Tag: Sidqi Pasha resignation; Sir Percy Loraine; 1933 Egypt; popular will; political maneuvering; Egyptian independence; British influence; national disappointment

  • والآن

    والآن
    كان[1] البحر خاشعًا خاضعًا، وكان الجو مشرقًا ساطعًا، وكانت السفينة بين ذلك تخطر في كثير من التيه والإعجاب، وكان الجمع ينتظر في كثير من الإكبار والإجلال. وكانت الزوارق تسعى على هذا السهل السائل بين السفينة والمدينة، يكاد يثقلها ما تقل من الوفاء والولاء لـ«رئيس الوزراء». وكان القدر ومصر يلحظان هذا كله باسمين، وينظران إلى هذا كله ساخرين؛ لأنهما كانا يعلمان كيف دبر ذلك وكيف هيئ له، ولأنهما كانا يعلمان كيف تكون عاقبة ذلك، وإلى أين تصير به الأمور.
    وكان «رئيس الوزراء» ينظر إلى هذا كله، وعلى ثغره ابتسامة لها معنيان: معنى لنفسه ومعنى للناس؛ فأما في نفسه فقد كان ضيقًا بهذا كله، ساخرًا من هذا كله، يعلم كيف دبر، ويعلم إلى أين يصدر. وأما للناس فقد كان متكلف الابتهاج الرزين، مصطنع الاغتباط المعتدل، لا يريد أن يرى الناس يأسه ولا ضجره، ولا يريد أن يحس الناس ضيقه ولا حَرَجَه، وإنما يريد أن يروا منه ما ينبغي أن يظهر على الجلد الصبور.
    وكانت هذه الحركات التي وصفتها الصحف من تحية للصاعدين إلى السفينة، وخلوة إلى النائب عن «رئيس الوزراء»، ثم نزول إلى الزورق وابتسام للمستقبلين، وذهاب إلى «رأس التين»، واحتمال لهذه المشقة التي تفرضها السياسة على أهلها من لقاء الأعوان والأنصار، والاستماع للكلام الذي لا يفيد، والرد عليه بكلام لا يقول شيئًا، ثم الاستراحة، ثم المقابلة الملكية، ثم العودة إلى الدار، ثم نفثة المصدور، وتنهد الرجل الذي خلص من التكلف، وخلا إلى نفسه ليفكر ويستريح.
    وكان شيء من الحزن القائم يظلل هذا كله، ويلقي عليه رداء يثير في نفوس المستقبلين كثيرًا من الكآبة وكسوف البال. وكان شيء من السخرية الضاحكة الكئيبة يظلل مصر كلها، فيرسم على وجوه الناس ابتهاجًا وابتئاسًا في وقت واحد؛ فأما الابتهاج فمصدره إخفاق هذه السياسة المنكرة التي سلطت على مصر ثلاثة أعوام، فلم تبلغ منها شيئًا إلا أن زادتها يقينًا وإيمانًا، وتثبيتًا وإصرارًا على الحق، وجدًّا في الوصول إليه، ثم انتهت بعد ذلك إلى ما انتهت إليه من اعتراف الإنجليز بالفشل، ونقل ممثلهم إلى حيث يستطيع أن يكون نافعًا لبلده، لا يكسب له عداوة الأمم وبغض الشعوب، ومن اعتراف «رئيس الوزراء» بخيبة الأمل والعجز عن العمل، واضطراره إلى أن يرفع إلى جلالة الملك رغبته في أن يريح ويستريح. ومن حق الشعوب أن تبتهج إذ وجه إليها الكيد فلم يفلح، ودبر لها المكر ثم لم يصب منها مقتلًا.
    وأما الابتئاس الذي كان يصاحب هذا الابتهاج على وجوه الناس فمصدره أن هذا الشعب العامل الجاهد في العمل، النشيط الغالي في النشاط الذي يجعله عمله وأمله، ونشاطه وجده أهلًا للحياة الراقية الصالحة العزيزة الكريمة، خليقًا بأن يظفر بحريته كاملة، واستقلاله موفورًا، ينظر فإذا حقه يضيع، وإذا كرامته تهدر، وإذا أموره تدبر على غير ما يريد، لا يسأل في ذلك ولا يستشار، حتى إذا أعرب عن إرادته لم يسمع له ولم يلتفت إليه كأنه لم يوجد بعد، أو كأنه وجد ليستغل ويستذل، ويتخذ وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات، وتحقيق المآرب والمنافع، وتمكين الواثبين إلى مناصب الحكم من الاستمتاع بالجاه والسلطان، وتمكين المستعمرين من الأجانب من بسط النفوذ وملء الأيدي بالأموال. ومن حق الشعوب أن تبتئس حين تزرع الخير فلا تجني إلا شرًّا، وحين تسعى إلى الحرية والاستقلال فيضطرها النفعيون إلى ما تكره من الخضوع والذل، وحين تنفق ما تملك من القوة والجهد لتثبت أنها مخلصة نقية الضمير، لا تريد بأحد سوءًا، ثم ترى أن غيرها يلقاها بنية ملتوية، وضمير معوج، ولا يريد بها إلا الشر والمكروه.
    نعم، من حق الشعوب أن تبتهج إذا لم يبلغ منها كيد الكائدين، ومن حق الشعوب أن تبتئس إذا سلط عليها الشر ولم تكن له أهلًا. ومن حق الشعب المصري أن يبتهج حين يرى سياسة «السير برسي لورين» ودولة «صدقي باشا» تنتهي إلى نقل أحدهما واستقالة الآخر. ومن حق الشعب المصري أن يبتئس إذا رأى أن الجو السياسي قد تلبّد بالغيوم، وكثر فيه الضجيج والعجيج، واشتد فيه اللجب والاصطحاب، وكثر فيه السعي الظاهر، والسعي الخفي منذ أكثر من أسبوع، لا لشيء إلا لأن رجلًا واحدًا من الناس يريد أو لا يريد أن يحتفظ بالسلطان، يراد له أو لا يراد له أن يظل في منصب الحكم. فأما الشعب نفسه، الشعب الذي يكد ويجد، الشعب الذي يعمل ويأمل، الشعب الذي لولا وجوده وجهوده ما كانت دولة ولا حكومة، فليس موضوع تفكير ولا تقدير، وإنما هو شيء مهمل في زاوية من زوايا الحياة السياسية، عليه أن يحتمل الخطوب ويتجشم الهول، ويصبر على أثقل الأعباء وأشد الحوادث نكرًا، ولغيره من هؤلاء السادة القليلين الذين يتولون الحكم أو يتهيأون له أن يدبروا بينهم أمر الحكم: أيبقى في يد أولئك، أم ينتقل إلى يد هؤلاء؟
    هذا كثير وهو خليق أن يحزن الشعب ويسوءه، ولكنه بعيد كل البعد عن أن يضعف إيمان الشعب بحقه، أو يغل عزم الشعب على المطالبة بهذا الحق، والجد في الظفر به والوصول إليه.
    لقد أعلن «رئيس الوزراء» عزمه على الاستقالة، ثم رفع «رئيس الوزراء» إلى جلالة الملك رغبته في الاستقالة. وأخذت أحاديث الناس تستفيض عن مصير الحكم إذا استقال «صدقي باشا»: أيصير إلى الحزبين المؤتلفين، أم يصير إلى حزب الاتحاد دون حزب الشعب؟ وأخذت أحاديث الناس تستفيض عن أساليب الحكم إذا استقال «رئيس الوزراء»، أتبقى كما شرعت ورسمت، أم يصيبها التغيير قليلًا أو كثيرًا؟
    وكان الشعب المصري يحب أن تستفيض أحاديث الناس بأن أمور الحكم سترد إليه، وبأنه هو قد أصبح موضوع ما يجيله الساسة سرًّا أو جهرًا من رأي، وما يهيئ الساسة سرًّا وجهرًا من تدبير. فقد مضى وقت طويل كان الوزراء ورؤساء الوزارات فيه موضوع الحديث والتدبير، مضى وقت طويل صرفت فيه أمور الشعب على غير ما يرضى، وآن الوقت الذي ينبغي أن تصرف فيه أمور الشعب على ما يرضى.
    نعم، لقد طال إهمال الأمة في حساب الساسة، ودل كل شيء على أن هذا إهمال لا يؤدي إلى خير، ولا ينتهي إلى نجاح. فمتى يريد الله إلهام الساسة أن يسلكوا إلى الحكم طريقه الطبيعية المستقيمة، فيلائموا بينه وبين آمال الأمة وأمانيها وحقها في الحرية والاستقلال؟
    [1] كوكب الشرق في ٦-٩-١٩٣٣.