Tag: Tharwat Pasha

  • ثروت

    ثروت
    انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه.
    وليس مصدر ذلك أنه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقًا في السياسة. فقد اجتمعت له كل هذه الخصال وخصال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين إلى حين وفي مختلف البيئات والأوطان، ثم يمضي هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين.
    وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم. ولكن الناس تعودوا الاطمئنان إلى أنهم قد مضوا إلى حيث لا يعودون ولكن قليلًا من هؤلاء تركوا في نفوس أصدقائهم آثارًا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارًا لا تزيدها الأيام إلا اضطرامًا ذاك لأنهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع بينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها. من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت.
    قاسم أمين وثروت باشا
    وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسمًا وأحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله أقرب إلى الذكرى القوية منه إلى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة.
    نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لأن قاسمًا كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبدًا.
    أما ثروت فإن أصدقاءه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه دائمًا هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبدًا.
    ولئن لم أكن أعرف قاسمًا إلا من طريق آثاره وأحاديث أصدقائه فقد عرفت ثروت واتصلت به وأستطيع أن أتحدث عنه لو أن لي إلى هذا الحديث سبيلًا.
    ***
    يقولون أن ثروت ظُلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما أنه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه. أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضًا، ولكن أي تاريخ؟
    لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف، وكيف السبيل إلى ذلك وليس بين المصريين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل أثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرًا عميقًا بعيد المدى كثروت. نعم ليس بين المصريين في هذا العصر الحديث من أعطى أمته الدستور، وليس بين المصريين في العصر الحديث من كسب لأمته الاستقلال، وليس بين المصريين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت. فهو الذي فعل هذا كله. وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهودًا وتجشم إليه أهوالًا واتصل في سبيله بأصحاب السلطان هنا وهناك، وكان بينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يُعرف منها شيء ولن يُعرف منها شيء، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده.
    لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة، فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء. ولم تنتهِ تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة: فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولًا شطرًا طويلًا من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن.
    رحم الله ثروت ورحم الله قاسمًا إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال: إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي أنفق حياته السياسية عاملًا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل! لم يتكلم حيًا ولن يستطيع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتًا، فهو بهذا أصدق مثال وأقوى هذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم.
    وهو كقاسم عمل حيًا وأوذي في حياته.
    وهو كقاسم يعمل ميتًا دون أن ينصفه الأحياء.
    ولكن قاسمًا عمل ويعمل للمرأة. أما ثروت فعمل لمصر كلها. قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكل لم يخطئ حين قدر أنه يحرر الشرق كله.
    ثروت باشا صديقًا
    غير إني لم أكتب لأتحدث عن ثروت زعيمًا إنما كتبت لأتحدث عنه صديقًا. ولعل خير حديث عن ثروت صديقًا إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملأ نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس. ولعل أصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان. كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يغشون داره صباحًا ومساء ما دام إليه الأمر حتى إذا اعتزل أنكروه وجهلوا الطريق إلى داره. وكان من حضر جماعة الحاضرين في الازدراء على هؤلاء وتنقصهم وأخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه إلى أن يُظهر رأيه، فقال مبتسمًا: من أخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى.
    فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس بها أو حكمهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت بها وحكمك أنت عليها. فأنت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلانًا يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نفسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئًا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية.
    كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة. ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة. ولقد كان مزاجه رحمه الله صفوًا كله. ولقد كان طبعه – رحمه الله – نقاءً كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها. فليس غريبًا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلًا إلى تكديرها أو النيل منها. ذلك لأن صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد بينه وبين بعض الناس حتى تنتهي إلى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كريمة خالصة. ويكفي أن ترجع إلى أحاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها هؤلاء الخصوم فسترى أنه يذكرهم دائمًا – ولاسيما الذين كان يختصهم بالمودة قبل الفتنة – بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك أشد التأثير.
    ولقد أذكر أني كنت عنده ذات يوم فأنبأني أنه كتب إلى سعد – رحمهما الله – كتابًا يقترح فيه عليه الاحتكام إلى جماعة من صفوة المصريين فيما شجر بينهما من خصومة. وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعًا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى إذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أثني عليه بل قال: وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة إلى لحظة. وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فأسرع إليه ثم عاد مبتسمًا وقال: تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف. ولبثت أنتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد. فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب أسطرًا حتى نهض وأخذ يمشي في الحجرة ذاهبًا جائيًا لا يكاد يمسك عن الكلام إلا مضطرًا… ولكني أشهد أنه ما ظهر على ثروت – رحمه الله – غيظ ولا حفيظة ولا موجدة، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفّق إلى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق… وتبينت يومئذ أنه كان لا يزال يحبه ويبر به.
    وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له. كما أنه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق إلى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وثروت.
    ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد – رحمه الله – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله.
    يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت وخياله ولحظاته وعن تصوير هذا كله ما يضطرب في نفسه من العواطف والميول. أما أنا فأستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت وأشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢. في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي أبلغ هذا الإثم إلى ثروت في الإسكندرية بالتلفون. فلما وقع في مسمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين… فسمعت منه آهة فيها كل شيء: فيها الحزن العميق. وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني: هل قبض على الآثمين؟ قلت: لا. قال يكفي. وانصرف.
    إني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلبي لينقطع أسىً وأن نفسي لتتفرق لوعة وأن شطرًا غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وأن كثيرًا من هذا الخير الذي أتمثله متصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت.
    ***
    سمعت صوت ثروت لأول مرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد أقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قرارًا لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة إلى الصحف. وكان صوته حازمًا وكان صوته عذبًا، فأحببته وملت إليه. ولكني لم أتصل به. ومضت الأعوام وأنا لا أعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعًا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة، وكنت قد عدت من أوروبا، وكنت أتأهب لاستئناف السفر، وكنت قد كتبت مقالًا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ حمد المهدي وشكاني إلى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة. واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا إلى الجامعة فرآني الأستاذ أحمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمَنِي إلى معالي ثروت باشا وزير الحقانية. فأخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب إليَّ فيها الرفق حين أكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد. ففهمت أني لم أفصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفًا زادني بالرجل حبًا، وعرفت بعد ذلك بساعات قصار أني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة إلى أوروبا ومضت أيام البعثة كلها لم ألق فيها ثروت ولم أسمع من أمره بشيء.
    ثم عدت إلى مصر فلقيته وخرجت من عنده أشد الناس حبًا له وإعجابًا به وشكرًا لحسن لقائه.
    وكان هو الذي قدمَنِي إلى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة. وما كان أشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني إلى الجمهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجدّ واختلف رحمه الله إلى درسي أيامًا يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى إذا كان آخر الدرس أقبل إليَّ فصافحني في ظرف ودعة وعرّفني بنفسه.
    ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه الله أعطف أهل الجامعة عليّ وأرفقهم بي وأشدهم إلحاحًا عليّ في ألا أخلط بين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفًا لي عما أنا فيه من الدرس والجدّ.
    وكانت لثروت – رحمه الله – قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان إذا جادلك لم يلبث أن يتسلط عليك ولا سيما حين يجادلك في أمر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحًا مخلصًا تحس منه في غير شكٍّ أنه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه. كنت أعرف منه هذا فكنت أحبه وكنت أخشاه وكنت إذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه. أذكر أني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة خلاف كان بيني وبينه رحمه الله في مادة من مواد لائحة الجامعة. واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن أسترد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى إليَّ وهمس في أذني: لا أطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما أطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت: فإني أخشى أن نتكلم قال: فإني آبى أن تستقيل. قلت: إن كان الأمر على هذا النحو فإني مذعن لما تريد. قال: أنا لا أحب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن. أفتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلًا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث؟
    ثروت «والشعر الجاهلي»
    رحم الله ثروت… كانت الخصومة بيني وبينه في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل. وكان – رحمه الله – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة (ولم يكن فيها) بشيء من الحق، وأن يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة. وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر «الجاهلي» وأرجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم. وأقبل عليّ بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت أنه كان يأسف أشد الأسف لأنه لم يكن يقدر أني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة.
    زرته بعد ذلك، فلقيني ضاحكًا ثم وضع يده على كتفي وقال: إن حرية الرأي أكرم من أن يعبث بها العابثون مهما يكونوا، وثق بأن أول أثر ما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وبينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا. ولكني أطلب إليك أن تثبت للعاصفة وألا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف. فأنت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات.
    ولولا نصيحة ثروت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر.
    رحم الله ثروت. لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدًا وما لن أستطيع أن أتحدث عنه الآن. ولكني أذكر يوم ظهر تقرير النيابة في أمر هذا الكتاب فاستقلت. وطلب هو إلى وزير المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت. فطلب إلى مدير الجامعة أن يطلب إليّ أن أزوره. فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسمًا وما هي إلا دقائق حتى أقنعني بأن استقالتي خطأ. ولكنه كان أظرف وأكرم من أن يطلب إليّ استردادها فأمر بالإعراض عنها. طلبت إليه ذلك اليوم أن أدع الجامعة وأن أنتقل إلى عمل آخر إذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة. فقال: قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك عليّ أن أجيبك إليه، ولكن للجامعة عليّ حقًا آخر.
    كيف تريد أن تقاوم رجلًا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة؟
    ثم مضت أشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في أثرها أن أنتقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت. وكُلفت أن أزور رئيس الوزراء، وكنت مصرًا، وكنت أعلم أني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت أن أجيب دعوته. وأنكر عليّ الناس جميعًا هذا الإباء ولكني طلبت إلى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء أني لن أراه ما دام إليه الأمرُ، فإذا ترك الحكم فسيراني. فسكت وسكت. وانتهى كل شيء واستقالت وزارته. وذهبت إليه أزوره. وكنت أقدر أني سأجد منه عتبًا ولومًا. ولكني لم أجد منه إلا ظرفًا وعطفًا، ولم ألق منه إلا هذه البشاشة التي أعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعًا وخصومه جميعًا والذين لا يحفظون له ودًا ولا يضمرون عليه حقدًا. لقيته ذلك اليوم وأطلت المجلس عنده، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة. وانصرفت من عنده وأنا أقدر أني سأراه بعد قليل… ولكني لم أره منذ ذلك اليوم ولن أراه.
    لم أتحدث إليك ما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء الممكن في أكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لأن الرجل كان وفيًا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطورًا على المودة والوفاء فيها.
    وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف عليّ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
    ماذا كنت أكون من ثروت رجلًا كغيري من الناس؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من أخلص فلنفسه. وقد أحسّ ثروت مني إخلاصًا في حبه، وما أرى إلا أنه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف عليّ ورفق بي وأخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى ملأني على أن أحبه فأحببته ولم أقف ولن أقف في حبه عند حد.
    وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكرته أني حين عدت من أوروبا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي. ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب إلى الحب. وأذكر أنه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه الله فقال: لو عرفتهم لأحببتهم حبًا لا يقل عن إعجابك بهم. وقد عرفتهم فأحببتهم. ولكني عرفت ثروت معرفة لم أعرفها أحدًا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبًا لا حد له كما قلت:
    رحم الله ثروت… كيف أستطيع أن أنساه أو أن أقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يومًا ما وأنا لا أكاد أذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من أوروبا إلا ذكرت ثروت وأثره فيها. لقد كنت أركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء. ولقد كنت أجد منه في هذا كله عطفًا لا يشبهه عطفٌ. وودًا لا يشبهه ودٌ. ولقد كان يزيد من أثر هذا الود والعطف في نفسي ما كنت أشعر به من أنه كان عطفًا خالصًا وودًا لا تشوبه شائبة. ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به.
    إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفًا. ولكني أعتقد أن ثروت كان أعظم هؤلاء الزعماء جميعًا حظًا من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته وأكثر ما يظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة.
    نعم. إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع إلى التصفيق والصياح. ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية. وأقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خُيّر في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه ما تردد، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت، بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه.
    رحم الله ثروت. لقد انقطعت بيننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات وما أرى أننا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينهيها ضعف أو خمود وأن الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة، وأن ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدًا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء.
    رحم الله ثروت. لئن كان رهين قبر في الصحراء فإن شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدًا.
    هليوبوليس
    طه حسين
    المقتطف — ١ ديسمبر ١٩٢٨