في التعليم
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ أبريل ١٩٥٣
عدد طلابنا الجامعيين في هذا العام ثلاثة وأربعون ألفًا، ومن الخير للتعليم أن ينزل هذا العدد إلى نصفه. ولكنه مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد — كما تشاء — سيزيد في العام المقبل إلى ثلاثة وخمسين أو إلى خمسة وخمسين ألفًا أو إلى أكثر من ذلك.
وسيكون من الخير للتعليم في العام المقبل أن ينزل عدد الطلاب إلى أقل من نصفه. فإذا كان العام الذي يليه، فسيزيد عددهم حتى يبلغ السبعين ألفًا، وسيكون من الخير للتعليم أن يهوى هذا العدد إلى ثلثه. وسيظل العدد في ازدياد واقعي وفي نقص مثالي حتى يهدينا الله الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم فآتاهم من لدنه رحمة وهيأ لهم من أمرهم رشدًا.
وهذا الصراط المستقيم هو الذي لا يفكر المهتدون إليه في أن يعاكسوا الطبيعة ويخاصموا منطق الحياة، ويردُّوا عن التعليم شعبًا يريد أن يتعلم، وعن النور شعبًا يريد أن يخرج إلى النور.
ليس في الأرض أمة يزدحم فيها الطلاب على الجامعات أو على المدارس الثانوية، فتردهم عن الجامعات والمدارس الثانوية؛ حرصًا على صلاح التعليم وإتقانه. وإنما السبيل أن تنشئ من الجامعات والمدارس ومعاهد التعليم ما يلائم إقبال الناس على المعونة ورغبتهم في أن يزدادوا منها. وما أعرف بلدًا كمصرَ يضيق الناس فيه بإقبال أبناء الشعب على أن يتعلموا، وإنما الأصل أن يكون ذلك مصدر غبطة ورضًا وابتهاج، لا مصدر حسرة وحزن واكتئاب. وقد علمنا شيوخنا منذ الزمان الأول أن العلم نور، وأن الجهل ظلمة، وأن الخير في أن يخرج الناس من الجهل إلى العلم ومن الظلمة إلى النور.
كذلك تعلمنا وإلى ذلك دعونا، وقد سمع الناس لنا، واستجابوا لدعائنا، وأقبلوا يطلبون العلم حتى ضاقت بهم معاهده على اختلافها. فالناس يشكون من قلة هذه المعاهد، والذين إليهم أمر التعليم يوشكون أن يشكوا من كثرة المقبلين على العلم، لولا فضل من حياء يمنعهم من الدعوة إلى الجهل فضلًا عن إمساك الناس فيه.
لا بدَّ إذن من أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونواجه الحقائق كما هي وكما ينبغي للرجال أن يواجهوها، فنحاول إنشاء ما نحتاج إليه من المعاهد والمدارس والجامعات؛ ليتعلم الشعب في يسر ودون أن يجد حرجًا في هذا الطموح الكريم إلى الحياة الكريمة.
وأحب للمثقفين وقادة الرأي أن يصطنعوا شيئًا من التواضع والقصد والاعتدال، فإن الله لم يجعلهم أوصياء على الشعب، وإنما جعلهم له نصحاء ومرشدين. فمن حقهم أن يشيروا عليه وأن ينصحوا له وأن يقولوا له: هذا خير فاقصد إليه، وهذا شر فارغب عنه! ثم تترك له بعد ذلك حريته، فإن شاء اتبعهم فعسى أن يرشد، وإن شاء خالفهم فعسى ألَّا يخطئ؛ لأن المثقفين من الهداة والقادة والمرشدين ليسوا معصومين من الخطأ، فجائز أن يروا الخير ويدلوا عليه، ثم لا يكون الخير ما رأوا، وإنما يكون الخير في ناحية أخرى غير الناحية التي ذهبوا إليها.
وهم على كل حال أدلاء وقادة، لا أوصياء ولا مسيطرون. وقد قال الله لرسوله: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ).
وقال له كذلك: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ). فأجدر بالمثقفين والقادة أن يعلموا أنهم مذكِّرون لا مسيطرون، ومرشدون لا أوصياء ولا مهيمنون. وقد انقضى العصر الذي كان أولو الرأي فيه مسيطرين على مصير الشعب، وأصبحنا نعيش في عصر يسيطر الشعب فيه على مصيره.
فلننصح له ولنُشِرْ عليه دون أن نتحكم فيه أو نضطره إلى غير ما يريد. وهو يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في المدارس الثانوية والفنية وفي الجامعات، فلنهيئ له من العلم ما يريد، ولنوجهه إلى ما نعتقد أنه الخير، ولنصرفه عما نعتقد أنه الشر، ولكن دون أن نعنف به أو نشق عليه، فقد يخرجه ذلك عن طوره؛ فتكون عاقبة ذلك شرًّا عليه وعلينا جميعًا.
يجب إذن أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونقدم على بصيرة، فننشئ من المدارس والمعاهد والجامعات ما يحتاج إليه هذا الشعب الطامح. فإن مصر لم تخلق للجهل، وهي التي عرَّفت الشعوبَ طريق العلم. وهي لم تخلق للضعة، وهي التي سبقت إلى الرفعة وهدت إليها غيرها من الأمم. ولم تخلق للخمول، وهي أول دولة عظيمة عرفها التاريخ.
وقد أحسَّ قائد الثورة هذا كله إحساسًا قويًّا، وعبر عنه تعبيرًا قويًّا حين قال: إن مصر لن ترضى حتى تصبح إحدى الدول العظمى. ولن تصبح مصر إحدى الدول العظمى حين يبلغ طلاب الجامعة فيها ثلاثة وأربعين ألفًا بين شعب قد نيف عدده على عشرين مليونًا. فكيف ومنَّا قومٌ يودُّون لو نقص هذا العدد إلى النصف؟!
وإنما السبيل إلى عظمة مصر أن يتعلم أبناؤها جميعًا كلٌّ حسب طاقته وميله، وفي حدود حريته واستعداده.
وإنما السبيل إلى عظمة مصر ألَّا يوجد لون من ألوان المعرفة، ولا فن من فنون العلم، ولا ضرب من ضروب النشاط، إلَّا ولبعض أبنائها حظٌّ منه ومشاركةٌ فيه. إنما سبيل العظمة إلى مصر أن يشعر العالم كله بمشاركة مصر القوية في علمه وفنه ونشاطه على اختلاف ما يكون من ألوان النشاط.
إن الشعب المصري يطمح بطبعه وغريزته وإرادته الخفية والظاهرة إلى أن يكون شعبًا عظيمًا. وقد كان شعبًا عظيمًا في عصور كثيرة من تاريخه الطويل، فما يمنعه أن يجدد عظمته ويستأنف سيرته في الحياة الحرة الكريمة الخصبة المنتجة. لا ينبغي أن نضيق بأن عدد الطلاب الجامعيين قد بلغ ثلاثة وأربعين ألفًا، بل لا ينبغي أن نرضى حين يبلغ هذا العدد مائة ألف، ولكن يجب أن ننشئ الجامعات التي تتيح لهذا العدد وللأعداد المقبلة، درسًا منتجًا وعلمًا نافعًا وتفرغًا للتحصيل الصحيح واتصالًا بالأساتذة وتوفرًا على البحث.
وأنا أعلم حق العلم أن ميزانية الدولة ضيقة، وأن طاقتها المالية محدودة الآن. ولكن ميزانيتها لن تظل ضيقة دائمًا، وطاقتها لن تظل محدودة على هذا النحو إلى آخر الدهر. فالله جعل بعد ضيق فرجًا، وبعد عسر يسرًا، وفي الشعب قدرة أي قدرة، على أن يعين الحكومة وينشئ من المدارس ومعاهد العلم ما تقصر يد الدولة عن إنشائه، فلم لا يوجه إلى ذلك، ولما لا يطالب به، ولم لا يلح عليه فيه؟!
لتصدِّقني الحكومة، ولتصدِّقني الثورة أيضًا، ولتجري هذه التجربة التي أقترحها. ولكن يجب أن نجربها جادين حازمين، ومصممين غير مترددين؛ لنقرر أن مصر محتاجة في الأعوام العشرة المقبلة إلى عدد بعينه من المدارس الثانوية وإلى عدد بعينه من الجامعات والمعاهد العلمية العالية. ولنبين في وضوح نصيب كل إقليم من هذه المدارس والمعاهد والجامعات. ولنبين للشعب ما تستطيع الدولة أن تنهض بإنشائه منها، وما يجب أن تنهض بإنشائه الأقاليم، ولندعها إلى أن تسبق إلى هذا الخير. فأي الأقاليم سبق إلى إنشاء حاجته من المدارس والجامعات كانت له جائزة أي جائزة، حين تنهض الحكومة بتلقي هذه المدارس والجامعات، وتمكين الطلاب من أن يختلفوا إليها والأساتذة من أن يعلِّموا فيها. ذلك أجدر بأن يشعر الشعب بواجبه وحقه، وأن ينشطه لأداء الواجب وكسب الحق، وأن يعلمه أن الشعب الحي اليقظ لا ينتظر أن يهبط إليه الخير من السماء، وإنما يكسب هذا الخير بالاتحاد الذي يتيح له أن يتعاون على البر والمعروف، وبالنظام الذي يتيح له ألَّا تتفرق جهوده ولا يختلط نشاطه، وبالعمل الذي يتيح له الإنتاج النافع الباقي على الدهر.
وكذلك تصبح هذه الكلمات الثلاث التي جعلها قائد الثورة شعارًا لهذه الثورة كلماتٍ مملوءةً تدل على شيء واقع محقق، لا تنطق بها الألسنة وحدها، وإنما تخفق بها القلوب، وتفكر فيها العقول وتنطق بها الألسنة وتعمل بها الأيدي، فتجعلها حقائق تراها العيون وتلمسها الأيدي وتتوارثها الأجيال، وتنتهي بها مصر إلى أن تكون بلدًا عظيمًا يسكنه شعبٌ عظيمٌ.
لندع إذن هذا الخوف الذي يذيب قلوبنا فَرَقًا حين نرى الإقبال على التعليم الثانوي والعالي، بل لنبتهج به ولنشجع عليه، ولنحرض الشعب على أن يُقبل مع هذا على فنون أخرى من التعليم، وضروب أخرى من النشاط. ثم لنلائم بين ما نعمله وما نقوله، وبين ما نعمله اليوم وما نريد أن نعمله غدًا، ولنجتهد في ألَّا نخادع أنفسنا عن الحق، ولا نملقها بالوهم والخيال.
لقد قررت لجنة سياسة التعليم مثلًا أن تعيد فرض الرسوم على الامتحانات لنيل الشهادة الإعدادية والثانوية، وعارضت في ذلك فلم أُفلح، وكان ذلك من الأسباب التي حملتني على الاستقالة من هذه اللجنة؛ لأني لا أستطيع أن أرجع في حق كسبه الشعب.
فماذا أقرأ اليوم في الصحف؟ أقرأ أن الوزارة قد قررت في هذا العام إلغاء الرسوم على الامتحانات جميعًا من غير استثناء.
الوزارة تقرر في هذا العام إلغاء الرسوم على ما نعلمه من ضيق الميزانية، وحسنًا فعلت. ولكن كيف أفهم إلغاء الرسوم هذا العام ووضعها في مشروع القانون الجديد؟
والحكومة تتشدد أول العام في تحصيل هذه الرسوم أو تلك وتغلو في التشدد، ثم تنتهي آخر الأمر من إعفاء هذه الرسوم، وحسنًا تفعل حين ترفق بالناس، ولكن أليس الخير أن تبدأ فترفق بهم ليلقوا عامهم باسمين في غير مشقة ولا عسر ولا ضيق؟!
والجامعات تتشدد في رسومها وتسرف في هذا التشدد، حتى تبلغ به أقصاه، ثم يفي قائد الثورة ورئيس الحكومة حقائق الحياة التي يحياها الناس؛ فإذا التشدد قد أصبح لينًا وإسماحًا. فلم لا تتخذ اللين والإسماح أساسًا للصلة بين الحاكمين والمحكومين.
وتتشدد الجامعات في عدد الطلاب الذين تستطيع أن تقبلهم، حتى إذا أرهقت الناس من أمرهم عسرًا هبطت كلمة الخير من عَلٍ، فاستحال العسر يسرًا والضيق فرجًا. لم لا نلائم بين أعمالنا ومنطق الحياة، فنجنِّب الناس ونجنِّب أنفسنا كثيرًا من الحرج والضيق، ونخلص جهودنا للعمل والإنتاج، وننقيها من الهم والغيظ والغم والعناء.
ذلك أحرى أن يتيح لجهودنا حظًّا أعظم من الخصب، وقدرةً أوسع على الخير، وأن يجعل أمورنا كلها سواء لا عوج فيها ولا اضطراب.
ليتنا نستقبل أمور التعليم كلها بما ينبغي لها من الرضا والغبطة والابتسام، ونذكر الحديث الشريف في كل ما نحاول من أمور الشعب: «إنما بعثتم ميَسِّرين لا معسِّرين.»
Tag: social progress
-
في التعليم
-
تكريم المعلمين
تكريم المعلمين
طه حسين
مجلة المقتطف
نوفمبر ١٩٥٠
ألقى حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين بك وزير المعارف العمومية كلمة خالدة في الحفل الذي أقامه لتكريم رجال التعليم مساء يوم الجمعة ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٥٠، تكليلًا لما أحرزوه من نجاح في الموسم الدراسي الحاضر. نقتطف منها النبذ الآتية:
أيها الزملاء الأعزاء …
لكم أخلصُ التحية وأصدقُ الشكر على ما تفضلتم به من الاستجابة لهذه الدعوة، والحق إني حين دعوتكم إلى هذا الاجتماع العائلي كما يُقال في هذه الأيام لم أُرِدْ إلَّا إلى شيءٍ واحد، هو أن أبلغكم شكر الحكومة على ما قمتم به جميعًا من جهدٍ وما احتملتم من مشقةٍ، وتهنئة الحكومة على ما انتهيتم إليه من نتيجة، وما أُتيح لكم من ظفر، لا أعرف أنكم قد سُبقتم إليه في الأعوام الماضية، ولا أريد أن أخصَّ منكم بالشكر والتهنئة أحدًا؛ فأنتم جميعًا من حضر منكم هنا ومن لم يتح له أن يحضر، من كان منكم في مناصب الإشراف على التعليم في الوزارة والمناطق ومن كان منكم مباشرًا لشئون التعليم من أقرب مناهجه ووسائله؛ كل منكم قد بَذَلَ الإخلاص الذي لم يكن ينتظر من رجال العلم غيره، وكل منكم قد بذل الجهد الذي يكافئ هذا الإخلاص، وكل منكم قد شارك فيما أُتيح لنا من هذا الفوز الذي يراه غيرنا عظيمًا، ولا أراه إلا متواضعًا يسيرًا، ولأنه ليس إلَّا الخطوة الأولى، والخطوة القصيرة، والخطوة التي ينبغي أن تتبعها خطوات طوال أوسع في شئون نشر العلم وإنقاذ مصر من الجهل، وتمكينها من أن تكون بلدًا له حقُّه في الحرية الكاملة، وحقُّه في الشرف الذي يلائم قيمه، ويلائم مستقبله السعيد إن شاء الله.
أيها الزملاء …
إنَّا — نحن جماعة المعلمين — ينبغي أن نكون أول من ينتفع بالعلم، ننتفع به قبل أن ننفع به تلاميذنا، وأول ما ينبغي للمعلم الذي يريد أن ينفع وأن ينتفع هو ألَّا يزدهيه الغرور، وألَّا يشغله الفوز اليوم عن الجهد الذي ينتظره غدًا، وألَّا يطمئنَّ إلى ما يُتاح له من بلوغ الغاية؛ فنحن لم نبلغ بعد غاية، وإنما ابتدأنا الطريق، والطريق أمامنا طويلة بعيدة شاقة، ولا بدَّ لنا بإذن الله أن نمضي إلى أمام حتى تبلغ مصر غايتها، إن لم يكن بلوغها في عصرنا ففي عصور أقرب وأدنى إلينا مما كان الناس يظنون قبل أن يُختم هذا الصيف.
عود إلى الماضي إني لأذكر وفي نفسي — ولا أقول على شفتي — أذكر وفي نفسي ابتسامة ليس فيها سخرية، وليس فيها غرور، وليس فيها اعتداد بما بذلنا جميعًا من جهد. أذكر ذلك الكلام الذي كان يُقال منذ عام حين كان المصريون يشكون أزمة المدارس وأزمة القبول فيها، وحين كان اللوم يُساق عنيفًا شديدًا إلى وزارة المعارف، وحين كان المشرفون على وزارة المعارف يعتذرون بأن الأمة تطلب إلى الوزارة فوق ما تُطيق. أذكر هذا، وأذكر الفصول التي كنت أكتبها من قمم الجبال، كما كنت أكتبها من سواحل البحر، أبيِّن فيها أن الوزارة قادرة على أن تواجه أزمة التعليم إن خلصت النية وصفت القلوب، ورُوعيت المصلحة العامة وحدها، ولم يُراع معها شيءٌ آخر. ولست أخفي عليكم أني حين نهضت بشئون وزارة المعارف كنت أشفق على نفسي من هذا الكلام الذي أرسلته من قمم الجبال. كنت أشفق على نفسي من أن أكون قد أسرفت عليها وعلى الوزارة في حسن الظن، ولكنكم حميتموني من هذا الإشفاق، وصدقتم ما تقدمت به من وعد، وأتحتم لي أن أكون راضيًا مبتهجًا مرفوع الرأس، أقول للمكابرين: انظروا، فهذه أزمة التعليم قد حُلَّت في هذا العام، وحلُّها في هذا العام دليلٌ على أنه لا ينبغي أن توجد في مصر أزمة تعليم.
حلَّت أزمة التعليم لكم أنتم جميعًا الشكر على أنكم قد أعدتم إليَّ ثقتي بنفسي، ومكَّنتموني من أن أَعِدَ وأنا مطمئن إلى أن وعدي لن يسقط في الهواء، وإلى أن كلامي الذي أرسله من قمم الجبال لا يذهب مع الريح، وإنما تتلقاه آذان تحسن الاستماع، وقلوب تحسن الفهم، ونفوس تحسن الاتِّعاظ بما مضى والتفكير فيما هو مقبل، وعزائم لا تحب الكلل ولا الكسل إلَّا أن تضطر إليهما اضطرارًا. أيها الزملاء … لا تنتظروا مني أن أقول لكم اطمئنوا وارضوا؛ فلست أُبْغِض في الحياة شيئًا كما أبغض الاطمئنان والرضا، وإنما أنا قلق دائمًا، مقلق دائمًا، ساخطٌ دائمًا، مثيرٌ للسخط من حولي، أعتقد أن الذي يرضى ويطمئن إنما هو الكَسِل الوَكِل الذي لا أمل له في مجد ولا في عزة. وإذا أُتيح للأشخاص أن يتواضعوا وأن يزهدوا في المجد، فلا ينبغي أن يُتاح هذا للأمم، ولا ينبغي للأمم أن تتواضع ولا أن ترضى ولا أن تطمئنَّ، وإنما يجب أن تمضي دائمًا إلى أمام، وكلما بلغت أملًا وجب عليها أن تطلب أملًا آخر، وكلما حققت غاية وجب عليها أن تحقق غايات أخرى. فحياة الأمم على هذا النحو أشد أعدائها الرضا وأعظم خصومها التواضع. والشعب الراضي المطمئن القانع بما أُتيح له إنما هو الذليل الذي قد تم نضجه للاستعمار والاستعباد. وما أشك في أن واحدًا منكم يحب لمصر الاستعباد والاستعمار. أحبب إليَّ أيها الزملاء بهذا الاجتماع الذي إن صوَّر شيئًا، فإنما يصوِّر الإخاء بين الوزير وزملائه وأعوانه من المعلمين ورجال التعليم، وإن صوَّر شيئًا فإما يصوِّر التعاون بين الحكومة والذين يعاونونها على خدمة المصلحة العامة. هذا الاجتماع الذي يصوِّر أن الوزارة ليست أمرًا ولا نهيًا ولا تسلطًا، وإنما هي تعاون وتآزر على البرِّ والتقوى وعلى خدمة الشعب.
لست آمرًا ولا ناهيًا أيها الزملاء … ثقوا بأني ما دمت لكم وزيرًا فلن أكون عليكم آمرًا ولا ناهيًا، وإنما أنا ممثلكم في مجلس الوزراء، وممثلكم في البرلمان، أعينكم على تحقيق آمالكم، أدافع عنكم إن احتجتم إلى من يدافع عنكم، أنصف منكم من ألحَّ عليه الظلم حتى أصبح شديد الظمأ للإنصاف، أنصفه بالإرادة والنية الخالصة والجهد في إنصافه حتى أبلغ ما أريد من إنصافه بالفعل. وإذا تحدثت إليكم في هذا كله، فإني لا أتحدث به عن نفسي وحدها، وإنما أتحدث به عن الحكومة كلها، عن رئيس الوزراء وعن زملائه جميعًا. فهم لا يتولون أمور الناس ليحكموا أو ليأمروا أو لينهوا، وإنما يتولونها ليصلحوا ما وسعهم الإصلاح، وليدفعوا من الشر ما لا بدَّ من دفعه، ويجلبوا من الخير ما لا بدَّ من جلبه، لا يستعلون ولا يستكبرون ولا يتسلطون. هم منكم وأنتم منهم، تقولون لهم فيسمعون، ويقولون فتسرعون إلى المعونة وبذل الجهد الصادق. أحبب إليَّ بهذا التجاوب بين الحاكمين والمحكومين كما يُقال، أو بين الذين وكلت إليهم الديمقراطية أن يقودوا السفينة وبين الذين كلفتهم الديمقراطية أن يعينوا قادة السفينة. أحبب إليَّ بهذا التعاون بينكم وبيني وبيننا جميعًا، وبين رئيس الوزراء وزملائه، على ما كُلِّفنا أن نعمل له ونجدَّ فيه، وهو إنقاذ مصر من الجهل ما امتدت لنا الأسباب، وما اتسعت لنا القوى، وما أتاحت لنا الظروف. أحبب إليَّ بهذا التعاون. ها أنتم هؤلاء في وزارتكم، لستم في حضرة الوزير، وإنما الوزير هو الذي أقبل يسعى إليكم ويقدم إليكم الشكر خالصًا. لستم في حضرته وإنما هو في حضرتكم. هذه لغة لا أفهم غيرها، ولا أحب أن أفهم غيرها، ولا أريد لكم أن تقبلوا غيرها من الوزراء مهما يكونوا، قد استجبتم للحكومة حين دعتكم إلى النشاط في تيسير التعليم، وقد يسَّرتم التعليم كما استطعتم بمقدار ما سمحت لكم ظروف الميزانية، وبمقدار ما سمحت لكم الظروف كلها. والنجح الذي أُتيح لكم اليوم سيُتاح لكم أكثر منه في اليوم المقبل، وستمضي الأمور على هذا النحو حتى نستطيع — ولا أقول أن نرضى عمَّا نجحنا — وإنما نرضى عمَّا بذلنا من جهد، ونعتقد مخلصين أننا لم نخيِّب الآمال ولم نكذب الظنون، ولم نخدع الشعب، وإنما وعدناه فوفينا، وقلنا له فصدقنا ما قلنا له.
كرامة المعلمين ولست أستطيع أن أختم هذه التحية وهذا الشكر دون أن أتحدث إليكم عن بعض شئونكم، وعن شأن واحد منها بصفة خاصة، وهو كرامة المعلم — لا أقول كرامة المعلم على نفسه — وإنما أقول كرامة المعلم على الدولة التي تأتمنه على أبناء الشعب، وتكل إليه مستقبل الأجيال، وكلكم يعرف رأيي في حقوق المعلمين. وأقسم لو استطعت ألَّا أترك من المعلمين مظلومًا إلَّا أنصفته، ولا متأخرًا إلَّا قدمته، ولا طالبًا إلا أجبته إلى ما يطلب، ولا ساخطًا إلَّا أرضيته، لكنت أسعد الناس في هذه الدنيا. واختتم معالي الوزير كلمته الخالدة بأن عاهد نفسه والحاضرين على تحقيق الآمال، داعيًا لجلالة الملك المعظم. -
فوز
فوز
الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.
كوكب الشرق ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣