Tag: treaty rejection

  • برنامج (١) …

    برنامج (١) …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٦

    ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!

    لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.

    وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.

    وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.

    ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:

    إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
    وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.

    في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!

    فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.

    أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!

    وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.

    ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.

    وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.

    فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.

    ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.

    والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.

    فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …

    يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.

    يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

  • مشكلة

    حديث اليوم: مشكلة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٨ يوليو ١٩٣٢

    بين القاهرة ولندرة في هذه الأيام أخذٌ وردٌّ ودفعٌ وشدٌّ، ووصلٌ وصدٌّ، وقربٌ وبعدٌ، تدنوان
    حتى يخيل إليك أن قد بلغ الحب بينهما أقصاه، وانتهى إلى غايته. وتبعدان حتى يخيل إليه أن قد قام
    الجفاء مقام الصفاء، واختصم المُحِبَّان؛ فلا مودة ولا ولاء. تقضي القاهرة للندرة كل حاجة وتحقق
    لها كل أمل. وتمنح لندرة القاهرة ما تحتاج إليه من نصر وتأييد، ومن عطف ومَوَدَّة. حتى إذا كان
    حديث المفاوضات عبست لندرة، ووجمت القاهرة، وتساءل الناس عن مصدر ذلك العبوس وهذا الوجوم.
    ومصدرهما في حقيقة الأمر يسير سهل. فلندرة فطنة ماهرة، وفي القاهرة سذاجة وسلامة نية، إذا خطت
    لندرة عرفت أين تضع قدمها، وقدرت لرجلها قبل الخطو موضعها. أما القاهرة فلا تخطو وإنما تجري ولا
    تقدر، وإنما تندفع. والعجب أن يكون على رأس حكومة القاهرة رئيس الوزراء، وهو أكفأ الأكْفاء،
    وأذكى الأذكياء، وأمهر المهرة، وأمكر المكرة. وأن تتورط القاهرة بعد ذلك فيما تتورط فيه، فتعتقد
    أن المَوَدَّةَ بينها وبين لندرة صادقة صافية، لا يشوبها كدر، ولا يعتريها فساد. ومع ذلك فأيسر
    حَظٍّ من الفطنة السياسية والفهم لحقائق الأشياء، يظهر حكومتنا على أن الإنجليز أمهر وأذكى من
    أن تخدعهم ظواهر الأمور، أو أن يخيل إليهم أن الأمر في مصر مستقر، وأن الظروف ملائمة لتصفية ما
    بين البلدين من الحساب؛ كما يقول أصحاب السياسة أو أصحاب المال.

    إنما يريد الإنجليز أن تتحقق أغراضهم وتقضى حاجاتهم المستعجلة، ويتم لهم في ظل هذه الوزارة
    القائمة ما لم يكن سبيل إلى إتمامه في ظل الأحرار الدستوريين أو الوفديين، فإذا قَضَوْا أوطارهم
    هذه ضحِكوا من أصدقائهم الذين قضوا هذه الأوطار، وأعرضوا عنهم إعراض الزاهد فيهم المزدري لهم.
    ثم استقبلوا الوفد والأحرار الدستوريين مبتهجين مبتسمين، يقسمون بالله جَهد أيمانهم ما أَكرهوا
    مصر على شيء، ولا أخذوا منها غير ما أعطتهم. كذلك فعلوا مع صاحب الدولة يحيى باشا إبراهيم
    فأبلغوه قانون التعويضات، وقانون التضمينات، بعد أن يئسوا من ثروت رحمه الله. وعجزوا عن أن
    يُبلغوه إحدى هاتين اللقمتين. فلما قضوا من ذلك وطرًا، تجافَوْا عن الحكومة القائمة، واستقبلوا
    وزارة سعد رحمه الله مبتهجين مبتسمين، كأنهم لم يُكرهوا يحيى على شيء ولم يظفروا منه
    بشيء.

    هذه سيرة الإنجليز إذا أيسوا من الوزارات القوية، اصطنعوا الوزارات الضعيفة. فركِبوها مطية
    يبلغون بها أغراضهم العزيزة العاجلة. وغريب أن رئيس الوزراء على ذكائه وفطنته، وعلى مهارته
    وكفايته، لم يفطن لهذا يوم تولَّى الحكم، ولم يقدر أن تأييد الإنجليز لوزارته، يجب أن يكون
    محدودًا بما لهؤلاء الإنجليز من منافعَ مستعجَلة. فأما تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا فلا
    سبيل إليها إلا أن تقوم بها عن مصر حكومة تعرفها مصر وتؤمن لها بالقوة والسلطان؛ لأنها هي التي
    تمنحها القوة والسلطان، حكومة تصور البرلمان تصويرًا صحيحًا، على أن يكون هذا البرلمان صورة
    صادقة، ومرآة صافية لإرادة الأمة وميولها وأهوائها وآمالها. حكومة كتلك الحكومات التي أقامها
    الدستور الذي دفنه رئيس الوزراء، وأقسم جَهد أيمانه في الإسكندرية أن لن يُنْشَر ولن يعود إلى
    الحياة.

    أعلن الإنجليزُ هذا مرة ومرة. وسمع رئيس الوزراء هذا الإعلان وقرأه وفهمه. ولكنه لم يكَد يصل
    إلى الحاكم حتى نسي ما قرأ وما سمع، وما فهم. وظن أنه ما دام يستطيع أن يتَّفق مع الإنجليز
    فيقضي لهم حاجاتهم، ويحقق لهم مآربهم المُستعجَلة فهو يستطيع أن يتفق معهم على حل المسائل
    المعلقة بين البلدين.

    ومضى رئيس الوزراء في سبيله هذه؛ فألغى دستورًا وأقام دستورًا، وأعرض عن كثرة ومال إلى قِلة،
    وأهمل أمة واعتز بأجنبي، وتقرب إلى الإنجليز ما استطاع أن يتقرَّب، وتحبب إليهم ما استطاع أن
    يتحبب. وضحَّى في سبيل ذلك ما استطاع أن يضحي حتى إذا بلغ من هذا كله أقصاه، قال للإنجليز:
    والآن فلنتفاوض. فابتسمت لندرة ابتسامتها الصفراء، وقالت: دون هذا وتستقيل الوزارة. والخير أن
    تقنع بما قسم الله لك، وتكتفي بتصريف الأمور في مصر، فما أقمناك لتفاوض ولا لتعاهد! وإنما
    أقمناك وأيدناك لترغم المصريين على الهدوء والسكون وتريحنا من مصر حتى نفرغ من مشاكلنا الأخرى
    ويومئذٍ نشكر لك ما قدمت إلينا من خدمة، ثم نتقدم إلى هؤلاء المصريين فنصلح ما بيننا وبينهم من
    فساد، ونصفي ما بيننا وبينهم من حساب.

    قال الإنجليز ذلك لرئيس الوزراء، يبسمون فيه حينًا، ويعبسون فيه حينًا آخر. أفتراه فَهِمَ
    عنهم ما يريدون؟ أفتراه انصرف عن المفاوضة وأعرض عن المعاهدة؟ وقنع بما أراد الله له منذ اليوم
    وهو أن تكون وزارته وزارة إدارية تصرف الشئون اليومية ولا تعرض للمسائل السياسية الكبرى.

    قال قوم: نعم، وقال قوم: لا. فأما الأولون فزعموا أن رئيس الوزراء لا يحب أن يخالف عن أمر
    الإنجليز، فإذا قالوا له أقدِمْ على المفاوضة أقدَمَ. وإذا قالوا له أحجِمْ عنها أحجَمَ. وقد
    طلبوا إليه الإحجام فهو مُحجِم من غير شك. وأما الآخرون فزعموا أن رئيس الوزراء أشجع من أن
    يتهيب أمر الإنجليز أو وعيدهم، وأحرص على استقلال مصر من أن يمضي فيه على هوى لندرة.

    قالوا وقد وقف رئيس الوزراء مع المستر مكدونلد موقفًا خطيرًا في أول عهده بالحكم، فطلب إليه —
    في لهجة حازمة عنيفة لم يتعود أحد أن يخاطب بها الإنجليز — ألا يعرض لشئون مصر الداخلية.

    قالوا: ومهما يقل الأحرار الدستوريون من أن كتاب رئيس الوزراء هذا إلى الحكومة البريطانية، قد
    كان متفقًا عليه مع دار المندوب السامي في شكله وموضوعه؛ فقد صدر الكتاب عن رئيس الوزراء وتلقته
    الحكومة الإنجليزية وسكتت عليه. والذي يخاطب رئيس الوزارة الإنجليزية بتلك اللهجة منذ سنتين
    يستطيع أن يكتب إليه الآن كتابًا يقول فيه:

    بلغني أن حكومتك تتلكأ في قبول ما أعرض عليها من المفاوضة. ولما كان طلب المفاوضة
    حقًّا من حقوق مصر الثابتة فأنت بين اثنتين: إما أن تفاوض وإما أن أعلن استقلال مصر
    التام. وأُكْرِهَ جنودك على أن تنسحب إلى حيث أريد لها من غرب القناة أو شرقها. وأحتل
    السودان وألغي الامتيازات وأسرح المستشارين وأقضي في مصر بما أريد في غير خضوع لمراقبة
    أو محاسبة.

    قالوا: ولن تستطيع الوزارة الإنجليزية أمام هذا الكتاب أن تجيب إلا بقبول وجهة النظر المصرية
    فتدخل في المفاوضات مع رئيس الوزراء. وأنا أوافق هؤلاء الناس على كل ما قالوا، وأعتقد موقنًا أن
    رئيس الوزراء يستطيع أن يُكْرِهَ الإنجليز على المفاوضة إذا عجز عن أن يستدرجهم إليها. ولكن من
    حق الإنجليز أن يصارحوه بعد هذه المفاوضة، وأن يرفضوا إبرام المعاهدة حتى يبرمها الشعب المصري.
    فالإنجليز لا يعاهدون رئيس الوزراء وإنما يعاهدون الشعب المصري. فإذا قال الإنجليز هذا لرئيس
    الوزراء وسيقولونه. وقد قالوه ألف مرة ومرة فكيف يجيبهم رئيس الوزراء؟ وهو يعلم والإنجليز
    يعلمون معه، أن الشعب لا يسنده ولا يؤيِّده ولا يطمئن إليه ولا إلى ما يأتي به مهما يكُن، وهو
    يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن الوفديين والأحرار الدستوريين والمستقلين لم يلعبوا يوم
    قاطعوا الانتخابات، ويوم نبذوا الوزارة القائمة، ويوم أعلنوا أن مصر لا تتقيد بشيء ما ممَّا
    تتقيد به هذه الوزارة. وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن كثرة الأمة لم تشترك في
    الانتخابات وأنها لا تشترك في الحكم، وأنها إذن لن تفاوض الإنجليز معه، وأنها إذن لن تعاهدهم،
    وأنها إذن ستكون حرة يوم تتم المعاهدة في أن تنكرها وتهز لها كتفيها سخريةً منها واستهزاءً بها.
    ماذا يصنع رئيس الوزراء؟ وماذا يصنع الإنجليز معه يومئذٍ؟ إن رئيس الوزراء والإنجليز لَيعلمون
    حق العلم أن الشعب المصري مغلول لا يستطيع أن يتحرك، معقود اللسان لا يستطيع أن يتكلم، وإذن فهل
    إذا أُمْضِيَتِ المعاهدة، وأقرها البرلمان القائم وزالت عن الجيش البريطاني صفة الاحتلال، وأصبح
    الشعب المصري مستقلًّا حقًّا، ثم طالب بالدستور القديم، وبأن تعود إلى الأمة حقوقها كاملة،
    وحرياتها موفورة، وبأن تؤدي الحكومة حسابًا عن حكمها. هل إذا كان هذا كله — ولا بد من أن يكون —
    يخلي الإنجليز بين الشعب ورئيس الوزراء؟ أم هل يقوم الإنجليز دون رئيس الوزراء كما يقومون دونه
    اليوم؟ فإن تكن الأولى فليسرع رئيس الوزارة إلى المفاوضة، وإن كنت أكره أن أكون مكانه. وإن تكن
    الثانية فَلْيُنْبِئْنَا رئيس الوزراء: أيريد أن يأتينا بالاستقلال أم بالاستعباد؟

    الحق أنها مشكلة عسيرة، وأن حلها يسير، إن شاء رئيس الوزراء وشاء الإنجليز. وهذا الحل إنما
    يكون حين يتنحى رئيس الوزراء عن الحكم ويحل البرلمان، وتُجرى الانتخابات الحرة المطلقة. وأنا
    واثق بأن المعارضة كلها لن تفكر، في حين أَعِدُ رئيس الوزراء وأَعِدُ أصدقاءه من الإنجليز بأنه
    إن فاز في هذه الانتخابات بالزعامة أو فاز بالعضوية في أحد المجلسين ليس غير؛ فله أن يفاوض
    الإنجليز، وله أن يعاهدهم، وعلينا نحن أن ننظر إلى معاهدته منصفين فنقبلها إن أرضتنا.

    فأما قبل ذلك فرئيس الوزراء يعلم والإنجليز يعلمون معه أن الشعب المصري يريد أن يفاوض
    الإنجليز ويعاهدهم، مفاوضة الحر للحر ومعاهدة الشعب الكريم للشعب الكريم. لقد قلنا ذلك للإنجليز
    والأحكامُ العرفية معلَنة، والحماية قائمة والإنجليز منتصرون، يحكمون فلا يُرَدُّ لهم حكم
    ويأمرون فلا يُعصى لهم أمر. أفترانا وقد زالت الحماية، وزالت الأحكام العرفية، وأُعْلِنَ
    الاستقلال، لا نستطيع أن نقول ما كنا نقوله منذُ ثلاث عشرة سنة؟ كلا يا صاحب الدولة. تستطيع أن
    تفاوض الإنجليز وأن تعاهدهم وأن تبلغ منهم فوق ما بلغ محمد محمود والنحاس أو دونه، فأنت واثق
    والإنجليز واثقون منك بأن نتيجة هذا كله مرفوضة منبوذة؛ لأنك قد أقدمت على المفاوضات وأمتك
    ذليلة مغلولة. أَعِدْ إليها عزتها وفك عنها أغلالها. ثم فكر بعد ذلك في المفاوضة إن كان لك
    إليها سبيل، فأما قبل ذلك فاقنع بالوزارة الإدارية وصرف الشئون اليومية، حتى يقضي الله بينك
    وبين الشعب وإنه ليوم قريب، وإن رأيته بعيدًا.