Tag: social

  • راحة٢

    راحة
    لم يكن غنيًا يتدحرج على الذهب، ولا معدمًا ينام على القش، وإنما كان رجلًا من أوساط الريف، يأكل حتى يشبع، ويشرب حتى يروى، وينام ملء جفونه إذا جنه الليل. ولم يتكلف في كسب هذا العيش المطمئن الفارغ مشقة ولا جهدًا، إنما تركت له أسرته، التي كانت حسنة الحال فيما مضى من الزمان، بقية من أرض كثر عليها الدين، وتنازعها الغرماء، ولكنها كانت، على ذلك، تقيه وتقي أهله شر الجوع والحرمان.

    ولم يكن مثقفًا ولا قريبًا من المثقف، وإنما تركت له أيام النعيم بقية من علم بالقراءة، كانت تتيح له أن ينظر فيما يصل إلى القرية من الصحف بين حين وحين، وكانت تمكنه من أن يقرأ في بعض هذه الكتب التي يمر بها الطوافون على أهل الريف، فيحملون إليهم قصصًا وطنيًا يجدون في قراءته والاستماع له لذة ومتاعًا.

    وكان راضيًا عن حاله، مطمئنًا إليها، مغتبطًا بها، لا يفكر في أن يغيرها أو ينتقل إلى حال خير منها. بل كان يضيق صدره كلما أحس من أهله رغبة في سعة، أو تمنيًا لخلاص أرضه من الدين والغرماء.

    وكان عقله نائمًا أو كالنائم، لا يكاد يفكر في غير ما يحيط به من أمور أهل القرية. وكان أهل القرية ينظرون إليه في شيء من الإكبار والازدراء والإشفاق معًا. يكبرون أسرته القديمة ذات المجد التليد، ويزدرون فتوره وخموده، وما انتهت إليه حاله من الخمول، ويشفقون عليه مما اضطر إليه من ضيق بعد سعة، وضعة بعد ارتفاع.

    وكان كل شيء من حوله مضطربًا شديد الاضطراب. فالأحزاب تختصم في غير هدنة ولا أمل في الهدنة، والانتخابات النيابية يتبع بعضها بعضًا في سرعة غير مألوفة، لا يكاد يسفر انتخاب عن مجلس من مجالس النواب حتى يحل ويتفرق أعضاؤه، ثم يستأنف الجهاد، وتشب الحرب، ويكون انتخاب جديد، ومجلس جديد، لا يكاد يفتتح ويبدأ عمله حتى يرد أعضاؤه إلى حيث كانوا، فإذا هم يتفرقون مرة أخرى في مدنهم وقراهم، ليستأنفوا الجهاد، ويعيدوا حرب الانتخاب جذعة كما كانت قبل أشهر أو قبل أسابيع.
    ولم يكن صاحبنا يحفل بهذا كله، بل قل إنه لم يكن يفهم من هذا كله شيئًا. قيل له ذات يوم: لا بد من أن تثبت اسمك في جدول الانتخاب، ففعل. ثم قيل له: لا بد من أن تذهب إلى حيث الانتخابات، ومن أن تختار نائبًا أو ناخبًا لنائب، ففعل.

    ويجب أن ننصفه، فنؤكد أنه كان شديد الثقة بالعمدة، لا يأتي في الانتخاب وما يتصل به من الأعمال أمر إلا بعد أن يشيره. فإذا أشار عليه استمع له، ولم يخالف عن أمره مهما تكن الظروف، ومهما تكن المغريات بالخلاف.

    ولم تكن ثقته بالعمدة رهينة بشخص العمدة، وإنما كانت رهينة بمنصبه، فقد كان العمد يغيرون ويبدلون في سرعة ملائمة لسرعة الانتخابات وتتابعها بين حين وحين. وكان صاحبنا دائمًا رهينًا بمشورة العمدة القائم، مطيعًا لأمره في ثقة وتسليم وإذعان.

    وأشرقت الشمس ذات يوم على ما يحيط بالقرية من البراري، وما يطوقها من الحدائق والحقول. واستفاق صاحبنا من نومه سعيدًا راضيًا، كدأبه في كل يوم. فلما خرج من فراشه أكل كعادته فأكثر الأكل، وشرب كعادته فأكثر الشرب، وأخذ يشعل السيجارة في إثر السيجارة حتى أحرق منها خمسًا، كدأبه كل يوم إذا امتلأ من طعام الصباح وقهوته، حتى إذا استقرت معدته في جوفه، وقلبه في صدره، وعقله في رأسه، عمد إلى عصاه الغليظة فأخذها، وخرج يعبث بها حينًا، ويعتمد عليها حينًا آخر، في شيء من الخيلاء لم يكن يقدم عليه أحد من غير هذه الأسرة الخاملة بعد علو الذكر ونباهة الشأن.

    ولم يكد يتجاوز باب الدار قليلًا حتى لقيه العمدة، ومعه من يمثل الإدارة، فسلم عليه العمدة في شيء من الإكبار لم يعهده من قبل، وهو يقول:

    — أين تذهب؟ لقد كنا نريد أن نزورك.

    قال صاحبنا في شيء من الدهشة والعجب:

    — تفضلوا، على الرحب والسعة.

    ثم التفت إلى العمدة وقال:

    — ولكن هلا بعثت إلي ولم تتكلف مشقة هذا السعي؟

    قال العمدة:

    — وإذا لم يسع إلى ابن فلان وحفيد فلان، فإلى من يكون السعي؟

    ثم كانت الزيارة، وكان حديث لست أدري أفهمه صاحبنا أول الأمر حين فهمه، ولكنه أكبره ودهش له على كل حال.

    ومنذ ذلك اليوم كثر تردده على دار العمدة، وتردد العمدة على داره، وكثر انتقاله من القرية إلى حيث تقيم الإدارة، وكثر تردد رجال الإدارة على القرية. وتحول صاحبنا نشيطًا بعد فتور، يقظًا بعد غفلة، ذكيًا بعد غباء.

    وما هي إلا أسابيع حتى كان صاحبنا عضوًا في البرلمان، لا يقيم في قريته البعيدة النائية في أقصى الريف، وإنما يقيم في باريس أكثر العام.

    وكان في أول أمره صامتًا في المجلس، طويل الصمت، ثم أخذ يتكلم قليلًا، ينطق بالجمل القصار، ثم الجمل الطوال، ثم أصبح خطيبًا يسهب ويطنب، ويفصح ويبين!

    تغير في شكله وهيئته كل شيء، وانقطع عنه إلحاح الغرماء، وخلصت له أرض أبيه، وأصبح العمدة يكبره، لا عن تكلف، ولا عن خضوع لأمر الحكام.

    ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير فيه، وهو أنه لم يصدر فيما يأتي من الأمر، أو يلقي من الخطب، إلا عن رأي رجل قام في حياته الجديدة مقام العمدة في حياته القديمة. وهذا الرجل هو الوزير، فقد ارتفع صاحبنا عن منزلته الأولى بين أهل الريف، حيث كان يذعن للعمدة، إلى منزلة جديدة في العاصمة، فأصبح يذعن للوزير.
    وطالت به هذه الحال، فانقضى عام وجاء بعده عام، ولكن صاحبنا أخذ يستفيق بعض الشيء في العام الثاني. وحياة العواصم قوية خصبة، تذكي الشعور الخامد، وتنبه العقل النائم، وتفتح البصائر المغلقة.

    فما أيسر ما تنبه صاحبنا إلى موقفه، وشعر بمكانته، وعرف أنه قد أصبح قوة لا يستهان بها، ولا يستغنى عنها، فكبر في نفسه، وأراد أن يكبر في نفوس الناس. وهنا وجد صاحبنا المشقة، والعناء كل العناء. نظر فإذا زملاؤه ووزراؤه ورفاقه السياسيون لا يزالون ينظرون إليه اليوم كما كانوا ينظرون إليه من قبل، ولا يكبرونه ولا يشعرون بجلال خطره. وكلما هم بأن يتقاضاهم شيئًا من الإعظام والإكبار ابتسموا له، ونغضوا إليه رؤوسهم ساخرين، فإذا ألح ذكروا له بيئته الأولى، وحياته الأولى، وأنبأوه بأن طريق العودة إلى هذه البيئة وتلك الحياة ليست بالشاقة ولا بالطويلة.

    ونظر فإذا كثرة الناس من أهل العاصمة، أولئك الذين لا يظفرون بشرف السياسة ومغانمها، ولكنهم يحتملون أثقالها ومغارمها، ينظرون إليه شزرًا، ولا يقبلون عليه إلا بمقدار ما تدعو إليه الحاجة الماسة إلى الحديث. فضاقت به العاصمة على سعتها، وضاق هو بالعاصمة على حبه لها، وأعرض عن أنديتها ومجالسها، وأعرض عن ملاعبها وملاهيها، وآثر أن يلزم ناديه السياسي، ويكثر الاختلاف إلى اللجان البرلمانية في الصباح، وإلى الجلسات البرلمانية في المساء.

    حتى إذا كان آخر الدورة، وطلب إلى النواب والشيوخ أن يتفرقوا ليستريحوا من عناء العمل، ويريحوا الوزارة من طول الحديث وكثرة الكلام، تنفس صاحبنا كالمبتهج السعيد، فقد آن له أن يدع زملاءه الذين يزدرونه، وأن يدع أهل العاصمة الذين ينكرونه، وأن يذهب إلى الريف، هنالك حيث الهواء الطلق، والبراري الجميلة، وحيث الجبال الشاهقة تحيط بالقرية من بعيد، وقد اتخذت على قممها عمائم من الثلج الناصع النقي، وحيث أهل الريف وطباعهم السمحة، ونفوسهم الساذجة، وقلوبهم الطاهرة التي لا تعرف إسرافًا في الحقد والبغض، ولا غلوًا في الحسد والمنافسة، والتي لا تجحد فضل الأسر القديمة، ولا تعرض عن أبنائها، ولا سيما حين يكون هؤلاء الأبناء قد أعادوا المجد القديم، وارتفعوا إلى حيث أصبحوا من أولي الحل والعقد، ومن الذين يرجع إليهم في تصريف الأمور.

    وبلغ صاحبنا قريته مع الصباح، بعد سفر أنفق فيه ليالي طوالًا، وكان يقدر أنه لن يدع العربة حتى يلقاه أهل القرية جميعًا مكبرين له، مبتهجين بلقائه. أليس قد بلغ رسالتهم، وأبلى في الدفاع عنهم ما أقام في العاصمة؟

    ولكنه ترك العربة، فلم يجد أحدًا إلا خادمه الشيخ قد أقبل ينتظره، فلما رآه حياه، ثم شغل عنه بما كان يصطحب من متاع. وتقدم النائب خطوات، وأبى أن يركب العربة التي كانت تنتظره، وآثر أن يبلغ داره ماشيًا، وكان من غير شك يقدر أن هؤلاء الجاحدين الذين لم يخرجوا للقائه سيرونه رغم أنوفهم وهو يسعى في الطريق، وسيحيونه كارهين.

    ولكنه مضى في الطريق يمر أمام المتاجر، وأمام الدور، ويمر به الناس ذاهبين وجائين، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يشعر به منهم أحد. وهو يتكلف من الأشكال والصور ما يظهره للناس، ولكنهم يمرون وكأنهم لا يرونه. فإذا تلقاه أحد منهم بالتحية رد عليه تحيته، ومضى مسرعًا لا يلوي على شيء.

    ولم يبلغ الرجل داره حتى كان ضيقه بالقرية وأهلها كضيقه بالعاصمة ومن ترك فيها من الناس.

    على أن أهله كانوا قد تهيأوا للقائه فرحين مبتهجين به، ولكنه لم يكد يراهم، ويرى ابتهاجهم به، والتفافهم من حوله، حتى أظهر من الفتور والانقباض ما رد فرحهم إلى شيء، إن لم يكن حزنًا فهو قريب من الحزن.

    ومضت ساعة وساعة، والصمت طويل بين الرجل ومن يحيط به من أهله وذوي قرباه. فلما أذن الله لهم بالحديث، أظهر صاحبنا بعض العجب لفتور أهل القرية في استقباله، وإعراضهم عنه حين كانوا يلقونه في الطريق.

    فابتسمت زوجته، وكانت ذكية فطنة، وقالت في رفق:

    — أكنت تنتظر منهم غير ذلك؟ وقد ذهبت إلى العاصمة، وعدت منها، وأقمت فيها ما أقمت، وأبليت في العاصمة ما أبليت، فلم ينجل عنهم هم، ولا رد عنهم بأس، ولا فرج عنهم كرب.

    لقد كنت أظن أنك قد أقدمت على ما أقدمت عليه، وأنت تعلم حق العلم أنك معرض لدفع ثمنه، احتمالًا لتجهم الناس لك، وتنكر المتنكرين منهم، وسخط الساخطين فيهم.
    منذ ذلك اليوم أقام صاحبنا في الريف كما كان يقيم في العاصمة، لا يرى الناس ولا يراه الناس. وإنما يلزم داره أكثر النهار، فإذا لم يكن بد من خروج، فإلى دار العمدة في القرية، وإلى مستقر الإدارة في المدينة.

    حتى إذا انقضى الصيف، ورجع إلى العاصمة ليستأنف حياته العامة، لقي زملاءه مبتهجًا، راضيًا، مسرورًا. وكان يقول كلما لقي منهم أحدًا:

    — هلم إلى العمل، ما أكثر ما ينتظرنا من الجهد هذا العام! لقد لقينا الناس، وتحدثنا إلى الناخبين، وعرفنا حاجاتهم، فقد آن لنا أن نقضي هذه الحاجات، ونحقق هذه الآمال، وإلا فما نحن عنهم بنواب، وما نحن لهم بممثلين.

    كان ذلك في فرنسا في أوائل القرن الماضي.

    كوكب الشرق ١٤ — ٧ — ١٩٣٣

  • كثير

    كثير
    كثير جدا ما تكلفتْ «السياسة» من العناء، وما احتملتْ «السياسة» من الجهد، وما أضاعت «السياسة» من الوقت لترد على مقال واحد لم يكن يستحق كل هذه العناية، ولا يستوجب كل هذه الجهود. وكان يكفي إذا لم يكن بد من المضي في المناقشة أن تكتب فيه فصلاً أو بعض فصل، وأن تفرغ لغيره من المسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام، والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء. فأما أن تكتب «السياسة» في هذا الموضوع اليسير فصلين، وتشغل به مكانين، وتتحدث به في يوم واحد مرتين، فنظنها توافقنا على أنه كثير ولا سيما إذا كان أحد الفصلين وهو الذي كتبه صديقي هيكل يكفي لإذاعة ما تريد «السياسة» أن تذيع من المناقشة والجدال، وكان الفصل الثاني الذي كتبه فيما يظهر كاتب لا يملك نفسه كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا غمار الكتابة في السياسة ويصفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف والتلميح الذي كنت أحب أن أُجلَّ «السياسة» عنه. ومهما يكن من شيء فإني أنصح صديقي هيكل أن يعلم كاتبه فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة، فقد يظهر أنه حديث عهد بهذا الفن. وأحب أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، أمر بهما مرورًا سريعًا، لأنهما تتصلان بشخصي أكثر مما تتصلان بالموضوع الذي يختصم فيه.
    فأما أولاهما فهي أن صديقي هيكل يذكرني بأني قد استعديت القضاء على الأستاذين: عبد القادر حمزة، وعبد الله حبيب، وأحب أن أذكر الصديق بأن هذين الأستاذين لم يهاجماني في صحيفة هازلة، وإنما هاجماني في صحيفة جادة، كانت يومئذ من صحف الوفد. وأحب أن أذكر الصديق بأني لم أمضِ في تلك القضية إلى غايتها، وإنما اعتذر إليّ الأستاذ عبد الله حبيب أمام المحكمة فعفوت، لأني كرهت وما زلت أكره أن ألجأ إلى القضاء فيما يكتب الناس عني.
    ولعل صديقي يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة هازلة قديمًا أو حديثًا، ولعله يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة جادة على كثرة ما أساءت به إلى صحف الهزل والجد من صحف الوفد، ومن صحف الأحرار الدستوريين أحيانًا !!
    أما الملاحظة الثانية فهي أن صديقي هيكل يلمح في ظرف إلى مكاني من الطلاب، فقد كنت لهم أستاذًا، وكانوا يحبونني ويعجبون بي، وهيكل يخاف أن يصدق هؤلاء الطلاب ما أقوله في صحف الهزل. وكان الكاتب الثاني الذي لا أعرفه أو الذي أكاد أعرفه أدنى إلى الصراحة، فذكر المعهد الأدبي الكبير الذي كنت أهيمن عليه، وأنكر أن يجتمع لي رأي في صحف الهزل وإشرافي على ذلك المعهد الأدبي الكبير. فأحب أن أهنئ «السياسة» بأنها قد استكشفت فيَّ عيبًا خطيرًا من هذه العيوب التي تخفى على الناس حتى على أشدهم ذكاء، وأعظمهم حظًا من الفطنة، فالآن وقد عرفت هذا العيب وكشفته وتبينتْ حظه من الخطر على الطلاب خاصة، وعلى الشباب عامة، يحسن بها وهي صحيفة الشجاعة في الحق! والدفاع عن الرأي! أن تغير موقفها مني، وأن تهنئ وزير التقاليد بهذه الخطة الحازمة التي اتخذها حين نقلني من الجامعة، وحال بيني وبين الطلاب والشباب! وتهنئ الحكومة كلها بهذه الخطة الحازمة التي اتخذتها حين حالت بيني وبين أعمال الدولة بقرار من مجلس الوزراء !!
    ومن الحق على «السياسة» ونحن اليوم في شهر يونيو أن تسجل هذا العيب الذي استكشفته، وأن تكتب في مذكرة من المذكرات أني خطر على الشباب والطلاب، فلا يجب بحال من الأحوال أن توصل بينهم وبيني الأسباب إذا نضج ما ينضجه الصيف من ثمرات !!
    أما بعد فلندع شخصي تبلغ منه «السياسة» ما تشاء ولننتقل إلى الموضوع الذي نختصم فيه.
    أحب أن يطمئن صديقي هيكل، فهو إن كان يكره لي أن أدافع عن الصحف الهزلية لا لشيء إلا لأنها تدافع عن الوفد بالذي أدافع أنا عنه، فأنا أكره له أن يصور الأشياء تصويرًا تنقصه الدقة إلى هذا الحد، فأنا لم أدافع بعد عن الصحف الهازلة، وإنما ذكرت ضيق النفوس وحرج الصدور، وطلبت إلى الذين ينهضون بأعباء الجهاد السياسي أن يعرضوا عن الجاهلين، وأن يمروا باللغو كرامًا كما توصي بذلك الفضيلة الخالصة، وكما يوصي بذلك القرآن الكريم، وكما فعل ذلك محمد ﷺ الذي يفصل هيكل حياته للناس تفصيلاً في هذه الأيام. وما أظن القرآن دافع عن جهل الجاهلين حين أمر بالإعراض عنه، وما أظن القرآن دافع عن لغو اللاغين حين أوصى عباد الرحمن أن يمروا به كرامًا. وما أظن النبي أقر الجهل واللغو والأذى، ودافع عنها حين احتملها وصبر عليها. وما أظن مخاصمًا صادقًا في الخصام يُدعى إلى أن يحتمل الأذى ويصبر عليه فيقول لمن يدعوه إنك تدافع عن من يؤذيني وتغريه بالمضي في الأذى، وإن هذا غريب منك، وإن هذا موقف لا أرضاه لك، فأنا لم أزد حين دعوت ساستنا إلى سعة الصدر، ورجاحة الحلم وإيثار العفو والأمر بالعرف على أن ذكرتهم بأن الله – عز وجل – يقول ﴿ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وبأنه – عز وجل – يقول: ﴿خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
    ليطمئن صديقي هيكل، فإني أرضى لنفسي هذا الموقف الذي وقفته كل الرضا، وأحرص عليه كل الحرص، وأريد مُلِحًّا في الإرادة أن يفهمه الطلاب ويقبله الشباب، وسأدعوهم إليه الآن وغدًا وبعد غد. فمن كان حريصًا على ألا تبلغهم دعوتي هذه إلى الحق والخير والفضيلة فليتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو أو فليبتغ وسيلة من الوسائل الظاهرة أو الخفية ليحول بيني وبين هؤلاء الطلاب.
    فقد كانت تبلغهم دعوتي في الجامعة، وهي الآن تبلغهم وأنا بعيد عن الجامعة، وإني لأرجو صادقًا أن تقع هذه الدعوة من قلوبهم موقع الرضا فيعرضوا عن هزل الهازل، ويصفحوا عن جهل الجاهل، ويزهدوا في استعداء القضاء.
    وكان صديقي هيكل يظن حين كتب فصله الأول أني قد اقتنعت به فسكت عنه، فلما رآني عدت إليه أخذني عجب شديد، تبارك الله، ولكن صديقي هيكل ينسى أن رده الأول قد ظهر يوم تحدث الناس بأن آثمًا أراد الشر بمنزل صاحب الدولة رئيس الأحرار الدستوريين، فلم يطاوعني ذوقي المتواضع أن أصل حوارًا مع «السياسة» في هذا اليوم، فأرجأت ذلك إلى غد، ولولا هذا لما سكت عن مقال الصديق يومًا، فلم يكن يمكن السكوت عليه. ويعيد هيكل عليّ أن الصحف الهازلة تذكر البنات والأبناء، وتذكر الأزواج والزوجات، فقد علمنا ذلك وسمعناه، وقد علم هيكل أن كتاب الصحف الهازلة، وأن بعض النواب والوزراء قد ذكروا ابني وذكروا زوجتي فلم أبدِ لهم صفحة، ولم أكشف لهم قناعًا، ولو قد سقتهم إلى القضاء لنالهم منه الجزاء.
    أريد هيكل أن يصدقني، إني أنكره اليوم أشد الإنكار، وأرى فيه حقًّا للمغالطة أو تورطًا فيها وكنت أعرفه قبل اليوم يكرهها ويتجنبها، لماذا؟ أنا ذكرت «السياسة» بأن الجهاد السياسي ليس هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عنه إلى ما يليق بالرجل الكريم، دهش وأنكر، وأخذه عجب لا ينقضي. وأي شيء في هذا يثير الدهش؟ وأي شيء في هذا يدعو إلى الإنكار؟ وأي شيء في هذا يثير العجب القليل أو الكثير؟ وهل فعل المصلحون غير هذا؟ وهل فعل النبي الذي يكتب هيكل حياته غير هذا؟ لقد كان يجاهد فيدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن. وكان يؤذى فيحتمل الأذى، وكان يُعتدى عليه فيصبر على العدوان.
    فكان جهاده إيجابيًّا، وكان جهاده سلبيًّا، وكان جهاده منتجًا فيما أظن وفيما يظن هيكل. فليس من الحق إذن أن الجهاد السلبي لا خير فيه، ولا سيما حين يكون هذا الجهاد ترفعًا عن جهل الجاهل، وإغضاء عن اعتداء المعتدين. وهل يعرف هيكل أن رؤساء الأحرار الدستوريين، وأن حضرة صاحب الدولة رئيسهم الآن قد استعدوا القضاء قبل هذه الأيام على الصحف الهازلة لأنها كانت تعبث بهم، وتعتدي عليهم. أفإن لاحظنا خروج الأحرار الدستوريين على تقاليدهم التي يجب أن تكون تقاليد الساسة حقًّا. أفإن عجبنا أن يخرج حضرة صاحب الدولة محمد باشا محمود عما عرف عنه من الأناة والرزانة ورجاحة الحلم، أفإن كرهنا لأصدقائنا أن يخرجوا عن أطوار الزعماء السياسيين حقًّا، أفإن حرصنا على أن يمر أصدقاؤنا باللغو كرامًا كما فعلوا قبل الآن، كان هذا منا إساءة إليهم، ودعوة لهم إلى قبول الضيم.
    أليس يرى هيكل أنه يفكر في هذه المرة تفكيرًا أقل ما يوصف به أنه غريب!. ومن الذي يستطيع أن يزعم أني دعوت الساسة إلى أن يكون جهادهم سلبيًّا ليس غير؟ وإني أنكرت عليهم أن يجاهدوا جهادًا إيجابيًّا حين يكون هذا الجهاد مجديًا، وحين يكون لائقًا بالرجل الكريم؟ ومن الذي يزعم أني أنهى الساسة عن أن يستعدوا القضاء على الوزارة ما وسعهم ذلك؟ وأين الوزارة من الصحف الهازلة؟ وهل نسي هيكل أني أنا استعديت القضاء على الوزارة؟
    أليس من الحق لهيكل على نفسه أن يصلح آراءه هذه، وأن يردها إلى القصد والصواب؟
    بقيت مسألة كنت أكره وما زلت أكره أن يطول فيها الجدال، وهي مسألة الصلة بين الأحزاب والصحف الهازلة التي تؤيدها وتدعو لها، فأظن هيكل يوافقني على أن التعمق في هذه المسألة لا ينفع أحدًا، فليس من الحق في شيء أن الأحرار الدستوريين أعرضوا دائمًا عن الصحف الهازلة، أو كفوا عنها من تأييدهم وتشجيعهم حين كانت تناصرهم وتدعو لهم. وليس من الحق أنهم لم يسعوا إليها ولم يزوروا أصحابها كما زار رئيس الوفد من قضى عليهم أخيرًا. وإذا كان رؤساؤهم لم يزوروا فكثيرًا ما استزاروا وغيرهم قد زار. وإذا كان رؤساؤهم لم يكتبوا فقد قالوا وقد فعلوا. وإني لأرجو من هيكل أن يدع هذا الحديث، لا لأني أعجز عن تفصيله وتطويله، ولكن لأني أكره تفصيله وتطويله. وما زلت أرى أن البقاء خير وأجدى فإذا أبى هيكل إلا أن نفصل ونطيل فقد أكون عندما يحب.
    أما بعد فإني ما زلت عندما رأيت حين بدأت الكتابة في هذا الموضوع من أن المصريين خليقون أن يترفعوا عن الصغائر، وينزهوا أنفسهم عن ضيق النفوس وحرج الصدور، وأن يصبروا بنوع خاص لنقد الناقدين حتى حين يشتطون فيه، وحين يتجاوزون فيه القصد، فإن هذه طبيعة الحياة الديمقراطية، وليس من المنطق في شيء «ما دام أصدقاؤنا الأحرار الدستوريون يحبون المنطق» أن تطلب الديمقراطية لتذوق ثمارها الحلوة ليس غير، فإن في الديمقراطية عنبًا وتينًا، وفيها كذلك صاب وعلقم. ومن أراد العنب والتين فليصبر على العلقم والصاب. ومن أراد الشهد فليصبر على إبر النحل. ومن أراد الورد فليصبر على الشوك. فإذا لم يكن بد من الإصلاح فليكن الإصلاح بالأناة والحلم، لا بالعجلة والعنف. وليكن بالهدوء واللين، وليكن بالدعوة الصالحة إلى الحكمة والموعظة الحسنة وقديما صبر سقراط على أرسطوفان، وقديما صبر محمد ﷺ على أبي جهل، وقديمًا صبر الأحرار الدستوريون على روز اليوسف، فما لهم يخرجون اليوم عن هذا الصبر، ويغضبون حين يدعون إليه؟
    كوكب الشرق ١ – ٦ – ١٩٣٣

  • شكوى٢

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣