حديث الوادي
قلق…
ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا "الجهاد" قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
طه حسين
الوادي، 30 نوفمبر 1934.
Tag: Tawfiq Nasim
-
قلق٢
-
قلق وكيد
حديث الوادي
بين الأدب والسياسة
قلق وكيد . . .
وهذا موضوع ليس أقل إثارة لعناية الأدباء من غيره من الموضوعات لأنه يتصل بالحياة العامة، ويتصل بالحياة الخاصة، ويعرض للكتاب والشعراء صوراً طريفة حقاً، يستطيعون إن وقفوا عندها وأطالوا النظر فيها، ثم صاغوها في صيغهم الفنية، من الشعر والنثر، أن يخرجوا للناس آيات بينات.
فلعلك تلاحظ معي أن صاحب الدولة رئيس الوزراء ما زال مقلقاً للراحة منغصاً لحياة كثير من الناس، يحول بينهم وبين الهدوء ما أشرقت الشمس ويذود عنهم النوم إذا أقبل الليل. أقلق المستوزرين أياماً وليالي لأنه لم يعرب عن مذهبه في تأليف الوزارة ولم يبين عن وجهته في اختيار الوزراء وترك الصحف تشيع وتذيع، وترك الأحاديث تختلط والآراء تصطدم، فخيل لكل مستوزر أنه وزير، وخلى بين المستوزرين وبين الخيال البعيد، والأمل الذي لا حد له، وأخذ هؤلاء الناس يسعون مع الأمل ويمضون مع الخيال، والجمهور معهم يسعى ويمضي ويرقب وينتظر، وهو يتحدث ويتنبأ ويتفكه على كل حال. ورئيس الوزراء صامت مغرق في الصمت. عامل جاد في العمل، حتى إذا أمسى الناس ذات يوم سمعوا لبعض الأسماء ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا لبعض الأشخاص، فإذا أسماء لم تكن تقدر وإذا أشخاص لم يكونوا منتظرين.
هنالك قام الدهش مكان القلق، ثم لم يلبث الدهش أن زال وقامت مكانه الموجدة، والحفيظة، واليأس المضني للقلوب، والحزن المهلك للنفوس. ثم لم تلبث هذه العواطف أن أنتجت نتائجها الطبيعية وولدت بناتها التي تمتاز بالخفة والرشاقة، وباللباقة واللين، والتي تضمن الانسلال من كل مكان، والدخول إلى كل مكان، والعبث بكل قلب، والإفساد لكل نفس، وهي الكيد والسعي والوشاية والنميمة وما يشبهها من هذه المعاني التي ملأت الجو المصري، وتراءت في الجو الإنجليزي منذ ظهر تأليف الوزارة وتبين أن رئيس الوزراء قد خيب آمالاً وأخلف ظنوناً واختار زملاءه من غير المستوزرين. قوم يرون أن رئيس الوزراء قد استسلم للوفد، فتلقى منه الأمر وانقاده في غير تردد ولا روية، وإذن فما أجمل استغلال هذه الفكرة، والسعي برئيس الوزراء عند الإنجليز، وعند القصر؟
وقوم آخرون يرون أن رئيس الوزراء على ما أظهر من إذعان وخضوع للوفد، لم يظفر بتأييده الصريح الخالص! وإنما الوفد يتخذ وزارته طريقاً إلى الانتخاب ثم جسراً إلى الحكم، وإذن فما أجمل استغلال هذه الفكرة للإفساد بين الوفد ورئيس الوزراء ولإظهار الوفد على ما يضمره رئيس الوزراء من شك وريبة، وائتمار به إذا سنحت الفرصة، ولإظهار رئيس الوزراء على ما يضمره الوفد من مكر وخديعة وتهيؤ للمعارضة التي لا ترد.
وبنات اليأس هذه كما قدمت رشيقـة لبقـة خفيفة غالية في الخفة تطير في كل جو، وتسعى إلى كل مكان، وتلقي أحاديثها في خفة وظرف ولطف، في كل ناد، وفي كل مجلس، ثم تنسل لم يحسها أحد، ولم يشعر بها إنسان، وإذا الناس يشعرون كأن ما ألقته من السعايا والوشايات حقائق مستقرة لم تنشأ في ذلك البيت، ولم تخترق في ذلك النادي، ولم تخترق ذلك المستوزر اليائس، ولم ينطلق لسان ذلك السياسي، الذي كذبت آماله، وأخلفت ظنونه، وأفلتت منه الوزارة فأقسم على الانتقام.
على أن رئيس الوزراء لم يكتف بإقلاق هؤلاء الناس أياماً واضطرارهم إلى الكيد، بعد أن زال عنهم القلق، واستقر مكانه اليأس، وإنما هو يستبقي ظلاً من القلق يسيراً يضطرب في الجو اضطراباً ما، فيسحر عقولاً، ويستهوي نفوساً، ويطلق بعض الألسنة ببعض الحديث. فما زال رئيس الوزراء محتاجاً إلى زميلين أو إلى ثلاثة من الزملاء، فمن عسى أن يكون هذان الزميلان؟ أيختار رئيس الوزراء بين المستوزرين، من رجال الأحزاب، وإذن فمن يختار، وكيف يختار؟ أم يختار رئيس الوزراء بين كبار الموظفين وإذن فمن يختار، وكيف يختار؟ فالقلق متصل، النفوس مضطربة والقلوب معلقة، ورجال السياسة يحتاطون، يودون لو أتوا على رئيس الوزراء ولكنهم يخافون ألا يختارهم للخارجية أو المواصلات، فهم يتحفظون، يودون لو كادوا لرئيس الوزراء ولكنهم يرجون أن يختارهم للخارجية أو المواصلات، فهم يتحفظون، هم يعدون الغشاء ليطلقوه إذا أصبحوا وزراء وهم يعدون الكيد ليطلقوه إذا خطأهم الاختيار، وهم في أثناء ذلك يسعون بالإشاعة والإذاعة، والترشيح.
وإذا ظن رئيس الوزراء أن هذا هو كل ما أحدث من القلق، فهو مخطئ أشد الخطأ، فهو قد آثر الصمت بعد أن ألف الوزارة، كما آثره قبل تأليفها وهو إذا تكلم آثر الإيجاز والألغاز وهو إذ عمل لم يسرع ولم يتعجل، وهو يحير الراغبين والراهبين جميعاً.
أولئك الموظفون الذين اتخذهم صدقي باشا والإبراشي باشا أدوات لنشر الفساد وإذاعة الظلم، ونشر الجور وتعذيب الناس وسفك الدماء، واستصفاء الأموال. هؤلاء الموظفون قلقون أو قل إنهم كانوا يائسين، فلما رأوا صمت رئيس الوزراء وأناته هدأ الخوف، واستحال إلى قلق مؤلم ممض هو شر من الخوف. أيعزلهم رئيس الوزراء أم يبقيهم؟ وإن عزلهم فهل يخلى بينهم وبين الأمن والراحة والعافية أم هل يقفهم أمام القضاء ليسألوا عما اقترفوا من إثم، ويؤخذوا بما اجترحوا من السيئات؟ وإن أبقاهم فهل يدعهم حيث وجدهم، أم هل ينقلهم من مناصبهم، ثم يمسهم بما يمس به الموظفون من ألوان الإبعاد والتخفيض والنفي إلى هذه الزوايا المهملة في حجرات الدواوين؟ هل منهم يسأل، وكل منهم يترقب، وهل منهم يقرأ الصحف ويكلف نفسه تأويلاً وتعليلاً وتحليلاً، يقرأ بين السطور، يقرأ ما كتب، وما لم يكتب، يسمع ما قيل وما لم يقل يحدق في الوجوه تحديق الملح، يريد أن يصل إلى أعماق النفوس ويتبين ما انطوت عليه الضمائر من النيات، يسعى بالتهنئة وهو مستعد للبغض الشديد إن أصابه الشر، وللحب الشديد إن أخطأه العقاب. وهؤلاء الموظفون الذين أصابهم صدقي باشا والإبراشي باشا بألوان الظلم والتنكيل قلقون أيضاً: وعدهم رئيس الوزراء بالإنصاف، ولكنهم لا يعلمون كيف يكون هذا الإنصاف، ولا إلى أي حد ينتهي، ولا على أي نحو يقوم، أهو رد إلى المناصب التي أبعدوا عنها أم هو رد إلى خدمة الدولة ليس غير؟ أهو إصلاح لما كان، أهو إصلاح لما سيكون؟ أفيه تعويض لما احتملوا من أذى أم تعويض ذلك عند الله لا عند رئيس الوزراء؟ ومتى يكون هذا الإنصاف، أتحمله شمس اليوم حين تشرق، أم تحمله شمس الغد، أم هو بطيء يحب الأناة كما يحبها رئيس الوزراء ويكره العجلة كما يكرهها رئيس الوزراء؟ وهؤلاء النواب والشيوخ الذين قيل لهم إنهم سيبقون فاستبشروا ثم قيل لهم إنهم سيصرفون فابتأسوا ثم هم الآن معلقون بين الموت والحياة هم نواب وشيوخ في الورق، وليسوا نواباً ولا شيوخاً لأن رئيس الوزراء قد أعلن أنه سيلغي النظام ويصرف البرلمان.
نعم ولكن متى يلغى النظام ومتى يصرف البرلمان؟ وما لرئيس الوزراء يصطنع هذه القسوة وينضج هؤلاء الناس على نار هادئة ويطيل تعليقهم في هذا اليأس الذي لا يخلو من أمل وفي هذا القنوط الذي لا يبرأ من رجاء، ومن يدري لعلهم إن قرأوا عدية يس، في ليلة النصف من شهر شعبان، لعلهم إن زاروا بعض المقابر وأضاؤوا حولها الشموع،
ووزعوا عندها الصدقات، لعلهم إن استعانوا ببعض السحرة، وأصحاب العزائم والطلسمات أن يظفروا بمعجزة من هذه المعجزات التي تغير رأي رئيس الوزراء أو تحول بينه وبين ما يريد! وما الذي يمنع هؤلاء الشيوخ والنواب، من أن يضعوا شيخ الأزهر على رأسهم، ثم يذهبوا معه لزيارة السيد الإنبابي، والسيدة سكينة، ثم ما الذي يمنعهم من أن يضعوا إسماعيل صدقي باشا على رأسهم ثم يذهبوا معه لزيارة سانت تيريز، هذه القديسة التي تقوم كنيستها في شبرا والتي يقال إنها تأتي بالأعاجيب، ثم من يدري لعل الإبراشي باشا أن يكون أقدر من الأولياء والقديسين على رد رئيس الوزراء عما يريد. فالإبراشي باشا واسع الحيلة خصب الذكاء يستطيع أن ينفق وأن ينفق بغير حساب، والمال قوة يا لها من قوة، فمن يدري لعله يستطيع تسميم الجو، ولعله آخذ في ذلك ولعله لا يمهل رئيس الوزراء إلا ليعلمه بعد يومين أو أيام أن إلغاء النظام ليس شيئاً هيناً ولا يسيراً.
ثم شيخ الأزهر وما شيخ الأزهر؟ إن له بركات ظاهرة وأخرى خفية، إن له مساعي واضحة، وأخرى غامضة، إنه يستطيع أن يقرأ العدية الكبرى ومن ورائها الدعاء المشهور، أن له عند الأولياء وسائل. إن بينه وبين السيد العدوي صلات لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، إنه يستطيع أن ينفق ليلة من لياليه ساهراً في غرفة من غرفه. يطلق البخور ويجري لسانه بما تيسر من الكلمات، فإذا النظام باق لا خطر عليه، وإذا الشيوخ والنواب لا يتعرضون لشر، ولا يخافون بأساً، وإذا العلماء المفصولون حيث هم لا يتقدمون، وقد يتأخرون . . أرأيت أن رئيس الوزراء ما زال مقلقاً للراحة يكلف الناس عناء طويلاً وهماً ثقيلاً، أرأيت أن هذا القلق الذي يثيره رئيس الوزراء، وهذا الكيد الذي ينتجه القلق وهذا الاضطراب الذي يعبث بكثير من الناس، خليق كله أن يثير عناية الأدباء وأن يلهمهم نشراً رائعاً، وشعراً بارعاً، لو أرادوا أو لو استطاعوا ولكنهم لا يريدون أو لا يستطيعون. فستفلت منهم هذه الفرص وما أكثر ما تفلت الفرص من الأدباء.
طه حسين
الوادي، ٢١ نوفمبر ١٩٣٤ . -
توفيق٢
حديث الوادي
توفيق. . .
قضاه الله عز وجل لمصر، بعد أن قضى عليها لمحنة أكثر من أربعة أعوام، فكان ابتهاج الشعب له، واغتباط الشعب به مكافئين لما أصاب الشعب من بؤس بالمحنة واكتئاب للفتنة، وكان شكر الشعب لله عز وجل على حسن العاقبة، مكافأة لرضى الشعب بقضاء الله عز وجل فيما قضى من محنة وما ابتلى به من فتنة، وما محص الناس به من أذى في الأنفس والأموال وفي المنافع والمرافق وفي الضمائر والأخلاق.
نعم توفيق قضاه الله للأمة جزاءً على صبرها الطويل، واحتمالها الكريم لما سلط عليها من كوارث، وما بسط عليها من ظلم، وما فرض عليها من جور، والحمد لله على ما ابتلى به فقد كان في ذلك تطهير للقلوب، وتنقية للضمائر، وتصفية للطباع، وتمييز للخبيث من الطيب، وتفرقة بين المخلصين والمنافقين، وإظهار لرجولة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم رجال، وإعلان لكرامة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم كرام، وإشادة بأباء الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم أباة للضيم، وتنويه بمروءة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم حماة للوطن وحملة للأمانة ووافون بالعهد وقادرون على أن يضحوا بكل شيء إلا بالوطن وما ينبغي له من العزة والأنفة والكرامة والاستقلال. والحمد لله عز وجل على أن أظهر من هذا كله ما أظهر، وبين للعالم الحديث أن مصر الحديثة خليقة بمصر القديمة، فيها صبر وجلد، وفيها عزة وإباء، وفيها سمو وطموح، وفيها استهزاء بالأقوياء، وفيها ازدراء للظالمين، وفيها أنفة من الذل، وفيها نهو عن الخضوع والإذعان. والحمد لله الذي أظهر للعالم الحديث، أثناء هذه الأعوام الطوال الثقال، أن مصر الحديثة خليقة بما تطمح إليه من أمل، وما تطمع فيه من استقلال، وما تسمو إليه من مثل أعلى، تلم بها الخطوب فلا تجزع للخطوب، وصب عليها الشر فلا تفرق للشر، وينجم فيها المجرمون فلا تؤبه للمجرمين، ويكاد لها الكيد فلا تتورط في الكيد، ويسلط عليها الإغراء فلا يزدهيها الإغراء، وتزين لها الأماني فلا تخدعها الأماني، وإنما تظل في مكانها ثابتة ثبات هذه الجبال التي تكتنف واديها من جانبيه، صافية القلب والضمير والنية، صفاء هذا الجو الذي يبعث فيها الحركة والحياة، ساعية في جد وحزم، وأناة، ونشاط، سعي هذا النهر الذي يمنحها الخصب والبركة والجمال، عظيمة في نفسها، وفي نفس أعدائها وأحبائها.
عظمة هذا البحر الشاهد بما كان لها من مجد قديم، الأمل فيما سيكون لها من مجد حديث. والحمد لله الذي أظهر في هذه الأعوام الطوال الثقال أن مصر ليست حمقاء ولا خرقاء، وأنها ليست طائشة ولا مستسلمة للأهواء، وأن مصر تريد ما تريد عن فهم، وتأتي ما تأتي عن عزم ويقين، وأن لمصر زعماء لا يقدمون إلا إذا فكروا وقدروا ودبروا، فإذا أقدموا لم يعرفوا تردداً ولا إحجاماً، وإذا هموا لم يعرفوا ضعفاً ولا استسلاماً، وإذا صمموا لم يعرفوا خوفاً ولا إشفاقاً، تكتنفهم الأهوال فيبتسمون للأهوال، تثار أمامهم المصاعب فيضحكون من المصاعب، قد آمنوا بالله والوطن فاعتمدوا على الله ووثقوا بالوطن ومضوا في طريقهم لا يستشيرون إلا ما يملأ نفوسهم من إيمان وما يعمر قلوبهم من ثقة ويقين. . .
والحمد لله الذي أظهر أن هذا الرجل الذي يسمونه النحاس، والذي يقول فيه القائلون ويظن به الظانون، هو ابن مصر خليق بأن يكون ابنها البر، وهي خليقة أن تكون أمه الرؤوم، هو ابن مصر الذي تستطيع أن تمنحه حبها لا حد له، وهي واثقة أنها لا تبلغ مكافأته على وفائه لها ونضاله عنها. وهو خليق أن يبذل في سبيلها أمنه ودعته وحياته وهو مطمئن إلى أنه لم يؤد إليها ما ينبغي لها من حق، إنما تمنحه مصر ما تستطيع الأمم أن تمنح أبناءها، وإنما يمنح هو مصر ما يستطيع الأبناء أن يمنحوا أممهم، وإنما الجزاء الأوفى لهذا الرجل على إخلاصه ولهذه الأمة على وفائها وتأييدها عند الله وحده الذي يستطيع أن يعطي بغير حساب، والذي لا حد لقدرته ولا حد لرضاه حين يرضى، ولا حد لسخطه حين يسخط:
نعم والحمد لله الذي أتاح لهذا الرجل الضعيف أن يكون أقوى المعاصرين من مواطنيه بعزمه وحزمه، وبيقينه وإيمانه، وأتاح لهذا الرجل الفقير أن يكون أغنى المعاصرين من مواطنيه بقلبه الذكي وضميره النقي وحلمه الراجح وبصيرته الثاقبة ونظره البعيد.
نعم والحمد لله الذي جعل لواء مصر إلى رجل يعرف كيف يحتفظ باللواء نقياً كريماً لا يصيبه دنس، ولا يعرض له ذل ولا هوان.
والحمد لله على هذا كله وعلى أكثر من هذا كله. على ما تستطيع مصر أن تحصي وما لا تستطيع أن تحصي من محنته حين امتحن، ومن نعمته حين أنعم، ومن بره بمصر ورعايته لها على كل حال. هؤلاء الطغاة قد خنسوا بعد أن ملأوا الأرض تجبراً وتكبراً وقد استكانوا بعد أن ملأوا الجو تعالياً وغروراً وقد استخذوا وعادوا إلى جحورهم، بعد أن انتشروا في الجو كما تنتشر الطير الخبيثة باعثة فيه صياحها الخبيث.
هؤلاء الطغاة قد نكصوا على أعقابهم خجلين وجلين بعد أن دعاهم الشيطان، فاستجابوا له لا يرعون عهداً قديماً ولا يرعون حقاً للوطن، ولا يرعون حرمة للشعب، ولا يرعون كرامة لأنفسهم، زين لهم شيطانهم باطلاً فأسرعوا إليه، وتهافتوا على منافعهم الدنيئة كما يتهافت الذباب على أحسن الطعام.
هاهم أولاء قد سكتوا فلا ينطقون، وسكنوا فلا ينشطون، وخمدوا فلا يعملون. هاهم أولاء يودون لو ابتلعتهم الأرض أو اختطفتهم السماء. هاهم أولاء لا يستطيعون أن يظهروا لمواطنيهم وقد كانوا لا يريدون أن ينظروا إلى مواطنيهم. دعاهم الشيطان فأسرعوا إليه، ثم انخذل عنهم الشيطان فانخذلوا عن أنفسهم، لقد كانوا يجمعون الجموع، ويؤلبون الأحزاب ويجعلون أمرهم إلى عظيمهم صدقي يريدون أن يقاوموا الحق، والحق لا يقاوم، يريدون أن يثبتوا الباطل والباطل لا يثبت، يريدون أن يقروا الجور والجور لا يستقر، يريدون أن يذلوا مصر ومصر أعز من أن تذل وأمنع من أن تضام – لقد جمعوا الجموع وألبوا الأحزاب وألقوا الخطب وهيأوا المذكرات وأنفقوا الأموال، واستأنفوا شراء الضمائر وإفساد الأخلاق، ثم أين هم الآن؟ ما بال جموعهم لا تأتلف وما بال أحزابهم لا تتألب، وما بال خطبهم لا تلقى، وما بال مذكراتهم لا ترفع، وما بال لجنهم لا تذود عن النظام ولا تدافع عن الدستور. لقد خنسوا واستذلوا واستسلموا للقضاء، وأخذ الماهرون الماكرون منهم يتهيأون لتغيير الرأي ويتأهبون لتحقيق المنافع، وينتظرون أن ينساهم الناس قليلاً حتى إذا مضت عليهم أشهر ظهروا من جديد يبتغون الوسيلة إلى الوزراء، ويتقربون إلى الحكام، ويلتمسون منافعهم العاجلة لأنهم لا يقدرون إلا على التماس منافعهم العاجلة.
أين صدقي وأصحاب صدقي؟ أين عبد الفتاح وأصحاب عبد الفتاح؟ أين الإبراشي وجنود الإبراشي؟ أين وزير التقاليد وسخف وزير التقاليد؟ أين صبري والصبريات؟ أين القيسي وما سلط على أجسام المصريين من عصي وسياط، وما صب على أموال المصريين من عبث وفساد؟
أين كبار الموظفين الذين صغروا في أنفسهم فأصبحوا أدوات للطغاة؟ أين الجنود والأعوان؟ أين المسيرون والمسخرون؟ لقد ذهبوا جميعاً. واستكانوا وآوى كل منهم إلى وكره يدبر أمره لعله يحس الحياء في العصر الجديد.
ما أشد حاجة مصر إلى الحزم والعزم، وإلى عقاب الظالمين على ظلمهم، وأخذ الطغاة بطغيانهم وإلى أن تصب على هؤلاء القوم مثل ما صبوا على الأبرياء، ما أشد حاجة هؤلاء الناس إلى أن يذوقوا مثل ما أذاقوا الناس! ولكن إن عجزت مصر عن أن تعفو عن هؤلاء الناس، فإنها لا تعجز عن أن تزدريهم ازدراءً وتنبذهم نبذاً، وتضعهم حيث أرادوا أن يكونوا عبيداً للمنافع وجنوداً للشياطين.
فالحمد لله على أن أخرج مصر من ظلمة إلى نور. وعلى أن جلى عن مصر ذلك الليل البهيم ليل الفساد والشر، وعلى أن رد على مصر حقها في الحرية والأمن والنظام الذي ترضاه.
الحمد لله خالصاً على هذا كله، والتهنئة لمصر وزعمائها خالصة بما قضى الله لها ولهم من توفيق، والخزي الدائم للطغاة والظالمين.
طه حسين
الوادي، ١٥ نوفمبر ١٩٣٤