في المجمع اللغوي
طه حسين
جريدة المصري
١٥ مايو ١٩٣٧
لست أرى بأسًا بالرجوع إلى حديث المجمع اللغوي بعد أن أعرضت عنه منذ أسابيع، وبعد المقال الممتع الذي نشرته السياسة الأسبوعية لصديقي هيكل يوم السبت الماضي؛ فقد يقال: إن مجلس الشيوخ سينظر قانون المجمع بعد أيام، وقد يكون من الحق، بل من الواجب أن يعرض الذين لهم رأي في المجمع مذهبهم على الشيوخ قبل النظر في هذا القانون، لعل الله عز وجل أن يُوفِّق شيوخنا إلى ما لم يُوفَّق إليه نُوَّابُنا، وإلى ما لم يُوفِّق إليه الحكومة التي أنشأت هذا المجمع، فيضعوا الأمر في نصابه، وينشئوا للغة العربية مجمعًا ينفعها ولا يضرها، ولمصر مجمعًا يزينها ولا يشينها، أو يريحوا أنفسهم ولغتهم وبلادهم من هذا الحديث الذي يمكن الإعراض عنه دون أن تقف حركة الفلك، أو تطلع الشمس من مغربها.
وقد يخيل إلي أن من أخص منافع الديمقراطية أنها حين تجعل أمر الشعب إلى الشعب تبيح للناس أن يُبصِّروا شيوخ الشعب ونوابه بما ينبغي أن يبصروا به من الأمور العامة، التي لم ينفقوا أوقاتهم فيها، ولم يقفوا جهودهم عليها، والتي لا بد من أن يقضوا فيها عن بصيرة وروية، لا عن محاكاة وتقاليد.
وقصة المجمع اللغوي في مصر كقصة كثير من المنشآت المصرية لا تخلو من بعض العجب؛ فقد كان الشعور بالحاجة إلى تنظيم العناية باللغة العربية قويًّا جدًّا منذ عهد بعيد، وقد كانت محاولات لإيجاد هذا المجمع الذي يُعنى باللغة، ويحافظ على سلامتها، ويجِدُّ في تنقيتها. وكان الطبيعي أن ينتهي ذلك الشعور وتنتهي هذه المحاولات إلى أن ينشأ المجمع ملائمًا أشد الملاءمة للحاجة التي دعت إلى إنشائه والتفكير فيه.
ولكن مصر كما تعلم، أيها القارئ الكريم، مرضت في بعض أوقاتها بمرض الأبهة، وتكلف الفخامة والضخامة، والتماس مظاهر العظمة الكاذبة لتخيل إلى نفسها وإلى الناس أنها قد بلغت من أطوار الرقي ما بلغته الأمم الأوروبية التي تسود العالم وتسيطر عليه. والغريب أن هذا المرض بارع جدًّا في استغلال الشعور، وانتهاز الفرص، وتسخير الميول الطبيعية للوصول إلى هذه العظمة المتكلفة، والأبهة المتصنعة، والزخرف الذي لا يغني شيئًا ولا يدل على شيء.
شعرت مصر بالحاجة إلى العناية باللغة، فانتهز هذا المرض فرصة هذا الشعور واستغلَّه، وخيل إلى مصر أنه سينشئ لها مجمعًا يُعنى باللغة، ثم أنشأ لها مجمعًا أقل ما يوصف به أنه لا يستطيع على حاله التي أنشئ عليها أن ينفع اللغة قليلًا ولا كثيرًا، وقد يستطيع أن يضرها ضررًا بعيد الأثر.
ذلك أن هذا المرض الذي أنشأ المجمع اللغوي سنة ١٩٣٢ لم ينظر إلى حال اللغة العربية ولا إلى حاجتها، ولا إلى طاقة أصحابها نظرًا مفصلًا دقيقًا، وإنما نظر إلى أوروبا بإحدى عينيه، وإلى الشرق العربي بعينه الأخرى، وأراد أن يقول لأهل الغرب: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامعكم، وأن يقول لأهل الشرق: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامع الأوروبيين ليس للشام مثله ولا للعراق.
أراد أن يكون هذا المجمع دعاية، ودعاية تلائم مكانة مصر من أهل الشرق وأهل الغرب جميعًا، فمصر جزء من أوروبا، وإذن فيجب أن يكون مجمعنا كمجامع أوروبا، ومصر زعيمة البلاد الشرقية العربية، فيجب أن يكون مجمعها زعيم المجامع اللغوية العربية. يجب أن يكون هذا المجمع عمارة من هذه العمارات الضخمة الفخمة التي تنطح السحاب، وتبهر الألباب، ولا تستطيع العين أن تقع على مصر دون أن تقع عليها. وليس المهم أن تكون هذه العمارة نافعة مجدية، ولكن المهم أن تكون خلابة رائعة تُخيِّل إلى الأوروبيين أننا مثلهم، وتُخيِّل إلى الشرقيين أننا سبقناهم إلى ما لم يصلوا إليه، ولم يطمعوا فيه.
ونحن نستطيع أن نبهر الغربيين والشرقيين جميعًا، وأن نلقي في روعهم أننا قادرون لا على أن نأتي بما يعجز عنه الشرق وحده، بل على أن نأتي بما يعجز الغرب نفسه أيضًا.
ولذلك نستطيع أن ننشئ مجمعًا لا يكون مقصورًا على مصر والمصريين، بل يكون شائعًا بين الشرق والغرب جميعًا، مجمعًا مختلطًا كالمحاكم المختلطة لا يساهم فيها قضاة من الشرق، وإنما يساهم فيها قضاة غربيون مصريون، فأما المجمع اللغوي فيجب أن يكون أشد اختلاطًا من المحاكم المختلطة، يجب أن يساهم فيه المصريون بالنصف، والنصف كثير، وأن يقسم النصف الثاني بين الشرق والغرب قسمة سواء عدلًا. ونحن قوم منصفون، ومنصفون من أنفسنا قبل أن ننصف من غيرنا، فلا ينبغي أن يزيد عددنا في المجمع على النصف حتى لا تكون لنا الكثرة التي تمكننا أن نقضي في أمور المجمع كما نحب.
وكذلك استصدرت الحكومة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الحلو اللذيذ مرسومًا ملكيًّا ينشئ المجمع اللغوي، وتمدحت بهذا المجمع في خطبة العرش التي أُلقيت أمام البرلمان.
وأظرف من إنشاء المجمع على هذا النحو أن البرلمان الذي كان قائمًا في ذلك الوقت الحلو اللذيذ رضي عنه كما رضيت الحكومة، وصفق له كما صفقت الحكومة، ولكن الشعب الذي كان في ذلك الوقت سيئ الخُلق، مُرَّ الطبع، منحرف المزاج لقي المجمع مُتَجهمًا له، متبرمًا به، ساخطًا عليه، وقال الفلاسفة والحكماء وأصحاب الرأي الأصيل في ذلك الوقت: إن هذا الشعب المصري مُترف مُدلل، وجاهل مُغفل، لا يُرضيه شيء، ويجب ألا يُستشار في شيء، ويجب أن يُفرض الخير عليه فرضًا، وأن يُؤخذ بالإصلاح، رغم أنفه؛ لأن أنفه لم يُخلق إلا للرغم، ولأنه قاصر إن خُلِّي ونفسه لم يجد إلى الخير سبيلًا.
وكذلك أنشئ المجمع اللغوي في تلك الظروف الغريبة، فكان يعمل على هامش الحياة المصرية، أو قل إن شئت: كان يعمل على هامش الحياة الأدبية واللغوية.
وقد أرادت هذه الظروف الغريبة أن يكون كثير من الذين كان يمكن أن يشيروا في أمر المجمع اللغوي من خصوم الحكومة التي كانت قائمة، ومن أضدادها ومُقاوِميها، فلم يكن بدٌّ من أن يخفى أمر المجمع عليهم ويُسترَ دُونَهم، ومن أن يفاجئوا به مفاجأة — إن صح هذا التعبير.
ولقد أذكر أن وزير المعارف في ذلك الوقت السعيد أراد أن يستشير في أمر المجمع بعض المستشرقين الذين كانوا يعملون في كلية الآداب، وكنت لها عميدًا، فدعاهم إليه، وسمع منهم وقال لهم، فلما خرجوا من عنده ألقى إليهم مَن ألقى أن من الخير ألا يتحدثوا في ذلك إلى عميد كلية الآداب، ولكنهم مع ذلك تحدثوا مع العميد، وأظهروه على ما قالوا وما سمعوا.
ولم يكن بُدٌّ في تلك الظروف من أن يكون تأليف المجمع سياسيًّا، كما كان إنشاؤه سياسيًّا، وعلى ذلك طبع المجمع بذلك الطابع الرجعي، وكانت له في ذلك أُسوة حسنة بالمجمع اللغوي الفرنسي؛ فقد أنشئ إنشاء سياسيًّا، وأُلِّف تأليفًا سياسيًّا، وطبعه ريشيليو، زعيم السلطة الفردية، بطابعه القوي، وظل صورة قوية للرجعية حتى ألغته الثورة الفرنسية وأنشأت مكانه المجمع العلمي.
وقد أعيد المجمع اللغوي الفرنسي بعد أن هدأت حِدَّة الثورة، ولكنه ظل إلى الآن أقرب إلى المحافظة منه إلى التجديد.
كل هذه ظروف خارجية أحاطت بإنشاء المجمع اللغوي فلم تهوِّن أمره ولم تُيسِّر مهمته، ولم تجعله إلى الشعب حبيبًا، ولا على قلب الشعب خفيف الروح، فإذا نظرنا إلى الظروف الداخلية التي كوَّنت المجمع، ورسمت له طريقه العملية لم نجدها خيرًا من الظروف الخارجية؛ فقد طُلب إلى المجمع ما لا يستطيع، وفُرض عليه ما لا يُطيق. وليس في هذا شيء من الغرابة؛ لأن إنشاء المجمع لم يكن جدًّا في حقيقة الأمر، وإنما كان دعاية وسياسة وزينة وتخييلًا.
فلم يكن من المهم أن يعمل، وإنما كان المهم أن يوجد وكفى، غير أن المجمع لم يكتف بالوجود، وإنما أراد أن يعمل ليثبت أنه خليق بهذا الوجود الذي وُهب له وفُرض عليه، ولم يكد يبدأ في العمل حتى وجد نفسه أمام عقبات ليس إلى تذليلها من سبيل، فأخذ يضطرب ويختلط ويدور حول هذه العقبات دون أن يستطيع لها اجتيازًا. وإنك لتنظر في مجلته فترى دلائل الاضطراب والاختلاط أوضح وأجلى من أن تحتاج إلى تفصيل.
إن المعلم يُعرِّض نفسه للسخرية إذا طلب إلى وزير الأشغال أن يَعهد إليه ببناء القناطر وإقامة الجسور، ويُعرِّض نفسه للبيمارستان إذا طلب إلى وزير الصحة أن يعهد إليه بمعالجة التيفوئيد أو الملاريا أو البلهارسيا — ما دام الناس يتحدثون عن الأستاذ بلهرس في هذه الأيام — ويُعرِّض نفسه لا أدري لماذا إذا طلب إلى وزير الحربية أن يعهد إليه بتمرين الجند وقيادتهم إلى الميادين.
ما أظنك تناقش في ذلك أو تنكره، ومع ذلك فقد فُرض على المعلمين الذين أُلِّف منهم المجمع أن يكونوا علماء بالهندسة والطب والإدارة والحرب وما شئت وما لم تشأ من العلوم التي سمعوا بها، والتي لم يسمعوا بها ولا في المنام.
وقيل لهم: أيها السادة، أنتم تعرفون اللغة العربية وتحسنون علومها كما كان يعرفها ويحسن علومها علماء البصرة والكوفة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أو على نحو ما كان يعرفها ويحسن علومها هؤلاء الأئمة في البصرة والكوفة؛ فقد جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء بالطب وفروعه على اختلافها، وبالرياضة وأشكالها وألوانها، وبالطبيعة والكيمياء، وبعلوم الحياة وبالفنون الجميلة، وبكل ما وعى العقل الإنساني، وما أنتج العقل الإنساني، وبكل ما أحس القلب، وبكل ما أثر في الشعور، وبكل ما ينتج عن إحساس القلب وتأثُّر الشعور. ويجب أن تعلموا ذلك علمًا صحيحًا دقيقًا مفصلًا متقنًا، يُمكِّنكم من التعبير عن هذه العلوم بألفاظ صحيحة دقيقة مطابقة، لا تخطئها ولا تنحرف عنها، وهي مع ذلك تلائم اللغة العربية الفصحى أصح الملائمة وأدقها وأجلاها.
وكان الذين قالوا لهم هذا القول مازحين في أكبر الظن؛ لأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يظنوا أن هذا ممكن، ولأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يحسبوا أن الرجل يستطيع أن يسمي اصطلاحات العلوم تسمية مصيبة موفقة دون أن يتقن هذه العلوم إتقانًا … كانوا مازحين في أكبر الظن لأنهم لم يكونوا يريدون إلا سياسة ودعاية.
ولكن اللعب قد يجر الجد كما قال أبو نواس؛ فقد مزح الذين أنشئوا المجمع، ولم يفهم المجمع عنهم هذا المزاح، أو لم يُردْ أن يفهمه عنهم، وأراد أن يكون عالمًا بكل شيء، قادرًا على تسمية كل شيء، ونسي أن آدم حين سمى الأشياء كلها لم يسمها من عند نفسه، وإنما علَّمه الله الأسماء كلها.
ومهما يكن من شيء فقد اجتهد المجمع في أن يسمي الأشياء، سواء منها ما يتصل بالعلم، وما يتصل بالعمل، وما يتصل بالبدع أيضًا؛ فألَّف اللجان، وقسَّم بينها العلم والمعلوم، والوجود والموجود، وكلف كل لجنة بأن تصعد في السماوات العُلى إن شاءت، وأن تهوي إلى الأرضين السفلى إن أحبت، ولكن يجب أن تجد الأسماء للأشياء، تنزل بها من أعلى أو تصعد بها من أسفل، ولكن لا بد من أن تُوجِد هذه الأسماء لهذه الأشياء، وإلا كان وجود المجمع عبثًا، وإنشاؤه لعبًا، وإنفاق المال عليه تبذيرًا.
وكذلك أخذت اللجان تعمل، ثم استيقنت أنها في حاجة إلى من يعلمها العلم الذي لم تُحصِّله، فدعَت المستشارين، واختلف إليها الأطباء والطبيعيون وأصحاب الكيمياء وأصحاب الفن، ومن شئت ومن لم تشأ من الأخصائيين، وجعل كل واحد من هؤلاء المستشارين يبيع هذه اللجان علمه بثمن بخسٍ قروش معدودة، فقد كان الاصطلاح، فيما حدثني المحدثون، يُباع بخمسة وعشرين قرشًا، وكان المستشار يأتي بالكلمة الإنجليزية أو الفرنسية من اصطلاحات العلم أو الفن فيترجمها للجنة ترجمة مقاربة، حتى إذا فهمت اللجنة عنه، أو خيل إليها أنها فهمت، جعلت تبحث وتستقصي وتنقب وتُروِّي حتى تجد كلمة عربية تظن أنها تصلح للتعبير عن هذا المعنى الذي يُخيِّل إليها أنها فهمته.
وأبرع من هذا وأروع، أن الذين أنشئوا المجمع جاءوا بقوم يحسنون طائفة من العلوم، ولكنهم لا يحسنون اللغة العربية، وقالوا لهم: أيها السادة، أنتم تحسنون هذا العلم أو ذاك، ولذلك جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي منذ هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء باللغة تحسنونها وتتقنون علومها كما كان يحسنها الخليل وسيبويه، وكما كان يتقنها الفراء وثعلب، ثم سموا ما تعلمتم وأحسنتم من العلم بما لم تتعلموا وتحسنوا من اللغة.
وكذلك أصبح أمر المجمع عجبًا: قوم يحسنون اللغة ولا يحسنون غيرها يقال لهم: كونوا علماء وسموا ما لا تعلمون بما تعلمون، وقوم يحسنون بعض العلم ولا يحسنون اللغة يقال لهم: كونوا لُغويين وسموا ما تعلمون بما لا تعلمون. ومصدر هذا الخلط الظريف أمران؛ أحدهما: أن الذين أنشئوا المجمع كانوا يلعبون ويدعون إلى لون من ألوان الحكم، وفن من فنون النظام السياسي، والآخر: أن الذين أنشئوا هذا المجمع لم يكن لهم علم صحيح، لا بالعلوم التي يُراد أن تُسمَّى، ولا باللغة التي يُراد أن تُسمَّى بها، فنشأ عن ذلك ما ترى في مجلة المجمع من هذه الأسماء الكثيرة التي لا تلائم علمًا ولا لغة، ولا تحقق حاجة من حاجات العصر، ولا تصادف هوى من أهواء الكُتَّاب والشعراء، والتي كلفت الدولة أموالًا تستطيع وزارة المالية أن تحصيها، وكلفت رجال المجمع جهودًا يستطيعون أن يحتسبوها عند الله عز وجل.
ذلك أن حكومتنا تلك كانت تعيش في القرن العشرين، وتعمل كما كان يعمل ريشيليو في القرن السابع عشر، وتجهل أن بينها وبين ريشيليو ثلاثة قرون تغيَّر فيها كل شيء، وتجهل أن المجمع الفرنسي لم يكد ينشأ في باريس حتى نشأت من حوله مجامع علمية أخرى مضت جادة في ترقية العلوم وتسميتها، واضطرته هو إلى أن يكون مُسَجِّلًا ليس غير.
نعم وكانت حكومتنا تلك تعيش في القرن العشرين وتجهل أن اللغة لا تُشرَّع بالقوانين، ولا تُفرَض بالمراسيم، وإنما تَنبُت في البيئات التي تحتاج إليها، تَنبُت في مكتب العالِم ومَعمَل المُجرِّب ومَصنَع الصانع، وتنبت في الشارع والحقول أيضًا، ويصقلها الاستعمال ويذيعها ويشيعها ويفرضها على المجمع اللغوي؛ فإذا هو يُسجلها في المجمع، ويضع لها القيود والحدود.
ولم تكن حكومتنا تلك تجهل هذا وحده، وإنما كانت تجهل معه أشياء كثيرة أخرى، وقد أقامت المجمع على ما تجهل لا على ما تعلم؛ فنشأ مُشوَّهًا عقيمًا مقضيًّا عليه بالإخفاق.
وكان أخص ما تمتاز به وزارة المعارف في ذلك الوقت أنها كانت تعرف أوائل الأشياء، وتجهل أوساطها وأواخرها، وكانت تعرف أسماء الأشياء وتجهل معانيها وحقائقها … قيل لها: إن اللهجات شيء حلو جميل تحسن العناية به، تُعنى به الجامعات والمدارس في أوروبا، ويَكلَف به المستشرقون، فقالت: ما دامت اللهجات حلوة؛ فلنأخذ منها بطرف، ولنذق منها نصيبًا، ثم جعلت من أغراض المجمع أن يُعنى باللهجات الحديثة في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولم تسأل نفسها، وما كانت تستطيع أن تسأل نفسها، عن معنى هذه العناية، ولا عن مداها، ولا عن نتائجها.
ولم يخطر لها أن المجمع الذي يحافظ على سلامة اللغة الفصحى ليس من شأنه أن يدرس اللهجات العامية. سمِعتْ ذِكْر اللهجات فأحبت هذا الاسم ووضعته في المرسوم الذي أنشأت به المجمع، وقالت للمجمع: أنت وما تريد، أو أنت وما تستطيع! ولم يُرِد المجمع شيئًا، ولم يستطع المجمع شيئًا إلى الآن في أمر اللهجات، وإن كان يُظهِر الحِرْص عليها، ويخاف أن يَخطفَها منه البرلمان خطفًا.
وأبرع من هذا كله وأروع، أن الحكومة طلبت إلى المجمع أن ينشئ مُعْجمًا، وصدَع المجمع بهذا الأمر، ولكنه لم يشرع في إنشاء المعجم إلى الآن؛ لأنه يريد أن يستهبط الاصطلاحات من السماء، أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل، وقد يئست الحكومة من هذا المعجم بعد أن انتظرت البدء فيه أربعة أعوام، فهَمَّتْ بإنشائه وزارةُ المعارف في العام الماضي، وتلطَّف وزير المعارف يومئذٍ، الأستاذ علوبة باشا، فأشرك المجمع في أمر هذا المعجم.
وقبِلَ المجمعُ كارهًا هذا الاشتراك؛ لأنه لم يجدْ منه بدًّا، وما كاد الوزير يتخلى عن الوزارة حتى لجأ المجمع بمرسومه إلى الوزير القائم، وقال له: أنصفني؛ فقد ظلمني سلَفُك، واردُدْ عليَّ مُعْجمي؛ فقد غصبته وزارة المعارف، واجْعَلْه لي خالصًا من دون الناس، فقد أشرك فيه الوزير السابق من ليس من المجمع في قليل ولا كثير.
واستجاب الوزير القائم لرئيس المجمع فألغى لجنة كانت بدأت في العمل بالفعل، ورد المعجم إلى المجمع في شهر يوليو الماضي، ولكن المجمع لم يصنع شيئًا إلى الآن، وتأخر المعجم سنة أخرى؛ لأن المجمع لا يستطيع أن يشرع فيه قبل أن يضع الاصطلاحات، يستهبطها من السماء أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل؛ فلا بد من الانتظار.
والدولة في أثناء هذا كله تنفق المال وتنفق المال، ولا نجني إلا هذه المجلة التي يُصدرها المجمع، والتي يعرفها بعض أعضائه وينكرها بعضهم الآخر إنكارًا شديدًا.
ثم أراد وزير المعارف القائم أن يَردَّ الأمر إلى نصابه، وأن يعيد النظر في نظام المجمع، وأن يعرض أمره على البرلمان، فوضع للمجمع قانونًا رجع فيه إلى المجمع نفسه؛ لأنه رجل دستوري، وكان قاضيًا قبل أن يكون وزيرًا، فلم يُرد أن يشعر المجمع بأنه مظلوم.
وحافظ المجمع على نظامه القديم؛ لأنه يحبه أشد الحب، ويَكلَف به أعظم الكلف، ولكن الوزير القائم لم يذُق اللهجات الحديثة كما ذاقها وزير التقاليد، فحذفها من القانون الجديد، وعني بإحياء الأدب القديم لأنه المادة التي يؤخذ منها المعجم اللغوي والمعجم التاريخي جميعًا.
فغضب المجمع، وامتلأ قلبه حزنًا وأسفًا، وشكا إلى مجلس النواب، واستعان ببعض النواب، وخيل إليهم ما خيل، وزين لبعضهم ما زين، وإذا القانون يَرِدُ في مجلس النواب كما أرادته الحكومة التي أنشأت المجمع، وكما أراده المجمع القائم نفسه، ولكن على غير ما تريده مصلحة العلم، وعلى غير ما تريده كرامة مصر العقلية؛ فما زال المجمع كما أنشأه مجلس النواب مُكلَّفًا أن يعلم غير ما يجهل، وأن يضع الاصطلاحات لعلوم ليس له منها حظ قليل أو كثير، وما زال المجمع مكلفًا أن يدرس اللهجات العامية، ويحافظ على سلامة اللغة الفصحى، ويجمع بين هذين المتناقضين؛ لأن الله عز وجل قادر أن يجمع العالم في واحد كما قال أبو نواس.
وقد عُرض قانون المجمع الآن على مجلس الشيوخ، فليأذن لنا النواب المحترمون في أن نصارحهم بأنهم قد أخطئوا وتعجلوا، أو كان يجب أن يلتمسوا الصواب وتعجلوا، وليأذنوا لنا في أن نقول لهم: إن مصلحة اللغة وكرامة مصر تفرضان عليهم أن يعيدوا النظر في هذا القانون تفصيلًا، وأن يرفعوا عن المجمع عبء الاصطلاحات العلمية؛ فليست من شأنه، وليس هو قادرًا عليها، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يفرض على الأفراد والجماعات إلا ما يطيقون، وأن يريحوا المجمع من اللهجات العامة؛ فليست من شأنه ولم يُخلق لها، والسيفانِ لا يُجمعان في غمد، والماء والنار لا يجتمعان؛ فإن كنا نريد اللغة العامية فلننشئ لها مجمعها، ولنترك اللغة الفصحى للذين يحسنون درسها، ويعرفون كيف ينتفعون بهذا الدرس.
نعم، وليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نطلب إليهم أن يعيدوا النظر في النظام الإداري للمجمع، ولسنا نريد أن يُرَدَّ المجمعُ مصريًّا خالصًا كما كان ينبغي أن يكون، فالمصريون ينتفعون دائمًا بمعاونة العلماء الشرقيين والمستشرقين، ولكننا نريد أن تكون أمور الإدارة في المجمع إلى المصريين، وإلى المصريين وحدهم: هم الذين ينتخبون، وهم الذين ينتخبون — بالكسر والفتح.
فأما الزملاء الشرقيون والمستشرقون فيشاركون في العلم وحده، ثم ليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نُخيِّرهم بين اثنتين، فإن كانوا يريدون مجمعًا لُغويًّا، فأغراض هذا إنما هي إنشاء المعجم اللغوي والمعجم التاريخي، وإحياء الأدب القديم، وتشجيع الإنتاج الأدبي الحديث، وإن كانوا يريدون وضع اصطلاحات العلوم، فسبيلهم إلى ذلك العدول عن المجمع اللغوي، وإنشاء المجمع العلمي ذي الشُّعب المختلفة، كما هو موجود في فرنسا، على أن يكون المجمع اللغوي شعبة من شُعَبِه.
فليَختَر الشيوخ بين هذين الأمرين، وليجتنبوا ما تورطتْ فيه تلك الحكومة من التخليط؛ فليس ينبغي لمصر أن تَضحك من نفسها، وأن تُضحك الناس منها، وأن تُنفق الألوف من الجنيهات كل عام على هذه السخرية التي لا تنفع ولا تفيد.
Tag: scientific terminology
-
في المجمع اللغوي
-
مجامع اللغة العربية وطبيعتها رد الدكتور طه حسين بك على حديث الدكتور منصور فهمي بك
مجامع اللغة العربية وطبيعتها: رد الدكتور طه حسين بك على حديث الدكتور منصور فهمي بك
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ مارس ١٩٣٧
صديقي العزيز رئيس تحرير «الأهرام»:
تحية طيبة. أما بعد … فقد قرأت اليوم الحديث القيم الذي نشرته «الأهرام» لصديقي الأستاذ الدكتور منصور فهمي بك؛ ردًّا على بعض رأيي في أمور المجمع اللغوي.
فأرجو أن تأذن لي بمناقشة الصديق الكريم في بعض آرائه التي أذعتموها اليوم، وأحب أن أُقدِّم بين يدي هذه المناقشة بأني لم يخطر لي قط على بال أن اختلاف الرأي في مسألة من المسائل العلمية أو الأدبية أو السياسية يمكن أن يسوء أحدًا من المختلفين، ولو عرفت ذلك لما أذعت في الصحف حرفًا واحدًا منذ أخذت أتحدث فيها إلى الناس.
فليطمئن صديقي؛ فإن حديثه سرَّني ولم يسؤني، وأرجو أن يكون حديثي أمس قد سرَّه ولم يَسؤه، وأرجو أن يَسرَّه ما أكتبه الآن، ولا يسوء في قليل أو كثير.
وأول ما أخالف الصديق فيه: مسألة اختصاص المجمع اللغوي بوضع اصطلاحات العلوم والفنون؛ فقد كنت أقدر أن نختلف في أشياء كثيرة قبل أن نختلف في مسألة كهذه، أمرها واضح، وحظها من البداهة لا يحتمل الاختلاف.
والدكتور منصور فهمي بك أعلم بشئون المجامع اللغوية من أن يحتاج إلى أن أنبهه إلى أن هذه المجامع ليس من شأنها، ولا ينبغي أن يكون من شأنها، ولم تزعم قط أن من شأنها وضع اصطلاحات العلوم والفنون، وإنما هي تسجل من ذلك ما يضعه العلماء وأصحاب الفن إذا لاءم اللغة وفرضه الاستعمال.
والصديق الكريم أستاذ فيلسوف، فهل يستطيع أن ينبئني عن المرجع الذي يرجع إليه حين يبحث عن اصطلاح فلسفي في المنطق، أو علم النفس، أو ما وراء الطبيعة: أهو المعجم الذي وضعه المجمع اللغوي الفرنسي؟ أم هو معجم من المعاجم الفلسفية الكثيرة، والتي أقربها إلينا وأيسرها علينا معجم أستاذنا وصديقنا «أندريه لالاند»؟
وإذا احتاج الدكتور منصور بك إلى البحث عن اصطلاح في علم من العلوم الطبيعية أو في فن من فنون الطب: أيلتمسه في معجم المجمع اللغوي الفرنسي؟ أم يلتمسه في معجم من معاجم العلوم والفنون لا يضعه المجمع اللغوي، وإنما تضعه جماعة من جماعات العلماء وأصحاب الفن؟ وإذا احتاج الصديق إلى البحث عن اصطلاح عربي في المنطق أو في علم من علوم العرب على اختلافها: أيلتمس هذا الاصطلاح عند الفيروزآبادي وابن مكرم وابن سيده وأشباههم من علماء اللغة أو أصحاب المعاجم اللغوية؟ أم يلتمسه في كتاب من هذه الكتب التي وضعها العلماء الإخصائيون في الاصطلاحات؟
إن الأمر — كما قلت — أوضح من أن يحتمل الخلاف، وما زلت أقول وسأقول دائمًا، وسيقول المثقفون الفرنسيون معي دائمًا: إن المجمع اللغوي الفرنسي يُضحك الناس من نفسه لو أنه انصرف إلى وضع الاصطلاحات عن العناية بصفاء اللغة ونقائها؛ فالعلماء وحدهم هم الذين يضعون اصطلاحاتهم وألفاظهم الخاصة، وما ينبغي لغيرهم أن يتطفل عليهم أو يشاركهم في تسمية ما لا يتقنه من صافى العلم واصطلاحاته.
إن الأمور تقلب أوضاعها في مصر، فنحن نريد أن يذهب الأطباء إلى أعضاء المجمع اللغوي يلتمسون منهم الأسماء لمعاني الطب التي لا يحسنونها، ولعلهم لا يعرفون عنها قليلًا ولا كثيرًا، على حين يذهب أعضاء المجمع اللغوي الفرنسي إلى الأطباء يسألونهم عن معاني الكلمات الطبية التي يفرضها الاستعمال، والتي تحتاج إلى أن تأخذ مكانها في المجمع اللغوي.
وما ينبغي أن تذكر استشارات المجمع للخبراء، فإنها إضاعة للوقت والجهد والمال معًا؛ ذلك أن الخبراء يحضرون لجان المجمع ليُعلِّموا أعضاءها ما لا يعلمون، وليسمعوا منهم ما لا يحسنون، وينتهي الأمر بأن تضيع الدولة وقت علمائها وخبرائها، وتضيع مع ذلك ما تنفق على أولئك وهؤلاء من مال.
إن المجمع الفرنسي لا ينظم لجانه على هذا النحو المصري الطريف الذي يُفرَض فيه الخبراء فرضًا؛ لأن المجمع الفرنسي لا يكلف نفسه ولا يكلفه أحد ما لا يطيق من وضع الاصطلاحات العلمية، ولو قد كلفه أحد ذلك لرفضه؛ لأنه يرفع نفسه عن التعرض لما لا يحسن. لقد كان الأدباء والنقاد في عصورنا القديمة يضحكون من اللغويين وأصحاب النحو إن عرضوا للنقد الأدبي الخالص، وقدموا بعض الشعراء على بعض. فكيف بالأطباء وأصحاب الرياضة حين يدخل في أمرهم مَن لا يحسن الطب وعلم الرياضة؟! واللغة بعد ذلك لا تُشرَّع بقانون، ولا تَشيعُ بالقرارات، ولا تخلق خلقًا متكلفًا، وإنما هي ظاهرة طبيعية تخلقها الحاجة، ويصقلها الاستعمال، وتسجلها المجامع.
كلا، ليس من اختصاص المجمع اللغوي أن يضع اصطلاحات العلوم، وقد أخطأ الذين طلبوا إلى مجمعنا ذلك. وإني لأرجو أن يجدوا طريقة إلى إصلاح هذا الخطأ، فهم إن لم يفعلوا يُشرِّعوا المحال، ويُضيعوا المال، ويعرضوا جماعة من علمائنا لما لا يحسن أن يتعرضوا له.
واللهجات … إن حديثها لعجب، ماذا يريد من مجمعنا اللغوي أن يصنع؟ بل وكيف يكون درسه لها وقوله فيها؟ قلت: إن هذا من شأن الجامعات والمعاهد الخاصة. ويوافقني صديقي الدكتور منصور بك على ذلك، ولكنه يريد أن يكون من شأن المجمع اللغوي أيضًا، فإني أسأله سؤالين اثنين: أيعرف مجمعًا لغويًّا يعنى عناية رسمية بدراسة اللهجات في قطر من أقطار الأرض غير مصر؟ وكيف تكون هذه العناية الرسمية؟
إني أحقق أن الذين يفرضون على مجمعنا درس اللهجات لم يصوروا لأنفسهم هذا الموضوع تصويرًا واضحًا، فهل يراد أن ينشئ المجمع معهدًا تسجل فيه أصوات الناس على اختلاف لهجاتهم؟ وأن تكون في هذا المعهد أنواع من الفونوغراف تسمع الناس هذه الأصوات وهذه اللهجات؟ وأن يجتمع الأعضاء المحترمون حول الفونوغراف ليسمعوا منه اللهجات المختلفة باختلاف الأقطار العربية، ثم يأخذ كل منهم في تسجيل ملاحظاته على هذه اللهجات؟ أم يريدون أن ينفرد من أراد منهم درس لهجة من اللهجات بالبحث والدرس والملاحظة والتسجيل، ثم يعرض خلاصة هذا كله على أصحابه ليقروه بعد المناقشة والجدال؟
فإن تكن الأولى فسينقلب مجمعنا إلى مدرسة لعلها قد تستحيل دارًا للتسلية والضحك، يختلف الناس إليها ليسمعوا لهجات الصعيد والشرقية وشمال الشام وأقصى الغرب، وما أحسب أن أحدًا فكر في ذلك، وإن كان كل شيء جائزًا.
وإن تكن الثانية فهل يستطيع أحد أن ينبئني: لماذا يخص هذا العمل بنص في القانون؟ وهل غاب عن الذين وضعوا القانون وشرَّعوا أن معنى هذا النص أن مجمعنا يجب أن يكون بين أعضائه دائمًا إخصائيون في اللهجات. ولست أجحد قيمة العلم الذي يتخذ اللهجات موضوعًا لدرسه؛ فهو علم أساسي من علوم النحو والعروض. وبأي اللهجات يريد مجمعنا أن يشتغل؟ باللهجات القديمة، فأمرها متصل باللغة والنحو والصرف، أم باللهجات الحديثة؟ وإذن فلماذا؟ ليقتلها أم ليبعث فيها الحياة؟ ومن الذي قال إن من عمل المجمع اللغوي أن يحيي اللهجات العامية، أو أن يجرد عليها حملة في كل عام؟ ومتى عقد المجمع اللغوي الفرنسي جلسة لإحياء لهجات الجنوب مثلًا، أو لنصب الحرب لها وإرسال البعوث والجيوش لغزوها؟
كلا، أيها الصديق الكريم، إن لعلم اللهجات خطره وقيمته، ولكن مكانه في الجامعة لا في المجمع، وإذا عرض المجمع له فإنما يعرض له مصادفة حين يحتاج إلى ذلك بين حين وحين. فأما أن يفرض درسه والعناية الخاصة به على المجمع، فشيء لا يفهم ولا يستقيم، وأخشى كل الخشية أن يكون النواب المحترمون قد خدعوا عنه، وأرجو كل الرجاء ألا يندموا على ما اتخذوا بشأنه من قرار، وأيسر ما يقال فيه: إن تسجيله في القانون عبث لا يغني ولا يفيد، والله المسئول أن يجنبنا ضرره الذي لا أريد أن أعرض له في هذا المقال.
ولا يظن صديقي الدكتور منصور بك أني أنكر عناية العلماء الأوروبيين باللهجات، فأنا أعرف أنهم يعنون بها أشد العناية، وقد دعوت منذ أسابيع أستاذًا من كبار الأساتذة السويسريين ليلقي على الطلاب في كلية الآداب بعض المحاضرات في معجم يوضع لبعض اللهجات العامية في سويسرا، ولكن الذي أنكره أشد الإنكار هو عناية المجامع اللغوية بهذه اللهجات؛ فليدلني الأستاذ الصديق على مَظْهرٍ من مظاهر هذه العناية في مجمع من المجامع اللغوية التي تعنى بالمحافظة على صفاء اللغة ونقائها.
وإحياء الأدب العربي … إن قصته لطريفة، فالأمر فيه كالأمر في كل شئون مجمعنا اللغوي، يقوم على الخطأ في التصوير معنا، فالذين يريدون أن يشغلوا المجمع بإحياء الأدب العربي يظنون أن معنى هذا أن يفرض على مجمعنا ألا يدع كتابًا ينشر، ولا سفرًا يبغى إلا إذا أقر نشره، وأشرف عليه. والذين ينكرون على مجمعنا العناية بإحياء هذا الأدب يظنون أن معنى هذا الإحياء أن مجمعنا سيفرض عليه الكتب، وستقصر جهوده على هذا وأولئك. وهؤلاء يخطئون، فكل بيئة علمية تعنى باللغة العربية لا قيمة لها ولا نفع منها إذا لم يكن من أول أعمالها نشر الأدب العربي القديم؛ لأنه أساس اللغة، ومن خالف في ذلك فقد أنكر الأوليات، أو تعمد أن يكون لهذه اللغة عدوًّا.
ستنشر الجامعة المصرية كتبًا عربية قديمة ما بقيت كلية الآداب، وسينشر الأزهر الشريف كذلك كتبًا عربية قديمة، وستنشر دار الكتب أيضًا ولجنة التأليف والأفراد في الشرق والغرب كتبًا عربية قديمة، وكل هذا لا يمنع المجمع اللغوي من أن يقوم بواجبه الأول، وهو دراسة اللغة العربية، ومن هذه الدراسة نشر أدبها القديم.
وأعوذ بالله أن يخطر لي أن أتهم أساتذتي وأصدقائي من العلماء المستشرقين في مجمعنا اللغوي بالتقصير في العلم بأدبنا القديم، أو القصور عن قراءته وفهمه، وعنهم أخذت العلم، وبذلك أفاخر، وإليهم أرجع، ومنهم أستفيد كلما لقيتهم. ولكن الذي أعلمه أن هؤلاء الأساتذة المستشرقين أحرص الناس على نشر الأدب العربي القديم، وعلى أن يكون لمصر من هذا النشر أعظم الحظ، وعلى أن تساهم البيئات المصرية كلها في ذلك، ومنها المجمع اللغوي.
ولقد سمعت في مجلس النواب من كان يقول: إن وزارة المعارف لم تخصص في ميزانية المجمع إلا ألفي جنيه لإحياء الأدب العربي. فكان هذا دليلًا على أن حرصها على هذا الإحياء ليس شديدًا، وهذا غريب؛ فقد كان ينبغي أن يقال لوزارة المعارف: ارفعي هذا المقدار من المال واجعليه خمسة آلاف؛ ليستطيع المجمع أن يبلي في هذه الناحية من نواحي النشاط فيحسن البلاء، لا أن يقال لها: أريحي نفسك وأريحي المجمع من هذا العناء، وأنفقي هذا المال فيما شئت من وجوه الإنفاق.
أما بعد، فقد أدللت مع أني أكرهت نفسي على الإيجاز، وما زلت مستيقنًا بأن القوانين ليست ضربة لازب، وبأنها قابلة للإصلاح، وبأن المجمع نفسه سيطلب إصلاح قانونه، فيريح نفسه من وضع اصطلاحات العلوم، ومن أمر اللهجات، ويعنى بإحياء الأدب العربي، ووضع المعاجم اللغوية النافعة. ومن يدري لعل الله أن يوفق مجلس الشيوخ إلى ما لم يوفق إليه مجلس النواب، وإذا لم يكن بد من أن يكون لمصر مجمع لغوي، فليكن مجمعًا لغويًّا نافعًا معقولًا.