Tag: taste

  • الحرية أولًا

    الحرية أولًا
    «نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر.»
    تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين، ليحبوا الجمال ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنًا حديثًا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا التراث الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويحبب الحياة إلى النفوس، ويجعل الدنيا شيئًا ذا خطر، على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة، التي لجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق، فتجعل لها قيمة وشأنًا.
    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليستقبلوا الحياة راغبين فيها، محبين لها، مؤمنين بها، فلا يقنعوا بما يتيحه لهم من إرضاء الغرائز، وقضاء الأرب، وإرضاء الشهوات، وتحقيق الآمال الوضيعة، بل ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنًا، وأجل منها خطرًا، وأسمى منها منزلة، وهو الاستمتاع والإمتاع بهذه الثمرات الحلوة التي تجد فيها القلوب راحة، وتجد إليها النفوس روحًا، والتي تسمو بالناس إلى حيث ينظرون إلى الحياة مزدرين لها، ساخرين منها، زاهدين فيها، بعد أن كانوا يحبونها أشد الحب، ويكلفون بها أعظم الكلف، لأنهم يرونها قد انتهت بهم إلى الغاية، وبلغت بهم آخر الشوط، فلا عليهم من أن يتركوها، ولا عليهم من أن تتركهم، بعد أن أتاحت لهم أن يستمتعوا ويمتعوا لحظة قصيرة أو طويلة بهذا الجمال الذي لا تؤدي وصفه الألفاظ، وإنما تجد روعته القلوب، فتنسى في لذاته كل شيء.

    ثم تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليعرفوا أنفسهم، وليقدروا وجودهم، وليلقوا من يلقون من الأجانب، وأن يفهموهم ما يريدون أن يقولوا، ويفهموا عنهم ما يقولون، لا يجدون في ذلك مشقة ولا عناء، وإنما يجدون فيه راحة ومتاعًا، ولا يشعرون في أثناء ذلك بما يغض منهم في أنفسهم، ويخيل إليهم، أو يحقق لهم، أنهم أقل من الأجنبي الأوروبي والأمريكي علمًا بما يجب أن يعلم الناس، وشعورًا بما يجب أن يشعر به الناس، وتقديرًا لما يجب أن يقدر الناس.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لتبلغ بهم هذه المنازل كلها، ولتشعرهم بأن من حقهم أن يعتدوا بأنفسهم، ويعتزوا بقديمهم وحديثهم، ويطمحوا إلى ما يطمح إليه أترابهم من الشباب في الأمم الراقية الأخرى، وهو أن يتلقوا عن آبائهم تراثًا كريمًا، وأن ينموه ويزيدوا فيه، ويدفعوه إلى أبنائهم تراثًا كريمًا لينموه ويزيدوا فيه، وأن يحققوا بذلك لوطنهم ما ينبغي أن يتحقق للوطن الكريم من هذه الحياة التي تنمو على مر الزمن، وتربو على تعاقب الأيام، وأن يحققوا للإنسانية ما ينبغي أن يتحقق للإنسانية من هذا الرقي المتصل والسمو الممتاز.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضًا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب.

    على هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة.

    ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبًا غاية القرب، وتراه أنت وأراه أنا بعيدًا غاية البعد:
    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب، ولكن دون ذلك أهوال

    يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد على أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته، وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها. وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة، وآماله النائية، وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب وتحقيق الآمال.

    فتنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب يسير كل اليسر، ولكنه على ذلك عسير كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.

    وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما ينبغي لهم من الحرية التي تتيح لهم أن يقبلوا، وأن يرفضوا، وأن يحبوا، وأن يبغضوا، وأن يفعلوا، وأن يتركوا، حين يريدون هم، لا حين يريد غيرهم؟

    ومنهم هذا كثير لا يكاد يحصى: منه التقليد الموروث الذي يفرض على الشاب أن يفكر ويعبر ويعمل ويشعر كما تلقى ذلك عن أسرته وعن بيئته، لا كما تريد نفسه، ولا كما يريد طبعه أن يفكر ويعبر ويشعر ويحس. ومنه التقليد الاجتماعي المكتسب الذي يفرض عليه أن يحيا كما يحيا الناس، ويحظر عليه أن ينفرد أو يشذ، أو يأتي من الأمر ما يكره النظراء والأتراب. ومنه السلطان الذي يشرع القوانين، قاسية مرهقة مقيدة، ثم يصطنع في إنفاذها وسائل أشد منها قسوة وإرهاقًا وتقييدًا.

    حرر الشباب قبل كل شيء، ولو تحريرًا موقوتًا، من هذه القيود كلها أو بعضها. دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنصح الدقيق.

    وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم لتذوق الفن الرفيع أحسن إعداد، وقومتهم كل التقويم. فالفن يحتاج، قبل كل شيء، إلى حرية واسعة، إلى أبعد غايات السعة: حرية في نفس المنتج، وحرية في نفس المستهلك، كما يقول أصحاب الاقتصاد.

    خذ من شئت من المبدعين في الفن، واستقص حياته، فسترى أنه لم يبدع إلا لأنه شذ، وانفرد، وامتاز، وخرج على ما ألف غيره من القيود.

    وليس كل الناس ميسرًا للفن، وليس كل الناس قادرًا على التذوق والابتكار، ولكن من حق الناس جميعًا أن تهيأ لهم الفرص، وتمد لهم أسباب التذوق والابتكار.

    وأول ما يجب لذلك أن يتاح للشباب، وللشباب خاصة، ما ينبغي لهم من الحرية، فيمثلوا تمثيلًا تامًّا الحياة، بما فيها من خير وشر، ولكل ما في الحياة من حسن وقبح، ولكل ما في الحياة من حب وبغض، ليقبلوا عن اختيار لا عن اضطرار، وليحبوا ويبغضوا عن رضا لا عن إكراه.

    فإذا لم تتح لهم هذه الحرية، فلا تبتغ منهم خيرًا، ولا ترج منهم نفعًا، ولا تنتظر لهم تفوقًا ولا ابتكارًا، وإنما انظر إليهم كما تنظر إلى الرقيق المسخرين، وإلى الحيوان الذي تقمع غرائزه، ويحد من حريته سلطان المستأنسين له المنتفعين به فيما يحاولون من المآرب والأغراض.

    إن الفن حرية لا رق.

    فإذا أردت من الشباب أن يذوقوا الفن، ويمثلوه، ويحاولوه، ويبتكروه، فاجعلهم أحرارًا، لأن الفن أثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد.

    أي شيء أيسر من أن نجعل الشباب أحرارًا؟ إنك لتريد ذلك، وإني لأريده، ولكن أي شيء أعسر من أن تجعل الشباب أحرارًا!

    إن التقاليد الموروثة، والتقاليد المستحدثة، وسلطان الحكومة، وسلطان الجماعة، وظروف الحياة، كلها في هذا الوطن البائس، تأبى على الشباب أن يكونوا أحرارًا.

    فأنشد معي إذن قول أبي العلاء:

    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب ولكن دون ذلك أهوال

    والتمس من العزائم، والطلاسم، والتمائم، ما يحميك ويحميني من هذه التهمة الكبرى الخطيرة، تهمة الميل إلى إفساد الشباب.

    وأي خطر على حياة الشباب في بلد كمصر أشد من أن تلتمس له بعض الحرية التي يستمتع بها الشباب في غير مصر، من البلاد التي ألفت الحرية، فلم تستطع أن تتسلى عنها، ولا أن تزهد في ثمراتها الحلوة والمرة جميعًا.

    ثم لا تنس أنك لن تمنح الحرية للشباب حين تضع عنهم إصرهم والأغلال التي تثقلهم من التقاليد والظروف، فقد ينبغي أن يعيش الإنسان قبل أن يكون حرًا، وقد ينبغي أن يعصم الإنسان من الحرمان ليعيش.

    فحرر الشباب من البؤس والجوع، وهمِّ التفكير فيما يقيم الأود، وحررهم من الجهل، وأتح لهم علمًا وأدبًا وثقافة، ويسر لهم بعد ذلك أن يعيشوا في جنة، وخُلِّ بينهم وبين الدنيا وما فيها مما يسر ومما يسوء، مما يحسن ومما يقبح، مما يلذ ومما يؤلم.

    وثق بأنهم سيحسون ويشعرون، وثق بأنهم سيرضون ويسخطون، وثق بأنهم سينعمون ويبتئسون، وثق بأنهم سيستقبلون هذا كله بأنفسهم، لا من طريق غيرهم.

    وثق بأنهم إن استقبلوا الحياة ولذاتها وآلامها، وحلوها وأحداثها، فسيصورون ما يستقبلون من ذلك، وسيعبرون عنه، وسيتأثرون به، وسيؤثرون فيه، وسيكون كل واحد منهم إنسانًا حرًا عاملًا.

    وحيثما وجد الإنسان الحر العامل، وجد الذوق الفني، ووجدت آثار الذوق الفني من الاستمتاع والإمتاع جميعًا.

    أرأيت الشباب الجامعيين حين يختلفون إلى الدروس، ويستمعون إلى الأساتذة، وحين يتحدثون إلى أساتذتهم، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، أرأيت في هذا كله شيئًا يشبه ما تعرف من شؤون الشباب الجامعيين في البلاد الأجنبية الراقية؟

    ألم تر إلى أزمة الأستاذ حين يلقي الدرس، وأزمة الطلاب حين يستمعون له؟

    الدرس عبء ثقيل على الأستاذ، يتخفف منه بإلقائه في غير حب ولا كلف ولا ذوق. والاستماع عبء ثقيل على الطلاب، يتخففون منه بإحصاء الدقائق، وانتظار الجرس الذي يرد إليهم ظلًا من الحرية، ويخلي بينهم وبين الانطلاق إلى ما هم فيه من سخف الحديث.

    وفيما يتحدث البائسون؟ في أشياء لا تتصل بالثقافة من قريب أو بعيد، في أشياء لا تتصل بالعلم، ولا بالفن، ولا بالذوق، وإنما تتصل بصغائر الأمور وسفاسفها، وتتصل باللذات القريبة، والمنافع العاجلة، وقد تتصل بالسياسة، فلا تمس إلا أدناها إلى السخف، وأبعدها عن الغناء، وتتصل بهذه اليوميات التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الجماعات.

    فإذا تركوا الجامعة، فإلى الجهود الضائعة، والحياة الفارغة، إلى حرمان المحرومين، وشقاء الأشقياء، وصبر الصابرين على المكروه، ويأس اليائسين حتى من روح الله.

    فإذا أتيح لبعضهم شيء من اللهو، وفضل من المتاع، فأنت تعلم حيث يلتزمون ذلك، وأنت تعلم ما بين ذلك وبين الذوق الفني المترف الرفيع من صلة.

    والحق كل الحق أن نطوي الحديث عنه طيًّا.
    أذهبت إلى مدرسة الفنون الجميلة، أرأيت إلى النقش والحفر والتصوير وغيرها من الفنون؟ تلقى الدروس فيها على الطلاب كما كانت تلقى عليهم دروس النحو والحساب. يدعوهم إليها الجرس، ويصرفهم عنها الجرس، ويشرف عليهم في أثنائها وفيما بينها نظام دقيق قد رسمت له اللوائح وبينت له الحدود. فهم يسكنون بمقدار، ويتحركون بمقدار، وهم يسكتون بمقدار، ويتكلمون بمقدار. مدرسة عسكرية لا أكثر ولا أقل.

    فكيف تريد للذوق الفني المترف الرفيع أن ينشأ، أو ينمو، أو يمتاز في هذه البيئات التي لم تخلق إلا لتقتل الذوق، أو لتفسده على أقل تقدير؟

    وأي شيء أيسر من أن ترد إلى هذه البيئات، في الجامعة، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وفي معاهد التعليم كلها، شيئًا من اليسر والسماح، ومن الدعة والحرية؟

    لأنك تريد ذلك، ولأني أريده، ولكن هيهات! دون ذلك اللوائح والقوانين، والأمن والنظام، والخوف، والإغراق في الخوف.

    نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه نبي الله سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر، كما يحدثنا بذلك القاص في ألف ليلة وليلة.

    وأجسام الشباب المصريين هي هذه القماقم المطبقة الصفيقة، إلا أنها ليست من نحاس، وإنما هي من لحم ودم.

    والفرق بين هذه النفوس السجينة في قماقمها وبين ذلك العفريت هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر، وفض عنه خاتمه، ورفع عنه غطاءه، وأتاح للعفريت أن يحدث عهدًا بالهواء والنور والحرية.

    فإلى أن تجد نفوس الشباب المصريين هذا الصياد الذي يخرجها من قماقمها، ويرد إليها الحرية، ويخلي بينها وبين الهواء والنور والجمال، تستمتع به وتمتع به الأجيال…

    إلى أن يوجد هذا، فدعني أقطع الرجاء من تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب كما تشاء.

    طه حسين

    الهلال، ١-١-١٩٤٨.

  • ذوق

    ذوق

    للظروف السياسية ذوق كثير جداً، دقيق جداً، شديد الحس، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة لما قد يقال، شديد الخوف مما قد يقال، شديد الحرص ألا يظن بأصحابه إلا الخير، ولا يقال فيهم إلا الخير، وهذا الذوق فيما يظهر يجب أن يعتبر بين المؤثرات القوية في حياتنا السياسية، ولعله أشد المؤثرات عملاً في بقاء الوزارة القائمة إلى الآن، ولعلنا لا نغلو ولا نسرف ولا نجانب الصواب إن قلنا إن هذا الذوق هو الذي أبقى الوزارة القائمة بعد حوادث البداري حين فسد من حول هذه الوزارة كل شيء، وتحلل من حولها كل شيء، وساء بها ظن الأصدقاء، وقبح فيها رأي الأولياء، وتنكر لها حتى أقطابها ودعائمها، وزلزلت بها الأرض، وأظلمت في وجهها السماء، وقال القائلون إنما هو يوم أو بعض يوم حتى يكشف الضر، وتنجلي الغمرة، ويقر الحق في نصابه، ويرد الأمر إلى أهله، ويزول عن مصر هذا السلطان الذي سجل عليه القضاء اتخاذ العذاب وسيلة من وسائل الحكم، وما كان أحد يقدر أن رئيس الوزراء سيستقل بأعباء الحكم بعد أن تخفف من ماهر باشا ودوس باشا وعبد الفتاح باشا يحيى، لولا الذوق، هذا الذوق الكثير الدقيق الحساس الذي أبى أن تختم التجربة بمأساة البداري، وأن تنتهي الحياة السياسية لرجل كصدقي باشا بهذه القصة المزرية المخزية، فأعيد تأليف الوزارة، وأقر رئيس الوزراء في منصبه وانتظرت به الأحداث فرصة أنقى وأنصع من هذه الفرصة يخرج فيها من الحكم بادي النقاء، بادي الصفاء. وما هي إلا أسابيع حتى يلم المرض برئيس الوزراء، وتقوم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على أن الرجل لم يعد قادراً على احتمال أثقال الحكم والنهوض بأعباء السلطان.

    ويقول الناس في شيء من الرحمة والإشفاق أن الرجل سيستقيل إيثاراً لنفسه بالخير وإن أبى فسيقال إيثاراً له بالعافية، ولكن الذوق هذا الذوق الدقيق الحساس يرى أن ليس من الملائم أن يقصى الرجل عن الحكم وهو مريض، لم تخف عليه وطأة المرض بعد، وقد يكون من الخير أن يمهل حتى يستطيع التفكير والتقدير، وحتى يرى هو أن صلاحه وصلاح وطنه في أن يستقيل، فإذا خفت وطأة المرض عليه سعى إلى الشفاء سعياً بطيئاً؛ لم يستقل ولم يجرؤ الذوق الدقيق الحساس على أن يذكره بالاستقالة أو على أن يجعل إقالته موضوعاً للتفكير.

    وإذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد الذين يطمعون فيه، ويسرفون في استغلاله، ويتوسلون إلى هذا الاستغلال بالوسائل المتباينة، ويسلكون إليه السبل المتباينة، وقد أحسَّ رئيس الوزراء في نفسه عجزاً عن بعض شيء من أثقاله، ولم يتخفف من أثقاله كلها، أعاد ترقيع الوزارة ونزل عن وزارة الداخلية، ورأى أن هذا يكفي، ولم يستطع الذوق الرقيق الحساس أن يتجاوز معه هذه الخطوة القصيرة، أو أن يدفعه إلى أبعد من هذه المسافة التي قطعها ووقف عند غايتها، فاستقلت الوزارة المرقعة بأعباء الحكم في شيء من الظلع والعرج ظاهر محسوس، وكانت المصالح العامة في أثناء هذا كله تلقى الضروب من الشر، فمنها ما يهمل، ومنها ما يعضل، ومنها ما تجري الأمور فيه على غير ما ينبغي.

    حتى اضطرب الأمر، وضج الناس، وقال المصريون والإنجليز إن من غير المفهوم أن تترك أمور بلد كمصر إلى وزارة لا قدرة لها على النهوض بهذه الأمور، لأنها خالية من الكفايات، ليس فيها إلا رئيسها وهو مريض، وكان كل شيء يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة أو تلفت إلى الاستقالة، أو تقال.

    ولكن استقالة الوزارة عسيرة ما أقام البرلمان، فهو لا يستطيع أن يعيش بدونها، وهو ذاهب إن ذهبت، ومقيم إن أقامت. والبرلمان هادئ مطمئن، يعقد جلساته في أمن وهدوء، وينصرف عنها في سلام وطمأنينة. لم يحدث حدثاً، ولم يغير شيئاً، ولم يأت ما ينكر منه أو يلام عليه، فمن العسير على الذوق، هذا الذوق الرقيق الحساس أن تستقيل الوزارة ويتبع استقالتها حل البرلمان. وإذن فمما يلائم الذوق الدقيق الحساس أن تبقى الوزارة حتى يتم البرلمان دورته، وأمد البرلمان قريب، فقد وقّت الدستور لها خمسة أشهر، وستنتهي هذه الأشهر الخمسة في شهر مايو، فليكن كل تغيير بعد تفرق البرلمان.

    ولكني قلت لك إنه إذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد من يطمع فيه، ويسرف في استغلاله، والظاهر أن هذا الحديث الذي يتردد في الصحف منذ أيام بامتداد الدورة البرلمانية إلى أجل أبعد من الأجل الذي رسمه الدستور، ليس إلا مظهراً من مظاهر الاستغلال لهذا الذوق الدقيق الحساس. فما دام البرلمان عاملاً فيجب أن تظل الوزارة قائمة، وإذن فليعمل البرلمان، وليعمل، ولتمتد به أسباب العمل إلى أقصى أجل ممكن، وأبعد أمد ميسور. وفي خطبة العرش التي افتتحت بها الدورة البرلمانية فسحة للعمل والأمل معاً، فقد كثرت فيها الوعود، وسميت فيها قوانين ومشروعات لا تكاد تحصى، فلتمتد الدورة البرلمانية حتى تتحقق الوعود، وتعرض القوانين والمشروعات، ويدرسها البرلمان، ويتخذ فيها قراراً، وتربح الوزارة بهذا الاستعداد شهراً أو شهرين أو أكثر من شهر أو من شهرين. ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تنساها وتعرض عنها فتبقى في حماية النسيان والإعراض، ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تثير من الأحداث والخطوب ما يغير طريق السياسة، ويضيف إلى أجل الوزارة أجلاً جديداً، ويمد لها في البقاء ولو وقتاً قصيراً. وعلى كل حال فستربح الوزارة حظاً من البقاء توشك أن تخسره وإن وقفت بالدورة البرلمانية عندما رسم الدستور، ومن ذا الذي تتاح له الفرصة فيصد عنها، وتمد له الحياة فيزهد فيها؟ ومن ذا الذي لا يستعذب قول الشاعر القديم:

    ألمَّا بمي قبل أن تطرح النوى ٭ بها مطرحاً أو قبل بينٍ يزيلها
    فإلا يكن إلا تزود ساعةً ٭ قليلٌ فإني نافعٌ لي قليلها

    نعم لتمتد الدورة البرلمانية، ولتبق الوزارة حتى لا يدع القدر لهادي البقاء سبيلاً. فإن قال القائلون: كيف يعمل البرلمان ورئيس الوزراء مسافر للاستشفاء؟ أجيب في سهولة: لقد عمل البرلمان ورئيس الوزراء مريض، وقد ألغيت المسافات في هذه الأيام، فرئيس الوزراء قادر على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في أوربا، كما كان قادراً على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في الزمالك! وإذن فليس ما يمنع أن تمد الدورة البرلمانية، وأن تستمتع الوزارة بشيء من الحياة.

    كذلك قدّر المقدرون، وكذلك فكّر المفكرون في أكبر الظن، وكذلك أثّر الذوق الدقيق الحساس في حياتنا السياسية، وكذلك يراد أن يؤثر هذا الذوق في حياتنا السياسية مرة أخرى، ولكن الغريب من أمر هذا الذوق أنه دقيق حساس فيما يمس الوزارة ورئيسها، وفيما يمس البرلمان وأعضاءه، ولكن أحداً لا يشعر برقته ولا بحسه فيما يتصل بحياة هذا الشعب نفسه، فلم يسأل أحد عن آلام هذا الشعب متى تنتهي؟ ولم يحفل أحد بسخط هذا الشعب في قصة البداري؟ ولم يلتفت أحد إلى مصالح هذا الشعب التي عطلها مرض رئيس الوزراء، والتي سيعطلها سفر رئيس الوزراء، وقد كان حقاً على هذا الذوق أن يكون عدلاً في دقته، وفي حسه، وأن يحرص على حسن النظر للشعب ومصالحه، كما يحرص على حسن النظر للوزارة والبرلمان، إذا لم يكن من الميسور أن تكون العناية بالشعب ومصالحه أشد من العناية بالوزارة وبقائها.

    غير أن الأيام أقوى من الذوق مهما دق، ومهما اشتد حسه، وهي أقوى من الوزارة مهما أحبت الحياة ورغبت في البقاء، فجائز، بل راجح أن تبتسم الأيام لهذا الذوق ودقته وحسه، وجائز أن تبتسم الأيام للوزارة واستغلالها لهذا الذوق، كل هذا جائز، بل كل هذا راجح، ولا سيما إذا كان للأيام حليف أمين، له قوتها وله قدرتها على السخرية والابتسام، وهذا الحليف الأمين القوي هو صبر الشعب على المحن، واستهزاؤه بالخطوب.

    كوكب الشرق ٧-٥-١٩٣٣