مجلس الخوف …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٧ أبريل ١٩٤٦
كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب.
Tag: Soviet expansion
-
مجلس الخوف …
-
مصادر القلق
مصادر القلق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣ مارس ١٩٤٦
إلي أي حد يمكن أن يُقال: إن القلق الذي يسيطر على العالم الآن ليس إلا نتيجة طبيعية من نتائج الحرب، فقد بلغت الحرب من العنف، واستتبعت من الأحداث ما يحتاج إلى وقت طويل لتمحى آثاره، وينتهي العالم إلى شيء من الاستقرار.
والواقع أن الناس كانوا يعللون أنفسهم بهذه التعليلات في الأشهر القليلة التي مضت بعد انتهاء الحرب في أوروبا، ولكنهم أخذوا يشفقون بعد انتهاء الحرب اليابانية، من أن تكون هناك أشياء أخرى تدفع العالم إلى القلق، بل إلى الخوف من أن تكون هذه الأشياء مقدمات لهول آخر يتعرض له العالم في وقت قريب أو بعيد. وكان أول هذه الأشياء انتهاء الحرب اليابانية نفسها. فهل انتهت الحرب بفضل القنبلة الذرية التي أُلقيت على مدينتين يابانيتين، فدمرتهما تدميرًا؟ أم هل انتهت الحرب بفضل التدخل الروسي في مشكلات الشرق، بعد أن تمت هزيمة ألمانيا في الغرب؟! أم هل انتهت الحرب بفضل الأمرين جميعًا؟!
هذه مسائل خاض الناس فيها فأكثروا الخوض، ولكنهم لم يكونوا يقدرون أنها ستكون المصدر الأول لموجة القلق التي سيطرت على العالم في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. فهذه القنبلة الذرية خطر عظيم على الحضارة، ما في ذلك شك، والاستئثار بها في دولة بعينها، أو في جماعة بعينها من الدول، يجعلها أشد خطرًا وأعظم هولًا، ويعرض العالم لهولين، كلاهما أشنع من الآخر: يعرضه قبل كل شيء لخطر التنافس بين الدول الكبرى على نحو لم يعرف له نظير من قبل، فاستئثار الأمريكيين بهذا السر الخطير يحمل غيرهم من الأمم على البحث المتصل، والجد الذي لا ينقطع، للوصول إلى استكشاف جديد يوازن الاستكشاف الأمريكي، ويعصم أصحابه من أن يتعرضوا دائمًا للخوف والنذير، ومن أن يصبحوا بحكم ضعفهم في المرتبة الثانية أو الثالثة بين الأمم المتسلطة.
ومن أجل ذلك لم تكد تظهر أخطار القنبلة الذرية؛ حتى ظهر القلق، لا في روسيا وحدها، بل في فرنسا أيضًا. فأما الروسيا فقد طالبت، وألحت في المطالبة بأن يصبح أمر هذه القنبلة الذرية دوليًّا، تشرف عليه وتتصرف فيه لجنة يؤلفها مجلس الأمن، وكانت الروسيا تقرر أن طلبها سيلقى مقاومة شديدة فلم تكتفِ به، وإنما دفعت علماءها دفعًا إلى الجد والبحث والاستكشاف، ثم أعلن وزير خارجيتها ذات يوم أن روسيا تملك أشياء أشد خطرًا من القنبلة الذرية. ثم لم تكتف بهذا، وإنما كلفت إدارة المخابرات أن تعمل، وقد عملت هذه الإدارة في تحفظ وتكتم إلى أن كانت الأحاديث التي روع لها الأمريكيون منذ حين، حين علموا بأن أسرارًا خطيرة تتصل بهذه القنبلة الذرية قد تسربت إلى الروسيين.
هنالك اندفعت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمى إلى تحقيق دقيق عرف الناس أنه ابتدأ، ولكنهم لن يعرفوا متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، ولا إلى أي نتيجة ينتهي. والمهم هو أن روسيا طالبت بجعل القنبلة الذرية شيئًا دوليًّا أولًا، وجدَّت في استكشاف الأسلحة التي تقاومها وتوازنها ثانيًا، ثم جدَّت في السعي إلى العلم بأسرارها ودقائقها ثالثًا.
أمَّا فرنسا فطالبت في استحياء بمثل ما طالبت به روسيا؛ لأنها لا تمتلك من القوة المادية ما تملكه روسيا، ولكنها أنشأت هيئة علمية للبحث والدرس والاستكشاف، وأرصدت لهذه الهيئة من المال ما يرهق خزانتها المحتاجة إلى كثير من المعونة والتأييد، وقال القائلون: إن بعض هيئاتها الشيوعية شاركت الروس في السعي بدقائق القنبلة الذرية وأسرارها.
وأمَّا بريطانيا العظمى، فقد شاركت في استكشاف القنبلة الذرية، وسعى رئيس وزرائها إلى أن يجعل أمرها دوليًّا فنجح ولم ينجح … نجح في أن يجعل أمر البحث عن الطاقة الذرية دوليًّا، ولكنه لم ينجح في أن يزحزح الولايات المتحدة عن موقفها من الاحتفاظ بأسرار القنبلة الذرية. وجعل الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى نفسها ليست واقفة على دقائق هذه الأسرار، وبأن الولايات المتحدة تعلم منها ما لا يعلمه غيرها من الدول، حتى التي شاركت في استكشافها. وكذلك استقر في أذهان الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية تستأثر بهذا السلاح الخطير من دون غيرها من أمم الأرض، كما استقر في أذهان الناس أن الدول الأخرى العظمى لن تصبر على هذا الاستئثار، وأن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ إلا لتستأنف الأمم سعيها إلى حرب عالمية ثالثة.
هذا أحد الشرَّين، أمَّا الشر الآخر فهو هذا الذعر الذي امتلأت به قلوب الناس من أن تستخدم الولايات المتحدة هذا السلاح؛ لتفرض به سياسة القهر والتسلط على غيرها من الأمم المستضعفة. وهذا الذعر لم يشع خارج الولايات المتحدة فحسب، وإنما شاع في الولايات المتحدة نفسها، فكتب الكتاب، وتحدث المتحدثون في الراديو، وأعلن أولئك وهؤلاء أن استئثار بلادهم بهذا السر يعرض الحضارة الإنسانية كلها للخطر، ويجعل حياة الأمم المستضعفة خاضعة لأهواء المستأثرين.
كذلك كان انتهاء الحرب اليابانية نذيرًا بهذين الشرَّين العظيمين، ومثيرًا لهذا القلق الذي يسيطر على العالم الآن، والذي أخذ يعظم ويشتد، وتبعد آثاره منذ اجتمع وزراء الخارجية في لندرة أثناء الخريف الماضي. فقد رأى العالم أن هؤلاء الوزراء لا يتفقون على شيء، وأن روسيا تقف موقف تحفظ شديد وشك مريب، وأن بريطانيا العظمى تلقاها بمثل تحفظها وارتيابها. وأحس العالم أن هناك شيئًا خطيرًا من سوء الظن قد وقع بين الحلفاء، وأن الأمور لن تستقيم بينهم إلا إذا زال سوء الظن هذا، وقامت مقامه ثقة كاملة، وأن هذه الثقة لن تقوم، ولن تكتمل إلا إذا لم يخفِ بعض الحلفاء على بعضهم شيئًا، وإلا إذا لم تصبح القنبلة الذرية سرًّا مكتومًا.
وقد تفرق المجتمعون ولم يتفقوا. ثم اجتمع وزراء الخارجية الثلاثة في موسكو، وخُيِّل إلى الناس أنهم اتفقوا على بعض الأمر، ولكن لم تكد جمعية الأمم المتحدة تجتمع في لندرة؛ حتى ظهر أنهم لم يكادوا يتفقون على شيء. ثم جعل ممثلو وزارات الخارجية يجتمعون؛ ليعدوا لمؤتمر الصلح الذي سيُعقد في مايو. ويُقال الآن: إن أمامهم من المصاعب ما يحول بينهم وبين الاتفاق، وإن المؤتمر قد لا يجتمع في الموعد المحدد له.
فهذا مصدر من مصادر القلق أصله في أمريكا، وهناك مصدر آخر أصله في بريطانيا العظمى، وليس هو بأقل خطرًا على مستقبل السلم من أمر القنبلة الذرية؛ وهو هذه الفكرة التي حرصت عليها بريطانيا العظمى دائمًا، واستأنفت الحرص عليها بعد انتهاء الحرب، وهي تكوين كتلة قوية متعاونة في غرب أوروبا.
هذه الفكرة خطيرة بالقياس إلى روسيا؛ فإن انهزام ألمانيا وإيطاليا واستسلامها بلا قيد ولا شرط، يجعل من الغريب التفكير في تكوين هذه الكتلة الغربية. فهي لا تكون فيما يرى الروس إلا لتقاوم وتخيف، وهي لن تقاوم ألمانيا، فقد أصبحت ألمانيا شيئًا لا يخاف، ولن تقاوم أمريكا، فالصلات بين أمريكا وبريطانيا العظمى أوضح من أن تحتمل الشك، ولن تقاوم الأمم المستضعفة في الشرق والغرب بطبيعة الحال. وإذن، فقد أنشئت لتقاوم روسيا، وقد ثار الجدال في غرب أوروبا حول هذه الفكرة، وقال بعض أنصارها من الفرنسيين: إن هذه الكتلة ستحمي نهر الرين من الذين قد يهاجمونه من الشرق، والذين قد يهاجمونه من الشرق ليسوا هم الألمان بالطبع، فليس في الألمان قوة على أن يهاجموا الآن، وما دام البريطانيون يكونون كتلة في غرب أوروبا، فيجب على الروسيين أن يكونوا كتلة في شرقها، وهم من أجل ذلك يضمون إليهم بولندا، والمجر، وتشكوسلوفاكيا.
وكذلك تنقسم أوروبا إلى كتلتين عظيمتين؛ إحداهما في الغرب تقودها بريطانيا العظمى، وتؤيدها الولايات المتحدة، والأخرى في الشرق تقودها روسيا.
وحل هذه المشكلة الآن في يد فرنسا، فهي قد حالفت روسيا منذ حين، وقام الحلف بينهما على التعاون المشترك؛ لمنع ألمانيا من أن تكون خطرًا. فإذا اكتفت فرنسا بهذا الحلف كما يريد الشيوعيون الفرنسيون استراحت روسيا. وإذا أبت فرنسا إلا الحلف مع الإنجليز، وغيرهم من أمم الغرب كما يريد الاشتراكيون والمعتدلون، أصبح انقسام أوروبا على نفسها أمرًا واقعًا.
وليس أدل على خطورة هذا الموقف والقلق الذي ينشأ عنه من المسألة الإسبانية؛ فالروسيون ليس بينهم وبين الحكومة الإسبانية القائمة علاقات سياسية، وهم يبغضون هذه الحكومة بغضًا شديدًا، ويريدون إزالتها، وإعادة النظام الديمقراطي في إسبانيا. والرأي العام الفرنسي يريد ذلك، ويلح فيه، ولكن فرنسا لا تريد، ولا تستطيع أن تعمل وحدها، وإنما هي محتاجة إلى أن يشاركها في العمل الإنجليز والأمريكيون، وأولئك وهؤلاء يقدمون رِجلًا، ويؤخرون أخرى، وهم إلى التأخر أميل منهم إلى التقدم.
فهذا مصدر ثانٍ من مصادر القلق أصله في لندرة. وهناك مصدر ثالث أصله في موسكو، وهو هذا الذي يتصل بشئون الترك وإيران من جهة، وبشئون البلقان من جهة أخرى. فقد وقفت تركيا من الحرب موقفها المعروف، واتهمها الروس بأنها أعانت عليهم العدو في ظل الحياد، وبأنها نسيت أو تناست ما قدموا إليها من معروف، وهم من أجل ذلك يتنكرون لها الآن، ويريدون أن يأمنوا جانبها، ويضمنوا الدفاع عمَّا بينها وبينهم من الحدود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يريدون أن ينفذوا إلى البحر الأبيض المتوسط آمنين، وأن يقضوا على كل نفوذ لتركيا في البلقان.
وواضح جدًّا أن تركيا تقاوم هذا كله أشد المقاومة، وتنذر بأنها ستلقى الشر بالشر مهما تكن النتائج والظروف.
وواضح كذلك أن الشر بين روسيا وتركيا، أو بين روسيا وإيران، يتجاوز هذه الدول الثلاث إلى بلاد الشرق الأدنى كلها؛ ومن أجل ذلك أخذ القلق يشيع في الشرق الأدنى نفسه، وجعلت تركيا تتقرب إلى العرب، وتحاول أن تنشئ بينها وبينهم صلات قد تنفع في يوم من الأيام. وأخذت بعض البلاد العربية تستجيب لهذه الدعوة، وقد نشرت الصحف اليوم أن وفدًا عراقيًّا سافر إلى تركيا للمفاوضة في تعاون اقتصادي وثقافي ومالي.
وواضح كذلك أن كل ما يمس الشرق الأدنى والأوسط يزعج غرب أوروبا، فلغرب أوروبا في هذين الشرقين مصالح ومطامع لا تخفى. أمَّا البلقان فأمره معروف، تريد روسيا أن تنفذ فيه السياسة القديمة التقليدية، فتضمه إلى جبهتها، وهي قد بلغت من ذلك أكثر مما تريد، بفضل جيشها العظيم وسياستها البارعة. ففي نفوذها الآن رومانيا وبلغاريا ويوجوسلافيا وألبانيا، واليونان وحدها هي التي لا تزال موضوعًا للنزاع بين موسكو ولندرة.
وكذلك يرى القارئ أن لكل دولة من الدول الثلاث الكبرى حظها من تبعة هذا القلق الذي يسيطر الآن على العالم: فعلى الولايات المتحدة تبعة الاستئثار بالقنبلة الذرية، وعلى بريطانيا العظمى تبعة الاجتهاد في إنشاء الكتلة الغربية، وعلى روسيا تبعة الغلو في نشر النفوذ في البلاد المجاورة لها. وقد كان من الممكن أن يتحرر العالم من هذا القلق، وأن تتخفف الدول الكبرى من هذه التبعات، لو أن المنتصرين أخلصوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وأنشئوا جماعة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، جادين لا لاعبين، ولكن شاعرنا القديم لم يخطئ حين قال:
ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار