Tag: torture

  • أسئلة

    حديث الوادي
    أسئلة
    نشرناها مفرقة، أثناء الشهر الماضي وألححنا على الوزارة في أن تقف عندها وتحدثنا برأيها فيها، وكررنا النشر والإلحاح فلم يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، ولم يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه. ثم جمعنا بعضها ونشرناه أمس، وما زلنا ننتظر أن يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، أو يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه، ويظهر أن الله عز وجل، سيقضي على الوزارة بالصمت الذي تنعقد له الألسنة، والسكون الذي تكف له الإرادة عن العمل والحركة، وسيضطرها إلى هذا النوع من الإعراض الذي لا يشرف صاحبه مهما يلتمس له من التفسير والتأويل، فالوزارة مضطربة أمام هذه الأسئلة بين موقفين لا ثالث لهما فيما يظهر، فأما أن تكون مفحمة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف كيف تقول، لأن ما نسأل عنه قد وقع بالفعل، وإما أن تكون متعالية، تتكلف الإعراض، وتتصنع الإغضاء، وتزعم لنفسها أنها أكبر من أن تحفل بهذه الأسئلة وأرفع من أن تنزل إلى الإجابة عنها، وكلا الموقفين شر، وكلا الموقفين لا يشرف الوزارة التي تدفع إليه. وكلا الموقفين لا يجعل الوزارة أهلاً لرضا الناس، ولا موضعاً لثقتهم، ولا خليقة أن ينتظر منها النصح والخير. ذلك أن هذه الأسئلة إن صحت لم تدل على أقل من أن الوزارة تستبيح منافع المصريين فتعيث بها. وتستبيح حقوق المصريين فتضيعها وتستبيح حرمات المصريين فتنتهكها انتهاكًا، وما رأيك في وزارة تعبث بالمنافع وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات، هي وزارة لا يكتفى أن يقال أنها خليقة أن تستقيل، بل يجب أن يقال أنها خليقة أن تقصى عن الحكم إقصاء وأن تحتمل تبعة ما يضاف إليها من السيئات.

    وإذا لم تكن هذه الأسئلة صحيحة، ولا مطابقة للحق، ولا مصورة لما وقع، فصمت الوزارة عليها وإغضاؤها عنها شر لا يشرفها ولا يجعلها أهلاً للحب والثقة وانتظار الخير. فهي في هذه الحال لا تؤثر الصمت إلا إيثارًا للكبرياء، وتكلفاً للعزة وارتفاع المنزلة، وما ينبغي لوزارة تزعم أنها تحكم في بلد ديمقراطي حكما ديمقراطيًا أن ترتفع عن الشعب أو تكبر عليه، أو تغض عما يوجه إليها من سؤال، أو تعرض عما يُضاف إليها من سيئة. فهي لم تقم إلا لتخدم الشعب، فإغضاؤها عن سؤال الشعب إليها ومحاسبة الشعب لها خروج عن الواجب الذي قامت لأدائه والنهوض به، وتجاوز للحق الذي يفرضه عليها المنصب الذي تشغله، والأجر الذي تقبضه، والجاه الذي تتمتع به، والسلطان الذي تستطيل به على الناس، وليس عزيزاً من يصطنع العزة في غير حقها، وليس كبيراً من يتكلف الكبرياء في غير موضعها، ومهما يستعل الخادم على سيده فهو خادم دائمًا، ومهما تستعلي الوزارة على الشعب فهي وزارة دائمًا، يؤجرها الشعب لتخدمه لا لتستعلي عليه.

    ذلك إلى أن صمت الوزارة سواء أكان نتيجة للعجز أو نتيجة الكبرياء لا يلائم منفعتها العاجلة الخاصة، حتى إذا لم تكن ديمقراطية، ولا محبة للديمقراطية، فليس من مصلحة الحاكم أن يَقْبَحَ فيه رأي المحكوم، وليس من منفعة الوزارة أن يسوء بها ظن الناس. وكل حاكم مهما يكن قويًا، معتزًا بقوته الخاصة، أو بغير قوته الخاصة، في حاجة إلى أن يرضي الناس عنه، أو إلى أن يظهر الناس رضاهم عنه، وهو من أجل ذلك في حاجة إلى أن يتكلف إذا لم يستطع، أن يسير بالفعل سيرة المنصف العدل المتواضع الذي لا يحب جورًا، ولا ظلمًا، ولا إسرافًا، ولا تكبرًا. فأين وزارتنا من هذا كله حين نسألها عن الشر المنكر، يقال أنه وقع، فلا تجيب، ثم نعيد السؤال فلا نجيب. ثم نعيد السؤال مرة أخرى فلا تجيب، أمتَحَرِّية هي منافع الشعب؟ أمتَحَرِّية هي منفعتها الخاصة، أم لاهية هي عن منافع الشعب، وعن منافعها الخاصة، بما هو أهون خطرًا وأيسر شأنًا، وبما لا ينبغي أن يشغل به الوزراء من صغائر الأعمال؟

    والغريب أن هذه الأسئلة التي نشرناها مفرقة ثم مجتمعة لا تمس هيناً من الأمر، وإنما تمس شؤونًا هي من أعظم شؤون الحياة المصرية خطرًا. بعضها يمس حقوق المصريين في الحرية المقدسة، وحرمات المصريين من حيث هم أشخاص كرام، يحميهم القانون والدستور، من أن يمسهم ظلم أو عدوان، فهل عذب المصريون في ميت غمر وأخميم والسنبلاوين؟ وإن كانوا قد عذبوا فمن عذبهم، وبأي حق عذبهم؟ وعلى أي أصل من أصول القانون والدستور اعتمد في تعذيبهم؟ وما جزاء الذين يعذبون المصريين وتعذيبهم إثم؟ وما جزاء الذين يتولون الحكم ويرون هذا الإثم ثم يعرضون عنه ويسكتون عليه؟.
    ومن هذه الأسئلة ما يمس حقوق المصريين في المناصب المصرية، وهي حقوق يكفلها الدستور، ويسجل كفالته لها تسجيلًا صريحًا. فهل آثر الإنجليز على المصريين بالمناصب في غير حق، وبغير علة، وعن عمد قبيح؟
    وإذا كان هذا حقًا فما جزاء الوزير الذي يخالف نص الدستور، ويهضم حق مواطنه، ويؤثر الأجنبي على ابن الوطن. وما جزاء رئيس الوزراء الذي يرى هذا من أحد زملائه فيغضي عنه ويسكت عليه، ومنها ما يمس أموال الدولة ومناصبها والتحكم في إنفاق هذه الأموال وفي شغل هذه المناصب.
    فهل وقع ما أشرنا إليه من قصة مدير الأملاك، ومن قصة ذلك الرجل الكبير الذي احتال على الدولة، في قطعة من أرض الزمالك، فاشتراها لأهله ثم ردها ثم اشتراها، على أن يدفع ثمنها مؤجلًا، ثم عجل الدفع، واستفاد مئتين من الجنيهات، وإذا كان هذا قد وقع فما جزاء وزير المالية الذي يرى العبث بأموال الدولة فيغضي عنه ويسكت عليه.

    لا تجيب الوزارة على شيء من هذا لأنها عاجزة عن الجواب، وما ينبغي للوزارة العاجزة أن تبقى في الحكم، أو لأنها أكبر من أن تنزل إلى الجواب وما ينبغي للوزارة المتكبرة أن تبقى في الحكم.

    وأغرب من هذا كله أن نذكر حين كنا نحاكم أمام القضاء في قصة التبشير منذ أقل من شهرين فكانت النيابة تقيم الحجة علينا وتلح في إقامتها وتملأ فمها بأننا تعجلنا وكان من حقنا أن نستأني، وأضفنا إلى الوزارة أشياء وكان من الحق علينا أن نسألها. وكان القضاء في حوارهم، يرون أن هذا حق، وأن الواجب أن يسأل الوزراء قبل أن تُضاف إليهم الحوادث، والأعمال، وكنا نقول للنيابة، ونقول للقضاء أننا نسأل فلا نجاب. فكانت النيابة تظهر الشك في ذلك، وكان القضاة يرون هذا بعيدًا غير معقول، فنحب الآن أن ترى النيابة وأن يرى القضاة، أننا نسأل فلا نجاب وأننا نلح في السؤال فلا نجاب، وأننا ننشر الأسئلة مفرقة ومجتمعة فلا نجاب. ونحب أن تذكر النيابة هذا، وأن يذكره القضاة أيضًا، فقد يكون من الخير أن تعرف النيابة ويعرف القضاة أن موقف الصحافة من هذه الوزارة ليس بالموقف الطبيعي الذي تجري عليه أحكام المنطق والعقل والعرف المألوف، وإنما هو موقف غريب يسأل الصحفي فلا تجاب، فإذا وجدت الوزارة عليه سبيلًا ولو ملتوية معوجة، دفعته أمام القضاء دفعًا، وسلطت عليه ما يمكن وما لا يمكن من ضروب الإعنات.

    أما بعد فهذه أسئلة قائمة ما زالت تنتظر الجواب، وعندنا أسئلة أخرى ليست أقل منها خطرًا، ولا أهون منها شأنًا، نشر بعضها وسينشر بعضها الآخر عما قليل.
    طه حسين
    الوادي، ٢ يوليه ١٩٣٤.

  • عدوان ٢

    عدوان

    زعموا أن الروم اعتدوا على امرأة مسلمة من أهل الحدود بينهم وبين المسلمين، فاستغاثت بأمير المؤمنين المعتصم، فلم يكد يبلغ الخليفة دعاؤها إياه، واستغاثتها به، حتى قال: لبيك، لبيك، ونهض من فوره، فغزا بلاد الروم، وأمعن في غزوها، ودمر فيها مدنًا ضخمة، وحصونًا عزيزة، وعاد مظفرًا، موفور الكرامة، قد حمى الإسلام والمسلمين، وانتصف من الظالم للمظلومين، وأنطق أبا تمام ببائيته الخالدة:

    السيف أصدق أنباءً من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب

    وشهد الله ما نريد حربًا ولا قتالًا، وشهد الله ما نريد ضربًا ولا نزالًا، فقد مضت فيما يظهر أيام الحرب، أو يقال إنها تريد أن تمضي، وقد أقبلت فيما يظهر أيام السلم، أو يقال إنها تريد أن تقبل. وقد أصبحت الحياة الجديدة حريصة كل الحرص على أن تزال الخصومات بين الناس بالمودة والمعروف، وبالصلح والتحكيم، لا بالعنف والشدة، ولا بالإغارة والهجوم.

    الله يشهد ما نريد شرًا، ولا ندعو إليه، والله يشهد ما نريد عنفًا، ولا نغري به، ولكننا نريد أن نكون آمنين في دورنا، مطمئنين في بلادنا، لا نعتدي على أحد، ولا يعتدي علينا أحد. نريد ألا نكون أذلة في بلادنا، والأجنبي فيها عزيز، وألا نكون مستضعفين في بلادنا، والأجنبي فيها قوي، وألا نكون محرومين في بلادنا، والأجنبي فيها غني موفور.

    نريد أن نأمن على أنفسنا وحريتنا، وأن نأمن على آرائنا وعقائدنا، وأن نأمن على ديننا وشعائرنا. وهذا أيسر ما يطلبه الناس، وهذا أيسر ما تنهض به الحكومات في أي بلد من بلاد الأرض.

    نحن لا نكره غير المسلمين على أن يسلموا، ولو قد حاول أحد منا شيئًا من ذلك لبطشت به حكومتنا، فاشتدت في البطش، ولنكلت به حكومتنا، فألحت في التنكيل. أستغفر الله، بل إن رجال الدين عندنا لا يدعون غير المسلمين إلى الدين، ولا يفكرون في دعوتهم إليه، ولو قد فعلوا ذلك، أو هموا أن يفعلوه، لعج الأجانب وضجوا، ولأنكر الوزراء المفوضون واحتجوا، ولتقدمت حكومتنا إلى رجال الدين بأن يكفوا عن هذه الدعوة، ويكتفوا بوعظ المسلمين وإرشادهم إلى الخير.

    نحن إذن لا نكره غير المسلمين على الدخول في الإسلام، بل لا ندعوهم إلى الدخول في الإسلام. فمن أراد منهم أن يدخل في ديننا، لم نقبل ذلك منه إلا بعد احتياط وتشدد في الاحتياط، وإلا بعد تحفظ وغلو في التحفظ، وإلا بعد تثبت قاطع من أنه لم يقبل على الإسلام إلا طائعًا، راضيًا، راغبًا فيه، لا مكرهًا عليه إكراهًا، ولا مدفوعًا إليه دفعًا.

    هذه حالنا، فما بال الأجانب عندنا لا يرعون حرمة الضيافة والجوار؟ وما بالهم لا يرعون الحق الذي يفرضه القانون؟ وما بالهم لا يرعون الواجب الذي يفرضه الجوار؟ وما بالهم يلحون في إكراه المسلمين على أن يخرجوا من دينهم، ويستبدلوا منه دينًا آخر؟ ما بالهم يحتالون في ذلك ويكيدون له؟ فإن أعيتهم الحيلة، وأعجزهم الكيد، التمسوا إليه سبل الشدة والحدة، فعذبوا الناس تعذيبًا، ونكلوا بهم تنكيلًا، حتى يرفضوا دين آبائهم، ويدخلوا في دين لا يحبونه، ولا يريدون الدخول فيه.

    هؤلاء المسلمون تتصل شكواهم من عبث المبشرين بدين الفتيان والفتيات، ومن فتنة المبشرين للشباب في دينهم، باللين حينًا، وبالشدة حينًا، بالحيلة مرة، وبالقهر مرة أخرى.

    هؤلاء المسلمون يشكون من ذلك، لا في مدينة واحدة، بل في مدن عدة، ولا في وقت واحد، بل في أوقات مختلفة. وهؤلاء الأجانب يسمعون شكوى المسلمين، فلا يحفلون بها، ولا يلتفتون إليها، ولا يكفون سفهاءهم عن هذا الإثم والعدوان.

    وهم يعلمون حق العلم أن لو ذهب المبشرون المسلمون إلى بلادهم يدعون فيها إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا عنيفًا. وهم يعلمون حق العلم أن لو أخذ المبشرون المسلمون يدعون الأجانب في مصر إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا شديدًا.
    أفيريد الأجانب أن نفهم أنهم يأبون أن يعرفوا لنا حقًا، أو يرعوا لنا حرمة، أو يؤمنوا لنا بكرامة؟ أفيريد الأجانب أن يستقر هذا الرأي في نفوسنا؟ وهل يقدر الأجانب نتيجة هذا الرأي إن استقر في نفوسنا بالقياس إليهم؟ وهل يأمن الأجانب نتيجة هذا الرأي على مصالحهم ومرافقهم عندنا؟ وهل يؤثر الأجانب عداوتنا على مودتنا، وبغضنا على حبنا؟ وهل يريد الأجانب أن يسوء ظننا بهم، وأن نتهمهم في كل ما يقولون، وفي كل ما يعملون، وألا ننظر إليهم ولا نسمع لهم إلا كما ننظر إلى العدو المخوف، وكما نسمع للخصم المريب؟

    إن كانوا يريدون ذلك، ويحرصون عليه، فما أيسر أن يبلغوه بالمضي فيما هم فيه من تشجيع السفهاء، وحماية هؤلاء الذين يعتدون على المسلمين في آثر الأشياء عندهم، وأعز الأشياء عليهم، وهو الدين.

    ووزارتنا القائمة، ماذا تصنع؟ وبرلماننا القائم، ماذا يصنع؟ وأزهرنا الشريف، ماذا يصنع؟ ألم ترتفع إليهم جميعًا شكوى المسلمين من هذا العدوان المتصل على الإسلام، في القاهرة حينًا، وفي الإسكندرية حينًا، وفي بورسعيد حينًا آخر؟

    بلى، لقد ارتفعت إليهم هذه الشكوى، فأظهروا أول الأمر شيئًا من العناية بها، والالتفات إليها، وقال رئيس الوزراء في مجلس النواب إنه لن يسمح بالاعتداء على الدين.

    وخيل إلى الناس أن عناية الشيخ الأكبر، والبرلمان، والوزارة فيها شيء من الجد، وأنها سترد الأمر إلى نصابه، وتحمي الإسلام من عدوان المعتدين، وتؤمن الآباء على أبنائهم وبناتهم أن يفتنوا في الدين، ويصرفوا عنه إلى الكفر به، والخروج عليه.

    ولكن ما أسرع ما أظهرت الأيام أن الأمر لم يكن إلا كلامًا في كلام! وأن ما ظهر من نشاط في الأزهر، وفي مكاتب الوزارات، وتحت قبة البرلمان، لم يكن إلا ضربًا من التلهية، وفنًا من تهدئة الخواطر، وإسكات الناس!
    فهذا عدوان المبشرين ما زال متصلًا. وهذه أنباء هذا العدوان تأتينا من أنحاء القطر، والصحف تذيعها، وتلح في إذاعتها، وتستنهض الحكومة، وتلح في استنهاضها، وتنبه الشيخ الأكبر، وتلح في تنبيهه، فإذا الحكومة معرضة، وإذا البرلمان لاهٍ، وإذا الشيخ الأكبر في نوم عميق، والمبشرون يعتدون ويغلون في العدوان!!!

    وهذه أنباء بورسعيد تحدثنا منذ أمس بأنهم قد أسرفوا في هذا العدوان، حتى أكرهوا صبية لم تتجاوز الخامسة عشرة على الكفر، فلما أبت عليهم أعملوا في جسمها السياط، وسلطوا عليها العذاب. ولولا أن انتهى أمرها إلى المسلمين من أهل المدينة، فاستعانوا بالشرطة لاستنقاذ هذه الصبية، لاضطرت هذه البائسة إلى الكفر أو إلى الموت!!

    يجب أن تبين الحكومة للناس جلية الأمر في هذه القصة: أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فإن تكن غير صحيحة فلتعاقب الذين اخترعوها؛ لأنهم يذيعون الشر بين الناس، ويعرضون الأمن للخطر. وإن تكن صحيحة فلتعاقب الذين اقترفوا هذا الإثم، وأتوا هذا المنكر في وضح النهار، تحت سمع الحكومة وبصرها كما يقولون، وفي بلد إسلامي يجب أن يعز فيه الإسلام ولا يذل، ويجب ألا تكون حرية أهله عرضة للعبث الأجنبي وعدوانه.

    والمسلمون لن يرضوا بالوعود والأماني، فقد كثرت الوعود، واتصلت الأماني، ولم يكف المعتدون عن عدوانهم، ولم يعرض الآثمون عن آثامهم.

    يجب أن تغلق كل مدرسة يعمد أصحابها إلى غير التعليم، ويجب أن ينفى عن أرض مصر كل مبشر يحاول أن يفتن الناس في دينهم، ويجب أن تصطنع الحكومة في ذلك الحزم كل الحزم، والشدة كل الشدة. فإن الذي يبيح للحكومة أن تنفي عن أرض مصر من يعتدي على الأنفس والأموال، يبيح لها أن تنفي عن هذه الأرض هذا الأجنبي الذي يعتدي على الدين.

    ولكن الحكومة، فيما يظهر، لا تريد، أو لا تستطيع أن تفعل شيئًا، ولو قد أرادت أو استطاعت لما اتصل هذا العدوان، رغم إجماع المسلمين على الشكوى منه بكل طريق من طرق الشكوى.

    وقد أحس المسلمون ذلك، واستيأسوا من الحكومة فيما يظهر، فهم يفزعون الآن إلى جلالة الملك، لعله أن يتفضل فيأمر الحكومة بشيء من الجد في ذلك، والعناية به. فلعل أمر جلالته السامي، إن صدر إلى الحكومة، أن يمدها بروح من القوة، وأن يشد عزمها، ويمنحها الشجاعة الكافية لتنهض بحماية الحق، والكرامة، والحرية، والدين.

    أما بعد، فما أجدر شيخ الأزهر أن يسأل نفسه: أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لمثل هذه الصبية التي تفتن في دينها بأنواع العذاب، أم أن يحمي ذلك الشيخ المفتش الذي يقال إنه احتجز مال المسلمين، فسافر في الدرجة الثانية، وأخذ أجرة السفر في الدرجة الأولى؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يخرج سبعين من علماء المسلمين من الأزهر، ويضطرهم إلى البؤس والحرمان، لا لشيء إلا لأنه لا يحبهم ولا يرضى عنهم؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري برجال التعليم الأولي ليفرض عليهم العمامة، ويصرفهم عن الطربوش؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة البائسة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري سفهاءه ومأجوريه بالمسلمين، يكذبون عليهم، ويذيعون عنهم الكفر، ويضيفون إليهم ما لم يقولوا، ويكسبون من ذلك مالًا كله حرام، وشهرة كلها معصية!!

    ألا إن محنة المسلمين بالمبشرين عظيمة منكرة، ولكن محنتهم برجال الدين الذين يتخذون دين الله تجارة أعظم وأشد نكرًا.

    ألا إن المسلمين يفزعون إلى جلالة الملك أن يحميهم من اعتداء المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ويفزعون إلى جلالته أيضًا أن يحميهم من هؤلاء الناس الذين ينصبون أنفسهم للدفاع عن الدين، وهم حرب عليه.

    كوكب الشرق ١٠-٦-١٩٣٣