Tag: Social Equity

  • برنامج …

    برنامج …
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٧ نوفمبر ١٩٤٩

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.

    فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.

    فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.

    وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.

    أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.

    وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.

    فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.

    وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.

    ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.

    وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.

    فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.

    هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.

    كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.

    وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.

    وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.

    وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.

    فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.

  • الحق المر

    الحق المر
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٩

    يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.

    ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.

    ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.

    فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.

    فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.

    كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.

    ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.

    وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.

    أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.

    مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.

    مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.

    مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.

    هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.

    أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»

  • خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف

    خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٩ مايو ١٩٤٣
    سيدي صاحب المقام الرفيع …
    أصحاب المعالي الوزراء …
    سادتي …
    ربما كان هذا الاجتماع أصدق وصف لوزارتكم هذه القائمة لنظامكم هذا الذي تسعد به مصر منذ أكثر من عام، فهو اجتماع الإلزاميين الذين يعلِّمون طبقات الشعب، في دار الجامعة التي تهيئ لمصر صفوة المفكرين من أبنائها. ومعنى هذا أن هذا الاجتماع إن صوَّر شيئًا فإنما يصور مثلكم الأعلى، يصور هذه المساواة التي لا يختلف فيها المصريون مهما تكن مكاناتهم، ومهما تكن منازلهم.
    وإني لأستأذنك، يا صاحب المقام الرفيع، وأستأذن زملاءك الوزراء، وأستأذن هؤلاء السادة من رجال التعليم الإلزامي، في أن أصور وزارتكم تصويرًا ما، وربما كان هذا المقام ملائمًا لأن أستمد هذه الصورة الصادقة التي ترتسم في نفسي لك ولأصحابك من حديث نبوي كريم؛ فقد قال رسول الله ﷺ للمسلمين ذات يوم: «ألا أنبئكم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون. ألا أنبئكم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون.» (تصفيق). وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من أحاسن الناس أخلاقًا، ومن المُوطَّئين أكنافًا، ومن الذين يألفون ويؤلفون.
    أنت وأصحابك تخدمون الشعب ولا تَمنُّون عليه، تهبون للشعب نفوسكم وجهودكم وعقولكم وما تملكون، دون أن تستعلوا على الشعب، أو دون أن تظنُّوا أنكم تسدون للشعب نعمة، وإنما تؤمنون بأن الشعب له عليكم حق، فأنتم تُؤدُّونه؛ لأنكم خدَّامه لا أكثر ولا أقل. (تصفيق). وأنتم مُوطَّئون أكنافًا، فقد سمعت، يا صاحب المقام الرفيع، منذ حين خطيب الإلزاميين يتحدث بأن هذا الاجتماع تاريخي؛ لأنه أول اجتماع شهد فيه رئيس الحكومة حفلة الإلزاميين، فأنت تسعى إلى الشعب، وأنت تسعى إلى الشعب لأنك تؤمن بأن من حق الشعب عليك أن تسعى إليه.
    وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من الذين يألفون ويؤلفون، لا ينكركم من المصريين أحد، ولا تنكرون من المصريين أحدًا، وأنت في قلوب المصريين جميعًا أمناء على مُثُلِ المصريين العليا، والمصريون جميعًا في قلوبكم أصحاب الحق فيما تملكون من جهد وقوة وإخلاص.
    وائذن لي، يا صاحب المقام الرفيع، في أن أُصوِّر وزارتك هذه وعهدك هذا وبرلمانك أيضًا تصويرًا ما، وائذن لي في أن أستعير هذا التصوير الثاني من حديث كريم للنبي الكريم، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصار في حديث جرَى: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.» وأنت وأصحابك سراع إلى نجدة مصر حين تحتاج مصر إلى النجدة، وأنت وأصحابك تكثرون حين تحتاج مصر إلى مَن يذودُ عنها، وإلى من يَحميها، وإلى من يُوطِّئ لها مكانها اللائق بها.
    وأنت وأصحابك أعفُّ الناس عن الغنائم، وأنت وأصحابك أطهر الناس يدًا، وأنزه الناس قلبًا، وأنقى الناس ضميرًا، وأزكى الناس نفسًا، وأسمى الناس طبعًا، وأرفع الناس عمَّا لا يليق بكرام الناس. (تصفيق وهتاف).
    ثم ائذن لي بعد ذلك في أن أتحدث إلى هؤلاء السادة الإلزاميين حديثًا أحب أن يسمعوا له، وأحب أن يتفضلوا فيستشعروا في نفوسهم، وأحب أن يتفضلوا فيذيعوه فيما بينهم، ويذيعوه في قراهم وفي مدنهم، في أقاليمهم وفي بيئاتهم التي يعيشون فيها، فهو حديث العلم، وحديث العلم في العهد الديمقراطي الراقي الذي نعيش فيه الآن. (هتاف متواصل).
    أخص ما يمتاز به زميلك، وزير المعارف، أن يؤمن إيمانًا قد مازج نفسه، وجرى في عروقه مع دمه بأن المصريين جميعًا أصحاب الحق المطلق في أن يتعلموه، وفي أن يكرموا، وفي أن يردَّ عن عقولهم فقر الجهل، وفي أن يردَّ عن أجسامهم الفقر المادي الذي يأتي من البؤس ومن المرض. هو مؤمن بهذا إيمانًا خالصًا، ولولا أنك رئيس الوزارة التي يعمل فيها لما استطاع أن يجد لإيمانه هذا منفذًا في الحياة العملية، ولما استطاع يومئذ أن يكون وزيرًا يعالج ما يعالج من الأمور.
    إنه يؤمن بحق المصريين جميعًا ألا يردُّوا عن التعليم، وقد عمل وأعنته على ما عمل، عمل على ألا يرد مصري عن التعليم مهما تكن فروع هذا التعليم. ضاقت الجامعة فأنشأ جامعة أخرى، ضاقت المدارس الثانوية فأضاف إليها فصولًا، وأضاف إليها مدارس، ضاقت المدارس الابتدائية فأضاف إليها فصولًا وأنشأ مدارس أيضًا.
    ثم رأى أن الفقر يقوم عقبة عنيفة جدًّا بين كثير من المصريين وبين التعليم، وخصوصًا في هذه الأيام الشاقة، فلجأ إليك ووجد منك خير ملجأ، وإذا أبواب التعليم تُفتح، وإذا الفقراء يدخلون المدارس والجامعات لا يُردُّون بالفقر مهما تكن ظروف الميزانية، ومهما تكن الظروف الأخرى. وإذا نسب المجانية تزداد وتزداد وتزداد، حتى إذا ضاق بطلب زيادة المجانية استصدر من مجلس الوزراء قرارًا بألَّا يرد طالب عن الامتحان إذا عجز عن دفع المصروفات.
    وزميلك وزير المعارف يريد أن يستفيد التلاميذ مما يُلقى إليهم من العلم، فهو يعنى بصحتهم ما وجد إلى هذه العناية سبيلًا، ويجد من زميله وزير الصحة ما يمكِّنه من هذه العناية، ثم يلجأ إليك وإلى البرلمان يستعينكما على أن يطعم الفقير، وعلى أن يردَّ عن أبناء المدارس الإلزامية عارض الجهل، وعارض الجوع، فإذا البرلمان يقيِّد الدولة بتغذية التلاميذ بالمدارس الأولية، ويرصد لذلك في العام الماضي مائة ألف من الجنيهات، ثم يرصد لذلك في هذا العام ثلاثمائة ألف، وإذا نجيب الهلالي يغذِّي أبناء المدارس الإلزامية مائة وخمسين ألفًا في العام الماضي، وسيغذِّي منهم في العام المقبل نصف مليون. (تصفيق متواصل).
    وزميلك وزير المعارف يشاركك في عاطفة تمتاز بها امتيازًا ظاهرًا جدًّا، وهو أنك تحب مصر لا كما يحب إنسان وطنه، ولكنك في الوقت نفسه تبغض الأثرة، وتحب للعالم الشرقي وللعالم العربي ما تحبه لمصر. فأنت لا تريد أن تكون مصر معتزلة، ولا تريد أن تكون مصر أثرة، وإنما تريد أن يكون الشرقيون جميعًا شركاء لمصر في هذه المائدة العلمية الهائلة التي يُولمها وزير المعارف. (تصفيق وهتاف).
    ومن أجل هذا لم يكد نجيب الهلالي يتولى وزارة المعارف في وزارتك هذه حتى أخذ الأساتذة من المصريين يخرجون من بلادهم عشرات إلى البلاد الشرقية، يعلِّمون فيها. وإذا من الأشياء المقررة عندنا في وزارة المعارف ألا يرد لشرقي طلب مهما يكن في سبيل العلم، وألا يرد لحكومة شرقية طلب مهما يكن في سبيل نشر الثقافة، فنحن قوم نحب العلم، لا نحبه لأنفسنا وحدها، ولكن نحبه للناس جميعًا، ثم ها نحن أولاء لم نكتف بنشر ثقافتنا والثقافة العربية الإسلامية في الشرق العربي وحده، ولكنَّا نرسل رسل الثقافة المصرية إلى بلاد الحبشة، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديثة تؤسس في بلاد الحبشة مدرسة مصرية تنشر الثقافة المصرية بلغة أجنبية في بلاد لا تتكلم العربية، لا لشيء إلا لأنك أبعد الناس عن البخل بالأشياء المادية، وبالأشياء المعنوية أيضًا، ولا لشيء إلا لأن وزارتك لا تفهم مطلقًا أن يعيش الإنسان لنفسه، وإنما يعيش الإنسان لوطنه، ويعيش الوطن للإنسانية كلها.
    وزميلك وزير المعارف، يا صاحب المقام الرفيع، يتصور مكانة مصر وكرامتها تصورًا أقل ما يوصف به أنه يلائم شعورنا بالكرامة المصرية، ويلائم اعتزازنا بهذه الكرامة، ويلائم هذه المثل العليا التي نطمع فيها، وهي أن تكون مصرنا العزيزة كأي وطن من أوطان الدنيا المستقلة. وهو من أجل هذا لم يكفه أن ينشر الثقافة المصرية في الشرق العربي، ولا أن ينشئ مدرسة ثانوية في السودان، ولا أن يبعث الذين ينشئون مدرسة في الحبشة، ولكنه يريد أن ينشر الثقافة المصرية في بلاد الإنجليز نفسها، وإذا هو لا يقبل أن يكون للبريطانيين معهدهم في مصر حتى يكون للمصريين معهدهم العربي المصري في لندن. كذلك يفهم نجيب، وكذلك يفهم زملاؤك الوزراء الكرامة المصرية والاستقلال المصري على هذا النحو الذي تفهم أنت عليه كرامة مصر وعزتها واستقلالها، وعلى هذا النحو الذي لا يمكن أن تعيش مصر المستقلة إلا إذا فهمت نفسها عليه. (تصفيق وهتاف متواصل).
    ثم دعني أصورك وأصور وزرائك وأصور عهدك الديمقراطي هذا تصويرًا أخيرًا، فأنت قد دعوت إلى الاستقلال كما دعا إليه سعد من قبلك، وأنت قد جاهدت في الاستقلال، وأنت قد كسبت الاستقلال وعدت به كريمًا موفورًا، ولكنك حين عدت به إنما عدت به مكتوبًا على الورق، ثم تركت الحكم، فظل الاستقلال مكتوبًا على الورق، وأخذت تتخطفه الأيدي، وتنتقص أطرافه من يمين مرة ومن شمال مرة أخرى؛ لأنه كان استقلالًا مكتوبًا على الورق. فلما جئت وجاء معك زملاؤك وجاء معك برلمانك، جعلت الاستقلال حقيقة واقعة، ومادة تُلمس وتُرى وتُحس، يلمسها كل إنسان، ويراها كل إنسان.
    وليس أدل على ذلك من موقفك في شهور يونيو ويوليو وأغسطس الماضية، وليس أدل على ذلك من موقفك حين كان العدو قريبًا من أبواب الدلتا، وحين لم يستطع أحد أن يمسَّ مصالح مصر بأذًى، وحين عاد العدو عن مصر وردت الأخطار عنها، وخرجت مصر من هذه الأزمة كريمة موفورة. يشهد العالم كله بأنها لم تكن أقل كرامة، ولا أقل عزة، ولا أقل احتمالًا للخطب من أي بلد مهما يكن في الشرق أو في الغرب. كل هذا يا سيدي الرئيس تدين به مصر لك ولزملائك ولأعوانك من أعضاء البرلمان، تدين به لهذا العهد الديمقراطي الذي تسعد به، والذي نرجو أن تسعد به.
    فإذا احتفى بك وبزميلك وبزملائك هؤلاء الإلزاميون، فثقْ بأنهم لا يحتفون بك؛ لأنهم يريدون أن يتملقوك، فالأمر بينك وبين الشعب ليس أمر تملق، إنما هو أمر حب ومودة وإخلاص. (تصفيق وهتاف). ولماذا يمكن أن يتملقوك أو يتملقوا زميلك وزير المعارف، لقد أديتما إليهم بعض حقوقهم، ولا أقول كل حقوقهم، وهم لم يكرموكما قبل تأدية هذه الحقوق، وإنما كرموكما بعد أن أديتما إليهم هذه الحقوق، وبعد أن أُصلِح الكادر إصلاحًا ما، وبعد أن أنشئ صندوق الادخار، فهم إذن لا يحتفون بكما تملُّقًا، وإنما يحتفون بكما حبًّا، ويحتفون بكما شكرًا أيضًا.
    وكان زملاؤك الوزراء، وكان برلمان الوفد. قد أديتم للإلزاميين ما أديتم من الحق، فائذن لي أن أقول لمقامك الرفيع، ولزميلك وزير المعارف، ولزملائك الوزراء، ولمن حضر من أعضاء البرلمان: إن الذي أديتموه إليهم حسن، ولكن الذي بقي لهم في أعناقكم كثيرٌ جدًّا، لا لشيء يا صاحب المقام الرفيع إلا لأنك تريد — ولأننا نريد معك — أن يكون أبناء مصر كرامًا دائمًا، ولن يكون المصريون كرامًا إلا إذا كُرِّم الذين يُعلِّمونهم ويُنشِّئونهم. وهذا الشعور نفسه هو الذي حملكم على أن تؤدوا ما أديتم من الحق، وأنا واثق بأنه سيحملكم على أن تؤدوا ما بقي من هذا الحق. (تصفيق).
    وآية ذلك أنكم لم تختصوا الإلزاميين بعطفكم، وإنما شملتم رجال التعليم جميعًا، فلن يمضي هذا العصر، يا صاحب المقام الرفيع، حتى يشعر كل معلم في مصر — مهما يكن الفرع الذي يعلم فيه — بأن وزارتك الديمقراطية قد أحسَّت أن له حقًّا، وأن حقه يجب أن يُؤدَّى إليه. وهذا الحق هو أن يكون كريمًا، وأن يمكَّن من احتمال أعباء الحياة كما ينبغي أن يتحمل الرجل الكريم أعباء الحياة.
    أتريد آخر الأمر، يا صاحب المقام الرفيع، أن أُحدِّثك لماذا لا تجد وزارتك ولا يجد عهدك ارتياحًا من بعض القلوب؟ أمَّا أنا فأستطيع أن أُحدِّثك بهذا حديثًا صريحًا، لا لبس فيه، وأزعم أن أحدًا لن يستطيع أن ينكر ما سأحدِّثك به: إن وزارتك لا تريح؛ هي أولًا لا تريح نفسك، فهي متعبة متعبة، ولكنها لا تريح قومًا آخرين ليس من مصلحتهم أن يشعر الشعب بوجوده ولا بحقوقه ولا بكرامته، وإنما مصلحتهم أن يُستغل الشعب كما تُستغل الأرض، وكما تُستغل الماشية. وأنت ووزارتك تشعرون الشعب بأن له حقًّا، وبأن له كرامةً، وبأن لا فرق بينه وبين أحد كائنًا ما يكون.
    فمن أجل هذا كانت وزارتك متعبة لبعض القلوب، مؤرقة لبعض الناس، مانعة كثيرين من أن يستريحوا؛ لأنك تهيئ لهم عناءً عظيمًا يوم يشعر كل مصري بأن من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، لا فرق بين هذا الغني أو ذاك، وبين هذا القوي أو ذاك، وإنما المصريون جميعًا كما يقول الدستور سواء أمام القانون. أتريد أن تعرف الفرق بينك وبين الذين لا يحبُّونك؟ الفرق بسيط جدًّا: أنت أخذت الدستور على أنه جد، وغيرك أخذ الدستور على أنه مزاح.
    سيدي صاحب المقام الرفيع
    إن هؤلاء السادة الإلزاميين لم يسعوا إلى هذا المكان ليستمعوا لي، وإنما سعوا إلى هذا المكان ليشكروك وليشكروا زميلك وليكرموكما، وقد أقحمت نفسي بين الخطباء إقحامًا؛ لأن كلمة الحق يجب أن تُقال، ويجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وقد قلت هذه الكلمة الآن، فائذن في أن أحييك وأحيي زملاءك، وفيهم صديقي نجيب الهلالي، ثم ائذن لي في أن أدع هذا المكان، وقد يخيَّل إليَّ أن هؤلاء السادة يريدون أن يستمعوا منك ومن زميلك بعض الشيء. (هتافات مختلفة وتصفيق حاد متواصل).