Tag: Theology

  • حق الخطأ (١)

    حق الخطأ (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٦ يونيو ١٩٥٥

    وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.

    أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.

    فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).

    والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.

    والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ‌حْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ‌ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).

    بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.

    وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.

    فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!

    كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.

    وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

    وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.

    أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!

    أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!

    وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟

    وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.

    ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.

    كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.

    تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.

    من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟

    ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.

    نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.

    كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.

  • منصب الرسالة

    منصب الرسالة

    طه حسين

    مجلة الهداية

    يناير ١٩١٠

    نكتب اليوم في هذا الموضوع؛ لنوضح مسألتين دينيتين جهلهما عامة المسلمين، وغلا فيهما فريق من أولئك الأدعياء للدين الواغلين فيه؛ خداعًا لهم وتضليلًا حتى كادوا يفتتنون الناس في دينهم، وحتى كاد جهل أولئك وغلو هؤلاء يوردانهم من الدين آجنًا ويسقيانهم من صفوه رنقًا، ويشرفان بهم على أن يشركوا بالله عز وجل من لا يملك لهم من النفع والضر ولا من الخير والشر قليلًا ولا كثيرًا.

    هاتان المسألتان هما: ما هو منصب النبي ﷺ؟ وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فلقد زعم أولئك الغلاة المفسدون أن النبي ﷺ يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء؛ فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة وكل ما تمس إليه حاجة الإنسان في أولاه وأخراه، وهو بكل ذلك عالم وفيه مبرز لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم. تعاليت اللهم وتقدست أسماؤك وجلت عظمتك عن الند والشريك من أمثال هذه المقالة الفاحشة التي يذيعها في العامة صفاق الوجوه وغلف القلوب في تقديس الأشخاص ورفعهم إلى منزلة الإله!

    مُني الاجتماع الإنساني برذيلتين قبيحتين هما مصدر الشرور والآثام؛ إحداهما: رذيلة الإشراك بالله، والثانية: رذيلة الاستبداد في الملك؛ فإنك مهما أضنيت نفسك في البحث والتنقيب لم تجد علة لامتياز فرد من الناس بالألوهية أو الملك الاستبدادي إلا ما ينتحله له أولئك الغلاة الجاحدون من الصفات والألقاب التي هي بالله عز وجل أحق منها بمن أصله الماء والطين.

    فنحن إذا شرحنا اليوم هاتين المسألتين وبينَّا العقيدة الإسلامية فيهما ودعونا المسلمين إلى الاستمساك بأسبابها القوية وعراها المتينة؛ فإنما ندعوهم إلى ما ندبهم إليه محمد ﷺ من الإيمان بأن لا سلطان إلا لله وحده، وأن لا شريك للأمة بعد الله في حقوقها.

    قضت إرادة الله عز وجل أن يخلق الإنسان مجتمعًا مدنيًّا بالطبع مستعدًّا للرقي والسيادة على هذا العالم وما فيه، وأن يسلك هذه الحياة الدنيا طريقًا إلى حياة أخرى فيها الكمال التام والسعادة الدائمة، وقد علم سبحانه أن هذه الحياة طريق مظلمة قاتمة، فوهب الإنسان العقل وهو قبس من نوره — عز اسمه — ليهديه قصد السبيل ويرشده إلى الصراط المستقيم، يتعرف به مصالحه ويتبين به منافعه في هذه الحياة الدنيا؛ حتى يستقيم فيها أمره وتنتظم أحواله. وعلم أيضًا أن هذا المخلوق الضعيف لا ينال ذلك إلا بتمجيده والإذعان له والاهتداء بهديه. وأن هذا العقل أقصر من أن يكفل له تعرف المصالح الأخروية والمنافع الدينية على أكمل وجه وأحسنه فوهبه عقلًا آخر هو الرسل الذين والاهم الله عز وجل في الأمم وتابع بينهم في أجيال البشر.

    هذا شيء لا يشك فيه ذو ملة، ولا يمتري فيه صاحب دين، ومنه نعلم علم اليقين أن عمل الرسل صلوات الله عليهم إنما هو هداية الناس في دينهم وتمهيد الأمور في حياتهم العامة؛ لينتهوا منها آمنين إلى الدار الأخرى، لكيلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد علم سبحانه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المبلغون عنه بحيث يستطيعون أن يُفهموا الناس دعوته ويشرحوا لهم رسالته ويقيموا عليهم حجته فاختار من كل أمة رسوله إليها.

    بذلك مضت سنة الله في الأولين، حتى جاء محمد ﷺ؛ ليتمم للناس دينه ويكمل لهم شريعته، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الحجة، وأقام الدليل، ثم اختار له الله ما عنده فمضى إلى دار النعيم.

    فإذا كان هذا هو عمل الرسل وتلك هي حكمة الله في إرسالهم، فلا شك أن العقل يجزم بأنه تجب لهم العصمة من الخطأ والكذب فيما يبلغونه عن الله سبحانه وتعالى حتى تكون دعوتهم حقًّا لا يشوبه باطل ويقينًا لا مجال للشك فيه.

    بهذا يجزم العقل ولا يزيد عليه شيئًا؛ فأنت ترى أن عصمتهم محدودة عقلًا بحدود الوحي، وأن العقل لا يوجب لهم العصمة في غير ذلك، فهو لا يوجب عليهم أن يكونوا أطباء أو فلكيين أو رياضيين؛ لأنهم لم يبعثوا ليكونوا كذلك، وإنما بُعثوا ليكونوا مبشرين ومنذرين لمن آمن بالله أو كفر به، فأما في غير ذلك فليس بينهم وبين غيرهم من الناس فرق قليل ولا كثير.

    فأما العلوم والحرف وغيرها من أمور الدنيا؛ فإنما السبيل إليها سعي العقل وكده؛ لأن الله عز وجل لم يهبنا العقل عبثًا ولم يخلقه لنا من غير حكمة، ولو كان من عمل الرسل أن يرشدونا إلى كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة ما كان للعقل فائدة ولا تثبت في خلقه حكمة. والله عز وجل مبرأ من العبث في أفعاله، وليس ذلك انتحالًا منَّا أو اختلاقًا، بل هو ما ذهب إليه أئمة المسلمين وجمهورهم؛ فإنهم لم يقرروا العصمة للأنبياء إلا من تعمد الكذب فيما دلَّت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وقد أجازوا عليهم الكذب سهوًا، وإن خالف في ذلك بعضهم وقرروا لهم العصمة من الكبيرة والكفر بعد الوحي، وإن خالف في ذلك الخوارج. على أن أهل السنة لم يعصموهم من الكبيرة إلا سمعًا، وأما عقلًا فقد أجازوها، ولهم في كل ذلك قبل الوحي خلاف كثير فمن شاء فليرجع إليه في كتب الكلام. وإذا كان مبلغ ما أوجبه العقل واتفق عليه أئمة المسلمين هو عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على أنهم صادقون فيه ومن الكفر والكبيرة بعد الوحي، وإذا كان العقل لا يهدي إلى أكثر من ذلك، فمن أين ننتحل للأنبياء أن يحيطوا بكل شيء علمًا؟! وليس هذا كل ما نقوله في هذا الموضوع، بل كثير من أئمة المسلمين في الكلام وأصول الفقه قد جوزوا على النبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام قبل نزول الوحي، وأن يخطئ في اجتهاده، قالوا: وقد وقع ذلك بالفعل ودل عليه كثير من آيات الكتاب الكريم، كقوله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ )، وأصل ذلك أنه ﷺ استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر؛ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية؛ لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم، ومال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر؛ فعاتبه الله في ذلك بالآية.

    هذا حديث رواه مسلم وقصة ذكرها المؤرخون بلفظ أطول من هذا. نقول: ولو كان النبي ﷺ معصومًا عن الخطأ في كل شيء ناطقًا بالصواب والحق في كل شيء، ما جاز له أن يجتهد ولا أن يستشير؛ لأنه لا يخفى عليه الحق وليس فوق رأيه رأي ولا وقع منه الخطأ. لكن كل ذلك قد كان، وإذا لم يكفِ هذا لإقناع المعاندين المكابرين؛ فإن في قوله عز وجل: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ما يقطع ألسنة المبطلين ويحطم أقلام المضلين؛ فقد علم الله أن النبي ﷺ بشر يخطئ ويصيب، وأن العصمة التامة له وحده، وأن رأي الجماعة إذا لم ينزل الوحي أقرب من رأيه ﷺ إلى الحق، فأمره بالشورى، وعرف النبي من نفسه ذلك فائتمر، وكثيرًا ما كان يشاور أصحابه في المسائل الخاصة والعامة ويمضي برأيهم إلا أن ينزل وحي. وفي «صحيح البخاري» أنه ﷺ استشار عليًّا وأسامة بن زيد في أمر الإفك وعمل برأي أسامة حتى نزل الوحي فجلد القاذفين. وفي «صحيح البخاري» أيضًا أنه ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه به، فلما لبس لأمته واستعد للخروج أشاروا عليه بالمقام، فأبى ائتمارًا بقوله عز وجل: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، وقال لأصحابه: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله.» وقد عقد البخاري بابًا في «صحيحه» لما سُئل عنه ﷺ قبل الوحي فسكت أو قال: «لا أدري.» وقد روى في سكوته أحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ).

    وصح على غير شرط البخاري أحاديث تدل على أن النبي ﷺ سُئل فقال: لا أدري. منها أن رجلًا سأله: أي البقاع أحسن؟ فقال: «لا أدري» (راجع «شرح البخاري» لابن حجر، والقسطلاني). ومن قرأ أخبار المغازي في كتب الحديث والسير عرف أن النبي ﷺ كثيرًا ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب ويعمل برأيهم، وفي قصة بدر من ذلك ما ينقع الغلة. وقد صح في غير واحد من كتب السنة قوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم.»

    وقد عرف أصحاب النبي ﷺ منه ميله إلى المشورة؛ فكانوا يسألونه إذا همَّ بشيء: أوحي هو أم رأي؟ فإذا كان الرأي أشاروا عليه فاستمع لهم (راجع قصة بدر).

    كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك ولا ينال منها الظن عند أي إنسان إلا إذا كفر بالله وجحد كتابه، وكلها يدل على أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا عن الخطأ إلا فيما يُبلِّغ عن الله عز وجل، وأنه ﷺ علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم، وأن الله عز وجل علم ذلك فأمره بالمشاورة. ولعل لقائل أن يقول: إن هذا يضع من قدر النبي ويغض منه! فنقول: كلا، وإنما الغلو في تقديسه وتمجيده والزيادة في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله هو الذي يحط قدره؛ لأنه كذب عليه وافتراء على الله، وأي شيء أحط لقدر الإنسان من مدحه بما ليس فيه، وقد قال الله عز وجل( : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )، فلم يجعل للنبي على الناس فضلًا إلا بالوحي والرسالة، وحسبك بذلك نعمة ليس فوقها مطمع لإنسان.

    والآن وقد أطلنا في القول في غير ملل، وبلغنا ما نريده من إثبات ما ادعيناه، يجب أن نقف عند هذا الحد، وإنا لنرجو أن يكون في هذا القول هداية للضالين وإرشاد للجاهلين.