تمهيد
طه حسين
جريدة البلاغ
٣١ يناير ١٩٤٦
وأخيرًا قرأ المصريون مذكرة الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية بطلب المفاوضات، ورد الحكومة البريطانية عن هذه المذكرة.
قرءوا هاتين الوثيقتين بعد أن ألحوا أشد الإلحاح في أن تتخذ حكومتها خطوة حاسمة، فتكتب مذكرتها لتتلقى عليها رد البريطانيين، وليعرف المصريون أين هم وماذا يراد بهم.
ويجب أن نسجل — في كثير من الحزن والمرارة — أن المصريين قد بذلوا جهودًا عنيفة حقًّا ليحملوا حكومتهم على أن تخطو هذه الخطوة. فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى طالب الوفد بحقوق مصر كاملة في مذكرة صريحة لا عوج فيها ولا التواء، واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، قويةً لا ضعف فيها ولا وهن. ثم جعل الشعب يلح على الحكومة في أن تطلب من الطريق الرسمية تحقيق المطالب الوطنية. فوضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وقتًا حتى إذا أحرجوا ولم يروا بدًّا من القول والعمل؛ آثروا القول وأرجئوا العمل، فصرَّح رئيس وزرائنا في البرلمان في أواخر أغسطس بأنه لن يهمل أي فرصة تسنح ليدخل مع الحليفة في مفاوضات لتحقيق المطالب الوطنية. ونام الوزراء والبرلمان على هذا التصريح شهرًا كاملًا، فلم يقولوا شيئًا ولم يعملوا شيئًا، وظلَّ الشعب يقول ويقول ويطالب ويلح في المطالبة، والوزراء مغرقون في النوم لا تبلغهم أصوات الشعب، حتى أيقظهم صوت واحد يخافونه أكثر ما يخافون الشعب كله، وهو صوت صدقي باشا الذي أنكر عليهم سياسة كسب الوقت لأمر يعلمه الله ويعلمه صدقي باشا ويعلمه الوزراء، ويكاد المصريون يعرفونه.
هنالك اجتمعت الهيئة السياسية ذات الصوت البعيد والشهرة العريضة الواسعة، فقررت أن الوقت الحاضر في سبتمبر كان أشد الأوقات ملاءمة للأخذ في المفاوضات، ووافقها مجلس الوزراء على هذا القرار. ثم نام الوزراء ونامت الهيئة السياسية، ومضى البرلمان في النوم، وظل الشعب يقول ويقول، ويطالب ويلح في المطالبة، والسادة القادة والساسة المحنكون مغرقون في نوم عميق لا تبلغهم أصوات الشعب. والصحف البريطانية راضية عن نومهم، مثنيةٌ على إيثارهم للعافية وحرصهم على الراحة، ساخرةٌ من يقظة الشعب ومطالبته بالجلاء ووحدة وادي النيل. حتى أيقظ القوم صوت يخافونه أكثر مما يخافون صوت الشعب وأكثر مما يخافون صوت صدقي باشا، وهو صوت المستر بيفن الذي صرح ذات يوم في البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ من مصر طلبًا رسميًّا للدخول في المفاوضات. وكان صدقي باشا أسرع القوم إلى الاستيقاظ؛ لأنه فيما يظهر أكبر القوم سنًّا وأخفهم نومًا وأدقهم حسًّا وأكثرهم درايةً بمهاب الرياح. فقد صال صدقي باشا وجال وأنذر ثم استقال. ومضت الأمور بين نوم واستئناف لليقظة، حتى هبَّ المجاهدون الكبار والمجاهدون الصغار، فأثاروا أزمة أي أزمة، واستقالوا أو أنذروا بالاستقالة، وأقرتهم الهيئة السياسية على ما أرادوا، وتلكأ مجلس الوزراء ثم أذعن وأقر ما أراد المجاهدون الكبار والصغار، وما أرادته الهيئة السياسية، وكتب المذكرة وأرسلها إلى الإنجليز، فذهبت إليهم متلكئة في سفرها مبطئة في سيرها كما تلكأ أصحابها في تصورها، وكما أبطئوا في كتابتها، وكما ترددوا في إرسالها. وقد ظلت الحكومة المصرية تتردد في أمر هذه المذكرة من آخر شهر أغسطس إلى العشرين من شهر ديسمبر. في ذلك اليوم وصلت المذكرة المصرية بارعة الحسن رائعة الجمال، تصد بخدٍّ وتجلو عن خد كما يقول بشار، إلى وزارة الخارجية البريطانية، فتلقاها البريطانيون لقاءً فاترًا واستقبلوها استقبالًا هادئًا، وأخذوا ينامون كما نام المصريون. ولكن جو بريطانيا العظمى لا يغري بالنوم كما يغري به جو مصر، فلم ينم البريطانيون إلَّا شهرًا على حين نام المصريون شهرًا وشهرًا وشهرًا. وأخيرًا استيقظ البريطانيون متثاقلين من نومهم هذا القصير، فردُّوا على المذكرة المصرية. والغريب أنهم استيقظوا في الوقت الذي أثار فيه وزير الخارجية المصرية من ناحية، وكبار المجاهدين وصغارهم من ناحية أخرى أزمتهم تلك حول مجلس الأمن واختصاصه بالنظر في المسألة المصرية. ولكن استيقاظهم في هذا الوقت كان مصادفةً لا أكثر ولا أقل، فقد كان الضجيج شديدًا وكان الضجيج مقلقًا. كان الإيرانيون يعرضون قصتهم على مجلس الأمن، وكان السوريون واللبنانيون ينذرون بعرض قصتهم على مجلس الأمن، وكان الروسيون يعرضون قصة اليونان وقصة إندونسيا على مجلس الأمن، وكان وزير الخارجية المصرية يعلن أن مصر لن تعرض قصتها على مجلس الأمن. وكانت هذه الأصوات كلها تحدث ضجيجًا وعجيجًا وهرجًا ومرجًا، وكان صوت وزير الخارجية المصرية وحده هو الصوت العذب الرقيق الرفيق الرشيق. والناس يختلفون فيما أيقظ الإنجليز: أهي خشونة تلك الأصوات المنكرة التي كانت تعرض القصص على مجلس الأمن أو تنذر بعرضها عليه؟ أم هي عذوبة هذا الصوت المصري الذي أعلن أنه لن يعرض على مجلس الأمن شيئًا؟ وعلى كل حال فقد استيقظ الإنجليز — في الوقت المناسب — من نومهم القصير.
وكان استيقاظهم في هذا الوقت بعينه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكنهم استيقظوا على كل حال، وأرسلوا ردَّهم إلى مصر في أشد الأوقات ملاءمةً لإرساله. في نفس الوقت الذي استقال فيه جماعة من الوزراء احتجاجًا على وزير الخارجية وعلى صوته العذب الرقيق، وكان صوت هذا الرد في وقت هذه الأزمة وفي أشد الأوقات ملاءمة لوصوله مصادفة لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرد البريطاني أقل دلالًا ولا استحياءً ولا إيثارًا للفتنة والتمنع من المذكرة المصرية.
فقد وصل الرد البريطاني ولم يصل، وبلغ رئيس الوزراء ولم يبلغه. اضطربت بعض ألفاظه في الطريق، فلم يكن بد من السؤال والاستفسار والتصحيح. والمهم أن الرد قد وصل — في الوقت المناسب — فانحلت الأزمة وانجلت الغمرة، وعاد الوزراء المستقيلون إلى مناصبهم. وقرأ المصريون صباح اليوم مذكرة الحكومة المصرية، ورد الحكومة البريطانية، فماذا قرءوا؟ لم يقرءوا شيئًا؛ لأن المذكرة المصرية فاترة أشد الفتور، يدلُّ كل شيءٍ فيها على أنها كلام قومٍ نائمين، كتبوها قبل أن يستيقظوا استيقاظًا تامًّا. كتبوها ولما يغادر النعاس أجفانهم، فلم تتح لهم قوة وهم الأقوياء، ولم يتح لهم حزم ولا عزم وهم أصحاب الحزم والعزم. رأوا فيما يرى النائم أنهم يكتبون مذكرة يطالبون فيها بالحقوق الوطنية، فلما فاقوا وجدوا المذكرة مكتوبة فأرسلوها. فهم يطلبون في كثيرٍ جدًّا من الفتور وفي كثيرٍ جدًّا من اللين والنعومة أن تفكر الحكومة البريطانية في أن الوقت قد أصبح ملائمًا لإعادة النظر في المعاهدة؛ لأن هذه المعاهدة قد وقِّعت متأثرة بظروف وأحداث اقتضت تقييد الاستقلال المصري، وقبل المصريون هذه القيود متأثرين بتلك الظروف والأحداث، معتقدين أنها موقوتة تزول بزوال الظروف والأحداث. وقد زالت الظروف والأحداث بانتصار الحلفاء وبإنشاء جامعة الأمم المتحدة، واستنفدت الحرب نصوص المعاهدة وأصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذه النصوص.
وقد نوهت المذكرة بمعونة مصر للحلفاء تنويهًا عامًّا غامضًا بريئًا من كل وضوح أو تحديد. ومهما يكن رأيي في هذه المذكرة فلن أستطيع أن أهمل شيئين أظن أن المصريين جميعًا سيقفون عندهما وقوفًا طويلًا.
الأول: ما جاء في المذكرة من أن مصر تعرف واجبها في الدفاع عن أرضها، وهي لن تتردد في بذل تضحية مهما تكن لتقوية جيشها، بحيث يستطيع أن يثبت للمغير حتى تبلغه نجدات الحلفاء ونجدات الأمم المتحدة.
في هذا المعنى شيءٌ ظريفٌ حقًّا، هو أن مصر تسجل في طلبها للمفاوضات عجزها عن الدفاع عن أرضها مستقلة بهذا الدفاع. فكل ما تقدر عليه من التضحيات الهائلة التي ستبذلها هو أن تثبت للمغير حتى تأتيها النجدة من حلفائها، ثم من الأمم المتحدة. فمصر تقرر قبل الدخول في أي مفاوضة أنها ستظل محتاجة إلى نجدة الحلفاء. وماذا يطلب الإنجليز أكثر من هذا، وفيما المفاوضة ما دامت مصر معترفة بأنها ستحتاج دائمًا إلى نجدة حلفائها البريطانيين. وإذا كانت هذه الحاجة مقررة معترفًا بها، فقد يستطيع الإنجليز أن يقولوا: لِمَ لا تكون النجدة التي تحتاجون إليها باعترافكم مستقرة في أقرب مكان ممكن بحيث تبلغكم دون أن يطول انتظاركم لها؟ والخير أن تستقر في أرضكم فإن لم يكن بد من أن تستقر خارج أرضكم، فالخير في أن تهيأ لها القواعد التي تستطيع أن تنجدكم منها متى وصلت إليكم. فقد يجب أن تكون في أرضكم قواعد للطائرات، وفي ثغوركم قواعد للسفن، وفي أرضكم أيضًا قواعد يأوي إليها الجيش المنجد. وقد ينبغي أن نكون قادرين على الانتفاع بهذه القواعد في أسرع وقت ممكن، فالحرب لا تحب البطء ولا تعرف الانتظار.
وكذلك يمهد المفاوض المصري لخصمه البريطاني وسائل الاستمساك بالاحتلال أو بما يشبه الاحتلال. ولو كان الذين كتبوا هذه المذكرة أيقاظًا حين كتبوها؛ لأتاح لهم أيسر الفطنة أن يخلصوا من هذه الجملة التي أريد أن أعتقد أنها كتبت عن خطأ لا عن عمد.
أمَّا الشيء الثاني، فهو هذه الجملة التي أضيفت إلى المذكرة وكأنها لم تكن منها، وإنما أضيفت إليها على سبيل الاحتياط، وأضيفت إلى آخرها في غير تحفظ، كأنما نسي الذين كتبوا المذكرة شيئًا ثم ذكروه فسُقط في أيديهم وأضافوه على عجل. وهذه الجملة المبهمة الغامضة المقحمة التي وصلت بالمذكرة وصلًا في آخر لحظة هي التي تتعلق بالسودان.
أمَّا المذكرة البريطانية فائقة في الدهاء السياسي وفي الصراحة التي لا تصرح عن شيء. فهي تنبئ الحكومة المصرية بأنها تلقت مذكرتها، وتعتذر عن الإبطاء في الرد بالظروف الدولية، وبحاجتها إلى الدرس، وهي تسلم بوجهة النظر المصرية فلا تكره أن تبدأ المفاوضات قبل أوانها الذي حددته المعاهدة.
وكانت الحكومة المصرية قد طلبت أن يشخص وفد مصري إلى لندرة للأخذ في هذه المفاوضات، فأجابتها الحكومة البريطانية بأنها سترسل في وقت قريب تعليمات إلى سفيرها في القاهرة للبدء في محادثات تمهيدية. وإذن، فلن يشخص الوفد إلى لندرة إلَّا بعد أن تمضي المحادثات التمهيدية مع السفير شوطًا بعيدًا؛ ليتبين الفريقان مكان الفائدة من شخوص الوفد إلى لندرة.
وهذا أول الشرِّ، وإن شئت فقل: هذا أول الرفض. فقد يظهر أن الحكومة البريطانية ترى أن سفر الوفد إلى لندرة ليس من السهولة واليسر، بحيث تظن الحكومة المصرية. فلنتحدث في مصر فإن رأينا الحديث مجديًا أمكن الاستمرار فيه من وراء البحار وإلَّا وقفنا حيث نحن، ولم يتكلف الوفد المصري جهدًا ولا عناءً. وفيمَ نتحدث في القاهرة؟! لقد رسم الرد البريطاني موضوع هذه المحادثات المقبلة، فالحكومة البريطانية ترى قبل كل شيء أن مبادئ المعاهدة الأساسية ما زالت سليمة في جوهرها، على حين يرى المصريون أن هذه المبادئ لم يبقَ لها معنًى بعد انتهاء الحرب وإنشاء جامعة الأمم المتحدة. ومن هذه المبادئ الأساسية مشاركة الإنجليز المصريين في حماية القناة، فالمصريون يرون أن هذا المبدأ لا معنى له بعد انتهاء الحرب، والإنجليز يرون أنه ما زال سليمًا في جوهره. والإنجليز والمصريون جميعًا متفقون على وجوب التعاون بين الدولتين، ولكن الإنجليز يقيمون هذا التعاون على المشاركة بين الندين لحماية مصالحهما. وحكومة العمال تحب المشاركة وتحب الشركة، وتحب كل ما يتصل بالاشتراكية؛ لأنها حكومة اشتراكية فيما يظهر. والعبث بالألفاظ فن من فنون البيان، ولكن المصريين فيما يظهر لا يحبون شركة ولا مشاركة ولا تشاركًا، ولهم في الاشتراكية رأيٌ آخر. ثم ينتهي الرد البريطاني بأن الحكومة البريطانية قد أخذت علمًا بأن مصر ترغب في أن تكون مسألة السودان موضوعًا للمفاوضات.
وكذلك يقرأ المصريون هاتين المذكرتين فلا يخرجون من قراءتهما بشيءٍ إلَّا الخوف والشك وسوء الظن. ومهما يكن من شيء فقد ينبغي أن يعرف البريطانيون، وأن يعرف المصريون الذين يؤيدون هذا العهد الحاضر أن المحادثات التي ستبتدئ في القاهرة، سيقوم بها عن المصريين قوم، مهما تكن أقدارهم ومهما تكن مكانتهم الرسمية وغير الرسمية، فهم لا يمثلون الشعب ولا ينطقون بلسانه، ولا يعتمدون على تأييده ولا يملكون تقييده بشيء، فهم يستطيعون أن يأخذوا، ولا يستطيعون أن يعطوا. ومن الحق لكل مصري ومن الحق على كل مصري، أن يأخذ لوطنه ما استطاع من المنافع، ولكن ليس لمصري مهما يكن أن يقيد وطنه أو يُعطي من منافعه إلَّا بإذن من هذا الوطن ممثلًا في برلمان صريح يُنتخب انتخابًا حرًّا صريحًا.
Tag: Treaty negotiations
-
تمهيد
-
في الوقت الملائم
في الوقت الملائم
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٣ أغسطس ١٩٤٥
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.
أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.
ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.
واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.
نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.
وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.
كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.
إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.
ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.
في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.
في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.
فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.
إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.
لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.
على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.
أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.
وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.
إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم. -
وضوح
حديث اليوم: وضوح
طه حسين
جريدة السياسة
١٣ يوليو ١٩٣٢
يظهر أن صلات جديدة تريد أن تنشأ بين لندرة والقاهرة، قوامها الصراحة والوضوح إلى حَدٍّ ما.
أو قل إن لندرة تريد أن تعود — فيما يظهر — إلى سياسة الصراحة والوضوح التي كانت بينها وبين
القاهرة، قبل أن تنهض هذه الوزارة القائمة بأعباء الحكم؛ فتضطرها إلى العدول عن الصراحة والوضوح
إلى المواربة والغموض. وتفسد بذلك العلاقة بين شعبين كانا يخطوان إلى المَوَدَّةِ الصادقة خطوات
واسعة بعيدة المدى.
نعم، كل شيء يدل على أن لندرة تريد أن تستأنف سياسة الصراحة والوضوح، بعد أن سئمت سياسة
المواربة والغموض، أو بعد أن قضت أوطارها من هذه السياسة وظفرت أثناء عامين من الوزارة القائمة
بما كانت تريد. فقد أخذت بيئاتها السياسية المختلفة منذ أسابيع تُظهر شيئًا من التبرُّم يزداد
وضوحًا وجلاءً كل يوم بالعلاقات الرسمية القائمة بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام، وكانت مسألة
المفاوضات مصدر هذا التبرُّم والملل؛ فلم يكَد رئيس الوزراء يطلب إلى الحكومة الإنجليزية
بأسلوبه غير المعروف البَدء في المفاوضة حتى أظهرت البيئات السياسية الإنجليزية نفورًا شديدًا،
وقد حملت إلينا الأهرام مظهر هذا النفور منذ أسابيع، ثم أكدته المقطم، ثم أمعنت الديلي تلغراف
في تأكيده، ثم حاول رئيس الوزراء في ختام الدورة البرلمانية أن يلقي على أمر المفاوضات ستارًا.
فلم تلبث الأهرام أن أزاحت الستار أمس بمقال جاءها من مكاتبها يصور رأي المقامات السياسية
الإنجليزية في المفاوضات والانتخابات الحرة والوزارة القومية.
ومقال الأهرام موعز به من غير شك. فهو إذن صورة مقاربة — إن لم تكن صادقة كل الصدق — لرأي
المقامات السياسية الإنجليزية في هذه المسائل الثلاث، فأما المفاوضات فترى هذه المقامات
السياسية أن لا سبيل إليها مع رئيس الوزراء ووزارته؛ لأنهما لا يمثلان مصر ولا يستطيعان تقييدها
بما قد يتم عليه الاتفاق بينهما وبين الإنجليز. وقد كانت الديلي تلغراف صريحة واضحة، فأعلنت أن
المفاوضة غير مرغوب فيها مع رئيس الوزراء؛ لأن بقاءه في الحكم حتى يتم تنفيذ المعاهدة غير
مضمون، ولأن خصومه مع الوفديين والأحرار والدستوريين لا بد أن يحسب لهم حساب في كل اتفاق مع
مصر. وإذن فالإنجليز لم يغيِّروا مذهبهم الذي أعلنوه غير مرة، وهو أنهم لا يريدون أن يعاهدوا
حكومة وإن كان رئيسها صدقي باشا، وإنما يريدون أن يعاهدوا شعبًا. وما دام صدقي باشا لا يمثل
الشعب ولا ينطق بلسانه ولا يستطيع أن يقيده بما يمضي من اتفاق، فمفاوضته لون من العبث والاتفاقُ
معه لغو لا خير فيه.
وليس من شك في أن تفكير البيئات السياسية الإنجليزية في هذا الموضوع مستقيم لا عِوَج فيه،
صريح لا غبار عليه، ملائم كل الملاءمة لتفكير المصريين الذين تمثلهم المعارضة فيما يظهر أصدق
تمثيل، وإن لم يعجب ذلك رئيس الوزراء. فالمصريون يريدون أن يتفقوا مع الإنجليز اتِّفاقًا يرضونه
ولا يُكرَهون عليه إكراهًا. اتفاقًا قوامه الإخلاص والصراحة والنصح، لا يختلس منهم اختلاسًا،
ولا يُفرض عليهم فرضًا. ومن الواضح أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على يدي رئيس
الوزراء.
أما مسألة الانتخابات الحرة فقد يظهر — إن صح ما يقوله مُكاتب الأهرام — أن الإنجليز قد يئسوا
منها واعتقدوا أن ليس إليها في مصر سبيل، وأن ما يؤخَذ به صدقي باشا يمكن أن يتهم به الوفديون
لو أنهم أشرفوا على الانتخابات. لهذا لا تعتمد البيئات الإنجليزية فيما يقول مُكاتب الأهرام على
الانتخابات الحرة لتعرف رأي المصريين ورضاهم عن المعاهدة، ورأي البيئات الإنجليزية في هذه
المسألة خاطئ لا يحتاج إلى التصحيح، معوج يحتاج إلى التقويم. وإثم هذا الخطأ والاعوجاج في الحكم
على أخلاق المصريين وكرامتهم وفَهمهم للحرية وتقديرهم للديموقراطية، ورعايتهم لديموقراطيتهم
الناشئة يقع على الوزارة القائمة. فلولا أنها سلكت في انتخاباتها طريقها التي نعرفها نحن
ويعرفها الإنجليز، والتي ننكرها نحن وينكرها الإنجليز، والتي تحول بينها وبين المفاوضة
والمعاهدة؛ لما رأى الإنجليز رأيهم هذا في مبلغ تقدير المصريين للحرية والكرامة
والديموقراطية.
ومهما يكُن من شيء، فإن البيئات السياسية الإنجليزية لا تستطيع أن توجِّه إلى الوفد عُشر ما
تستطيع أن توجهه إلى رئيس الوزراء ووزارته من التهم في أمر الانتخابات. فمن الأشياء الواضحة
التي لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا أن الوفد لم يُحِطْ الانتخابات في يوم من الأيام بما أحاطها بها
رئيس الوزراء ممَّا يدعو إلى الشك، ويُضطر إلى الريب. فالوفد لم يُلْغِ حرية الكلام والخطابة،
ولم يُلْغِ حرية الانتقال، ولم يكلف خصومه الصمت والسكون، ولم يُحِطْهم بالحرس والجند أثناء
الانتخابات وقبل الانتخابات. والوفد لم يسلك مع الموظفين السبيل التي سلكتها الوزارة القائمة
معهم في أمر الانتخابات. والوفد لم يعرض عملية الانتخابات نفسها لما عرضتها له الحكومة القائمة،
ولم يعطل الصحف قبلها. وشيء يسير من المقارنة النزيهة بين انتخابات الوفد وانتخابات الوزارة
القائمة يثبت في وضوح وجلاء أن ما تُعاب به انتخابات الوفد طبيعي مألوف في كل ديموقراطية ناشئة
لم يبعد عليها العهد، ولم يمرن عليها الشعب. أما ما تعاب به انتخابات الوزارة القائمة فشيء غير
ذلك، لا نستطيع أن نقوله مخافة القوانين الجديدة، ولكنا لسنا في حاجة إلى أن نقوله؛ لأن
الإنجليز يعرفونه حق المعرفة، ويعلمون به حق العلم في إجماله وتفصيله، ويستطيعون أن يحكموا
عليه، وما نراهم إلا قد فعلوا. وآية ذلك أنهم قد فاوضوا حكومة الوفد، وهم يأبون أن يفاوضوا رئيس
الوزراء ووزارته.
رأي البيئات الإنجليزية إذن في الانتخابات الحرة عندنا معوج. وهو على ذلك لا يعنينا. فأمر
الانتخابات من الأمور المصرية الخالصة التي يحسن — بل يجب — أن يتركها لنا الإنجليز، نصرفها كما
نحب ونقضي فيها كما نشاء ما داموا هم واثقين بأن الذين سيفاوضونهم وسيعاهدونهم يمثلون الشعب
تمثيلًا صادقًا صحيحًا.
وهنا نصل إلى المسألة الثالثة، وهي مسألة الوزارة القومية التي ينتظرها الإنجليز لمفاوضتها
والاتفاق معها، والتي طلبها الأحرار الدستوريون وينتظرها الشعب المصري كله، لا للمفاوضة وحدها؛
بل لحل الأزمة الاقتصادية وتنظيم الإدارة وإصلاح ما أصاب الحياة العامة والخاصة في هذين
العامين. وواضح جدًّا أن كل مصري يريد أن يخرج وطنه من هذا المأزق الذي هو فيه، والذي اضطرته
إليه سياسة الحياد المزيف، يسره أن تشعر البيئات السياسية الإنجليزية بمثل ما تشعر به البيئات
السياسية المصرية، لا نستثني من ذلك إلا رئيس الوزراء. فالمصريون جميعًا يريدون الوزارة
القومية، وينتظرونها ويرغبون إلى جلالة الملك في أن يأمر بتأليفها، ويكل إليها استنقاذ مصر من
هذا الشر الذي هي فيه. وما نظن أننا نخطئ أو نسرف في حسن الظن إذا قلنا وأكدنا أن أكثر الذين
يلوذون برئيس الوزراء، ويؤيدونه يرون رأي الأحرار الدستوريين والبيئات السياسية الإنجليزية في
الوزارة القومية، وأنها وحدها التي تستطيع أن ترد إلى البلاد ما هي في حاجة إليه من أمن ونظام
وكرامة واطمئنان.
رئيس الوزراء وحده في أكبر الظن، هو الذي يكره الوزارة القومية ويشفق منها؛ لأنه يعلم علم
يقين أنه لن يكون عضوًا فيها. فأما المصريون فهم يؤثرون حياة مصر على رضا صدقي باشا. وأما
الإنجليز فلهم أن يختاروا منذ اليوم بين رضا الشعب المصري ورضا صدقي باشا، والظاهر جدًّا أنهم
قد اختاروا وأن اختيارهم ليس من شأنه أن يسوء المصريين.