Tag: social custom

  • بين الإفراط والتفريط

    بين الإفراط والتفريط

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٨ أكتوبر ١٩٤٦

    أي الأمرين خير: الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟! تلك هي المسألة التي أحب أن يفكر القراء فيها.

    أريد اليوم أن أدعو القرَّاء إلى التفكير في موضوع خطير، وهو موضوع الحرية الأدبية. وهذا الموضوع يتصل بالسياسة إن شئت، وينفصل عن السياسة إن شئت؛ فهو أوسع منها مدًى وأبعد أثرًا … يتصل بالسياسة من حيث إن الدولة هي التي تُشرِّع القوانين التي تنظِّم حقوق الناس في التفكير والتعبير. فهي تستطيع أن تشرع القوانين سمحة يسيرة مرنة تُتِيحُ للناس أن يفكِّروا كما يشاءون، وأن يعبِّروا عن آرائهم كما يريدون، كما تستطيع أن تشرع هذه القوانين صلبة عابسة ضيقة ترهق الناس من أمرهم عسرًا حين يفكِّرون وحين يعبِّرون!

    وقد قال الفلاسفة — وسيقولون دائمًا — إن حرية التفكير مطلقة للناس جميعًا، لا يستطيع أحد أن يحدَّ منها ولا أن يسيطر عليها، ولا يمكن أن يخضع للقانون؛ لأن سلطان الدولة — مهما يشتد ويمتد — لا يستطيع أن يصل إلى أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

    ولكن هذا كلام إن صوَّر الحق من الناحية النظرية الخالصة، فهو لا يصوره من الناحية العملية بحالٍ من الأحوال؛ ذلك أن التفكير الذي لا يتجاوز أعماق الضمائر ودخائل النفوس قد تكون له قيمته الفردية، ولكنه ملغى بالقياس إلى المنفعة الاجتماعية. فيستطيع الفرد أن يفكر كما يشاء، وأن يبني القصور الإسبانية في عمق ضميره ودخيلة نفسه، فلن يكون لتفكيره هذا خطر إلَّا إذا استطاع أن يخرج من عمق الضمير ودخيلة النفس ليبلغ أعماق الضمائر الأخرى ودخائل النفوس الأخرى!

    على أن الأمر لا يَقِفُ عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو أعظم منه خطرًا وأبعد منه أثرًا؛ فإن الفرد حين يستيقن أن تفكيره لن يتجاوز ضميره ولن يصبح شيئًا اجتماعيًّا يلقاه الناس بالرفض أو القبول ويتخذونه موضوعًا للجدل والخلاف، يزهد في هذا التفكير الذي لا ينفع أحدًا ولا يضر أحدًا، وينصرف عنه إلى غيره من الأشياء التي يمكن أن يُعْنَى بها نظراؤه. وهذا حق إلى حد أن الفرد قد يَأْلَفُ الحياة الضيقة التي تُحَدُّ فيها حرية التعبير؛ فلا يشعر بحاجته إلى أن يفكر في هذا الموضوع أو ذاك، بل لا يشعر أحيانًا بوجود هذا الموضوع أو ذاك إلَّا حين يقرأ كتابًا نشر في لغة أجنبية، وعرض فيه صاحبه لهذا الموضوع أو ذاك، فيعلم حينئذ أن هذا الموضوع موجود، وأنه يمكن أن يفكر فيه المفكرون، ويعبِّر عنه المعبرون، ويجد فيه القارئون لذةً ومتاعًا، أو يجد فيه القارئون ضيقًا واشمئزازًا.

    وأكبر الظن أن كثيرًا جدًّا من إعجاب القراء الشرقيين ببعض الكتب الأجنبية إنما يأتي من أنهم يجدون في هذه الكتب ألوانًا من التفكير لم يألفوها، ولم يجدوا في أنفسهم الحاجة إليها أو القدرة على التعرض لها. ولكنهم يقفون عند هذا ولا يسألون أنفسهم عن الأسباب التي تحول بينهم وبين التفكير في هذه الموضوعات والتعبير عنها. ولو قد سألوا أنفسهم هذا السؤال وتعمَّقوا الجواب عليه؛ لعرفوا أن أهم الأسباب هو نقصان حظِّهم من الحرية التي تُتِيح لهم أن يفكروا؛ لأنهم لا يملكون الحرية التي تتيح لهم أن يعبِّروا. ولو قد أُتيح للشرقيين من حرية التعبير ما أُتيح للغربيين لكان من الممكن جدًّا — بل من المحقق — أن يطرقوا موضوعات لا يطرقها إلى الآن إلَّا الأدباء والمفكرون من أهل الغرب.

    وربما كان من الخير أن نضرب الأمثال لهذه الظاهرة، فالمثقف المصري — مثلًا — يرى حياتنا الاجتماعية وما فيها من النقائص، فيفكر فيها تفكيرًا محدودًا، ويعبِّر عن تفكيره هذا تعبيرًا محدودًا … يطالب بمحاربة الفقر والجهل والمرض، وقد يقترح الوسائل اليسيرة التي تُتيح إزالة الفقر والجهل والمرض. ولكنه يقف من التفكير والتعبير عند هذا الحد! ثم هو يقرأ ما يكتبه الغربيون في نقد الحياة الاجتماعية؛ فيعجب بما يقرأ وقد يُفْتَنُ به فتونًا، وقد يقع في نفسه الحزن؛ لأن هذه الكتب لم تنشأ في اللغة العربية، أو لم تنقل إلى اللغة العربية، ولكنه يعلم حقَّ العلم أن إنشاءها في اللغة العربية ممنوع بالقانون، وأن نقلها إلى العربية ممنوع بالقانون أيضًا؛ فهو يريح نفسه إذن من تعمق التفكير في حياتنا الاجتماعية وفي آفاتها وفي وسائل التخلص من هذه الآفات، ويكتفي بالقراءة لما يكتبه الغربيون إن كان من أولي العزم … فإن كان من أوساط الناس شغل نفسه بما يشغل به أوساط الناس أنفسهم، فأكل كثيرًا، وشرب كثيرًا، وأُغرق في النوم، وتفكَّه بألوان النكت وفنون الحديث!

    وكذلك الأمر فيما يتصل بالموضوعات التي تمسُّ الفلسفة العليا وتمس الدين من قرب أو بعد … فالقارئ الشرقي يرى عند الغربيين أعاجيب قد تروقه وقد تروعه وقد تفتنه، ولكنه يعلم أنه مصدود عنها صدًّا؛ لأن هناك موضوعات قد يستطيع أن يفكر فيها، ولكنه ممنوع بالقانون من أن يعلن القراءة فيها إلى الناس. فهو إذن ممنوع بالقانون من التفكير، قد فرض القانون على عقله الخمود والجمود والكسل فرضًا.

    فأنت ترى مقدار الاتصال بين حرية الأدب وبين السياسة التي تشرع القوانين، فتوسع على الناس أو تضيق عليهم الحرية. على أن السياسة ليست وحدها هي التي تحدُّ من حرية المثقف والأديب، ولعل السياسة في كثير من الأحيان أن تكون مضطرة إلى هذا التضييق اضطرارًا يدفعها إليه العرف، ويدفعها إليه ما يملأ صدور الناس من الحرج إذا أوذيت بغير تألف من ضروب الفكر وفنون القول!

    فالحب مثلًا موضوع هذه الموضوعات الأدبية التي أفنى الشعراء والكتَّاب أعمارهم وجهودهم في درسها وتقصيها دون أن يبلغوا الغاية من هذا الدرس أو هذا التقصي. والقارئ العربي يستطيع أن يجد الأعاجيب من نتائج هذا الدرس والتقصي في كتب الغربيين: في شعرهم حين ينظمون الشعر، وفي قصصهم حين يكتبون القصص، وفي تمثيلهم حين يحاولون التمثيل، وفي فلسفتهم حين يعالجون الفلسفة … ولكنه ممنوع من أن يحاول أن ينشئ في الحب بلغته العربية مثل ما ينشئ الغربيون. يمنعه من ذلك العرف المألوف الذي يفرض على الأدباء والمثقفين حدودًا معينة من الوقار الصادق قليلًا والكاذب كثيرًا، لا ينبغي لهم أن يتجاوزوها. فإن فعلوا فهم خارجون على العرف، معتدون على الأخلاق، مفسِدون للشباب. وهنا تضطر السياسة إلى أن تتدخل لحماية العرف والأخلاق والشباب! وإذن فما حاجة الأديب إلى أن يدرس، وما حاجته إلى أن يستقصي، وما حاجته إلى أن يفكر أو يقول ما دام هذا كله قد ينتهي به إلى سخط الجمهور وإلى بطش السلطان؟!

    هذا كله يصوِّر لك ما يكون بين حرية الأديب وبين السياسة من اتصال وانفصال … فللحرية إذن خصمان: أحدهما يأتي من الدولة حين تُشرِّع القوانين الضيقة العابسة، والآخر يأتي من العرف حين يكون متزمتًا مسرفًا في التزمُّت، وعابسًا مغرقًا في العبوس. وهذا كله ينتهي بالأديب والمثقف إلى الإعراض عن التفكير ما دام عاجزًا عن أن يُذِيع ما فكَّر فيه؛ فيكون التفريط.

    ولكن الحرية لا تشكو من التفريط وحده، وإنما تشكو من الإفراط أيضًا؛ فقد يتحرَّر العرف من كثيرٍ جدًّا من القيود، ويصبح سمحًا يقبل كل شيء، وينتفع بما فيه النفع، ويهمل ما لا يرى فيه نفعًا. وهناك تحرر السياسة كما تحرر العرف، فتُشرع القوانين سمحة يسيرة، أو تهمل تنفيذ القوانين إن كان فيها شيء من العسر والضيق.

    والعقل الإنساني جامح دائمًا، وحرية التفكير لا تعرف لنفسها حدًّا، إلَّا أن يفرض عليها هذا الحد من خارج. ومن أجل ذلك تنتهي هذه الحرية الجامحة التي لا يحدُّها العرف ولا تقيِّدها السياسة إلَّا قليلًا إلى ألوان من الإسراف المؤذي؛ فهي لا تقف عند شيء، ولا ترجو لشيءٍ وقارًا، وإنما تزدري القيم كلها، وتسخر من الحقائق كلها، وتنتهي بالإنسان إلى شيءٍ من اليأس المهلك. ويكفي أن ينظر الإنسان في بعض ما ينشئه الأمريكيون والفرنسيون من الكتب في هذه الأيام — ومن قبل هذه الأيام — ليعرف ما تصل إليه الحرية حين ترسَل على سجيتها.

    فالمسألة الآن هي هذه: أي الأمرين خير؛ الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟

    هذه هي المسألة التي أحب أن يفكر القرَّاء فيها! وأكبر الظن أنهم سيرون كما يرى كل مفكر معتدل أن القصد خير من الإفراط والتفريط؛ لأن خير الأمور أوساطها … ولكن إذا لم يكن إلى القصد سبيل فأي الأمرين خير: الإفراط أم التفريط؟ هذه هي المشكلة.