لا من معالجة الطلاب والتلاميذ والوقوف على نفسيتهم وملكاتهم وما ينبغي أن يسلك معهم من المناهج المختلفة المتباينة. أتظن أن هذه اللجان تستطيع أن تصلح التعليم حقاً؟ كلا. فإن إصلاح التعليم موقوف على فهم التعليم وعلى فهمه فهماً عملياً، فإنما على التجربة وطول المراس. ولكن وزارة المعارف لا تستطيع أن تستشير المعلمين في إصلاح التعليم، فإن استشارتها للمعلمين رفع لأقدارهم واعتراف بمكانتهم وهي لا ترفع للمعلمين قدراً ولا تعترف لهم بمكانة وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى قوم يعملون؛ لأن من الحق عليهم أن يعملوا فليس لهم أن يفكروا ولا أن يبتكروا ولا أن يشيروا. وهم إن فكروا أو ابتكروا أو أشاروا فقد تجاوزوا الحدود، وأي تجاوز للحدود شيء من التطاول على السلطة المركزية التي لا ينبغي أن يعرض لها إنسان إلا بالحمد والثناء وضروب الإعجاب والتمليق؟
    في وزارة المعارف مضحكات كثيرة. منها أنها خالفت هذه القاعدة التي ذكرتها لك فأدخلت بعض المعلمين في لجنة من لجان إصلاح التعليم، ولكن انظر على أي وجه. ألفت لجنة لوضع مناهج التعليم لمدرسة دار العلوم وأدخلت فيها معلماً. فهل تظن أنها اختارت هذا المعلم من دار العلوم؟ من الذين بلوا تلاميذ دار العلوم وعرفوا قوتهم ونفسيتهم وملكاتهم وميولهم؟ كلا، اختارت معلمها من مدرسة المعلمين العليا! من الأساتذة الذين قد يسألون عن حملة الشهادة الثانوية فيحسنون الجواب؛ لأنهم عاشروهم ودرسوا لهم، ولكنهم إذا سئلوا عن الشيوخ من طلاب الأزهر لم يحيروا جواباً؛ لأنهم لا يعرفون من أمر هؤلاء الشيوخ أمراً. أتستطيع أن تفسر هذا العمل الغريب؟ أما أنا فأفسره بإحدى اثنتين: الأولى وهي التي أرجحها لأني حسن الظن بوزارة المعارف أنها تعمل دون تفكير ولا نظام وإنما تترك الأمر للمصادفة وحدها. الثانية الأغراض والأهواء والميل إلى التفريق بين المعلمين وتأليب بعضهم على بعض. وقد تكون هذه الثانية شيئاً لم تقصد إليه وزارة المعارف، ولكنها من غير شك شيء تورطت فيه وزارة المعارف، فلماذا يسكت أساتذة دار العلوم وغيرهم ويُقضى في أمورهم ويستشار في مدرستهم وفيهم الكفء وفيهم الخبير بأمر هذه المدرسة وفيهم القادر على أن يشير في أمرها بالخير.
    تحدثت منذ حين إلى وزير المعارف فأنبأني بأنه حريص كل الحرص على أن يشترك في إصلاح التعليم رجال من الأخصائيين وبالغ في ذلك حتى طلب إلي أن أسمي له ناساً يقدرون على الخير في هذا وإن لم يكونوا من وزارة المعارف وبالغ في هذا فأعلن إلي أنه يتمنى أن يستعين بالأخصائيين من أهلها على إصلاح التعليم يندبهم لذلك خاصة. فحمدت للوزير هذا القول الحسن الذي يدل على فطنته وذكائه وحسن رأي في التعليم. ولكنني بحثت عن الأخصائيين في رجال الإصلاح فرأيت أن الأجانب لم يُدعوا، وأن المصريين الخارجين عن وزارة المعارف لم يُدعوا، وأن المعلمين أنفسهم لم يهتموا، بل رأيت شراً من هذا. رأيت أن لجنة قد ألفت لوضع مناهج التعليم في دار العلوم وجمعت بين رجال المعارف ومعلمي المدرسة وآخرين ليسوا من المعارف ولا من المدرسة. فعدل عن هذه اللجنة لأنها كانت سيئة التأليف إلى لجنة أخرى حسنة التأليف ليس فيها أجنبي عن الوزارة؛ لأن ثياب الوزير يجب أن تغسل في الوزارة، وليس فيها معلم من المدرسة؛ لأن أساتذة المدرسة يجب أن يشعروا بأنهم جنود في هذه المدرسة يؤمرون فيأمرون دون أن يستشاروا أو يشيروا أو يحفل لهم برأي.
    اقرأ هذا وفكر فيه وحدثني عما يمكن أن ينتج من خير، وحدثني عن الوزارة التي تسلك هذا السبيل ملحة في سلوكها مهما يشير عليها المشيرون وينصح لها الناصحون. أتستطيع أن تنتهي بالتعليم إلى الخير؟ ثم حدثني ألست محقاً حين أنبئك في أول هذا المقال بأني يائس من الخير العاجل حين أكتب في نقد هذه الوزارة، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى ما هو شر منه. فقد أحدثك بقيمة المعلم في وزارة المعارف ولكن في غير هذا المقال.
    طه حسين
    السياسة، ٣١ يولية ١٩٢٣.

    التعليم الأولي
    يجب أن نحمد الله. فقد أصبحت وزارة المعارف تشعر بأن من الحق عليها أن تحفل ولو قليلاً بنقد الناقدين، وتؤبه ولو قليلاً لنصح الناصحين. فلعلك تذكر إنا كتبنا منذ أيام ننقد الطريقة التي اتخذتها الوزارة في تأليف اللجان التي أُلّفتها لإصلاح التعليم، وقد نقدنا هذه الطريقة من وجوه مختلفة، نقدنا خلوها من المعلمين الذين هم أقدر الناس على فهم التعليم ثم على صلاحه، ونقدنا احتكار هذه اللجان للموظفين في وزارة المعارف حين تقتضي المنفعة أن يشترك في هذه اللجان الأكفاء من وزارة المعارف وغيرها من وزارات الحكومة بل من موظفي الحكومة وغيرهم من الذين يُعْنَوْنَ بالتعليم من المصريين بل من أكفاء المصريين والأجانب بنوع عام.
    نقدنا هذه الطريقة من هذين الوجهين ومن غيرهما، ويسرنا الآن أن وزارة المعارف قد نشرت أو وعدت بأن تنشر على الناس قراراً فيه تأليف لجنة للنظر في تعميم التعليم الأولي أو للنظر في المشروع الذي كان قد وُضع لهذا التعميم. وقد قرأنا أسماء الأعضاء الذين تتألف منهم هذه اللجنة. فيجب أن نلاحظ مسرورين أن هذه اللجنة ليست محتكرة للموظفين في وزارة المعارف، بل هي شائعة بين الموظفين في هذه الوزارة وبين الموظفين في غيرها من الوزارات، بل فيها شخصان ليسوا موظفين في الحكومة أحدهما أستاذ في الجامعة والآخر من رجال المحاماة. هذه خطوة قصيرة ولكنها خطوة إلى العدول عن الاحتكار، وقد يحسن أن نلاحظ أن هذه الخطوة القصيرة ليست جديدة فإن اللجنة التي أُلّفت لدرس تعميم التعليم الأولي ووضع مشروعه في سنة ١٩١٧ لم تكن مقصورة على رجال المعارف وإنما كانت تتعداهم إلى غيرهم فكان فيهم المديرون وكان فيهم قوم آخر من يعملون في غير وزارة المعارف. الخطوة إذن قصيرة وهي غير جديدة ولكن ذلك لا يمنع أن نقدرها ونعترف بأن فيها شيئاً من الخير. فيها شيءٌ من الخير. وليس فيها الخير كله، لأن هذه اللجنة التي تتألف من قوم أكثرهم كفء شديد الذكاء قادر كل القدرة على فهم التعليم والتصرف فيه تنقصها مع ذلك أمور كثيرة ويتعرض تأليفها للنقد من وجوه عدة.

    فهي قبل كل شيء تخلو من المعلمين. تخلو منهم خلوّاً تاماً. فليس فيها إلا أستاذ واحد هو الأستاذ الدكتور علي العنان الأستاذ بالجامعة المصرية، وهو على كفايته وحسن اختيار الوزارة له يمثل التعليم العالي من جهة والتعليم الحر من جهة أخرى، هو أستاذ في الجامعة لا في مدرسة من مدارس المعلمين الأولين ولا في مدرسة أولية، وهو أستاذ في معهد حر فأساتذة وزارة المعارف جميعها سواء منهم أساتذة التعليم الأولي على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وأساتذة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي قد عُدِلَ عنهم عندما أُلّفت هذه اللجنة كأنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى الخير أو أن ينفعوا في وضع نظام لتعميم التعليم الأولي على طريقة نافعة منتجة في أقرب وقت عُدِلَ عن هؤلاء المعلمين واستغنى عنهم بطائفة من الموظفين في وزارة المعارف لا نشك في كفاية أكثرهم وأظننا لا نشك في أن المعلمين الذين يباشرون التعليم بالفعل ويبلون حلوه ومره ويعرفون بواسطة الحياة نعمه ما فيه من وجوه النقص وما يحتاج إليه من ضروب الإصلاح هم أقدر على العمل النافع في هذه اللجنة من غيرهم، فلم يكن بُدّ من اشتراكهم في هذا العمل الجليل.

    عُدِلَ إذن عن المعلمين وليس يعنينا أن نبحث عن الأسباب المعقولة أو غير المعقولة التي اضطرت وزارة المعارف إلى أن تعدل عن المعلمين، ولكن لنا أن نقول أن تأليف هذه اللجنة ليس أمراً مقضياً وأن من الممكن بل من الواجب أن تعيد وزارة المعارف النظر في هذا التأليف وأن تضم إلى هذه اللجنة نفراً من المعلمين. ففي هذا الخير للمشروع في نفسه، في هذا رد الحق إلى أهله وإنصاف معنوي للمعلمين إذا لم يكن إلى إنصافهم المادي من سبيل، بل هناك شيء آخر، هناك كفايات في وزارة المعارف عُنيت بالتعليم الأولي عناية عملية منتجة وأظهرت في هذه العناية مقدرة وحسن بلاء، ولسنا نريد أن نسمي هذه الكفايات فوزارة المعارف تعرفها حق المعرفة، وهي تعلم أن العدول عنها لا يلائم منفعة التعليم الأولي. فمن الواجب على وزارة المعارف ألا تهمل هذه الكفايات وأن تضمها إلى الجماعة التي تتألف منها اللجنة.

    ثم هناك شيء آخر وهو أن وزارة المعارف أرادت أن تشترك في هذه اللجنة قوماً ليسوا من رجال المعارف فأحسنت الاختيار حيناً وساءته حيناً آخر وضمت إلى هذه اللجنة من لا يعرف من أين يؤكل التعليم أو من أين يشرب ومن لا ينبغي أن يلجأ إليه في مثل هذه المسائل ذات الخطر الفني الخاص.

    أذكرتنا بذلك شيئاً وقع في الأزهر الشريف عند أول عهده بالإصلاح الجديد بعد أن تركه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فقد وُكِلَ نظام الإصلاح الجديد في يوم من الأيام درس الإملاء إلى أستاذ من أساتذة الأزهر مكفوف لم يكتب قط ولم يقرأ قط. كذلك فعلت وزارة المعارف فضمت إلى لجنة فنية لإصلاح التعليم من ليست له بالتعليم صلة إلا أنه متعلم يقرأ ويكتب، وهذا شيءٌ وإصلاح التعليم شيءٌ آخر.

    ثم هناك أمور أخرى يجب أن نلفت الوزارة إليها، منها أن الاستقلال لا يستلزم الاحتكار، وإنما يستلزم العمل في سبيل الخير والمنفعة بعزيمة وحسن بصر في الأمور. وليس من شك في أن الأجانب أكفاء قادرون على فهم التعليم وعلى المشورة النافعة في إصلاح التعليم، ولم تلجأ وزارة المعارف إلى الأجانب في تأليف لجنتها هذه، وإنما ضمت إليها المستر روب وهو من موظفي المعارف وضمت إليها إنجليزياً مفتشاً في مصلحة من مصالح المباني. وكنا نحب أن تستعين وزارة المعارف برجال التعليم الحر من الأجانب المقيمين في مصر. فللفرنسيين بعثات دينية ومدنية تشتغل بالتعليم على اختلاف منازله، وللإيطاليين كذلك بعثات تشتغل بالتعليم، وقل مثل ذلك في الإنجليز وقل مثل ذلك في الأمريكيين. وليس من جدال في أن المشرفين على هذه البعثات الأجنبية المختلفة أكفاء إن لم تنفع آراؤهم فلن تضر. ويقيننا أنها ستنفع كثيراً. فهم بهذا التعليم في بلادهم وفي بلادنا خبرة قد نأسف بأنها لا تتاح لرجال التعليم المصريين. وإذن فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تضم نفراً من هؤلاء العلماء الأخصائيين لجنتها؟

    وجملة ما نقول إنا نقترح على وزارة المعارف أن تعيد النظر في تأليف هذه اللجنة فتضم إليها نفراً من المعلمين أولاً، وتضم إليها هذه الكفايات التي أُهملت في وزارة المعارف ثانياً، وتحسن اختيار من تضمهم إلى اللجنة من غير رجال التعليم ثالثاً، ثم تضم إلى اللجنة نفراً من الأجانب المشتغلين بالتعليم في مصر رابعاً. فهي إن تفعل ذلك تَدْنُ من الخير والمنفعة. وسواء أسمعت لنا وزارة المعارف أم لم تسمع فنحن مغتبطون بتأليف هذه اللجنة. وسندرس مشروع التعليم الأولي الذي كلفت اللجنة درسه وننشر آراءنا في هذا المشروع. ويقيننا أن هذه اللجنة ستقدر نقد الناقدين خيراً مما تقدره وزارة المعارف.
    طه حسين
    السياسة، ٥ أغسطس ١٩٢٣.


    طغيان . . .

    إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النواب أن يطغوا على التعليم الأولي ، وإذا أذل وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النواب أن يذلوا رجال هذا التعليم، فالله قد فاوت بين الناس وفضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، للوزير التعليم العالي وأهله ، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله ، وللنواب ما دون ذلك ، وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ، ودعه للنواب واجعل اسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه ، واصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يفهم وما لا يفهم، ولم لا؟ . واي دليل على الرقى خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم ، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل ، ويسمى الضعف قوة ، وتعد القوة ضعفا وتصبح العزة ذلة ، والذلة عزة ، ويرضى الناس بهذا كله ، ويستزيد الناس من هذا كله ، ويستقر النظام على هذا كله ، ويذاع في أرجاء الأرض ، وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقى ما لم يبلغه بلد ، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم .
    والواقع الذى لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد ، فالناس يقرأون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل والوان التحويل والتعديل ومن عبث بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي ، وانتهاك لحرمات القانون الذى لم يمض على صدوره أسابيع والناس يقرؤون كل يوم أن التعليم الثانوي قد اخضع هو أيضا لمحنة التغيير والتبديل . وفتنة التحويل والتعديل فبرامجه تدرس لتنقص أطرافها من ناحية ولتمد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذى يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه .
    أما التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلاب فتان وباطنه يدعو الي الحزن والاسى ويثير الرحمة والإشفاق . يقال أن التعليم الإلزامي سيفرض في هذا البلد تنفيذا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوان وأعوام ، وتنفيذا لنصر الدستور القديم ونص الدستور الجديد ، وتنفيذا لما أجمعت عليه الأحزاب على أخلافها وتمت عليه كلمة المثقفين ، وغير المثقفين جميعا ، وهذا في ظاهره خير لا بأس به ، ولكن أمره كأمر غير من المرافق لا يريد أن يجرى على حدود المصلحة الخالصة ، والمنفعة العامة التي لا ينبغي إن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سيأسى حزبي، فالذين يقرؤون ما ألقى من الخطب في مجلس النواب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعون بأن في الأمر شيئا يريد أن يخفي ولكنه ظاهر جلى .
    ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النواب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ، ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل الى الاعتدال ، وفي غير حب للصدق ورغبة في لإنصاف ، ما هذه الحرب التي أثارها بعض النواب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ، ولم يهون من شدتها ، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها الى شيء من القصد والصواب . ماذا قدم رجال هذا التعليم الأولي من السيئات الى هؤلاء النواب ليشبوا عليهم هذه الحرب ، والى وزير المعارف ليدعهم طعاما لهذه النار ، أليس غريبا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ، ويذودا عنهم ، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود ، فما بال وزير المعارف لا يحمى هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النواب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق ، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحت لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم ، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكونون نفوسهم الناشئة . يصف بعض النواب هؤلاء المعلمين بانهم معربدون وبأنهم عاطلون وبانهم متشردون وبانهم غير نافعين وبانهم يصطنعون الزى الحديث ليعكفوا علي اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد فإحدى اثنتين إما أن يكون هذا النائب قد قال الحق ، وإذا فما سكوت الوازرة عن هؤلاء الناس وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشى نفوسهم ، أتريد الوزارة إن ينشأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟ وإما إن يكون هذا النائب قد قال غير الحق وهو الذى نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعا من المصريين وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون وإذا فما سكون الوزارة علي تجريحهم والتشهير بهم الى هذا الحد الذى يزرى بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها .
    وهب الأجانب قرأوا خطبة هذا النائب وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها ، فهم مضطرون الى أن يصدقوا هذا النائب ، وهم مضطرون الى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين، افيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة ، وان توصم مصر بهذه الوصمة ، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيئ للغد جيشا ، قوامه الفساد والبطالة ، والأعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم .
    نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي ، ولكنا نعلم أيضا انهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس ، ودون أن ينالوهم بالأذى ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة ، ودون أن يسيئوا الى سمعة مصر ، ويذيعوا عنها السوء ، هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر ويكلوا إليهم امر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدوا في ذلك إن استطاعوا ولكن في هدوء واعتدال وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم ، فإذا سالت فيم يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النواب أبناء الأزهر علي غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو انهم يعتقدون انهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها ، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء ، فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانا لكل سياسة واتباعا لكل حزب فقد افلت الشباب المصري كله من هذا الضعف وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص .
    ظريف جدا حرص النواب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنا معينة واتخذوا زيا خاصا ، وظريف جدا حرص هؤلاء النواب على أن تفرض العمامة على المعلم الأولي وعلى أن يقصى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش . وإذا كان
    نوابنا حراصا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم ، وما لهم لا يأخذون بها الوزراء ، وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعا ، إذا كان الطربوش إثما فيجب أن يزول عن كل الرؤوس واذا لم يكن إثما فيجب أن يباح لكل الرؤوس فمن المحقق أن الرؤوس المصرية لم تتفاوت الي هذا الحد الذى يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش ، ومن المحقق أن سيكون من اظرف الأشياء واطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء ، فليتقدم بعض النواب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة علي غير المعممين .
    أما آراء النواب في أجور المعلمين الأوليين فقيمة لا عوج فيها ولا غبار عليها فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين إما المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون به جنيها ونصف جنيه ، واذاً فيسنفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصبي المعلم الأولي ، فاذا انتهى إليه انفق فيه ما ينفق من جهد وبذل فيه ما يبذل من قوة واحتمل فيه ما يحتمل من عناء ليتقاضى آخر الشهر جنيهين ، أو جنيها ونصف جنيه .
    فأما الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادما ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر ولن يسال عن مستقبل الشعب ، ولا عن تكوين أبنائه ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم ، ولا عن إعدادهم للحياة ، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر، هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليق أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النواب بهذا التعليم ، فهم لا يقدرونه حق قدره وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة . وإنما يريدون أن يقال انهم اقروا التعليم الأولي من جهة ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى، ولو انهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلا المعلم الكريم ، وأن المعلم الجائع المحروم خليق أن تهون عليه نفسه وعزته ، وأن يلتمس ما يقيم أوده ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه ، ولوان النواب أرادوا حقا أن يعنوا بالتعليم الأولي لكلفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال في غير مصر من البلاد الراقية، اذا لا عرفوا أن هذه البلاد لا تزدرى رجال التعليم الأولي وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامه من اقوى دعائمها ، وهى لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء ، إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر اجرأ لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا ، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة ، وهو يشترك في الأعمال العامة ، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه .
    فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي لان عهده بالتعليم الأولي حديث فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر الى الرجل الذى يستحق أن ترعى في حرمته وتحفظ كرامته وتيسر له أسباب الحياة .
    ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة ، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون .
    يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي، ورجال التعليم عامة فهم كغيرهم من المصريين يمتحنون وقد يطول الامتحان ، وقد يشق ، وقد يكون ثقيلا على النفس وقد يكون مؤذيا للكرامة ولكنه على كل حال لا بد من أن يزول .
    طه حسين
    جريدة كوكب الشرق ، ٢ يونيه ١٩٣٣ .

    إنصاف
    لسادة اليوم وأعوانهم عناية بالألفاظ أشد جدا من عنايتهم بالمعاني، وتهالك على الظواهر أشد من السعي إلى الحقائق، ورغبة في الإعلان ونشر الدعوة أشد جدا من أن يكون هذا الإعلان أو هذه الدعوة ملائمين لواقع الأمر وحقائق الأشياء.
    وهذا الاستعداد الغريب يدعوهم إلى أن يخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس أيضا عما يحيط بهم وبنا من الظروف، وعما يتعرضون له ويعرضون بلادهم له من أخطار قد تكون أبعد مدى وأقبح أثرا مما يظنون أو يقدرون. ولعل أوضح دليل على هذه الظاهرة في نفوس سادة اليوم وأعوانهم قصة التعليم الإلزامي هذه التي يبتهج بها فريق فيسرف في الابتهاج، ويشفق منها فريق فيشتد في الإشفاق. ولا يقدر أحد أنها أجل خطرا، وأبعد في حياتنا أثرا من أن ينظر إليها هذا النظر السريع، ومن أن تتخذ وسيلة من وسائل الدعاية السياسية للوزارة أو لغير الوزارة.
    ففرض التعليم الإلزامي في مصر أمنية قومية، لا يتردد فيها مصري، ولا يستطيع مصري أن يقصر في تحقيقها دون أن يخالف إرادة الشعب، ودون أن يسيء إلى البلاد، ودون أن يظهر بمظهر الذين يحرصون على أن لا تسرع مصر نحو الرقي، وتخلص مصر من وصمة الجهل التي تعاب بها الأمم الحية، والتي تحول بينها وبين حقها الطبيعي في الرقي الصحيح. ولكن فرض التعليم الإلزامي ليس من المسائل اليسيرة الهينة التي يُقضَى فيها الوزير أو البرلمان بعد دراسة مهما تطل فهي قصيرة، ومهما يشتد فيها التحقيق والتدقيق فهي سطحية قليلة الحظ من التثبت والإتقان.
    ويكفي أن نلاحظ أن مجلس النواب لم ينفق في درس هذه المسألة أسبوعا. وأين يقع الأسبوع من دراسة مسألة كهذه ستغير حياة مصر تغييرا لا حد له، وستعرض حياة مصر لأخطار شديدة جدا إذا لم نحطها من ضروب العناية والتثبت وتقدير الظروف والعواقب بما ينبغي.
    وأريد الآن أن أقف عند وجه واحد من وجوه الخطر في هذه المسألة، وهو وجه الصلة بين رجال التعليم الإلزامي وبين حياتنا العامة، لا من الوجهة السياسية وحدها، بل من الوجهة الاجتماعية أيضا. فقد كان النواب الذين عرضوا لرجال التعليم الإلزامي خفافا حقا حين عرضوا لهم وتحدثوا عنهم، وقدروا مكانهم من الحياة المصرية. ظنوا أنهم جماعة من الموظفين، ومن صغار الموظفين، ومن أصغر الموظفين فأرسلوا القول فيهم إرسالا، وأسرفوا في هذا القول، ولم يحاسبوا أنفسهم على صحة ما قالوا. ظنوا أن الكلام في التعليم الأولى كالكلام في انخفاض أثمان البصل أو أثمان القطن أو في أي مظهر من مظاهر الأزمات المؤقتة التي لا بد من علاجها. ظنوا أن الكلام في رجال التعليم الأولى كالكلام في غيرهم من الموظفين الذين يراد أحيانا أن تنقص مرتباتهم، ويراد أحيانا أن تزاد مرتباتهم، وتضطرب الدولة في أمورهم بالزيادة والنقص حتى تعجز عن أن تضع لهم سياسة واضحة مضبوطة، فتضطر إلى التشديد، ثم إلى التخفيف، ثم إلى التشديد مرة أخرى ثم إلى الاستثناء، ثم إلى التوسع في هذا الاستثناء. وينشأ عن اضطراب الدولة في سياستها مع الموظفين أنفسهم، فإذا هم يشكون ويتنافسون، ويمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض، ونشكو نحن من فساد الحال بين الدولة والموظفين أنفسهم، ونشفق من تأثير هذا الفساد في مرافقنا العامة، ولكن أمر رجال التعليم الأولى أعظم خطرا من أمر الموظفين عامة، لأن أمر هؤلاء الموظفين لا يعدو أن يكون موقوتا، ولا يعدو أن يكون محدودا في المصالح والوزارات التي يشتد فيها الاضطراب ويكون فيها للاستثناء.
    أما رجال التعليم الإلزامي فأمرهم لا يكاد يحد في الزمان ولا في المكان. هم منتشرون في أقطار مصر كلها وسيزداد عددهم ازديادا مطردا. وأثرهم في حياتنا لا حد له. وهو شديد الاتصال بما يملأ نفوسهم من سخط أو رضا، وما يملأ قلوبهم من اطمئنان أو اضطراب. فالمعلم الذي يلقى درسه وهو راض أو ساخط يترك في نفس تلميذه الصبي أثرا ملائما لرضاه أو سخطه. وكذلك تستطيع أن تقيس مستقبل جيل من الأجيال بالحياة النفسية التي يحياها هؤلاء الناس الذين يكونون نفوس الأطفال وعقولهم، وينشئون قلوب الأطفال وعواطفهم. فإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة راضية أو كالراضية، لا يشكون ولا يمتعضون، ولا يتكلفون الحيل ليعيشوا، ولا يترددون بين الفضيلة وبين الحياة، فثق بأنهم سيهيئون جيلا راضيا مبتسما مستعدا للقاء الحياة في شجاعة ونشاط وأمل. وإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة سيئة، فيها بؤس وحرمان، وفيها هم وتنغيص، وفيها ضيق باليوم، ويأس من غد، فثق بأن الجيل الذي ينشئونه سيكون جيلا حزينا، مظلم النفس شديد التأثر ما يدعو إلى السخط، قليل الانبساط لما يدعو إلى الرضا، شديد الإسراع إلى اليأس، ضعيف المقاومة للحوادث والخطوب.
    فأنت ترى أن هذه الطبقة التي أرادها جماعة من النواب منذ أيام، والتي لا تكاد الحكومة تعنى بها إلا من حيث إنها أداة لمظهر من مظاهر الدعاية، هي نشر التعليم في غير تقدير لهذا التعليم، خليقة أن يُعْنَى بها الوزراء والنواب والشيوخ وكل من يفكر تفكيرا صادقا في حياة هذه البلاد ومستقبلها. ولست أقول إنهم خليقون بهذه العناية لأنهم مصريون فيجب أن يأخذوا نصيبهم من الحياة المصرية خيرها وشرها كغيرهم من المصريين. ولست أقول إنهم خليقون بالعناية لأنهم ناس كغيرهم من الناس، عليهم واجبات يجب أن ينهضوا بها، ولهم حقوق يجب أن يظفروا بها، ولهم آمال يجب أن تيسر لهم سبلها. لست أقول هذا الآن، ولو قلته لما تجاوزت القصد والإنصاف، وإنما أريد أن أقول إن العناية بهؤلاء الناس عناية بالأجيال التي ينشئونها فهي عناية بالشعب المصري كله، وهي عناية بالمستقبل القريب والبعيد لهذا الشعب، فمن أراد أن يكون لمصر أجيال حرة حقا مستعدة حقا للرقي، طامحة حقا إلى الحياة السعيدة التي يملؤها الأمل والنشاط فليعن بهؤلاء الناس الذين يكونون هذه الأجيال، والذين يتلقون الأطفال من آبائهم وأمهاتهم فيصوغونهم هذه الصيغة الوطنية القومية، ويجدون ما استطاعوا في أن يكونوهم تكوينا يلائم المثل العليا التي نصورها نحن في قانون التعليم الإلزامي.
    هناك ناحية أخرى أيسر من هذه الناحية فهما، وأقرب من هذه الناحية متناولا، وأدنى إلى عقول الذين يشتغلون بالسياسة ويصرفون أمور الحكم، لأنها تمس منافعهم العاجلة، وتتصل بالعلاقة بينهم وبين الشعب، وهي أن طبقة المعلمين هذه هي أشد الطبقات اتصالا بالشعب، وانتشارا بين أفراده، وأقرب الطبقات إلى قلوب الناس، وأشد الطبقات تأثيرا في آمالهم وأعمالهم وفي ميولهم وأهوائهم. فليس من مصلحة حكومة ما أن يضيق هؤلاء الناس بالحياة أو يعبسوا لها، أو يتبرموا بها، لأنهم حينئذ خليقون أن يبثوا ضيقهم هذا راضين أو كارهين، مريدين أو غير مريدين من حولهم، وخليقون أن يكونوا أداة لنشر السخط والامتعاض في أقطار البلاد، وفي طبقات الناس على اختلافها.
    وقد عرفت لهم البلاد الأوروبية هذه المنزلة كما أشرت إليها آنفا فحاطتهم من العناية والرعاية بما يعصمهم من الضيق والسخط، وبما يجعلهم أداة للرقي المنظم الهادئ، لا أداة للاضطراب وزعزعة النظام السياسي والاجتماعي فإذا كانت الحكومات المصرية على اختلافها واختلاف الأحزاب التي تكونها وتؤيدها؛ حريصة حقا على أن تحتفظ لمصر بنظامها الاجتماعي المعتدل، وتعصمها من التورط في نظام الطبقات، وما يتبعه من النتائج الخطرة، فأول واجب عليها هو أن تضمن لهؤلاء الناس حياة معتدلة مطمئنة تحول بينهم وبين السخط الذي يدعو إلى التماس السعادة العاجلة أو الآجلة من طرق يكرهها النظام.
    وأول واجب على هذه الحكومات مهما تختلف هو أن تضع هؤلاء الناس بمعزل عن التفكير في السياسة والتعصب للأحزاب، وتجعلهم أمناء على تكوين الأطفال من حيث هم أبناء مصر، فيجب أن يكونوا لمصر، لا لحزب دون حزب، ولا لسلطة دون سلطة. وتخطئ الحكومات أشد الخطأ وأشنعه إن ظنت أنها تستطيع أن تمنع هؤلاء المعلمين من الاشتغال بالسياسة بحكم السلطان والقانون. فهي لن تستطيع أن تمنعهم بالسلطان والقانون إلا في ظاهر الأمر. ولن تستطيع أن تسيطر على ضمائرهم وقلوبهم، ولن تستطيع أن تحرمهم حق الانتخاب وحق الدعوة الطبيعية إلى ما يرون في الانتخاب. فالمنفعة الحقيقية إذن إنما هي في أن تكون حياة هؤلاء الناس بحيث لا تسخطهم ولا تحقد قلوبهم وتضطرهم إلى أن يعرضوا أنفسهم على الأحزاب أو يتهالكوا عليها، بل تمكنهم من أن يستمتعوا بحقوقهم السياسية في هدوء واعتدال وتقدير صحيح للمصلحة العامة في غير تأثر بدوافع المصالح الخاصة.
    هذا كلام نقوله مخلصين، لأن مصلحة مصر تريده، ولأننا مقتنعون بأن التعليم مهما تكن درجاته يجب أن يكون فوق الأحزاب وخصوماتها السياسية.
    فخليق بالذين يريدون أن يحققوا أمنية مصر في فرض التعليم الإلزامي أن يفكروا في هذا ويطيلوا التفكير، وأن يقدروا أن هذا التعليم لا سبيل إليه بدون المعلمين وأن صلاحه وفساده رهينان بما قد تكون عليه حال المعلمين من صلاح أو فساد.
    لذلك كله أنكرنا وما زلنا ننكر خفة النواب الذين عرضوا لهؤلاء الناس في غير عدل ولا إنصاف، وقالوا فيهم غير الحق، وأصغروا من شأنهم وهو كبير، وإني لأرجو أن يكون حظ هؤلاء المعلمين عند الشيوخ خيرا من حظهم عند النواب. وأنا واثق كل الثقة على كل حال بأن حظهم عند مصر يوم ترد إليها حريتها وتفوض إليها أمورها؛ سيكون هو الحظ الذي يحبون ويرضون، لأن مصر تعرف حقها على نفسها، وتعلم أن مكان المعلم الأولى من الطفل إنما هو مكان الأب الثاني، ومصر الحرة شديدة الحرص على البر بالآباء.
    كوكب الشرق في ٦ – ٦ – ١٩٣٣ .

    أزياء
    يقال إن الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعًا بنص واضح صريح من نصوص الدستور، ويقال إن هذا النص لم يغير، ولم يصبه تعديل ولا تبديل حين غُير الدستور القديم وأقيم مقامه الدستور الجديد، ولكن يظهر أن هذا النص إنما وضع في الدستور زينة وتحلية! لأن الدساتير كلها تشتمل على مثله، ولأن الأمم الحديثة كلها تحرص أشد الحرص على أن يقال إنها تكفل الحرية الشخصية للناس، ومصر- كما تعلم – جزء من أوربا، فينبغي أن يكون لها دستور كغيرها من البلاد الأوروبية وينبغي أن يشمل دستورها على مثل ما تشتمل عليه الدساتير الأوروبية من النصوص، وأن يقوم دستورها على مثل ما تقوم عليه الدساتير الأوروبية من القواعد والأصول، وإلا لم تكن مصر جزءًا من أوربا، ولم يكن أهلها قومًا متحضرين، ولم تكن دولتها خليقة أن تُعد بين الدول الراقية.
    وقد تكون هذه النصوص في نفسها سقيمة سخيفة، وقد يكون الدستور في نفسه لونًا من ألوان الكلام الذي لا فائدة منه، ولا خير فيه، ولكنه على كل حال شيء لا بد منه في هذه الأمم لكل بلد يريد أن ينظر إليه نظرة فيها إكبار وتقدير. فليكن لنا دستور وليشتمل هذا الدستور على نصوص تكفل الحرية الكاملة للأفراد والجماعات في حدود القانون، ولكن لنكن مهرة، لبقين في احترام هذا الدستور وتنفيذ هذه النصوص، فإن الأجانب لم يتعمقوا في درس شؤوننا وتعرف أخبارنا وأحوالنا والتحقق من احترامنا للدستور أو إعراضنا عنه. سيكتفون بأن لنا دستورًا، وبأن دستورنا هذا يشبه ما عندهم من الدساتير. وإذا خدعنا الأوروبيين عن أنفسنا، وخيلنا إليهم أننا قوم مثلهم، فلنصنع فيما بيننا وبين أنفسنا ما نشاء، ولننظر إلى هذه الحرية الشخصية التي يكفلها الدستور النظرة التي تستحقها. فالواقع أن هذه الحرية الشخصية ضرب من السخف، وفن من فنون الهزل، وأن الناس جميعًا لا يستحقون أن يستمتعوا بها، ولا أن يُخلى بينهم وبينها. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن قومًا كرجال المعارضة يستحقون أن يستمتعوا بحريتهم الشخصية في حدود القانون فيقولوا ما يشاءون، ويأتوا من الأمر ما يريدون، ويتنقلوا من أرض مصر حيث يشاءون؟ ومن الذي يستطيع أن يزعم أن من الخير أن يُخلى بين هؤلاء الناس وبين الحرية الشخصية التي تبيح لهم القول والنشاط والانتقال فلا يكادون يقولون أو ينشطون أو يتنقلون حتى يتصل بهم الشعب الذي يحبهم، ويفتتن بهم الشعب الذي يكبرهم، وإذا هم والشعب معهم خطر على الأمن والنظام، وخطر على الوزارة قبل الأمن والنظام!
    يجب إذن أن تضيق الحرية الشخصية لهؤلاء الناس، وألا يُمنحوا منها إلا ما يمكنهم من الطعام والشراب والنوم، فأما ما يزيد على هذا فينبغي أن يُقتر عليهم فيه، وألا يأخذوا منه بحظ إلا أن يأذن به وزير الداخلية! ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن هؤلاء الناس الذين يسمون أنفسهم أفراد الشعب، ومنهم الصانع والزارع، ومنهم التاجر والموظف يستحقون أن يستمتعوا بهذه الحرية الشخصية! وهم قاصرون لا يُحسنون التفكير في شؤونهم والنظر إلى مرافقهم. وهم محتاجون دائمًا إلى الأوصياء يعلمونهم كيف يعيشون، وكيف يتصرفون في شؤون الحياة، وحظهم من السذاجة عظيم، يرون نصًا في الدستور يكفل لهم الحرية الشخصية حقًا، وينسون أن احترام هذه الحرية الشخصية في النصوص وعلى الورق، وأن احترامها العملي في الحياة اليومية شيء آخر.
    انظر إلى رجال التعليم الأولي والإلزامي كيف خدعوا عن هذه الحقيقة الواضحة الجلية، فخيلوا إلى أنفسهم أنهم أحرار، يستطيعون أن يتخذوا من الأزياء وأشكال الناس ما يشاءون، وما يلائم منافعهم وميولهم، فعدل كثير منهم عن العمامة إلى الطربوش، وعن الجبة والقفطان إلى الجاكتة والبنطلون حتى فسدت بذلك أمورهم وأمور القرى، واضطربت أحوالهم وأحوال القرى، وشك الناس فيهم وساءت بهم الظنون.»
    وما رأيك في قوم لبسوا البنطلون فصرفهم عن غشيان المساجد وأداء الصلاة؟ وغطوا رؤوسهم بالطربوش فحال بينهم وبين القدرة على الوعظ والإرشاد!! أتظن أن هؤلاء الناس أهل لأن يستمتعوا بالحرية الشخصية حتى ولو كفلها ألف دستور؟ كلا، يجب أن تُلف أجسامهم في الجبب والقفاطين وأنوفهم راغمة! يجب أن يُخيروا بين الحرية الشخصية وبين العيش! فمن شاء منهم أن يأكل ويشرب ويطعم أهله ويسقيهم فلينزل عن حريته الشخصية هذه! ومن شاء منهم أن يستمتع بهذا البدع الجديد، ويكون رجلًا حرًا، يلبس ما يشاء هو، لا ما يشاء رؤساؤه، فلينزل عن عمله في التعليم، وعن رزقه الذي يعيش منه، ويلتمس قوته وقوت أهله عند هذه الحرية الشخصية، وليلتمس مسكنه ومسكن أهله عند هذه الحرية الشخصية. يجب أن يختار المعلمون بين مناصب التعليم وكرامة الرجال. فمن شاء أن يكون معلمًا فلينزل عن كرامته، ومن شاء منهم أن يكون كريمًا فلينزل عن التعليم.
    أنت تقرأ هذا الكلام فتعجب، ويخيل إليك أني أذهب في الهزل والدعابة إلى حد بعيد، ولكني لا أحب الهزل ولا الدعابة في هذا الموضوع، وإنما أصور الحق الواقع الذي لا شك فيه. وقد تستطيع أن تقرأ في غير هذا المكانِ منشورًا أذاعه مدير الدقهلية في رجال التعليم الأولي والإلزامي، يخيرهم فيه بين الزي الإفرنجي ومناصبهم في التعليم، ويؤجلهم شهرين ليختاروا، ويأخذ عليهم عهدًا بأنهم قد تسلموا هذا المنشور، وقرأوه فهم ملزمون به.
    فإذا أردت بعد ذلك أن توفق بين عمل هذا المدير، وبين ما كفله الدستور للناس من الحرية الشخصية فستضيع وقتك في غير طائل، وستضيع جهدك في غير عناء، فالمدير بهذا العمل معتدٍ على الحرية الشخصية، متعمد للطغيان على هؤلاء المعلمين، مخالف أبسط قواعد الحق والعدل وأوضح أصول الدستور والقانون. فليس للدولة بحال من الأحوال، ولا للسلطة الإقليمية بحال من الأحوال أن تدخل بين الناس وبين ثيابهم إلى هذا الحد.
    وأنت تعلم حق العلم أن المدير يلبس الطربوش، ويلبس الجاكتة والبنطلون، وهو رجل مسلم يمثل حكومة إسلامية، ومن الحق عليه لو احترمت شعائر الإسلام في هذا البلد أن يشهد الصلوات الخمس كل يوم في المسجد العام، فهل يشهدها؟ فإن كان يشهدها فهل يغير زيه كلما ذهب إلى الصلاة؟ أم هل يذهب إليها بزيه الإفرنجي؟ وإن كان لا يشهدها، فما حكم الله فيه؟ وما حكم الدولة الإسلامية فيه؟ وما رأي البرلمان الإسلامي فيه؟ وما باله يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟ وما باله يأخذ الناس بتغيير أزيائهم ويحتفظ هو بزيه لا يغيره ولا يبدله؟ ومن الذي أعطاه هذا السلطان يطغى به على حياة الناس وأرزاقهم ويتخذه وسيلة إلى العبث بحرية الناس وكرامتهم؟ وما قيمة هذا المعلم الذي يصبح عبدًا للمدير فيلبس ما يشاء المدير، لا ما يشاء هو؟ وما قيمة الطفل الذي يُنشئه هذا المعلم العبد؟ أينشأ شابًا حرًا، أم شابًا رقيقًا؟ وهب هؤلاء المعلمين أبوا أن يذعنوا لأمر هذا المدير فأبعدوا عن مناصبهم، وقطعت عنهم أرزاقهم، فما تصنع بهم الدولة؟ أترزقهم من غير عمل؟ أم تتركهم مشردين يموتون جوعًا إن آثروا الفضيلة، ويقترفون الآثام إن آثروا الحياة؟!
    نريد أن نعتقد أن السلطة المركزية في القاهرة أعقل وأحزم وأكرم على نفسها من أن تدع هذا العبث يذهب فيه المديرون إلى غير حد، فهي إن فعلت فتحت بابًا للفتنة عظيمًا. إن الناس يُفتنون في آرائهم ومذاهبهم، فلا ينبغي أن يُفتنوا في
    لباسهم وأزيائهم. ومن الذي زعم أن العمامة تدعو إلى الصلاة وتأمر بالمعروف، وأن الطربوش يدعو إلى المعصية ويأمر بالمنكر؟ أفكل وزرائنا ورجال دولتنا الذين يلبسون الطربوش عصاة لله، تاركون للصلاة، آمرون بالمنكر، ناهون عن المعروف؟ وإذن فما بقاؤهم في مناصبهم؟ وكيف يتفق هذا مع أن دين الدولة هو الإسلام؟ وإذا كان الطربوش إثمًا إلى هذا الحد فما بال البرلمان لا يصدر قانونًا بتحريمه على الناس جميعًا؟ وما بال الطربوش يباح لرجال التعليم كلهم إلا رجال التعليم الأولي والإلزامي؟
    أحق أن العمامة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ وإذن فما بال الشيخ الأزهري الذي يشغل منصب التفتيش على التعليم الديني ثم لا يتحرج من أن يسرق مقدارًا ضئيلًا من المال فيما يقال من أموال الدولة؟ استغفر الله من أموال المسلمين؟ وما بال الشيخ الأكبر يسكت على هذا الشيخ أو يسكت عنه فلا يبرئه من تهمة السرقة ولا يعاقبه عليها؟
    كلا ليس المعروف والمنكر أثرًا من آثار العمامة أو الطربوش، وإنما هما أثرٌ من آثار التربية الصالحة والتعليم الصحيح. ولم نعرف بعد أن أحدًا من رجال التعليم الأولي سرق من أموال الدولة، أو سافر في الدرجة الثانية، وأخذ من الدولة أجرة السفر في الدرجة الأولى.
    يجب أن يضع وزير الداخلية حدًا لطغيان مدير الدقهلية وأن يأمر عماله في الأقاليم بأن يكفوا عن هذا العبث السخيف الذي يوشك أن يفتح على مصر أبوابًا من الشر ليس إلى إغلاقها من سبيل!!!
    كوكب الشرق في ٩ – ٦ – ١٩٣٣ .

    بين الرضى والسخط . . .
    ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.
    والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.
    والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.

    أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

    وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

    ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

    والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.

    ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

    ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.

    ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

    أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

    وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.

    بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.

    وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

    فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.

    ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

    وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.

    وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.

    وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

    وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.

    فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
    طه حسين
    الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢

    شكاة …
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين
    الوادي، ٢٣\٩\١٩٣٤