Tag: Translation

  • شعر الرعاة

    شعر الرعاة

    طه حسين

    ؟؟

    ٧ مايو ١٩٥٨

    إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.

    هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.

    ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.

    والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.

    هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.

    وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.

    ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.

    على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.

    لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.

    وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.

    ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.

    والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.

    ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.

    ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.

    وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.

    ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.

    وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.

    وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.

    فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.

    ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء.

  • أدبنا العربي أدب عالمي …

    أدبنا العربي أدب عالمي … من الحمق أن يُقال إن أدبنا أدب محلِّي
    طه حسين
    مجلة الهلال
    مارس ١٩٥٧

    عُقِدَ في سبتمبر الماضي بدمشق المؤتمر الثاني لأدباء العرب، وكان من بين المحاضرات القيِّمة التي أُلْقِيَتْ فيه هذه المحاضرة النفيسة التي ننشر منها هذه الصفحات.

    ما هو الأدب العالمي؟
    أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟

    أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.

    فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.

    ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.

    الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.

    فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟

    وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.

    الأدب العربي القديم عالمي
    فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.

    هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.

    وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.

    وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.

    فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.

    وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.

    وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.

    لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.

    وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.

    أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.

    وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.

    وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.

    تفوق اللغة العربية
    أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.

    فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.

    ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.

    والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.

    وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.

    أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.

    وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.

    ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.

    الغرب مدين للثقافة العربية
    ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.

    كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.

    مزاعم وأخطاء
    بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.

    يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.

    واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.

    والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.

    والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.

    الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.

    والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.

    وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.

    أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …

    أدبنا الحديث أدب عالمي
    أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟

    من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.

    هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.

    أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.

    وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

    يجب أن نكون عربًا
    وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.

    هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.

    يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.

    برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …

    أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …

    مقاومة الغرب لنا
    إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.

    وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.

    وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.

    يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن.

  • والفلسفة

    والفلسفة
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ مايو ١٩٥٥

    نعم والفلسفة، أنترجمها إلى العربية كما ترجمها الأولون من العرب فغيَّروا بترجمتها طبيعة الحياة العربية، وأقاموا بفضلها هذه الحضارة الإسلامية الرائعة التي كان لها أثرها الخطير في إحياء أوروبا في القرون الوسطى … قبل أن يُتاح لها العلم المباشر بفلسفة الأولين وآدابهم وفنونهم على اختلافها؟

    هذا سؤال لا يُلْقِيه المعاصرون كما ينبغي أن يُلْقى، ولا يفكرون فيه كما يجب أن يكون التفكير فيه، وإنما يَقْطَعون فيه بالرأي الحازم الجازم، ثم يهجمون برأيهم هذا في غير تحفظ ولا تثبت ولا روية؛ ليهدموا آراء غيرهم هدمًا ويدكوها دكًّا.

    فالمعاصرون من كُتَّابنا محاربون يُتْقِنون أساليب الهجوم ويتفقون في المصاولة والمجاولة والمطاولة حتى حين لا يصاولهم ولا يجاولهم ولا يطاولهم أحد، ولعلَّهم إنما يهاجمون حيث لا موضع للمهاجمة، ويَصُولون ويَجُولون حيث لا موضع لصيال أو جيال، وربما كان الخير في أن يأخذوا ما يعرض لهم من الأمور أخذًا رفيقًا هيِّنًا، فيه شيء من سعة الخُلُق وسماحة النفس وسجاحة الطبع، ورجاحة الحلم. ذلك أجدر أن يهديهم ويهدي غيرهم إلى الحق، وأحرى أن يدلهم ويدل غيرهم على الصواب، ولكنهم أخذوا أنفسهم بالعنف في غير موضع للعنف والجدال في غير حاجة إلى الجدال.

    والقصة كلها تنحل كما يُقال إلى عناصر ثلاثة تعمل مُجْتَمِعةً أحيانًا وتعمل متفرقة أحيانًا أخرى؛ فأحد هذه العناصر الافتتان بالألفاظ والانخداع بالظواهر؛ قوم يَرَوْن المخترعات الحديثة وما أُتِيحَ للغرب عامة ولأمريكا خاصة من التفوق في تجديد الحياة المادية التي يحياها الناس وابتكار الأدوات الرائعة والمروعة فيُبهَرون ويُسْحَرون، وقد أُلْقِيَ في روعهم أن هذه المخترعات التي تملأ الحياة دعة وسعة، والتي تعرض الحياة للموت والفناء، إنما مَرَدُّها إلى تقدُّم العلم ورُقِيِّه فيدعون مُسْرِعين إلى ترجمة العلم، لا يتحفظون ولا يتثبتون ولا يسألون أنفسهم كيف تكون ترجمة العلم، ولمن تكون ولماذا تكون، ومن الذين سينتفعون بهذه الترجمة؟ … وما عسى أن يكون أثر هذه الترجمة في تمكين العرب خاصة والشرقيين عامة من المشاركة في الاختراع، والابتكار، وتجديد الحياة، وتعريضها للهول والفناء؟

    وثاني هذه العناصر ما أَلِف الناسُ في هذه البلاد مِنْ تَعَصُّبِ كل امرئ لِمَا يُحْسِن ولِمَا يظن أنه يُحْسِن، فالمؤرخ لا يعدل بالتاريخ علمًا، والفيلسوف لا يعدل بالفلسفة شيئًا، والرياضي يرى الرياضة أول العلم وآخره، والأديب يرى الأدب قوام الحياة!

    وقد بلونا ذلك حين رأينا رجال التعليم يحاولون أن يضعوا مناهج الدرس وبرامجه للمدارس الابتدائية والثانوية، فتتعصب كل جماعة لِمَا تمارس من ألوان العلم، يريد كل فريق منهم أن يقيم التعليم ومناهجه وبرامجه على اللون الذي يفرغ له ويتخصص فيه، وينسون جميعًا أن الثقافة مزاج يجب أن يأتلف من عناصر مختلفة، وأن تعتدل فيه هذه العناصر فلا يطغى بعضها على بعض.

    أما العنصر الثالث فيَسِيرٌ جدًّا؛ وهو الحرص على المشاركة في كل ظاهرة من ظواهر النشاط للظفر بنصيب قليل أو كثير من نتائج هذا النشاط، مادية كانت أو معنوية.

    وقد قِيلَ للناس إن رئيس الحكومة أرصد خمسين ألفًا من الجنيهات للترجمة؛ فكل قادر على الترجمة ينبغي أن يكون له نصيب من هذه الألوف الخمسين، نصيب قليل أو كثير؛ فشيء خير مِنْ لا شيء، ومَالُ الشعب يجب أن يُرَدَّ إلى أكثر عدد ممكن من الشعب، وأُحِبُّ أن أُرِيح هؤلاء الطامعين الطامحين بالحق وبغير الحق؛ فأؤكد لهم أن رئيس الوزراء لم يضع تحت تصرُّفي ألفًا واحدًا ولا آلافًا قليلة، ولا ألوفًا كثيرة، ولم يُطْلِق يدي في مال ما لأنفقه كما أحب وأهوى، وإنما أظهر استعداده للعناية بشئون الأدب والفن والإنتاج الثقافي كله، وعَهِد إلى زميله وزير التربية والتعليم بوضع ما تقتضيه هذه العناية من نظام.

    ووزير التربية والتعليم جادٌّ فيما طلب الرئيس إليه؛ فَلْيَنْتَظِرِ الطامعون والطامحون إذن، فقد يُتاح لكل واحد منهم نصيبه من هذه الألوف التي قد تبلغ الخمسين وقد تزيد عليها كثيرًا.

    ولْنَعُدْ بعد ذلك إلى الذين يجادلون ويناضلون ويجاولون ويصاولون منخدعين بالألفاظ والظواهر أو متعصبين لِمَا يُحْسِنون، أو ما يظنون أنهم يُحْسِنون من ألوان المعرفة فندعوهم إلى كلمة سواء تريحهم وتريحنا وتريح الناس جميعًا من هذا الجدال العقيم الذي لا يُغْنِي عن أحد شيئًا.

    فأما الذين يُحِبُّون ترجمة العلوم، فمن حقهم أن يطلبوا ذلك إلى العلماء وإلى الحكومة، وقد أُنْشِئ في مصر منذ حين مجلس البحوث العلمية، فليطلبوا إليه من ترجمة العلم ما يريدون، وليطلبوا إلى الدولة أن تُيَسِّر له ذلك، فتُعِيد النظر في نظامه وتمنحه من المال ما يمكنه من البحث وإعانة الباحثين، وما يمكنه من الترجمة وإعانة المترجمين إلى أبعد حد ممكن. فليس عليهم في مطالبة المجلس والحكومة بهذا كله حرج أو جناح؛ فهم يعيشون في وطن ناهض طامح إلى المجد حريص على أن يشارك في تنمية الحضارة الإنسانية، ومن حقهم أن يطالبوا بتوجيه هذا الطموح إلى حيث يرون الخير.

    وأما الذين يطلبون ترجمة الفلسفة فمن حقهم أن يطلبوا هذه الترجمة إلى المجلس الجديد الذي تريد الحكومة إنشاءه ليقوم على رعاية الآداب والفنون والثقافة، وأظنهم لا يكرهون أن ينتظروا نشأة هذا المجلس، فإذا تمَّتْ نشأته وأخذ في عمله طلبوا إليه ما يحبون.

    وأنا مؤمن أشد الإيمان وأقواه بأن ترجمة أصول الفلسفة الإنسانية ضرورة من ضرورات الحياة الراقية في كل وطن يطمح إلى الرقي ويجد في سبيله، وأنا مؤمن كذلك بأن لا أمل لوطن حي يريد أن يرقى وأن يكون لحياته حظ من خصب، لا أمل لهذا الوطن في أن يبلغ ما يريد إلا إذا عرف أصول الفلسفة الإنسانية على اختلاف مذاهبها وأوطانها.

    ولكن كنت أحب لهؤلاء ألا يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بهذا الكلام الذي يُرْسَل إرسالًا في غير تحفظ ولا تثبت ولا احتياط؛ فالأولون من العرب لم يُؤْثِروا الفلسفة على الأدب حين ترجموا ما ترجموا من آثار الأولين، وإنما ترجموا ما عرفوا وما أُتِيحَ لهم أن يترجموا. ولو أنهم عرفوا الآداب اليونانية واللاتينية كما كان ينبغي أن تُعْرَف لما قصَّروا في ترجمتها.

    وما أكثر السخف الذي يُقال عن غير بحث أو تحقيق! فالعرب لم يترجموا شعر هوميروس ولا شعر بندار، والعرب لم يترجموا تمثيل الشعراء التمثيليين إعراضًا منهم عن هذه الألوان من الأدب؛ لأنها كانت — فيما يزعم الزاعمون — وثنية لا تلائم الإسلام. كأن كل ما ترجموا من الفلسفة كان يلائم الإسلام ويطابقه ولا يخالفه قليلًا أو كثيرًا!

    ولا أعرف مقالة أشد إمعانًا في الحمق والسخف من هذه المقالة؛ فقد ترجم العرب من فلسفة الفلاسفة ما يُخالِف الإسلامَ أشد الخلاف، لم يمنعهم ذلك من ترجمته والرد عليه، وقد وُجِد بينهم في العصور الأولى من خلب لُبَّه بعضُ الآراء الفلسفية المخالفة للدين؛ فألَّفَ في ذلك الكتب وكتب فيه المقالات ونَظَم فيه الشعر، يجاهر بذلك حين تُتاح له المجاهرة ويَسْتَخْفي بذلك حين لا يكون له بد من الاستخفاء، إنما ترك العرب ترجمة الآداب القديمة؛ لأنهم لم يعرفوها حق معرفتها وهم لم يعرفوها لأن المسيحية هي التي سبقت إلى الإعراض عنها واضطرتها إلى أن تستخفي وتختبئ حتى تُستكشَف في العصور الحديثة.

    وقد كان المسيحيون كما كان المسلمون يذكرون الشعراء القصصيين والغنائيين والتمثيليين؛ لأن أسماء هؤلاء الشعراء وقعت إليهم، ولكن أولئك وهؤلاء لم يقرءوا آثار هؤلاء الشعراء؛ لأنها لم تكن شائعة ولا مألوفة عند اليونانيين في الشرق، ولا عند الذين كانوا يتكلمون اللاتينية في الغرب.

    وأنا مطمئن إلى أن العرب لو عرفوا الشعر التمثيلي اليوناني جده وهزله لترجموه، ولحاولوا أن يصنعوا مثله ولحاولوا كذلك أن ينشئوا التمثيل، وأن يجعلوه فنًّا عربيًّا أصيلًا كما ترجموا الفلسفة ثم جعلوها فلسفة عربية أصيلة.

    فالعرب إذن لم يتعمدوا الإعراض عن ترجمة الآداب القديمة وإنما اضطروا إلى هذا الإعراض اضطرارًا، وهَبْهم تعمَّدوا هذا الإعراض، فمَنِ الذي يستطيع أن يلزمنا أن نخطئ كما أخطأوا ونقصر كما قصروا — إن كانوا قد تورطوا في خطأ أو تقصير؟!

    لِيَطْمَئِنَّ الذين يريدون ترجمة الفلسفة؛ فستُتَرْجَم الفلسفة إلى اللغة العربية ما في ذلك شك، وسيُتَرْجَم قديمها وحديثها مهما تختلف مذاهبها وأوطانها؛ لأن طبيعة الحياة المصرية الحديثة تقتضي هذه الترجمة وتفرضها فرضًا، وفيمَ هذه الخصومة كلها أو فيمَ كل هذا اللغو الذي لا ينفع ولا يفيد؟!

    لقد قُلْتُ في حديث مضى إن الناس جميعًا لا يستطيعون أن يقرءوا العلم، ولا أن يصبحوا بحكم هذه القراءة علماء، وإن العلماء يُحْسِنون اللغات الأجنبية ويقرءون فيها علمهم وهم ليسوا في حاجة إلى أن يُتَرْجَم لهم، وأقول مثل هذا بالقياس إلى الفلسفة فليس كل الناس يستطيع أن يسيغ فلسفة ديكارت، وكانت، وأوجست كونت، وأمثالهم من أعلام الفلسفة في العصور القديمة والحديثة، وإنما يسيغها وينتفع بها الذين يقرءون لها من الأساتذة والطلاب وأصحاب الثقافة العليا.

    وكل هؤلاء يُحْسِن لغة أو غير لغة أجنبية، فترجمة العلم والفلسفة تستطيع أن تنتظر قليلًا حتى تُهَيَّأ لها الوسائل المادية والفنية وليس في انتظارها ضرر قليل أو كثير، ولا أعرف أحدًا يستطيع أن يجادل في أن قُرَّاء الأدب والمنتفعين به والحريصين عليه أكثر جدًّا من قُرَّاء العلم والفلسفة، وأنا حين أفكر في هذه الأشياء لا أفكر في مصر وحدها، وإنما أفكر في البلاد العربية كلها، وأفكر في كل الذين يتخذون اللغة العربية وسيلة إلى الثقافة وإلى الثقافة العليا خاصة، وأنا لا أحاول ترجمة شكسبير وغيره من أعلام الأدب والثقافة باسم الحكومة المصرية، وإنما أحاول ذلك باسم الجامعة العربية التي تعمل للعالم العربي كله.

    فليس بأس إذن من أن نبدأ بما ينفع أضخم عدد ممكن من العرب، وأن ننتظر قليلًا بما ينفع الخاصة حتى يُتاح لنا من الأسباب ما يمكننا من أن نترجم للخاصة وللكثرة معًا، ولن يطول هذا الانتظار؛ فالحكومة معنية بهذا الأمر جادَّة فيه كما لم تُعْنَ به ولم تجدَّ فيه حكومة أخرى مِنْ قَبْلِها.

    فالذين يخلصون للعلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين، والذين يحرصون على أن يكون لهم نصيب من النشاط في ترجمة العلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين أيضًا، والذين يطمعون في أن يأخذوا بحظوظهم من الألوف الخمسين أو الستين أو من مئات الألوف يستطيعون كذلك أن ينتظروا مطمئنين، فإذا كانوا لا يحبون الانتظار ولا يريدون إلا العجلة فليوجهوا إلحاحهم وتعجلهم إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم لا إليَّ أنا؛ فلستُ أَمْلِك من هذه الألوف الكثيرة أو القليلة شيئًا، ولو قد ملكتُ منها شيئًا لملأت عليهم الأرض علمًا وفلسفة وأدبًا وفنًّا، ولا أكرهتهم على أن يطالبوني بشيء من الريث والأناة لكثرة ما أفرض عليهم من الجد والجهد والنشاط.

    أما بعد، فإن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:

    قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَها فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلِجَا

    وأي تقدير للخطر أوجب من تقدير الوسائل المادية والفنية التي تتيح لنا الترجمة في غير تعرض لزلل أو لخلل أو توقف في أثناء الطريق؟!

  • الإثم العظيم …

    الإثم العظيم …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١١ مايو ١٩٥٥
    كان إثمًا عظيمًا أنْ أخذت في الإعداد لترجمة الآداب العالمية إلى العربية.
    اختلطت الأمور، وجرت أقلام بكلام كنت أحب لها ألَّا تجري بمثله.
    الثقافة العربية تقوى بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية.
    أنا أدعو المواطنين ملحًّا أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباهه.
    أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال أكثره نشأ في أيام الملوك.
    كان إثمًا عظيمًا عند بعض الكُتَّاب هذا الذي أَقْدَمْت عليه حين أخذتُ في الإعداد لترجمة الآداب الأدبية العليا إلى اللغة العربية، ويظهر أني غارق في هذا الإثم العظيم إلى أُذُنِي منذ أول الشباب؛ فقد كنت مشغوفًا أيام الطلب بالتهام كل ما يترجم إلى اللغة العربية من الكتب مهما تكن قيمته، ومهما يكن خطره؛ لأني كنت أرى في هذه الكتب ألوانًا من المعرفة لا عهد لي بها، وأرى فيها تجديدًا لنفسي وتثقيفًا لعقلي وتزكية لقلبي، ولم أكد أُلِمُّ بأوليات اللغة الفرنسية حتى دعاني صديق كريم — رحمه الله — إلى أنْ أشاركه في ترجمة كتاب في الفلسفة الخلقية من اللغة الفرنسية (هو كتاب الواجب لجول سيمون) فاستجبت لدعوته مشغوفًا بهذا العمل أشد الشغف، حريصًا عليه أعظم الحرص، مشوقًا إلى ما سأكسبه من المعرفة، سعيدًا بأني سأتيح لمئات وألوف مثلي من الشباب أنْ يكسبوا معرفة جديدة، وأنْ يثقفوا عقولهم، ويزكوا قلوبهم، ويجددوا نفوسهم، ويضيفوا إلى نشاطهم نشاطًا خصبًا ينفعهم وينفع الناس.

    ولم أكد أتم الدرس في فرنسا وأعود إلى مصر، حتى أخذت في إظهار المواطنين على ألوان جديدة من المعرفة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أترجم حينًا وألخص أحيانًا، وأغري دائمًا بالترجمة والتلخيص، أوثر الترجمة حين تتاح وسائلها، وأضطر إلى التلخيص حين لا يكون إلى الترجمة سبيل، مؤمنًا بأن الثقافة العربية إنما تقوى وتنمو وتزداد خصبًا وغنًى وإمتاعًا وإحياءً للنفوس، وإذكاءً للنهضة بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية مهما تكن هذه الأمم.

    ومن أجل ذلك تَرْجَمت ولَخَّصْت ودَفَعْت غيري دفعًا إلى أنْ يترجموا، ويلخصوا من آداب اليونان والرومان والفرنسيين والإنجليز والألمانيين والإيطاليين والفرس شيئًا كثيرًا، عاشت عليه أجيال من المصريين والشرقيين العرب وقتًا، وأحسب أنها ستعيش عليه أوقاتًا، ثم بدا لي أنَّ هذا الذي دفعت إليه نفسي ودفعت إليه غيري محتاج إلى شيء من النظام، وأنَّ الخير كل الخير في أنْ يُنَظَّم نقل الثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية، بحيث يتاح لنا في وقت قصير أو طويل أنْ نصنع صنيع الأمم الأخرى، وننقل إلى لغتنا أصول الآداب والثقافات الأجنبية إغناءً للغة نفسها من جهة، وإحياءً لقلوب الذين يتكلمونها، وإذكاءً للنهضة العربية من جهة أخرى، وقد اعتقدت دائمًا أنَّ لمصر مركزها التاريخي الجغرافي الخطير بين أقطار الأرض، وأنها قد نهضت دائمًا بواجبها الثقيل الرفيع، وهو نقل الثقافة الشرقية إلى الغرب، ونقل الثقافة الغربية إلى الشرق.

    وإنها من أجل ذلك أساس من أسس الحياة العقلية الإنسانية، وإنَّ قوتها ونشاطها ونهوضها بهذا الواجب شرط أساسي ليشرق نور المعرفة على الشرق والغرب جميعًا، وليتحقق التوازن بين الشرق والغرب أيضًا.

    ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة حاولت أنْ آخذ في هذا التنظيم، وأنْ أهيئ له أداة في وزارة المعارف، وحاولت أنْ أنقل شكسبير إلى اللغة العربية، كل ذلك إلى الذين يحسنون اللغة الإنجليزية والعربية من شبابنا، وأنْ أصنع مثل ذلك بآثار فريق من أعلام الأدباء الفرنسيين الذين يشبهون في فرنسا شكسبير في إنجلترا، ولكن ظروف الحياة التي كنا نحياها حالت دون التوفيق إلى ما كنت أريد.

    ولم أحاول أنْ أصنع مثل ذلك بأدباء الأمم الأخرى؛ لأن علمنا بلغاتها لم يكن مرضيًّا، فلم أجد بُدًّا من الصبر على ذلك الإخفاق حتى تتاح لنا حياة خير من حياتنا تلك، وحاولت بعد ذلك أنْ أنهض بهذا العمل غير معتمد على سلطان الدولة، فلم أجد المال واضطررت إلى إخفاق جديد.

    وحين نهضت بأعباء وزارة المعارف حاولت أنْ أستأنف هذا الجهد، وأرصدت في ميزانية الوزارة مقدارًا ضئيلًا من المال للبدء فيه، ثم تركت الوزارة، ولم أدرِ ما صنعت الأقدار بهذا المال الذي أرصد في الميزانية، ولا بهذا الجهد الذي حاولت النهوض به، ثم دُعيت إلى رئاسة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية، ورأيت في ميزانيتها شيئًا قليلًا من مال أُرصد للترجمة فوجهته إلى شكسبير، ولو قد كان هذا المال أكثر مما هو لوجهت بعضه إلى غير شكسبير من أدباء الأمم الأخرى، ولكن شيئًا خير من لا شيء.

    وعلمت من حديث لي مع رئيس وزرائنا ومع وزير التربية والتعليم أنَّ الحكومة القائمة مؤمنة مثلي بوجوب الترجمة لأصول الثقافة الأجنبية على أوسع مدى ممكن؛ فاغتبطت لذلك أعظم الغبطة وأعمقها، وأنا أرجو مخلصًا أنْ يكون حظ حكومة الثورة من التوفيق إلى الخير في هذا الموضوع خيرًا من حظ غيرها من الحكومات. ولكني لم أكَد آخذ في تنفيذ ما صممت عليه من ترجمة شكسبير حتى كثر الأخذ والرد، واختلطت الأمور في كثير من العقول، وجرت أقلام في بعض الصحف بكلام كثير كنت أحب لها ألا تجري بمثله؛ لأنه مع الأسف الشديد إنْ صور شيئًا، فإنما يصور التفكير السريع والأحكام العاجلة والآراء المخطوفة، التي تمتحن بها حياتنا العقلية في هذه الأيام.

    قال بعض الكُتَّاب: لا تترجم الآداب الأجنبية الغربية، ولا تترجم الآداب الأجنبية الشرقية، وأيسر ما يقال لأصحاب هذه الدعوة: إنَّ ترجمة الآداب الأجنبية الشرقية واجبة ويجب أنْ تتخذ لها الأسباب، وتبتغي إليها الوسائل، وأول هذه الأسباب والوسائل هو العلم بلغات هذه الآداب الشرقية، فالذين يريدون أنْ يترجموا ما ورث أهل الهند عن قدمائهم يجب قبل كل شيء أنْ يتعلموا اللغة التي كُتبت بها هذه الآداب، وإلى أنْ يتم تعلُّم هذه اللغة، ويوجد المترجمون منها إلى اللغة العربية — ونرجو أنْ يكون ذلك قريبًا — يحسن أنْ نمضي فيما نستطيع من الترجمة عن اللغات الغربية التي يحسنها شبابنا. والحمد لله فإن بين شبابنا الآن من يستطيعون أنْ يترجموا عن أكثر اللغات الأوروبية الكبرى لا تنقصنا منها إلا اللغة الروسية، وليس قليلًا أنْ نستطيع الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وقد كنا لا نطمع في شيء من ذلك منذ خمسة عشر عامًا.

    وقال قائلون: لا تترجموا الأدب، ولكن ترجموا العلم؛ فبالعلم نحيا وعلى العلم نعيش، والعلم هو الذي يعيننا على استثمار الزراعة والصناعة والتجارة إلى أقصى حدود الاستثمار، وهو الذي يجعلنا أمة قوية كما جعل الأمم الأوروبية والأمريكية أممًا ذات سلطان واسع وبأس شديد. وأقل ما يوصف به هذا الكلام أنه يصور قصورًا في التفكير، وتعجلًا في الحكم، وخطفًا للرأي في غير روية ولا أناة.

    فليس من شك في أنَّ للعلم خطره العظيم في حياة الأمم، ولكن ليس من شك أيضًا في أنَّ الأدب ليس أقل خطرًا في حياة الأمم من العلم، وكم أتمنى على أصحاب هذه الدعوة أنْ يحدثوني عن أمة واحدة أوروبية أو أمريكية عاشت بالعلم وحده، ولم يكن حظها من الأدب موفورًا، كما أنَّ حظها من العلم موفور، ومن الحمق كل الحمق أنْ نزعم أنَّ العلم وحده هو الذي يحيي الأمم ويقويها، وعسى أنْ يكون حظُّ الأدب في حياة الأمم وقوتها مثل حظِّ العلم إنْ لم يكن أعظم منه وأبعد منه مدى. والموازنة بين العلم والأدب وأثرهما في حياة الأمم وبين حاجة الأمم إلى هذا أو ذاك سخف، لا يليق بالمثقفين حين يحيون في العصر الذي نعيش فيه.

    ولم أنسَ بعد ما قاله لي عضو من أعضاء مجلس الجامعة المصرية القديمة منذ خمسة وثلاثين عامًا، وكان مهندسًا، لو استطعت أنْ ألغي كل هذه الدروس التي تُلقى في الجامعة، وأنْ أعلِّم الطلاب مكان هذه الآداب صناعة الساعات لفعلته، ولكنت بذلك أسعد الناس. ضحكت وضحك معي الذين سمعوا هذا الحديث، وأضفنا ذلك الرأي الغريب إلى سن ذلك المهندس الشيخ، فكيف ونحن نسمع ونقرأ الآن كلامًا يشبهه، يكتبه أصحابه في غير تردد ولا تحفظ كأنهم يكتبون لقرائهم العلم كل العلم، ويدلونهم على المثل الأعلى الذي ينبغي للشعوب أنْ تجدَّ في السعي إليه.

    وهؤلاء السادة لا ينسون إلا شيئًا واحدًا، وهو أنا لا نعرف أمة عاشت بالعلم دون الأدب، وأنَّ حياة الأمم بالعلم وحده جحيم، نرجو أنْ يجنب الله الإنسانية شره؛ لأن فيه فناءها إلى غير رجعة، ولمن يريد هؤلاء السادة أنْ يترجم العلم! أيريدون أنْ يترجم للعلماء الذين يقرءونه في لغاته المختلفة، فهم الآن غير محتاجين إلى أنْ يترجم لهم!

    أم يريدون أنْ يترجم للشعب، وماذا يصنع الشعب بالعلم حين يترجم له؟!

    أيأكله أم يشربه، وهل يظن هؤلاء السادة أنَّ العلم شيء يسيغه أوساط المثقفين من أبناء الشعب، فضلًا عن الذين لم يبلغوا الثقافة المتوسطة؟ أم يريدون أنْ تترجم للشعب بسائط العلم؟ ومن الذي يمنعهم من أنْ يفعلوا؟ وما أكثر الذين يترجمون بسائط العلم لعامة المثقفين، ولكنا نفكر في شيء غير هذا وفي شيء بعيد عن هذا كل البُعد.

    نفكر أنْ نترجم أصول الأدب والثقافة التي دفعت الأمم إلى أنْ تحيا وترقى وتعنى بالعلم نفسه، والتي أتاحت للعلماء أنفسهم أنْ يحيوا وينتفعوا وينفعوا بعلمهم. ومن يدري أكان من الممكن أنْ يوجد العلم لو لم يسبقه الأدب إلى الوجود!

    ومن يدري أكان من الممكن أنْ ينمو العلم لو لم يعاصره نمو الأدب وازدهاره!

    وأغرب ما قيل في هذا الموضوع أنَّ ترجمة شكسبير شر؛ لأن شكسبير كان من الشعراء الملوكيين الذين تملقوا الملوك والأرستقراطية وازدروا الشعب، وغضوا من شأن الفقراء والبائسين. يكتب هذا الكلام في هذه الأيام، ويجد من أوساط الناس من يقرأه ويسمع له، وينتشر هذا السخف بين طبقات من الناس فتضيع قيم الأشياء، ويفسد رأي الناس وحكمهم، وكأن ثقافتنا محتاجة إلى أنْ تمتحن بهذا الضلال البعيد.

    وما رأي هذا الكاتب الذي يذيع في الناس مثل هذا الكلام في أنَّ أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال الطوال قد كان أكثره — إنْ لم يكن كله — أدبًا نشأ في أيام الملوك والأرستقراطيات، كما نشأ العلم والفلسفة والفن في أيام الملوك والأرستقراطيات، وقُدم إلى الملوك وأشراف الناس. أيجب من أجل ذلك أنْ تصد الإنسانية عن تراثها الثقافي كله، وأنْ تبدأ تاريخها من أواخر القرن الثامن عشر حين نشر الأمريكيون والفرنسيون إعلانهم لحقوق الإنسان، وحين شاعت الديمقراطية في الناس، وحين كان الاعتراف بحق الشعوب.

    يجب إذن أنْ تُحرق دور الكتب ومتاحف الفن، وأنْ تدمَّر الآثار الفنية الخالدة تدميرًا، وأنْ تعيش الإنسانية الجديدة على ما أنتجت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، ولن تستطيع أنْ تعيش على ما أنتجت في هذين القرنين؛ لأنه إنما اشتُقَّ من هذا التراث الضخم الذي يبغضه هذا الكاتب، ويريد أنْ تعرض عنه الإنسانية إعراضًا.

    نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله والذين يسمعون له ويجرون معه في طريقه هذه المعوجة الملتوية، أنْ يرزقه سداد الرأي ويهديه إلى الحق، ويلهمه الصواب وينطقه به، ويجري به قلمه أيضًا؛ حتى لا يفسد على الناس عقولهم بمثل هذا السخف الذي لا ينبغي أنْ يُنشر في هذه الأيام.

    أما بعد؛ فإن ترجمة الثقافات الأجنبية — مهما يكن مصدرها ومهما يكن وطنها ومهما يكن لونها — واجب خطير، تقصر مصر أشنع القصور وأبشعه إذا لم تنهض به، ولم تسرع إلى النهوض به ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

    تبدأ من ذلك بما تقدر عليه، وتهيئ الوسائل لتناول ما لا تقدر عليه في أقرب وقت ممكن، فإن لم تفعل فقد خانت تاريخها وسفهت نفسها وحكمت على أبنائها بأن يظلوا عيالًا على غيرهم لا يصلحون لأن يستقلوا بشيء من الأشياء.

    وأنا أعيذ مصر وأبناءها من هذا الشر العظيم، وأدعو المواطنين ملحًّا عليه أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباه شكسبير من أعلام الأدب والثقافة، في كل قطر من أقطار الأرض، وفي كل جيل من أجيال الناس، قارئين ومترجمين ومفسرين وناقدين ومنتفعين بهذا كله، فهذه هي الحياة العقلية الجديرة بمصر والمصريين، والتي تحياها الأمم الراقية المتفوقة.

    وأما بعد؛ فإن ترجمة العلم واجبة، وعلى العلماء وحدهم أنْ ينهضوا بها، وعلى الدولة والشعب أنْ يعيناهم على الترجمة. ومهما يكن من شيء فأبواب مصر ونوافذها يجب أنْ تُفتح على مصاريعها؛ ليدخل منها العلم والثقافة والأدب دون أنْ يحول حائل بينها وبين النفوذ إلى العقول والقلوب وأعماق الضمائر. فليتورط المصريون إذن معي في هذا الإثم العظيم، إثم الترجمة لكل ما ينفع العقل والقلب والضمير.

  • مشكلة اللغات الأجنبية

    مشكلة اللغات الأجنبية

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ١٨ يناير ١٩٤٨

    عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

    هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

    الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

    الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

  • النفس والرقص

    النفس والرقص


    للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري

    ترجمة الدكتور طه حسين

    استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم.

    وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها

    الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول

    والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد.

    الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذه الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره.

    الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً.

    الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أننا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه.

    وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر.

    والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة.

    أركسيماك – أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. .

    وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟

    فيدر – لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون.

    اركسيماك – ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟

    سقراط – هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . .

    اركسيماك – هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها.

    سقراط – تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟

    اركسيماك – رأيي إني أرى ما ترى

    سقراط – يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة.

    اركسيماك – لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر

    فيدر – ما هذه الأدوية؟

    اركسيماك – هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي.

    سقراط – أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك

    فيدر – وما هما؟

    سقراط – الصدق والكذب.

    فيدر – وكيف ذلك؟

    سقراط – أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.

    أركسيماك – حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة

    سقراط – أي نتيجة

    أركسيماك – هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا

    سقراط – ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك – إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها.

    فيدر – يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! – هن يدخلن كأنهن الأرواح

    سقراط – لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب – كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة!

    فيدر – هي رودبيس هذه التي تخلبك

    سقراط – إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه

    اركسيماك – كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة.

    سقراط – وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟

    اركسيماك – هي رودينا

    سقراط – ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها!

    اركسيماك – على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما – نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس – رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد.

    فيدر – ومن تملك على هذه النحل؟
    اركسيماك – هي المدهشة، هي البالغة غاية الإبداع في الرقص (اتكتيه)

    فيدر – ما أعرفك بهن!

    اركسيماك – لكل هؤلاء الحسان أسماء كثيرة أخرى بعضها يأتيهن من الاسرة، وبعضها يأتي من الاخصاء

    فيدر – أنت أخص هؤلاء الأخصاء!. . تعرفهن اكثر مما ينبغي!

    اركسيماك – أنا اعرفهن اكثر جدا من المعرفة الحسنة، ومن بعض الأنحاء أحسن مما يعرفن أنفسهن. أي فيدر! الست أنا الطبيب؟ عندي وبي تستحيل أسرار الطب كلها، أسرارا تشترى بها كل أسرار الراقصة! هن يدعونني لكل شيء، يدعونني لالتواء القدم، وللدمل، والذهول، ولما يمس القلب من حزن، وللأحداث المختلفة التي تصيبهن من الصناعة (وهذه الأحداث الجوهرية التي تنتج في سهولة من مهنة شديدة الحركة) وضبقهن الخفي، حتى الغيرة سواء أكان مصدرها الفن أو الغرام، وحتى للحلم. . أتعلم انه يكفي ان يسررن إلى ببعض ما يقلقهن من الأحلام لاستنبط من ذلك ان في بعض أسنانهن فساد؟

    سقراط – يالك من رجل خليق بالإعجاب يعرف الأسنان بالأحلام! أتظن إن أسنان الفلاسفة كلها فاسدة؟

    اركسيماك – لتحمني الآلهة من عض سقراط؟

    فيدر – دع هذا وانظر إلى هذه الأذرع والسوق التي لا تحصى! عدد ضئيل من النساء يظهر ألف شيء ألف مشعل، ألف رواق معمد قليل البقاء، عروشا، عمدا. . الصور تذوب تنمحي. إنما هي جماعة من الشجر حسان الغصون يهزها نسيم الموسيقى! أترى يا اركسيماك أن هناك حلما يصور من الألم واضطراب العقل اكثر مما يصور هذا الذي نراه الآن؟

    سقراط – ولكن هذا الذي نراه إذا حققت ابعد الأشياء عن الحلم أي فيدر العزيز

    فيدر – ولكني أنا حالم. . حالم بالعذوبة تضاعف نفسها بنفسها إلى غير حد بما يكون بي هؤلاء العذارى من التلاقي ومن تبادل الصور. حالم بهذا التماس الذي لا يوصف والذي يحدث في النفس بين الأزمنة، بين بياض الأذرع واشتباكها بمقدار، وأصوات هذه الأنغام المؤتلفة الخافتة والتي يظهر عليها كل شيء كأنه مصور محمول. تنفس اختلاط هؤلاء الفتيات الساحات كأنه شذى مسكي مركب، ويهيم محضري في هذا الظرف المختلط حيث تضل كل واحدة منهن مع رفيقة ثم تظهر مع رفيقة أخرى

    سقراط – إن نفسك لمفتونة باللذة، إن ما تراه لنقيض الحلم لا أثر للمصادفة فيه. . ولكن نقيض الحلم ما هو يا فيدر؟ إنما هو حلم آخر! حلم تنبه ويقظة يحلمه العقل نفسه! – وماذا يمكن أن يحلم العقل؟ لو حلم العقل صلبا قائما مثلج العين مطبق الفم كأنه سيد شفتيه – فالحلم الذييراه هل يكون إلا شيئاً كالذي نراه الآن – هذا العالم من القوة الدقيقة والتخيل المتعمد في عناية وإتقان! حلم، حلم، ولكنه حلم يملؤه التناسق كله نظام، كله فعل وغناء. . من يدري أي القوانين المقدسة تحلم هنا الآن وقد اتخذت وجوها نضرة واتفقت على أن تظهر للناس كيف تستطيع الأشياء الواقعة وغير الواقعة والمعقولة ان تمتزج وتأتلف حسب ما لآلهة الفن من مقدرة؟

    اركسيماك – من الحق يا سقراط ان كنز هذه الصور لا يقدر. . ألا تظن أن فكرة الآلهة هي بالضبط ما نرى وان هذا التشابه الفخم إلى غير حد. هذا التداور والتقابل والتقاطع التي لا تنتهي والتي تظهر لأعيننا ينقلنا إلى عالم المعرفة الإلهية؟

    فيدر – ما أجمله ما أظرفه هذا المعبد الصغير الوردي المستدير الذي يؤلفنه الآن والذي يدور في بطء كأنه الليل! انه ليتفرق فتيات أن الأردية لتتطاير وكان الآلهة قد غيروا من تفكيرهم

    اركسيماك – إن الفكرة الإلهية الآن هي هذه الجماعات الكثيرة المختلفة الألوان من الوجوه الباسمة. أنها تبدئ المعاد من هذه الحركات الحدة وهذه العَواصف اللذيذة التي تتألف من جسمين أو ثلاثة أجسام ثم لا تستطيع أن تفترق. . لقد وقعت إحداهن فيما يشبه الأسر فلن تخرج من سلاسلهن السحرية!

    سقراط – ولكن ماذا يصنعن فجأة؟. . . إنهن ليختلطن، ثم يمضين مسرعات!. . .

    فيدر – هي يطرن إلى الأبواب، ينحنين ليستقبلن اركسيماك – أي اتكتيه! أي اتكتيه!. . . يا للآلهة!. . اتكتيه الخافقة!

    سقراط – ليست شيئاً.

    فيدر – هي طائر صغير

    سقراط – شيء لا جسم له!

    اركسيماك – شيء لا ثمن له!

    فيدر – أي سقراط! كأنها تطيع إشكالا لا ترى!

    سقراط – أو تذعن لقضاء جليل!

    اركسيماك – أنظر! أنظر! أترى أنها تبتدئ بمشي الاهي؛ مشي يسير مستدير. . تبتدئ بأرقى ما عندها من الفن، تمشي في يسر على ما انتهت إليه من القمة! طبيعتها الثانية هذه أبعد ما تكون عن طبيعتها الأولى، ولكن يجب أن تشبهها، حتى تخدعنا عنها.

    سقراط – إني لاستمتع إلى أقصى حد بهذه الحرية. أن صاحباتها الآن لمستقرات كأنهن مسحورات. وأن الموسيقيات ليسمعن لأنفسهن دون أن يحولن أبصارهن عنها. . . يمتزجن بها كأنما يلححن في كمال التوقيع.

    فيدر – إحداهن كأنها المرجانة الوردية قد انعطفت على نفسها وهي تنفخ في قوقعة عظيمة.

    اركسيماك – صاحبة المزمار هذه العالية في الطول ذات الفخذين النحيفتين كأنهما المغزلان، قد لفت إحداهما على الأخرى، ومدت قدمها الظريفة التي تخفق إبهامها بوزن الموسيقى. . . أي سقراط ما ترى في هذه الراقصة؟

    سقراط – أي اركسيماك هذه المخلوقة الصغيرة تدعو إلى التفكير. . أنها تجمع على نفسها أنها تحتمل جلالا كان مفرقا فينا جميعا وكان يحل غير مشعور به كل الذين يشتركون في هذا اللهو. مشى يسير، وإذا هي الآهة، وإذا نحن جميعا كأننا الآلهة!. . . مشى يسير ايسر التسلسل كأنها تأجر الفضاء بأعمال جميلة متساوية وتضرب بعقبها حركات كالدنانير ذات الرنين. كأنما تعد وتحصي في قطع من الذهب الخالص ما ننفقه نحن غافلين نقدا عاديا من الخطوات حين نسعى لأي غاية من الغايات

    اركسيماك – أيها العزيز سقراط. إنها تعلمنا ما نعمل، مظهرة لنفوسنا في جلاء ما تأتي أجسامنا من الحركات، تظهر لنا ساقاها حركاتنا كأنها المعجزات. ثم هي تدهشنا بمقدار ما ينبغي أن ندهش

    فيدر – في أي شيء تمتاز هذه الراقصة عندك بشيء سقراطي، فتعلمنا من المشي كيف نعرف أنفسنا بأنفسنا خيراً مما كنا نعرفها،

    اركسيماك – في هذا بالضبط وهو أن خطواتنا تبلغ من اليسر والألف حدا لا نشرفها معه بملاحظتها في أنفسنا ومن حيث هي أعمال غريبة إلا أن يكون أحدنا مقعداً أو مريضاً فيضطره العجز إلى الإعجاب بها – وإذن فهن يحملننا كما يعرفن، ونحن نجهلهن، وهن يختلفن باختلاف الأرض والغاية والأخلاق والأحوال بل وضوح الطريق، ونحن ننفقهن في غير تفكير.

    ولكن انظر إلى هذا المشي التوقيعي الكامل. تمشيه اتكتيه على ارض لا عيب فيها، وهي حرة صريحة تكاد تكون مرنة تضع في تناسق على مرآة قوتها قدميها متتابعتين، عقبها يصب جسمها نحو مقدمة رجلها، ثم تمر رجلها الأخرى فتتلقى الجسم وتصبه إلى امام، وهكذا على حين تخط قمة رأسها البديعة في الحاضر الأبدي جبهة موجة متثنية

    وإذا كانت الأرض هنا كأنها مطلقة قد برت من كل عوج مفسد للتوقيع أو دافع إلى التردد فهذا المشي العظيم الذي لا غاية له إلا نفسه، والذي برئ من الوان الفساد على اختلافها يصبح نموذجا عاما

    (انظر أي جمال، أي أمن شامل للنفس ينشأ من طول خطواتها الفخمة، هذه الخطوات الممتلئة ملائمة لعددها الذي يلائم الموسيقى ولكن عدد الخطوات وطولها ملائمتان من ناحية أخرى لقوام الجسم

    سقراط – انك لتحسن الحديث عن هذه الأشياء أيها الخبير اركسيماك حتى أنى لمظطر إلى أن أرى كما تتفكر. إني لأنظر إلى هذه المرآة التي تمشي وتثير في نفسي شعور السكون لا اعني إلا بما لحركاتها من المساواة. . .

    فيدر – إنها لتقف بين محاسنها التي لا تنتهي. .

    اركسيماك – ستريان!

    فيدر – إنها تغمض عينها. .

    سقراط – إنها كلها في عينيها المغمضتين وحيدة مع نفسها في إفناء عنايتها الخاصة. تشعر كأنها أصبحت شيئاً حادثا جليلا.

    اركسيماك – انتظرا، ان. . . الصمت الصمت!

    فيدر – يالها لحظة حلوة! هذا الصمت تناقض. كيف السبيل إلى إلا أصبح. الصمت!

    سقراط – لحظة عذراء حقا. ثم لحظة نحس فيها كأن شيئا يجب ان ينقطع في النفس وفي الانتظار وفي الجماعة. . شئ ينقع ولكنه في الوقت نفسه كأنه يتصل.
    الرسالة (العددان ٢٥ و٢٦)

  • حول قصيدة

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    "أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها".
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

  • حياتنا العقلية

    حياتنا العقلية
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١٦ سبتمبر ١٩٢٩

    تأتلف الأمم وتتصل بينها أسباب المودة والحب، فيترجم بعضها عن بعض، وينقل بعضها ما لبعضها الآخر من علم وفلسفة، ومن أدب وفن، وتختلف الأمم وتتقطع بينها الصلات وتشبُّ بينها الحروب، فيترجم بعضها عن بعض أيضًا، وينقل بعضُها ما لبعضِها الآخَر من الآثار العقلية والفنية، ويكون النقل والترجمة أثرًا من آثار الحب والألفة، كما يكون النقل والترجمة أثرًا من آثار البغض والفرقة، على نحو ما قال الأستاذ العقاد في الفصل الممتع الذي نشره له الجديد منذ أسبوع.

    ولكن أمر الترجمة وما يكون من التقارب العقلي والفني بين الشعوب أعظم فيما يظهر وأبعد مدى مما ذهب إليه الأستاذ العقاد، فليس من المحقق أن المؤثرات المتصلة بالحب والبغض أو بالمنافع العاجلة، وما تستتبع من تنافس وجهاد، هي التي تبعث على الترجمة والنقل، وإن كانت قد تزيد الميل إليهما وتحثُّ الشعوب على الاستكثار منهما، على نحو ما حدث بعد الحرب الفرنسية الألمانية في آخِر القرن الماضي، وبعد الحرب الكبرى في هذا القرن. وليس من المحقق أن الشعب المغلوب، يُكثِر من النقل العلمي والأدبي عن الشعب الغالب، بل قد يكون الأمر على عكس ذلك من كل وجه، فينقل الشعب الغالب عن الشعب المغلوب كل شيء، ولا ينقل الشعب المغلوب عن الشعب الغالب شيئًا، وأظن الأستاذ العقاد لم يُرِدْ في الفصل الذي أشرتُ إليه آنفًا إلا أن يتحدَّث إلى قرَّائه بملاحظات وخواطر عنت له، فحاوَلَ أن يعلِّلَها تعليلًا يسيرًا على شيء من السرعة التي نتوخَّاها جميعًا حين نريد أن نكتب الفصول الأدبية للصحف اليومية والأسبوعية، وعلى شيء من السهولة التي نتوخَّاها جميعًا حين نكتب للذين يقرءون هذه الصحف، على اختلافهم وتفاوت حظوظهم من الثقافة وتباعدهم في النظر إلى الأشياء والحكم عليها، وأحسبه أيضًا لم يُرِدْ أن يتجاوز بهذه الملاحظات هذا العصر الحديث أو بعض نواحي هذا العصر الحديث، وما أشك في أنه لو استقبل هذا الموضوع بما تعوَّدَ أن يستقبل به الموضوعات التي يدرسها ويكتب فيها عن أناةٍ واستقصاءٍ، لَكان حُكْمه مغايرًا قليلًا أو كثيرًا للحكم الذي قرأناه منذ أيام.

    يقال إن اليونان نقلوا عن الأمم الشرقية علومًا وآدابًا، ومما لا شك فيه أنهم نقلوا عن هذه الأمم نُظُمًا وفنونًا، ومن المحقق أن الرومان قد نقلوا عن اليونان حضارتهم كلها، سواء منها المادي والمعنوي، وسواء منها العقلي والفني، بدءوا في هذا النقل قبل أن تشبَّ بينهم وبين اليونان حروب، وأكثروا منه وأمعنوا فيه بعد أن تمَّ لهم الفوز على اليونان، وأصبح هؤلاء اليونان عبيدًا للرومان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة من غير تجوُّزٍ أو إسرافٍ، ولم يَكَدِ اليونانُ ينقلون عن الرومان شيئًا لا قبل الخصومة ولا إبَّانها ولا بعدها، فالغالب هنا هو الذي أخذ عن المغلوب وأسرف في الأخذ عنه، حتى قال هوراس الشاعر الروماني:

    إن اليونان قد قهروا روما من ناحية الحضارة والثقافة، بينما قهرت روما اليونان من الناحية السياسية، وكان التنافس شديدًا جدًّا بين اليونان والفينيقيين في غرب البحر الأبيض المتوسط، واشتركت روما في هذا التنافس فلم ينقل الفينيقيون عن اليونان علمًا ولا آدابًا ولا فلسفة، ولم ينقل اليونان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا، ونقل الرومان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا يسيرًا جدًّا، فلم يكن الحب والبغض، ولا العداوة والصداقة هي المؤثرة في الترجمة إبَّان ذلك العصر.

    ومن المحقق أيضًا أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئًا، وكل ما كان هو أن الفرس أسلموا وطال عهدهم بالإسلام فتثقفوا بالثقافة الإسلامية، وكانت لهم آداب حديثة فيها أثر قوي للآداب العربية. ومن غريب الأمر أن هذه النهضة الفارسية التي ظهر فيها تأثُّر الفرس بالعرب لم تكن حين كان العرب غالبين والفرس مغلوبين، وإنما كانت حين تمَّ الفوز للفرس على العرب، وظفروا بالسلطان السياسي كله في الشرق الإسلامي، فكيف يعلِّل الأستاذ العقاد هذه الترجمة؟ بالحب أم بالبغض أم بالتنافس والجهاد؟

    أما أنا فألاحظ قبل كل شيء أن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول أرستطاليس في السياسة، وحيوانًا مفكِّرًا كما يقول أرستطاليس في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات ويشاركهم فيما يفكِّرون ويشعرون ويستحدثون، وطبيعته المفكِّرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرَّف حقائق الأشياء، فالترجمة إذًا أداة من أدوات الحياة الاجتماعية، وهي أداة من أدوات الحياة العقلية، وبمقدار حظ الشعوب من الحياة الاجتماعية والعقلية وحاجتها إلى تكميل هذين النوعين من الحياة، يكون حرصها على الترجمة.

    كانت الحياة الاجتماعية والعقلية عند الرومان والعرب ضعيفة محتاجة إلى شيء كثير لتكمل وتقوى، فنقل الرومان عن اليونان، ونقل العرب عن اليونان والفرس، ولم يحتج اليونان إلى أن ينقلوا عن الرومان، ولا عن العرب شيئًا، ولم ينقل الفرس عن العرب إلا بعد أن تمَّ لهؤلاء التفوق العقلي والاجتماعي، وآية ذلك تجدها في التاريخ الحديث نفسه حين استكشف الأوروبيون علومَ القدماء وآدابهم وفنونهم، فأحَسُّوا حاجتهم الاجتماعية والعقلية إلى نقلها، فأسرعوا إليها فترجموها ودرسوها، فكانت النهضة الحديثة.

    ومع أن الحياة الحديثة تخالِف الحياة القديمة وحياة القرون الوسطى بظهور المطبعة وكثرة المواصلات، فما زال الأمر كما كان لم يتغيِّر إلا تغيُّرًا إضافيًّا، فالحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة وفي القرون الوسطى.

    لا تستطيع أمة أن تعيش وحدها، فهي مضطرة إذًا إلى أن تتصل بغيرها من الأمم وتترجم عنها، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى، ومن هنا لا يكتفي الإنجليز والفرنسيون والألمان بأن يترجم بعضهم عن بعض، ولكنهم يترجمون عن العرب والفرس والترك والروس والصينيين، ومن هنا أيضًا كان حظ الغرب من الترجمة أكثر من حظ الشرق؛ لأن شعور الغرب في هذه الأيام بحاجته الاجتماعية أشد من شعور الشرق بهذه الحاجة.

    ولا تستطيع أمة، بل لا يستطيع فرد أن يستقلَّ بحياة عقلية منفصلة، بل هو مضطر إذا أراد البحث والتفكير والإنتاج العقلي إلى أن يعرف ما أنتج غيره فيما هو بسبيله من أنواع العلم والفن، فهو إذًا مضطر إلى أن يقرأ ما كتَبَ غيره في لغته القومية أو في اللغات الأجنبية الأخرى، والترجمة هي الأداة لهذا الاتصال العقلي كما هي الأداة للاتصال الاجتماعي، وهي أداة ناقصة دائمًا، فلن يجد الأفراد الذين يحرصون على تحقيق هذه الصلة العقلية والاجتماعية بين الأمم من التراجم ما يرضي هذه الحاجة؛ لذلك يتعلَّمون اللغات الأجنبية، وهل هناك معنى لتعلُّم اللغة الأجنبية إلا أنَّ مَن يتعلَّم لغة أجنبية إنما يترجم لنفسه ما لم يترجمه له المترجمون؟! وكما أن الشعور بالحاجة الاجتماعية مقياس لحظ الأمم من الترجمة، فالشعور بالحاجة العقلية مقياس للترجمة أيضًا. ومن هنا كان الغرب أكثر ترجمةً من الشرق، ولست أشكُّ في أن الألمان أشد شعورًا بالحاجة الاجتماعية والعقلية الآن من الإنجليز والفرنسيين، ومن هنا كان حظهم من الترجمة إلى الألمانية أعظم من حظ الإنجليز والفرنسيين من الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.

    على أن المسألة التي تستحق العناية ليست هي تعليل الترجمة وبيان ما يدعو إليها — فالترجمة ظاهرة اجتماعية قديمة باقية — وإنما هي مقدار ما تستطيع الترجمة أن تحقِّقه من هذه الفكرة القيمة التي يسمو إليها أصحاب الأخلاق وعشَّاق المُثُل العليا، والتي جعلها الأستاذ العقاد عنوانًا لفصله، وهي: تعارف الشعوب. نعم وهي الوسائل التي يمكن أن تُتَّخَذ لتكون الترجمة سبيلًا واضحة مأمونة تلتقي فيها الشعوب المختلفة، فتأتلف ويحب بعضها بعضًا، ويعطف بعضها على بعض، ويتحقَّق بينها التعاون الصحيح في جميع فروع الحياة.

    كما أحب أن أقرأ في هذا رأيَ الأستاذ العقاد.