حديث المساء: خصام
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٤
خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون.
Tag: Transparency
-
خصام
-
تعديل
حديث المساء: تعديل
طه حسين
كوكب الشرق
٦ يناير ١٩٣٤
هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.
ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.
وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.
فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.
هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.
وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.
وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.
ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.
صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم. -
صمت
صمت
صمت مريب هذا الذي كلفت به الوزارة واطمأنت إليه منذ حين، وقد كنا نعرفها تحب الكلام وتهيم به، وتغلو فيه حين تدعو إليه الحاجة، وحين لا تدعو إليه، وحين تبيحه المنفعة وحين تحظره، وحين يكون لها منه مخرج وحين لا يكون.
لقد نشرت عنها الأهرام ما كانت تعتقد أنه الحق الذي لا تشك فيه ولا ترتاب، فأسرعت الوزارة إلى تكذيب الأهرام، وأسرعت الأهرام بعد ذلك إلى تحدي الوزارة والوزراء، فسكتت وسكتوا، وآثرت العافية وآثروها. فهذه الوزارة التي كانت تقول حين كان القول ينفع وحين كان القول يضر، قد ردت نفسها في هذه الأيام إلى صمت عميق كثيف، لا يخرجها منه سؤال ولا إلحاح في السؤال.
زعم الناس أنها قضت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يجتمع مجلس الشيوخ، وقبل أن يجتمع مجلس الوزراء، وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا فطلبت إلى الوزارة أن تنفيه وتنكره، أو أن تعرفه وتبين سبيل الحق فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه! وزعم الناس أن أمر هذه العطاءات لم يكن مثبتا في جدول الأعمال التي كانت معروضة على مجلس الوزراء، ثم أضيفت إليه في وقت متأخر! وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا، وأشفقت الكوكب بنوع خاص أن تحدث هذه الإشاعات من الآثار في نفوس الناس ما يثير فيها الريب والشكوك التي لا ينبغي أن تثار، فطلبت إلى الوزارة أن تنفي ذلك وتنكره أو أن تعرفه وتبين عذرها فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه، ثم أصبح الناس يوم الخميس وإذا الصحف كلها قد أجمعت على أن مجلس الشيوخ لم يقر ميزانية الأشغال، وبعض هذه الصحف يوالي الوزارة،
وبعضها يخاصمها، وبعضها يعرب عنها. ولم تكن جلسة مجلس الشيوخ سرا يشهده المقربون دون غيرهم، وإنما كانت علنية يشهدها من يحب الوزارة ومن لا يحبها. فكان الناس معذورين حين صدقوا هذه الصحف التي لم يؤخذ عليها الكذب، ولم تعرف إلا بتحري الصدق، وتصوير الحق للقراء في مثل هذه الأشياء، ثم ظهرت مضبطة مجلس الشيوخ فإذا هي تثبت نقيض ما نشرته الصحف وتنبئنا بأن المجلس قد أقر بعض الميزانية، وفيه اعتماد جبل الأولياء، وأرجأ بعضها الآخر إلى الأسبوع المقبل.
وزعمت بعض الصحف أن في الأمر تحقيقا، ولم تدفع الأهرام وغير الأهرام ومنها صحيفة الوزارة عن نفسها تهمة الكذب أو الخطأ، ففهم الناس من هذا أنها مصرة على ما روت! وسألت الكوكب عن جلية الأمر، وتمنت على الوزارة أن تظهر الناس على الحق، ولكن مكتب مجلس الشيوخ ظل صامتا، وظلت الوزارة صامتة أيضا!
ونقلت الأهرام صباح اليوم بعض ما قالته الكوكب في ذلك فلم تنكر ولم تعرف، ولم تنف ولم تثبت وآثرت هي أيضا صمتا عميقا كصمت الوزارة.
وكانت البلاغ هي التي نبهت إلى هذا التناقض بين رواية الصحف، ورواية المضبطة، ولكنها ظهرت أمس صامتة كما صمتت الأهرام، وكما صمتت الشعب، وكما صمتت الوزارة ولعلها تنتظر الجواب ونتيجة التحقيق.
ولكن هذا الصمت الذي لزمته الوزارة وأغرقت فيه بعد ما عرف عنها من كثرة الكلام مريب، لأنه يشكك الناس فيما يجب ألا يشكوا فيه، ولأنه يثير في نفوسهم خواطر ينبغي ألا تثار، ونحن نعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، ونعلم أيضا أن الصمت قد يكون من ذهب إذا كان الكلام من فضة، ونعلم أيضا أن الصمت يخرج أحيانا من المآزق، ويصرف أحيانا عن التورط في الشر، ولكنا نعلم أن بلاغة الصمت مختلفة، وأن اختلافها هو الذي يثير الريب، ويدفع إلى الشك. فقد تكون بلاغة الصمت إنكارا، وقد تكون بلاغة الصمت إقرارا، وقد تكون بلاغة الصمت ترددا، وقد تكون بلاغة الصمت ثقة،
وقد تكون هذه البلاغة خوفا، وقد تكون أمنا، وقد تكون شكا، وقد تكون يقينا. والناس يفهمون هذه البلاغة بالقرائن، ويقدرونها بالظروف، ويحكمون لها أو يحكمون عليها حسب ما ينتهي بهم التقدير. ولهذا كان أقل الصمت بلاغة، أو قل أقل الصمت حظا من التوفيق هذا الذي تلجأ إليه الوزارة، لأن صلة الحكومة بالشعب في حاجة إلى الصراحة الصريحة، وإلى المواقف الواضحة الجلية التي لا تثير شكا، ولا تبعث ريبا، فنحن نحب أن نعرف من أي نوع بلاغة هذا الصمت الذي أحبته الحكومة واطمأنت إليه في هذه الأيام. أهو صمت المنكر لما جاء في الصحف، الواثق بكذبه أو خطئه؟ وإذن فما لها لا تعلن هذا الإنكار، وما لها لا ترد الصحف إلى الصدق بعد الكذب؟ أو إلى الصواب بعد الخطأ؟ وهي مكلفة أن تحرص على ألا يذاع في الناس غير الحق، ولعلها تستغل هذا التكليف وتتجاوز به الحدود المعقولة في كثير من الظروف ومع كثير من الصحف التي تخاصمها ولا تشاركها في الرأي.
أهي بلاغة المعترف بأن الصحف لم تخطئ ولم تكذب؟ وإذن فما صمتها عن الشر، وما سكوتها على المنكر، وما إحجامها عن تبيين وجه الحق، وعن تحديد التبعة واستكشاف المسؤولين؟ وهي مكلفة أن تصون النظام كله ونظامها الخاص قبل كل شيء من كل عبث، وتحميه من كل فساد، وتعصمه من أن يسوء به الظن، أو يقبح فيه الرأي، أو يرتاب فيه الناس.
يجب على الوزارة أن تقول شيئا، وأن تقول شيئا في أمر هذه المضبطة بنوع خاص فإن من حق الناس أن يستوثقوا ويطمئنوا إلى أن المصادر الرسمية بمأمن من كل ما يجب أن تتنزه عنه من أنواع التردد والتشكيك.
هل أقر مجلس الشيوخ ما تقول المضبطة إنه أقره من ميزانية الأشغال، فكان عمل مجلس الوزراء مساء الخميس دستوريا لا غبار عليه؟ أم هل قل عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ فأرجئت الميزانية إلى الأسبوع المقبل، فكان ما عمله مجلس الوزراء مساء الخميس تخطيا لمجلس الشيوخ وتصرفا في الميزانية قبل أن يقرها البرلمان؟ لو لم يكن في الأمر إلا أن كلام الوزارة يقرر حقا، ويمحو شكا، ويلقي في قلوب الناس الأمن والطمأنينة على المصادر الرسمية لكان من الحق على الوزارة أن تتكلم، ولا تلح في هذا الصمت، فكيف والأمر يعدو هذا إلى شيء آخر، هو تصرف من تصرفات مجلس الوزراء، أدستوري هو أم مخالف للدستور؟
ولقد قال الناس وأكثروا في ميزانية الأشغال بعد أن أخرجت من مجلس النواب على ذلك النحو الغريب الذي لم ينسه أحد بعد، وكان من حق الناس أن يقولوا، وكان من حقهم أن يرتابوا، فقد ثبت في مضبطة مجلس النواب أن بعض الأعضاء لاحظ عند أخذ الأصوات أن العدد لم يكن قانونيا، فلم يحفل الرئيس بهذه الملاحظة. وقالت الصحف إن المصوتين لم يتجاوزوا خمسة وثلاثين. وكتبت الصحف في ذلك، وأنكرت أن تكون ميزانية الأشغال قد صدرت عن المجلس صدورًا دستوريًا صحيحًا، فلم يقل المجلس شيئا، ولم تقل الوزارة شيئا. ولم تغير الصحف رأيها، ولم تعدل الصحف عن شيء من هذا الرأي، وها نحن أولاء نشهد في مجلس الشيوخ قصة كقصة مجلس النواب، موضوعها ميزانية الأشغال نفسها، والناس يعتقدون أن التعجل في مشروع جبل الأولياء هو مصدر ما كان من مخالفة الدستور في مجلس النواب، وهم يعتقدون أن هذا التعجل نفسه مصدر هذا التناقض بين ما نشرته الصحف كلها، وما أثبتته مضبطة مجلس الشيوخ.
فكيف تسكت الحكومة على هذا كله؟ وكيف تقبل أن تثور الشكوك وتكثر حول ما ينبغي لأعمال المجلسين ومصادرهما الرسمية من الأمانة والنزاهة والصدق والصواب.
إن الناس يفكرون في أشياء كثيرة، ويتحدثون فيها إذا لقي بعضهم بعضا، أو خلا بعضهم إلى بعض، ومن هذه الأشياء ما يمس الوقت الحاضر، ومنها ما يمس وقتا مضى، ولكنه ما يزال قريبا، امتلأت فيه نفوسهم بالشكوك، وانطلقت فيه ألسنتهم بالريب، وهموا أن يشكوا منه، بل شكوا منه بالفعل، والناس يذكرون الماضي القريب ويصلون به الوقت الذي نعيش فيه، ويقولون فيكثرون القول، ويستنتجون فيذهبون في الاستنتاج مذاهب كثيرة. والصحف عاجزة عن أن تصور أحاديث الناس ومذاهبهم هذه، لأن القوانين الجديدة لا تخلي بينها وبين ذلك، ولكنهم يتحدثون على كل حال بأن القوانين لم تصل بعد إلى أن تحظر عليهم الحديث، وهذا الحديث شر لا خير فيه لأنه يعرض سمعة الحكومة لما لا ينبغي أن تتعرض له.
فلتعمل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتقل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتصدر الوزارة ما من شأنه أن تمحو من النفوس كل شك، ويزيل منها كل ريب.
كوكب الشرق ١٣ – ٥ – ١٩٣٣ -
الأزهر ومدرسة القضاء
الأزهر ومدرسة القضاء.
تحدثنا إلى القراء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفي الذي يُعد لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء. تحدثنا إلى القراء بما نعلم من هذا المشروع ورغبنا إلى الحكومة في أمرين لا نزال نرغب إليها فيهما ملحين. الأول ألا تتجاوز إعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه. الثاني أن تصدر الحكومة للناس بيانًا تظهر فيه جلية لهذا الأمر ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين. رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين، وما زلنا نرغب إليها فيهما ملحين. ولكن الحكومة عرضت ويظهر أنها تريد أن تعرض عن رغبتنا هذه فلا تؤجل تنفيذ المشروع ولا تتحدث إلى الناس فيه، وإنما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع. وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به. ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور، فما أسرع ما أحس الناس أن شيئًا يجرى وراء ستار، وما أسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والإشفاق. نال منهم الخوف والإشفاق لأن إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي تستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا إليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير في هذه الأيام. وإنما إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيء ذو بال يمس أكبر معهد للعلوم الإسلامية في الدنيا، ويمس مدرسة دلت التجربة على أنها لم تخل من نفع كثير، ويمس نظامًا من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها وهو نظام القضاء الشرعي. وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس. فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يراد بها من حق الناس – وقد رد الدستور إليهم أمرهم – أن يقولوا كلمتهم فيما يمس الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. ذلك حق للناس فلهم أن يشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولًا وبانتظار البرلمان ثانيًا. والحق إنا لا نفهم تكتم الحكومة ولا تعجلها في هذا الأمر. فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سرًا من أسرار السياسة الدولية العليا يجب أن تضن به الحكومة وتحوطه بما تحاط به الأسرار. وإنما هو أمر عادي بل قل إنه أمر يمس التعليم وأمور التعليم تنتهي إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء. وليس هناك معنى لتعجل الحكومة فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهرًا حتى يتم اجتماع البرلمان. فليس في الأناة خطر على مرافق الدولة أو مصالح الناس. وإنما هذا تعجل مدعاة إلى سوء الظن. فإن يكن هذا المشروع خيرًا فلم لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ وإن يكن هذا المشروع شرًا فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان؟
يقال إن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقسامًا للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يمضوا اثني عشر عامًا في الأزهر ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوقهم فيما درسوا عن علم. ويقال إن مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الأقسام ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثًا. ثم يقال إن هناك رأيًا في اللجنة التي تعد هذا المشروع يقضي بأن يختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا في المدرسة أربع سنين ينالون بعدها شهادة العالمية ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة. ويقال مع هذا إن قسم الاختصاص القضائي لن يغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الأقسام الأخرى كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين لم يدخلوها. وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الإصلاح ولا إنشاء قسم للاختصاص في القضاء. ويقال إن في اللجنة خلافًا حول كتاب المحاكم الشرعية يرى قوم أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعي على نظامها الجديد. ويرى قوم آخرون أن يؤخذوا من حملة البكالوريا على أن يمروا بمدرسة القضاء حينًا طويلًا أو قصيرًا.
كل هذا يقال. وكل هذا حق أو أكثره حق. ولكن أَكُلُّ هذا حسن؟ أَكُلُّ هذا سيئ؟ هذا شيء لا نستطيع أن نقوله في كلمة قصيرة كهذه ولا نستطيع أن نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها وإذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانًا وأن تنشر هذا المشروع. ومن الخير بوجه خاص ألا تتعجل الحكومة في تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأي البرلمان. ولسنا نشك في أن الأزهر في حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء. وأيّ شيء في مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنا لا نشك في أن أمر مصر قد رد إليها وأن رأي البرلمان في إصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يتبع من رأي حكومة فردية ولاسيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون… فمن الناس من يرى في هذا المشروع حركة سياسية يراد بها إرضاء قوم على حساب قوم آخرين… وقد نتمنى ألا يكون هذا حقًا. ولكنا نعلم أن هناك سبيلًا واحدة لإثبات أن هذا باطل وأنه إشاعات لا قيمة لها. وهذه السبيل هي ألا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان ويقول كلمة فيه.
طه حسين
السياسة، ٢٠ يولية ١٩٢٣.