Tag: State Power

  • هيبة …

    حديث المساء: هيبة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٢ يناير ١٩٣٤

    أما أن وزارتنا مهيبة رهيبة، فهذا شيء لا يحتمل الشك، ولا يأتيه الريب من أي ناحية من نواحيه.
    وكيف تشك في هيبة الوزارة أو ترتاب في أن الرهبة تصدر عنها كما يصدر الضوء عن الشمس واللهب عن
    النار؟ وهي قادرة على أن ترفع الجسور المنصوبة، ويقيم من حولها الجنود. فإذا استعصى عليها رفع
    الجسور حَصَّنَتْهَا تحصينًا، وأقامت عليها السيارات تأخذ عرضها وطولها ولا تدع سبيلًا
    للسالكين. حَدِّثْنِي كيف تستطيع أن تشك في الهيبة والرهبة إذا استطاعت الوزارة رفع الجسور التي
    ترفع، ومنع الجسور التي ليس إلى رفعها سبيل؟ ومتى رأيت وزارة ضعيفة ضئيلة الشأن تقوَى على رفع
    الجسور وأخذ الطرق؟ ومَنْ الذي يستطيع أن يزعُم أن الضعفاء يقدرون على رفع الأثقال؟ فالجسور
    ثقيلة من غير شك، ولا بد من جهد عنيف وبأس مخيف لتُرْفَعَ من أماكنها، وقوة وزارتنا ليست مقصورة
    على عضلاتها وأذرعها، وإنما هي قوة بالغة عريضة تتناول العقل، وتتناول الذكاء، وتتناول الحيلة؛
    فتتمكن من حل المعضلات وإزالة المشكلات. وقد تَحَدَّثَ الناس أن في طريقٍ من الطُّرُق التي تؤدي
    إلى القليوبية جسرًا ثابتًا لا يتحول، ولا يتحرك، ولا يمكن أن يرفع، وكان من الممكن أن يتخذ
    رئيس الوفد وأصحابه هذه الطريق، وأن يعبروا على هذا الجسر الذي لا يمكن تحويله ولا رفعه.
    والغريب أن الوزارة قد قدرت هذا، وفطنت له وحسبت حسابه، وأقامت لرئيس الوفد وأصحابه الأَدِلَّة
    على أن الحديد بالحديد يفلح، وعلى أنهم إن كانوا ريحًا فقد لقوا إعصارًا. وعلى أنهم إن فكروا في
    أخذ هذه الطريق فإن الوزارة قد سبقتهم إلى التفكير وقطعت عليهم الطريق، وعلى أن الذكاء ليس
    مقصورًا على الشعب، وإنما هو نعمة من نعم الله يشيعها بين الشعب والوزراء، ولعله يختص بها
    الوزراء ثم يتفضل الوزراء فينزلون منها عن جزء يسير يهَبُونه للشعب؛ ليستطيع أن يعيش ويتصرف في
    شئون الحياة.

    وكذلك أقامت الوزارة للمصريين وللأجانب الذين يرقبون المصريين دليلًا ساطعًا قاطعًا على أنها
    قوية ذكية، رفعت الجسر في طريق شبرا لأنه كان يرتفع، وأقامت على الجسر الآخر صفوفًا من السيارات
    أمامها ووراءها صفوف من الجند، ولم يبقَ شك في أن الدول الأوروبية قد عَرَفت أن مصر الآن أبعد
    منالًا من النجم، وأمنع من عقاب الجو، ولن تفكر منذ الآن دولة في الإغارة على مصر، أو الاعتداء
    عليها؛ لأن في مصر وزارة تعرف كيف تقطع الطرق على المُغِيرِينَ؛ فترفع الجسور إن كانت قابلة
    للرفع، وتسد الجسور إن كان رفعها عسيرًا أو مستحيلًا.

    وكذلك ذاعت شهرة مصر في الآفاق، واستقرَّت هيبة مصر في القلوب، وتلقَّى الوزراء المفوَّضون
    درسًا قاسيًا، ولكنه ظريف، يعلمهم أن مصر ليست من هذه البلاد التي يطمع فيها الأجانب فينكروا
    على قاضي القضاة خُطبته، ويسعوا إلى رئيس الوزراء بالاحتجاج، وأصبح من المُحَقَّقِ أن المحاكم
    المختلطة سَتُلْغَى غدًا أو بعد غدٍ، وأن الامتيازات ستصبح حديثًا من الأحاديث، ولن يفكر وزير
    فرنسا في أن يسعى باحتجاج أو إنكار إلى رئيس الوزراء؛ لأن الوزارة ستأخذ عليه الطريق إلى دار
    الرياسة. ستقيم في كل الطرق التي توصل إلى مكتب الرجل الطيب صفوفًا من السيارات وراءها وأمامها
    صفوف من الجند. وسيُضطر وزير فرنسا إلى أن يعود محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطِع أن يبلغ
    الاحتجاج ويلقى رئيس الوزراء. كما عاد رئيس الوفد محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطع أن يخرج من
    القاهرة ولا أن يصل القليوبية. وكيف يخرج من القاهرة وقد رفعت الوزارة له جسرًا، وسدت عليه
    جسرًا آخر؟! وأكبر الظن أن الوزراء المفوضين سيلزمون القاهرة كلما هموا باحتجاج، وسيمتنعون عن
    الرياضة في الجزيرة أو أي مكان آخر يضطرهم إلى عبور النيل أو إلى عبور قناة من الأقنية. فمن
    يدري لعل الوزارة ترفع من دونهم الجسور، أو تسدها فلا يستطيعون إلى دورهم قفولًا؟

    وعلى هذا النحو أراد الله أن تكون حياتنا لهوًا ولعبًا، وضحكًا وإغراقًا في الضحك، ولِمَ لا؟
    أليس الناس على دين وزرائهم، فإذا لعب الحاكمون وَجَبَ أن يلعب المحكومون. وما دامت وزارتنا
    ترفع الجسور وتُحسِن رفعها؛ فلنضحك نحن للجسور المرفوعة، ولنُحسِن الضحك، وما دامت وزارتنا ترى
    أن أقصى ما تستطيع أن تصل إليه من القوة هو أن تأخذ الطريق على الناس حين يغدون ويروحون، ليعلم
    الناس أنها قوية وأنها ذكية؛ فلنؤمِّن نحن لها بالقوة والذكاء ولنُبَاهِ نحن بها الأمم
    والشعوب.

    لا تكره الوزارة منا ذلك، ولا تكره منا أن نجربها فيه من حين إلى حين، فنحن حِراصٌ على أن تظل
    قوية ذكية وعلى ألا تنسى قوتها وذكاءها؛ وإذن فلا بد من أن تُقام الولائم، ويُدْعَىْ إليها
    الوفد والوفديون لتمنعها الوزارة، ولترفع في سبيلها جسورًا وتسد جسورًا أخرى.

    وإذا كان من الحق أن نُشْعِرَ الأجانب بهيبة مصر؛ فإن من الحق أن نُضحك الأجانب ونسليهم بعض
    الشيء. وقد نضحكهم ونسليهم في الأوبرا إذا كان الليل، فلنضحكهم ولنسلِّهم في طريق شبرا وطريق
    المطرية إذا كان النهار. ذلك شيء تفرضه علينا الضيافة، وما امتزنا به من الكرم والجود. وإذا
    أَبَتِ الوزارة على المصريين أن يكرم بعضهم بعضًا، أو يضيف بعضهم بعضًا؛ فليس ينبغي لها أن تأبى
    على المصريين أن يُكرموا الأجانب ويضيفوهم، ويؤدوا إليهم واجب التسلية والتلهية؛ حتى تَحسُن
    سمعتنا، ويعلم الناس أننا أصحاب بأس، وأننا أصحاب رفق ولين، وأننا نخيف العدو، وأننا مع ذلك
    نضحكه ونلهيه.

    وبعد، فهل نستطيع أن نفهم من تصرُّفات الوزارة منذ كان هذا العيد أنها قوية كما قال الرجل
    الطيب، وهل نستطيع أن نفهم من هذه التصرفات أنها ضعيفة كما نقول نحن. أما أنا فواثق بأن الوزارة
    قوية كما قال الرجل الطيب، وبأنها ضعيفة كما نقول.

    قوية ما دامت تستطيع رفع الجسور وحشد الجند، وضعيفة ما دامت تحتاج إلى هذا لتمنع رجلًا أو
    رجالًا من أن يزوروا قرية من القرى، أو مدينة من المدن، أو إقليمًا من الأقاليم.

    قوية لأنها تستطيع أن تخالف الدستور وتخرج على القانون، دون أن تُقَالَ وتوقَف أمام القضاء،
    وضعيفة لأنها لا تستطيع البقاء في مناصبها إلا بمخالفة القانون، والاعتداء على الحقوق والخروج
    على الدستور، والأمن من العقاب.

    قوية لأنها تقول إنها قوية، وضعيفة لأنها لا تستطيع أن تثبت قوتها إلا إذا عاملت العاصمة
    معاملة المدن المحصورة، وأرغمت المصريين على أن يعيشوا عِيشة الأسرى لا ينتقلون إلا بمقدار، ولا
    يتحركون إلا في أماكن تُعَيَّنُ لهم تعيينًا.

    وزارتنا قوية جدًّا، وآية ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية. وزارتنا ضعيفة جدًّا، وآية
    ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية؛ لأنها لم تستطع ولن تستطيع أن ترد قلوب أهل القليوبية عن
    رئيس الوفد.

    وزارتنا قوية جدًّا لأنها ما زالت تختلف إلى مكاتبها وإلى البرلمان. ووزارتنا ضعيفة جدًّا
    لأنها مُضطرة إلى الظلم والجور لتستطيع الاختلاف إلى مكاتبها وإلى البرلمان.

    نعم وزارتنا قوية، ووزارتنا ضعيفة، والنظام الحاضر ثابت، والنظام الحاضر قَلِقٌ، والإنجليز
    يَرَوْنَ هذا كله ويعجبون بهذا كله، ويضحكون لهذا كله.

    وما الذي يمنع الإنجليز من أن يضحكوا إذا أرادوا الضحك، وفي مصر قوم يأبون إلا أن يكونوا
    عندما يريد الإنجليز؟!

  • لعب٢

    حديث اليوم
    لعب
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٦ يوليو ١٩٣٢

    لا أكره لشيخ الأزهر أن يلعب، ولا أكره للحكومة أن تلعب معه؛ فإن في لعب الشيوخ عبرة لغير الشيوخ، وفي لعب الحكومة قوة للمعارضة، ولكن لكل شيء ذوقًا يصلحه ويُقوِّمه، وذوق اللعب أن يكون فيما يجوز اللعب به والتحكم فيه. وما عرفنا منذ كان هذا العصر الحديث أن العلم يصلح موضوعًا للعب إلا عند المُجَّان وأصحاب الفكاهة والدعابة.
    وأنا أريد أن أكبر شيخ الأزهر عن أن يكون ماجنًا أو صاحب فكاهة ودعابة؛ لأن منصبه وزيه يأبيان عليه هذا كله؛ ولأن صلاته وصيامه يأمرانه بغير هذا كله. والذي أعلمه أن في حياتنا المصرية الخاصة والعامة متسعًا لنشاط الشيخ والحكومة إن كانت عندهما بقية من نشاط. في مصر آثام تقترف، وسيئات تجترح، وأمور يُعصى الله عز وجل فيها، وهي أكبر عند الله وأحق أن تقاوم وأن يبذل الشيخ في مقاومتها جهده وطاقته وسلطانه من نقد أبي حنيفة بالحق أو الباطل، ومن نيل أبي حنيفة بالمعروف أو بالمنكر من القول.
    وهذه الآثام والسيئات تقترف جهرًا، وتجترح علنًا، ويراها الشيخ إذا غدا إلى الأزهر، ويراها الشيخ إذا راح إلى داره. ويسكت عنها الشيخ في غدوه ورواحه، غافرًا لها، أو غافلًا عنها، أو عاجزًا عن إزالتها، حتى إذا نشر كتاب في العلم بريء لا إثم فيه ولا معصية، وإنما فيه نقد لأبي حنيفة قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ، قام الشيخ وقعد، وبرق الشيخ ورعد، وآمنت له الحكومة فأمدته بالحول، وأعانته بالجند، وصادرت له هذا الكتاب.
    ومع ذلك، فلم يزعم أبو حنيفة — رحمه الله — لنفسه براءة من العيب، أو علوًّا على النقد، وإنما كان يرى نفسه كما كان يراه الناس في عصره، وكما نراه نحن الآن، سواء رضي الشيخ أم غضب، وسواء طابت نفس الحكومة أم ثار ثائرها، رجلًا من المسلمين يجتهد في الفقه وفي الكلام، فيجوز عليه ما يجوز على كل مجتهد من إدراك الصواب والتورط في الخطأ. فأين وجد شيخ الأزهر أن كتابًا ينقد أبا حنيفة خليق أن يصادر؟ أين الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو الأثر الصحيح من آثار السلف الصالح والقياس المستقيم على أصول الفقه في أي مذهب من مذاهب المسلمين؟
    أين شيء من هذا يبيح للشيخ وللحكومة معه أن يصادرا كتابًا من كتب العلم نال فيه صاحبه أبا حنيفة بالنقد المسرف أو بالنقد الصحيح؟ لن يستطيع الشيخ ولن تستطيع الحكومة أن يستندا في هذا العدوان على العلم إلى آية من كتاب الله، أو حديث من سنة رسول الله، أو قول من أقوال المسلمين الصالحين، وهما كذلك لا يستطيعان أن يستندا إلى قانون؛ فقد ظهر مما نشرته السياسة صباح اليوم أن ليس في القانون حتى قانون المطبوعات الجديد ما يبيح مصادرة الكتب العلمية على هذا النحو. وإذا لم يستطع الشيخ والحكومة أن يستندا في هذا العدوان إلى أصل من أصول الدين، أو مادة من مواد القانون، فهما إنما يستندان إلى الهوى، ويعتزان بالقوة، ويلعبان بأكرم شيء على الناس: بالعلم الذي يجب أن يكون فوق لعب اللاعبين، وفوق لهو اللاهين، وفوق سلطان الحكام والمتسلطين.
    نعم، هما يلعبان، وهما يلعبان بالعلم، ويلعبان بأقدس شيء عرفه الإنسان: بحرية العقل في أن يفكر وينتج، وحرية الناس في أن ينشروا ويقرءوا، ويقال لنا بعد ذلك: إن الحريات مكفولة على اختلافها، وإن النظام القائم قد آمننا على النفوس والأموال، وعلى حقوق الإنسان كلها! من ذا الذي يستطيع أن يزعم هذا وكلمة من شيخ الأزهر، ونحن نعلم من شيخ الأزهر، تكفي لتصادر الحكومة كتاب الخطيب البغدادي، فتعتدي على حرية الخطيب نفسه، وهي مقدسة قد ضمن لها الزمانُ الحرمةَ والخلود، وتعتدي على حرية الناشرين وأموالهم وجهودهم، وهي مقدسة قد ضمنها الدستور، وتعتدي على حق القراء في الشرق والغرب، وهي مقدسة قد ضمنتها أوليات العدل الطبيعي؟
    لقد أصم رئيس الوزراء آذاننا باستقرار النظام، وهو قد استقر وإن كان شيء أساسي ينقصه؛ وهو إقامته على العدل، وتنفيذه بالحق، وحمايته من أن يكون وسيلة إلى إرضاء الشهوات. إن لهذا النظام الذي يصم آذاننا رئيس الوزراء بإعلان استقراره عدوًّا هو أشد عليه من المعارضين مهما تكن قوتهم، ومهما تكن مكانتهم في الشعب. وهذا العدو هو طريقة الحكومة في تنفيذ هذا النظام وفرضه على الناس، الحكومة لا تؤمن بالنظام الجديد، ولا تحبه، ولا تحرص على أن يستقر، ولو قد آمنت به وأحبته لنفذته على الناس جميعًا بالعدل، ولكرهت لنفسها أن تتخذه سبيلًا إلى البطش.
    كلا، إن الحكومة لا تؤمن بهذا النظام، وإنما تتخذه وسيلة إلى الحكم، وسبيلًا إلى التسلط. وما دامت تفهم النظام على هذا النحو فسيتعبها إقرار النظام، وسيخرجها من خطأ إلى خطأ، وسيضطرها إلى شطط بعد شطط، وما كان للشعب أن يؤمن للنظام أو يطمئن إليه والحكومة التي وضعته نفسها لا تؤمن بهذا النظام ولا تطمئن إليه.
    ماذا؟ نحن إذن لعبة في يد الشيخ الظواهري وفي يد وزير الداخلية، يستطيعان أن يتصرفا في عقولنا وميولنا وحقوقنا كما يشاءان هما لا كما نشاء نحن! ماذا؟ كتاب أذيع فنحن نقرؤه وننتظر بقيته أشد ما نكون شوقًا إليها، وأعظم ما نكون حرصًا عليها، ثم يأتي وزير الداخلية صدقي باشا بأمر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري فينتزع منا هذا الكتاب انتزاعًا، ويحول بيننا وبين بقيته كما تنتزع اللقمة من يد الجائع، وكما ينتزع القدح من فم الظمآن. وكل ذلك بغير حق وبغير اعتماد على دين أو قانون، ثم نزعم بعد ذلك أننا أحرار، وأن الديمقراطية تظلنا بلوائها المنشور.
    كلا، كلا! لسنا أحرارًا، ولو كنا أحرارًا لما عبث بنا صدقي باشا والشيخ الظواهري. كلا، كلا! لا يظلنا لواء الديمقراطية، وإنما يظلنا لواء لا أدري كيف أسميه، ولكني أعلم أنه لا يجوز أن يرفع في هذا القرن العشرين على بلد قد ذاق الحضارة، واستظل بها عشرات القرون. كلا، لسنا أحرارًا! ولو كنا أحرارًا لأقيل شيخ الأزهر؛ لأنه عبث بحرية العلم، ولأنه اتخذ الدين وسيلة إلى الظلم، ودين الله أكرم على الله وعلى المسلم من أن يتخذ وسيلة إلى إهدار الحقوق.
    ولو كنا أحرارًا لما استمتع رئيس الوزراء برحلته الصيفية وحرية العقل يُعتدَى عليها أشنع اعتداء. لسنا أحرارًا وما أرى إلا أننا قد اقترفنا ذنبًا قبيحًا، فعوقبنا عليه بهذه المحنة التي تجعل حياتنا العقلية لعبة في يد رجلين اثنين: شيخ الأزهر ووزير الداخلية، ولكني أجهد نفسي وأكلفها ألوان المشقة أبحث عن هذا السلطان الغريب الذي أتيح لشيخ الأزهر؛ فجعل له الكلمة العليا على العلم والعلماء، وعلى الإسلام والمسلمين. لا باباوية في الإسلام، ومن زعم أن للإسلام بابا فقد تجاوز حدود هذا الدين واعتدى عليه.
    وإذن فمن أين لشيخ الأزهر سلطانه على الدين والمسلمين؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ ومن أين لشيخ الأزهر سلطانه على العلم والعلماء؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ نعلم أن هناك قانونًا يخول الشيخ وهيئة كبار العلماء شيئًا من السلطان على الأزهريين، ونعلم أن الأحرار من المصريين لن يرضوا حتى يغير هذا القانون، ولكن من زعم لشيخ الأزهر أن الخطيب البغدادي من علماء الأزهر؟ إن الرجل لم يصل قط إلى مصر.
    ومن زعم لشيخ الأزهر أن سلطانه يتجاوز الأحياء إلى الأموات؟ وما بال شيخ الأزهر لا يكتفي بتحريم هذا الكتاب على الأزهريين الذين يخضعون لسلطانه قليلًا أو كثيرًا؟ من الذي أباح لشيخ الأزهر أن يعتديَ عليك وعليَّ فيحول بيننا وبين كتاب من حقنا أن نقرأه، ونحن لا نُقدِّر الشيخ ولا نؤمن له ولا نرى له علينا سلطانًا ما؟
    الذي أباح للشيخ هذا العدوان أستطيع أن أدلك عليه، بل أنت تعرفه حق المعرفة؛ هو هذه المحالفة الممقوتة بين جماعة من رجال الدين يلتمسون المنفعة العاجلة، وجماعة من رجال السياسة يلتمسون الحكم والسلطان. أولئك يُسخِّرون دين الله لرجال السياسة، وهؤلاء يسخرون حقوق الشعب وسلطانه لرجال الدين، وكذلك تقوم هذه المحالفة على ما لا يُرضي الله ولا يُرضي الناس.
    لقد سألت الشيخ أمس عن كتب تنشرها الحكومة بأموال الدولة، ما باله لا يأمر بمصادرتها وإن فيها لشرًّا مما في كتاب البغدادي، وإن قانون المطبوعات الجديد ليبيح له أن يطلب مصادرتها وللحكومة أن تصادرها. إن في كتاب الأغاني الذي يطبع في مطبعة الحكومة للمرة الثانية لشعرًا ونثرًا وأخبارًا وآثارًا أقل ما توصف به أنها تثير شهوات الشبان، وتغويهم بالفسق والفجور. وهذا بعينه هو الذي يبيح القانون للشيخ أن يطلب مصادرته، وللحكومة أن تصادره؛ فليظهر لنا الشيخ شجاعته وغيرته على الدين والأخلاق وآداب الشباب، وأنا أزعم أنه لن يفعل؛ لأنه أضيق باعًا من أن يفعل.
    وأخرى نسأل عنها الشيخ ونتمنى عليه أن يكون صريحًا إن أجاب، وشجاعًا إن اعتزم العمل: ليس في القرآن ولا في الحديث ما يحرم على الناس نقد أبي حنيفة، ولكن في القرآن والحديث نصوصًا صريحة لا تقبل شكًّا ولا تحتمل تأويلًا، وهي تحرم على الناس الربا، ويقال: إن البرلمان المصري — والشيخ عضو فيه — أقر قانونين نفذ أحدهما منذ عام، وسينفذ الآخر بعد أيام، وكلاهما يجعل الربا قاعدة من قواعد التعامل في بنك التسليف الزراعي وفي بنك التسليف العقاري.
    فماذا صنع الشيخ لمقاومة هذين القانونين. أتراه عارض، أتراه أنكر؟ أتراه حمل غيره من الأعضاء على المعارضة والإنكار؟ أتراه استقال من البرلمان؟ لا! لم يعارض ولم ينكر ولم يدعُ إلى معارضة ولا إنكار، ولم يستقل، بل لم يأمر حتى بمصادرة هذين القانونين اللذين يبيحان الربا. لماذا؟ لأن الدولة من وراء هذين القانونين تحميهما. أما كتاب البغدادي فليس له من يحميه إلا الله، ولكن كفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
    وأخرى أسأل عنها الشيخ وأحب أن يكون صريحًا إن أجاب، شجاعًا إن عمل: أين تودع أموال الأزهر الشريف التي يقبض منها الشيخ الجليل مرتبه كل شهر؟ أفي بيت الشيخ؟ أم في رواق من أروقة الأزهر؟ أم هي تدور مع أموال البنك الأهلي وتغل على الأزهر الشريف قليلًا أو كثيرًا من الإيراد؟
    وأموال وزارة الأوقاف — والشيخ عضو في مجلس الأوقاف الأعلى — أين هي؟ أخصبة هي أم جدبة؟ أعقيمة هي أم منتجة؟ أليس الشيخ يوافقني على أن مثل هذه الأشياء أحق بنشاطه في خدمة الدين؟ أليس الشيخ يوافقني على أن نهي الدولة والأفراد والأزهر والأوقاف عن الربا آثر عند الله عز وجل وأحب إليه من مصادرة كتاب البغدادي لأن فيه نقدًا لأبي حنيفة؟ أليس الشيخ يوافقني على أنه يلعب حين ينصرف عن البغاء والربا، وعن التبشير وتعطيل الحدود، إلى مصادرة كتاب الخطيب البغدادي؟
    ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولتؤت هذه المحالفة بين جماعة من رجال الدين وجماعة من رجال السياسة ثمارها المفسدة للحرية، المهدرة لكرامة العقل، ولكني أرجو أن لا تلعب مصر، وأن لا تسمح بإفساد الحرية وإهدار كرامة العقل. نعم، ليلعب الشيخ وتلعب معه الحكومة، ولكني أنصح لهما أن يلعبا بغير العلم، وأن يعبثا بغير كرامة العقل، فإن الذين يلعبون بالعلم والعقل لا يجنون من هذا اللعب خيرًا. نعم، ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولكني مطمئن إلى أن العلماء في الشرق والغرب سينكرون هذا اللعب، ويحتجون على براءته من الذوق.
    ليلعب الشيخ، ولتلعب معه الحكومة، ولكي واثق كل الثقة بأن صاحب الجلالة المصرية، والأمين على الكرامة المصرية، وجار العلم والعلماء في مصر لن يسمح بأن يستمر هذا اللعب السخيف طويلًا.