Tag: Truth

  • صوم

    صوم
    من المحقق أن القضاء لم يرد حين قضى بالسجن على توفيق دياب أن يقضى عليه بالمرض ولا بالتعرض للمرض. ومن المحقق أنه لم يرد أن يقضى عليه بالعذاب ولا بالتعرض للعذاب. ومن المحقق أنه أراد إرساله إلى السجن ليستقر فيه أشهرا ثم يخرج منه فيستأنف الحياة مع الأحياء، لا ليبقى فيه ريثما تسوء معاملته فتشرف به على المرض، ثم تسلمه إلى اليأس، ثم تضطره إلى الصوم، ثم تنتهي به إلى حيث يعلم الله، وإلى حيث يعلم الناس من أمر المريض المضنى إذا ألح في الصوم وامتنع عن الطعام والشراب.
    من المحقق أن القضاء لم يرد من هذا شيئا، وما ينبغي أن يريد شيئا من هذا، ومن المحقق أن مصلحة السجون لم تنشأ لتعرض الأصحاء للمرض، ولا لتدفع بالمرضى إلى السقم المهلك والآلام التي تفتك بالحياة، ومع ذلك فقد أسلم إلى مصلحة السجون رجل مريض، ليس مرضه غامضا ولا مجهولا، وليس مرضه من هذه الأمراض التي يكون فيها الشك، ويختلف في تصويرها وتقديرها الأطباء. وإنما هو مرض معروف قد سجل الأطباء آراءهم فيه، ورفعت هذه الآراء إلى مصلحة السجون، ولم يسجلها أطباء مغمورون، وإنما سجلها جماعة معروفون، منهم أستاذ في المعهد الرسمي للطب في مصر، فيجب أن تسمع كلمته وأن تقدر. ومع هذا كله يقال إن مصلحة السجون لم تحفل بمرض المريض، ولا بآراء الأطباء حتى اضطرت إلى ذلك اضطرارا حين رأت من حال السجين نفسه ما يلزمها أن تختصه ببعض العناية.
    ويقال إن مصلحة السجون لم ترد أن تمضي في هذه العناية بسجينها المريض، لأنها رأت حاله تحسن بعض الشيء، ورأته يأخذ بحظ من الشفاء، فردته إلى حال المسجونين العاديين، وهي تعلم من قرار الأطباء أنه عائد من غير شك إلى مرضه الحاد المضنى بعد أيام قليلة.
    فهل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تجد لذة في أن يألم المسجونون وتجد من تكميل العقاب أن تدور بهم بين الصحة والمرض، وبين الراحة والألم، تتركهم حتى يصيبهم المرض المحتوم، أو يشتد عليهم المرض الذي لا يفارقهم، وهنالك تعنى بهم شيئا، وتتفضل عليهم بقليل من العلاج حتى إذا حسنت حالهم قليلا، ردتهم إلى ما يسيئها ويفسدها، وتنقلت بهم على هذا النحو، تعالجهم ليمرضوا، وتمرضهم ليصحوا، تخرجهم من النار لتعيدهم إليها، وتدخلهم فيها لتخرجهم منها.
    ما لهذا أنشئت مصلحة السجون، ولا لهذا أنشئت السجون، وما بهذا يمكن أن ترضى حكومة تقدر لنفسها شيئا من الكرامة وتطمع لنفسها في شيء من الاحترام، أم هل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تعامل ضيوفها معاملة آلية صرفة، لا فهم فيها ولا فقه، ولا تدبر فيها لشيء، وإنما هو تطبيق ميكانيكي للنظام، فلان حسن الحال بعض الشيء، فيجب أن يصلى نار المعاملة العادية حتى إذا ساءت حاله كانت العناية به، فهي لا تعنى بالسجين إلا حين ترى نفسها مضطرة إلى هذه العناية! ما هكذا ينبغي أن تشرف الإدارات على مصالح الناس، وما هكذا ينبغي أن يفهم النظام وتنفذ أصوله وقواعده.
    رجل قال الطب إنه لا يستطيع أن يبرأ من الألم، أو لا يستطيع أن يخف عنه الألم إلا إذا عاش عيشة خاصة رسمها له الأطباء وبينوا حدودها بيانا مفصلا واضحا. فمن الحق على مصلحة السجون أن تذعن لرأي الأطباء وأن تنفذ ما قرروا في غير تردد ولا تلكؤ، إلا أن تكون مصلحة السجون حريصة على أن يلقى الناس عندها ألوان العذاب ويتعرضوا عندها لخطر الموت!
    هذا كله ولم نذكر أن توفيق دياب لم يقتل ولم يقطع طريقا ولم يسرق ولم ينقب على قوم آمنين، ولم يقترف إثما من هذه الآثام المنكرة التي يعاقب عليها القانون وحده، وإنما تعاقب عليها الأخلاق، ويعاقب عليها العرف، وتبقى آثارها السيئة ملازمة لصاحبها ما عاش، وملازمة لاسمه بعد أن يموت. لم يقترف توفيق دياب شيئا من هذه الآثام، وإنما أتى شيئا يختلف تقديره باختلاف الظروف، وباختلاف البيئات، وينكره القانون الآن في مصر، ولعله لا ينكره غدا، ولعله ليكن ينكره على هذا النحو من قبل. ولعله لا ينكره بحال من الأحوال في كثير من البلاد الأخرى، ولعله أن يكون مصدر شرف لصاحبه في بعض البيئات وفي بعض الظروف وفي بعض العهود. فليس من الحق ولا من العدل ولا من الرعاية لحرية الرأي أن يعامل هذا الرجل معاملة هؤلاء المجرمين الذين يفسدون في الأرض، والذين يلزمهم إثم الجريمة أحياء وأمواتا.
    لم نذكر هذا لأننا قد ذكرناه وألححنا فيه، وذكره غيرنا وألح فيه، فلم يسمع له أحد ولم يحفل به أحد، حتى استيئسنا من أن الحكومة ستقبله أو تؤمن له، فلم نطمع إلا في أن يعامل الرجل معاملة سجين مريض قد يخف عنه الألم إذا ظفر من العناية بما ينبغي له، ولكن مرضه لا يزول. وآية ذلك أنه كان حرا طليقا قادرا على أن يحيط نفسه بألوان العناية والعلاج كلها، معتمدا في هذه العناية على خير الأطباء، فظل ست سنين لا يفارقه المرض، ولكنه يخف عنه حينا، ويثقل عليه أحيانا. أفتأبى مصلحة السجون على المريض أن تعامله معاملة المرضى؟
    يقولون إن حال توفيق دياب قد حسنت بعض الشيء فيجب أن يُسوَّى بينه وبين غيره من السجناء تنفيذا للنظام، ولكن التسوية بينه وبين غيره من السجناء شيء لا سبيل إليه، لأنه لم يُشفَ من مرضه، فهو مريض، والسجناء أصحاء، وإنما تستطيع مصلحة السجون أن تسوي بينه وبين غيره يوم تسوي الطبيعة بينه وبينهم، فترد عليه صحته كاملة، ويسجل أطباؤه أن هذا المرض قد فارقه وانجلى عنه، وأنه قد شُفيَ الشفاء التام. فأما قبل هذا فإن مصلحة السجون تأثم حين تضطر المريض السقيم إلى ما يشق احتماله على الأصحاء.
    زعموا أن بعض النواب تقدم إلى مجلسه باقتراح يصلح نظام السجون، ويفرق بين جرائم الرأي والنشر، وبين غيرها من جرائم العدوان على الحقوق والأنفس والأموال، وزعموا أن قد كان في النواب عطف على هذا الاقتراح وميل إلى قبوله والعمل به، ولكن هذا الاقتراح الذي قدم في نشاط إلى المجلس لم يكد يستقر فيه حتى أصابه جمود وخمود، وشيء يشبه الموت، فلم يذكره أحد، ولم يفكر فيه أحد، وأكبر الظن أننا لم نخطئ حين قدرنا منذ قدم هذا الاقتراح أن المجلس لن يحفل به إلا ريثما يهمله، وما هي إلا أن يقيم بعض النواب أنفسهم أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا جادين حين تلقوا هذا الاقتراح!
    نعم وقف بعض النواب منذ أيام يستعدي على الصحف، ويلومها لأنها تطالب بأن يعامل المسجونون في الرأي كما يعامل أمثالهم في البلاد المتحضرة، ويرى أن هذا من الصحف تشجيع للإثم، وتحريض على التورط فيه. وقد فهمنا عن النائب ما أراد وعلمنا أن القوم لا يريدون بخصومهم خيرا ولا إنصافا، ولا يتحرجون في أن يصموا أنفسهم في ذلك بتجنب الحضارة والإغراق فيما تتنزه عنه البلاد الراقية حقا.
    ليس لنا إذن أمل في النواب، والنواب مشغولون عن السجون ومن في السجون بما هم فيه من شؤون، والنواب مطمئنون فقد أذن الله لأوليائهم وأنصارهم من الكتاب ألا يقدموا للقضاء، ولا أن يدخلوا السجون، ولا أن يتعرضوا لمكروه ما دام الأمر إليهم، وما دام الحكم إلى وزارتهم القائمة والنواب حراص على أن يذوق خصومهم من ألوان الشدة والضيق، وصنوف العذاب والنكال، لعل ذلك أن يصدهم عن المعارضة ويصرفهم عن النقد، فكل شيء يدعو النواب إلى أن يهملوا هذا الاقتراح وينسوه حتى تنقضي هذه الدورة!
    وزعموا أن الصحف كرهت أن يعامل الصحفيون كما يعامل توفيق دياب، فأنكرت واحتجت، واجتمعت وكررت الاجتماع، ولجت في الإنكار والاحتجاج، وانتهى بها كل هذا إلى فوز عظيم، ونجاح رائع، فأنشأت لنفسها ناديا تجتمع فيه مع الضحى، وتجتمع فيه مع الأصيل، وتجتمع فيه تحت جنح الليل، وهي في أثناء هذا الاجتماع المتكرر لا تلعب ولا تلهو، ولا تهمل ولا تقصر، ولا تتحدث إلا عن سجينها المريض، وعما يلقى وتلقى معه من مرارة إهانة وعما يحتمل وتحتمل معه من ألم ومضض، ولكنها لا تتحدث إلا إلى نفسها، ولا تسمع إلا نفسها، ولا تسعى إلا في ناديها. ومهما يكن من شيء فلم ترفع عنها إهانة، ولم ترد إليها كرامة، ولم ترع لها حرمة، ولم يزل عنها ضيم. وهي مع ذلك راضية مطمئنة، لأنها تجتمع وتسعى، وتتحدث. وهل تملك إلا الاجتماع، والسعي والحديث؟!
    وكذلك تعرض مصلحة السجون عن الواجب، وكذلك يعرض النواب عن الواجب، وكذلك تعرض الصحافة عن الواجب. أما توفيق دياب فيثقل عليه المرض حتى يضنيه، فإذا ردت إليه العناية اليسيرة بعض صحته، أعيد إلى شر ما كان فيه، فينظر فإذا هو بين إهانة لازمة لا ترفع عنه، إهانة السجن في الرأي يلقى جزاء المجرمين العاديين، وبين مرض لازم لا تخف آلامه إلا ريثما تعود ثقيلة منهكة، وبين يأس يتراءى له من بعيد، ثم يدنو منه شيئا فشيئا، ويقرب منه قليلا قليلا حتى يتصل به ويملأ عليه عزلته ووحشته ووحدته إذا أشرق النهار، وهل يشرق النهار إلا في شحوب؟ وإذا أظلم الليل، وهل ظلمة الليل عليه إلا اتصال لظلمة النهار؟ يتلفت فلا يرى إلا مرضا ويأسا، ويفكر فلا يجد إلا مرضا ويأسا، وإذن فماله لا يخلص من المرض، وما له لا يخلص من اليأس، وما له لا يضع حدا لهذه الآلام التي يأبى الناس أو يعجزون أن يضعوا لها حدا.
    ما له لا يقصر الأمد بينه وبين الراحة الكبرى والهدوء الشامل الذي لا يعرف مرضا ولا صحة، والذي لا يعرف يأسا ولا أملا، والذي لا يحتاج صاحبه إلى رحمة الناس ولا إلى عدل الناس، ولا إلى مروءة الناس، وإنما يحتاج إلى رحمة الله وحده، وإلى عدل الله وحده، وإلى رأفة الله وحده.
    ما له لا يقطع أسباب الحياة هذه التي يجد الناس فيها ظلما وجورا، والتي يجد الناس فيها قسوة وغلظة، والتي يجد الناس فيها نزولا حتى عن الكرامة، وتفريطا حتى في الحرمات؟ ما له لا يدع الطعام والشراب، ولا يقبل على الصوم المتصل لعله أن يخلص من كل هذا المكروه.
    وكذلك تحدث الناس أن توفيق دياب قد بدأ صومه هذا الخطر منذ أمس، وتساءل الناس عن هذا النبأ، فأكد لهم، وسأل الناس الحكومة عن هذا النبأ فآثرت صمتا هائلا مخيفا! وتسامع النواب بهذا النبأ فلم يقولوا عنه شيئا! وتسامعت الصحف بهذا النبأ فأذاعته وأشاعته، وتداعت للاجتماع بعد أن يكون توفيق دياب قد صام ثلاثة أيام، ووقع هذا النبأ في بيت توفيق فجزعت قلوب، وذهلت نفوس، وانهمرت دموع. وأقبل اليأس على هذا البيت الذي كان يملأه الأمل منذ أسابيع فأقام فيه ضيفا ثقيلا!
    نعم وحل اليأس قلوبا ما كان ينبغي أن يصل إليها، وغشى اليأس بالحزن وجوها ما كان ينبغي أن يظهر فيها إلا البشر والابتسام للحياة.
    اللهم اشهد أن هذا السجين البائس وأبناءه الصغار وأصدقاءه لا ينكرون القضاء، ولا يمارون فيه، ولا يترددون في الإذعان له عن رضى وطمأنينة، ولكنهم يريدون العدل الذي لا شك فيه ولا مراء، العدل الذي يأبى أن يعامل المريض معاملة الصحيح، وأن يعامل السجين في الرأي معاملة السجين في قطع الطريق.
    كوكب الشرق ٢٦ – ٥ – ١٩٣٣

  • تضليل

    حديث الوادي
    تضليل…

    يريد قوم أن يفرضوه على مصر فرضًا، وأن يجعلوه من الأعمال التي يثاب من أقدم عليها بالراحة والأمن والهدوء، ويعاقب من أحجم عنها بالأذى في نفسه وماله وأهله، على حين تريد الحضارة، ويريد الرقي، وتريد الأخلاق، ويريد الدين، أن يكون التضليل إثمًا من الآثام، يعاقب المقدمون عليه والداعون إليه والمتورطون فيه.

    ذلك أن حاكمًا من الحكام إن مات، فلا ينبغي فيما يقال إن الوزارة تريد أن تشرع من قانون للصحافيين والمؤرخين، أن تكتب فيه كلمة الحق صريحة، ولا أن يصدر عليه حكم التاريخ واضحًا، ولا أن يصور للأجيال الحاضرة، والأجيال المقبلة، تصويرًا صادقًا، ويبين للناس ما قدم من خير ليحمدوه ويتأثروه، وما قدم من شر ليكرهوه ويتجنبوه.

    وإنما ينبغي أن تعامل الموتى كما يعامل الأحياء، وأن يتأثر الكتاب والمؤرخون حين يكتبون عنهم بما يتأثرون به حين يكتبون عن الأحياء من ألوان المجاملة والمصانعة، ورعاية المنافع، واتقاء الخوف، واجتناب التعرض للعقوبات.

    فالقانون الذي يراد إصداره، إن أتيح له الصدور، سيدخل إذن بين الكتاب والمؤرخين، وبين ضمائرهم، وسيكره إذن هذه الضمائر على ما لا تحب، وسيلزم إذن كل كاتب، وكل مؤرخ يعرض للموتى، بأن يتحرى ما يمكن وما لا يمكن، ويتبين ما يساغ وما لا يساغ، ويبحث عما يرضى وما لا يرضى، ولا يقول من ذلك كله إلا ما لا يعرضه لتحقيق النيابة، ثم لموقف القضاء، ثم للغرامة أو السجن أو لهما جميعًا.

    وإذن فسيفرض على الكتاب والمؤرخين، حين يعرضون لسير الموتى، ألا يقولوا الحق كاملًا، وأن يذيعوا في الناس غير الصواب، وأن يكونوا أدوات للتضليل، – وأي تضليل؟ – لتضليل أجيال كاملة، وللتضليل فيما لم يعرف الناس قط أن التضليل فرض فيه على أحد.

    والغريب أن هذه الأوليات التي يكفي أن يفكر فيها رجل متحضر، ليضيق بها، وينفر منها، ويعافها كما يعاف أشد الأشياء إيذاء للنفس، تجد بين المثقفين المصريين من يطمئن إليها، ويقدم عليها، ويريد أن تصبح قانونًا يؤخذ به الناس كهذا.

    والغريب أن في مصر قومًا يتخذون التاريخ صناعة، يجد بعضهم فيه لذة، ويجد بعضهم فيه منفعة، وأولئك وهؤلاء، يحرصون أو يظهرون الحرص على أن يكونوا مؤرخين حقًا، أي مذعنين لما تقتضيه صناعة التاريخ، من إيثار الحق على كل شيء، ومن إيثار مناهج البحث الحر على كل شيء، ومن إباء الخضوع لأي قيد من شأنه أن يفسد التاريخ، أو الحرية البحث التاريخي، مهما تكن الظروف.

    الغريب أن في مصر نقرأ من هؤلاء، وأنهم يقرأون ويسمعون ما يذاع من الأنباء عن هذا الكيد الذي يدبر للتاريخ، فلا يؤذيهم ذلك، أو لا يظهر للناس أن ذلك يؤذيهم، وإنما هم خاضعون، مذعنون، لا يقولون حرفًا، ولا يظهرون إنكارًا، ولا يذودون عن كرامة العلم، ولا يدفعون عن هذه الأمانة المقدسة، التي لا قيمة لعالم إذا لم يدفع عنها بكل ما أوتي من قوة وجهد، وقدرة على الدفاع.
    والغريب أن الوزارة حين تفكر في هذا القانون لا تستقصي آثاره ونتائجه، ولا تهيئ العدة لتنفيذه، كما ينبغي أن ينفذ، ولا تتخذ الوسائل إلى فرض الرقابة على الجامعة، وعلى المدارس الثانوية والابتدائية. فالتاريخ يدرس في هذه الجامعة وفي هذه المدارس، ودرسه في الجامعة حر إلى الآن، فلابد من تقييد هذه الحرية، ولابد من تعيين مراقبين يرون دروس الأساتذة قبل أن تلقى، ويسمعونها أثناء الإلقاء، حماية لمن فارق هذه الدار، أو يفارقها من الحكام. ودرس التاريخ في المدارس الثانوية والابتدائية يكون طبقًا لكتب رسمية قد وضعت له، حين كان التاريخ حرًا، فلابد من أن تؤلف اللجان لتنقي هذه الكتب تنقية من جراثيم الحرية والحق، ولابد من أن يعاد تأليف هذه الكتب، ليرد التاريخ إلى ما يراد له من إرضاء الأهواء والشهوات، لا من تصوير الحق والصواب. ولابد مع ذلك من تعيين المراقبين، لأن أساتذة التاريخ في المدارس لا يقيدون أنفسهم بالكتب الرسمية دائمًا، وإنما يتبسطون، ويستطردون، ولعلهم أن يمسوا ميتًا بغير ما تحب الوزارة أن يمسوه به، فيجب أن يردهم المراقبون عن ذلك ردًّا، حماية للموتى، وتنفيذًا لهذا القانون الغريب!

    والغريب أن للتاريخ مؤتمرًا عالميًّا يجتمع كل ثلاثة أعوام، وأن لهذا المؤتمر لجنة دائمة تتبع الدراسات التاريخية، وما ينالها من رقي، وما يعرض لها من ضعف، وأن لمصر شعبة تمثلها في هذه اللجنة، وأن أعضاء هذه الشعبة يختارون من رجال التاريخ في وزارة المعارف وفي الجامعة، وأن وزارتنا لم تفكر في هذا المؤتمر ولا في هذه اللجنة، ولا في هذه الشعبة التي تمثل مصر فيها. وقد ينبغى أن تفكر الوزارة في هذا كله، وأن تكلف شعبتنا المصرية بأن تعرض على اللجنة الدائمة، ثم على المؤتمر، هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وكتابته، وفي حماية الموتى من أحكامه وآراء كتابه، ومن الحق والصدق بوجه عام.

    فمن يدري؟ لعل هذا المذهب أن يوافق رضى المؤرخين في الأرض كلها، فيصبح تزييف التاريخ أصلًا جديدًا من أصول العلم، وقاعدة حديثة من قواعد البحث، ويسجل للوزارة المصرية الفضل في هذا التجديد!

    والغريب أن عصبة الأمم قد أنشأت شيئًا يقال له معهد التعاون العقلي، وأن الدول كلها قد اشتركت في هذا المعهد، ومنها مصر، وأن مصر تدفع لهذا المعهد مقدارًا من المال في كل عام، وأن أهم ما يعنى به هذا المعهد حماية البحث العلمي عامة، والتاريخي خاصة، من كل عدوان. فمن الحق على وزارتنا أن تكلف وزيرنا المفوض في باريس أن يعرض هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ، وفي رعاية حرمات العلم، على معهد التعاون العقلي، لعله أن يقر هذا المذهب، ثم يعرضه على عصبة الأمم المتحدة فتقره أيضًا، ثم تقترح مشروع معاهدة دولية قوامها فرض التضليل التاريخي على المؤرخين في أقطار الأرض كلها…

    وزارتنا مهملة لهذا النحو من الدعاية، مقصرة في ذات نفسها، فيجب على أقل تقدير أن يقوم الصحافيون بما لم تقم به الوزارة، ولم يقم به المؤرخون.

    وقد قرر الصحافيون أن يبلغوا إنكارهم لعمل الوزارة إلى النقابات الصحفية وإلى أندية القلم في أقطار الأرض، فيجب عليهم أن يبلغوا هذا الإنكار إلى اللجنة الدائمة الدولية للدراسات التاريخية، وإلى المؤتمر العام للتاريخ، وإلى معهد التعاون العقلي، ثم إلى عصبة الأمم، ليعلم الناس في أقطار الأرض كلها أن على الأرض وزارة تريد أن تقيد حرية البحث التاريخي، وأن تخضع العلم الحر لما تقتضيه المنافع السياسية من الأهواء والشهوات.

    ثم ليعلم الناس أن مصر بحمد الله، ليست نائمة، ولا راكدة، ولا مقصرة، وإنما هي يقظة نشيطة، جادة، تستحدث من الأمر ما لم يسبقها إليه أحد من الإنس ولا من الجن، فتعاقب المؤرخين حين يعلنون ما يعتقدون أنه الصواب…

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١

  • النفس والرقص

    النفس والرقص


    للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري

    ترجمة الدكتور طه حسين

    استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم.

    وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها

    الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول

    والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد.

    الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذه الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره.

    الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً.

    الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أننا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه.

    وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر.

    والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة.

    أركسيماك – أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. .

    وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟

    فيدر – لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون.

    اركسيماك – ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟

    سقراط – هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . .

    اركسيماك – هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها.

    سقراط – تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟

    اركسيماك – رأيي إني أرى ما ترى

    سقراط – يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة.

    اركسيماك – لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر

    فيدر – ما هذه الأدوية؟

    اركسيماك – هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي.

    سقراط – أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك

    فيدر – وما هما؟

    سقراط – الصدق والكذب.

    فيدر – وكيف ذلك؟

    سقراط – أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.

    أركسيماك – حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة

    سقراط – أي نتيجة

    أركسيماك – هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا

    سقراط – ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك – إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها.

    فيدر – يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! – هن يدخلن كأنهن الأرواح

    سقراط – لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب – كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة!

    فيدر – هي رودبيس هذه التي تخلبك

    سقراط – إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه

    اركسيماك – كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة.

    سقراط – وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟

    اركسيماك – هي رودينا

    سقراط – ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها!

    اركسيماك – على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما – نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس – رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد.

    فيدر – ومن تملك على هذه النحل؟
    اركسيماك – هي المدهشة، هي البالغة غاية الإبداع في الرقص (اتكتيه)

    فيدر – ما أعرفك بهن!

    اركسيماك – لكل هؤلاء الحسان أسماء كثيرة أخرى بعضها يأتيهن من الاسرة، وبعضها يأتي من الاخصاء

    فيدر – أنت أخص هؤلاء الأخصاء!. . تعرفهن اكثر مما ينبغي!

    اركسيماك – أنا اعرفهن اكثر جدا من المعرفة الحسنة، ومن بعض الأنحاء أحسن مما يعرفن أنفسهن. أي فيدر! الست أنا الطبيب؟ عندي وبي تستحيل أسرار الطب كلها، أسرارا تشترى بها كل أسرار الراقصة! هن يدعونني لكل شيء، يدعونني لالتواء القدم، وللدمل، والذهول، ولما يمس القلب من حزن، وللأحداث المختلفة التي تصيبهن من الصناعة (وهذه الأحداث الجوهرية التي تنتج في سهولة من مهنة شديدة الحركة) وضبقهن الخفي، حتى الغيرة سواء أكان مصدرها الفن أو الغرام، وحتى للحلم. . أتعلم انه يكفي ان يسررن إلى ببعض ما يقلقهن من الأحلام لاستنبط من ذلك ان في بعض أسنانهن فساد؟

    سقراط – يالك من رجل خليق بالإعجاب يعرف الأسنان بالأحلام! أتظن إن أسنان الفلاسفة كلها فاسدة؟

    اركسيماك – لتحمني الآلهة من عض سقراط؟

    فيدر – دع هذا وانظر إلى هذه الأذرع والسوق التي لا تحصى! عدد ضئيل من النساء يظهر ألف شيء ألف مشعل، ألف رواق معمد قليل البقاء، عروشا، عمدا. . الصور تذوب تنمحي. إنما هي جماعة من الشجر حسان الغصون يهزها نسيم الموسيقى! أترى يا اركسيماك أن هناك حلما يصور من الألم واضطراب العقل اكثر مما يصور هذا الذي نراه الآن؟

    سقراط – ولكن هذا الذي نراه إذا حققت ابعد الأشياء عن الحلم أي فيدر العزيز

    فيدر – ولكني أنا حالم. . حالم بالعذوبة تضاعف نفسها بنفسها إلى غير حد بما يكون بي هؤلاء العذارى من التلاقي ومن تبادل الصور. حالم بهذا التماس الذي لا يوصف والذي يحدث في النفس بين الأزمنة، بين بياض الأذرع واشتباكها بمقدار، وأصوات هذه الأنغام المؤتلفة الخافتة والتي يظهر عليها كل شيء كأنه مصور محمول. تنفس اختلاط هؤلاء الفتيات الساحات كأنه شذى مسكي مركب، ويهيم محضري في هذا الظرف المختلط حيث تضل كل واحدة منهن مع رفيقة ثم تظهر مع رفيقة أخرى

    سقراط – إن نفسك لمفتونة باللذة، إن ما تراه لنقيض الحلم لا أثر للمصادفة فيه. . ولكن نقيض الحلم ما هو يا فيدر؟ إنما هو حلم آخر! حلم تنبه ويقظة يحلمه العقل نفسه! – وماذا يمكن أن يحلم العقل؟ لو حلم العقل صلبا قائما مثلج العين مطبق الفم كأنه سيد شفتيه – فالحلم الذييراه هل يكون إلا شيئاً كالذي نراه الآن – هذا العالم من القوة الدقيقة والتخيل المتعمد في عناية وإتقان! حلم، حلم، ولكنه حلم يملؤه التناسق كله نظام، كله فعل وغناء. . من يدري أي القوانين المقدسة تحلم هنا الآن وقد اتخذت وجوها نضرة واتفقت على أن تظهر للناس كيف تستطيع الأشياء الواقعة وغير الواقعة والمعقولة ان تمتزج وتأتلف حسب ما لآلهة الفن من مقدرة؟

    اركسيماك – من الحق يا سقراط ان كنز هذه الصور لا يقدر. . ألا تظن أن فكرة الآلهة هي بالضبط ما نرى وان هذا التشابه الفخم إلى غير حد. هذا التداور والتقابل والتقاطع التي لا تنتهي والتي تظهر لأعيننا ينقلنا إلى عالم المعرفة الإلهية؟

    فيدر – ما أجمله ما أظرفه هذا المعبد الصغير الوردي المستدير الذي يؤلفنه الآن والذي يدور في بطء كأنه الليل! انه ليتفرق فتيات أن الأردية لتتطاير وكان الآلهة قد غيروا من تفكيرهم

    اركسيماك – إن الفكرة الإلهية الآن هي هذه الجماعات الكثيرة المختلفة الألوان من الوجوه الباسمة. أنها تبدئ المعاد من هذه الحركات الحدة وهذه العَواصف اللذيذة التي تتألف من جسمين أو ثلاثة أجسام ثم لا تستطيع أن تفترق. . لقد وقعت إحداهن فيما يشبه الأسر فلن تخرج من سلاسلهن السحرية!

    سقراط – ولكن ماذا يصنعن فجأة؟. . . إنهن ليختلطن، ثم يمضين مسرعات!. . .

    فيدر – هي يطرن إلى الأبواب، ينحنين ليستقبلن اركسيماك – أي اتكتيه! أي اتكتيه!. . . يا للآلهة!. . اتكتيه الخافقة!

    سقراط – ليست شيئاً.

    فيدر – هي طائر صغير

    سقراط – شيء لا جسم له!

    اركسيماك – شيء لا ثمن له!

    فيدر – أي سقراط! كأنها تطيع إشكالا لا ترى!

    سقراط – أو تذعن لقضاء جليل!

    اركسيماك – أنظر! أنظر! أترى أنها تبتدئ بمشي الاهي؛ مشي يسير مستدير. . تبتدئ بأرقى ما عندها من الفن، تمشي في يسر على ما انتهت إليه من القمة! طبيعتها الثانية هذه أبعد ما تكون عن طبيعتها الأولى، ولكن يجب أن تشبهها، حتى تخدعنا عنها.

    سقراط – إني لاستمتع إلى أقصى حد بهذه الحرية. أن صاحباتها الآن لمستقرات كأنهن مسحورات. وأن الموسيقيات ليسمعن لأنفسهن دون أن يحولن أبصارهن عنها. . . يمتزجن بها كأنما يلححن في كمال التوقيع.

    فيدر – إحداهن كأنها المرجانة الوردية قد انعطفت على نفسها وهي تنفخ في قوقعة عظيمة.

    اركسيماك – صاحبة المزمار هذه العالية في الطول ذات الفخذين النحيفتين كأنهما المغزلان، قد لفت إحداهما على الأخرى، ومدت قدمها الظريفة التي تخفق إبهامها بوزن الموسيقى. . . أي سقراط ما ترى في هذه الراقصة؟

    سقراط – أي اركسيماك هذه المخلوقة الصغيرة تدعو إلى التفكير. . أنها تجمع على نفسها أنها تحتمل جلالا كان مفرقا فينا جميعا وكان يحل غير مشعور به كل الذين يشتركون في هذا اللهو. مشى يسير، وإذا هي الآهة، وإذا نحن جميعا كأننا الآلهة!. . . مشى يسير ايسر التسلسل كأنها تأجر الفضاء بأعمال جميلة متساوية وتضرب بعقبها حركات كالدنانير ذات الرنين. كأنما تعد وتحصي في قطع من الذهب الخالص ما ننفقه نحن غافلين نقدا عاديا من الخطوات حين نسعى لأي غاية من الغايات

    اركسيماك – أيها العزيز سقراط. إنها تعلمنا ما نعمل، مظهرة لنفوسنا في جلاء ما تأتي أجسامنا من الحركات، تظهر لنا ساقاها حركاتنا كأنها المعجزات. ثم هي تدهشنا بمقدار ما ينبغي أن ندهش

    فيدر – في أي شيء تمتاز هذه الراقصة عندك بشيء سقراطي، فتعلمنا من المشي كيف نعرف أنفسنا بأنفسنا خيراً مما كنا نعرفها،

    اركسيماك – في هذا بالضبط وهو أن خطواتنا تبلغ من اليسر والألف حدا لا نشرفها معه بملاحظتها في أنفسنا ومن حيث هي أعمال غريبة إلا أن يكون أحدنا مقعداً أو مريضاً فيضطره العجز إلى الإعجاب بها – وإذن فهن يحملننا كما يعرفن، ونحن نجهلهن، وهن يختلفن باختلاف الأرض والغاية والأخلاق والأحوال بل وضوح الطريق، ونحن ننفقهن في غير تفكير.

    ولكن انظر إلى هذا المشي التوقيعي الكامل. تمشيه اتكتيه على ارض لا عيب فيها، وهي حرة صريحة تكاد تكون مرنة تضع في تناسق على مرآة قوتها قدميها متتابعتين، عقبها يصب جسمها نحو مقدمة رجلها، ثم تمر رجلها الأخرى فتتلقى الجسم وتصبه إلى امام، وهكذا على حين تخط قمة رأسها البديعة في الحاضر الأبدي جبهة موجة متثنية

    وإذا كانت الأرض هنا كأنها مطلقة قد برت من كل عوج مفسد للتوقيع أو دافع إلى التردد فهذا المشي العظيم الذي لا غاية له إلا نفسه، والذي برئ من الوان الفساد على اختلافها يصبح نموذجا عاما

    (انظر أي جمال، أي أمن شامل للنفس ينشأ من طول خطواتها الفخمة، هذه الخطوات الممتلئة ملائمة لعددها الذي يلائم الموسيقى ولكن عدد الخطوات وطولها ملائمتان من ناحية أخرى لقوام الجسم

    سقراط – انك لتحسن الحديث عن هذه الأشياء أيها الخبير اركسيماك حتى أنى لمظطر إلى أن أرى كما تتفكر. إني لأنظر إلى هذه المرآة التي تمشي وتثير في نفسي شعور السكون لا اعني إلا بما لحركاتها من المساواة. . .

    فيدر – إنها لتقف بين محاسنها التي لا تنتهي. .

    اركسيماك – ستريان!

    فيدر – إنها تغمض عينها. .

    سقراط – إنها كلها في عينيها المغمضتين وحيدة مع نفسها في إفناء عنايتها الخاصة. تشعر كأنها أصبحت شيئاً حادثا جليلا.

    اركسيماك – انتظرا، ان. . . الصمت الصمت!

    فيدر – يالها لحظة حلوة! هذا الصمت تناقض. كيف السبيل إلى إلا أصبح. الصمت!

    سقراط – لحظة عذراء حقا. ثم لحظة نحس فيها كأن شيئا يجب ان ينقطع في النفس وفي الانتظار وفي الجماعة. . شئ ينقع ولكنه في الوقت نفسه كأنه يتصل.
    الرسالة (العددان ٢٥ و٢٦)

  • ولا هذا أيضًا

    ولا هذا أيضًا
    وكما أجاد[1] «الفرزدق» في تصوير صديقي «عبد الرحمن عزام» في قوله:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    فقد أجاد «الحارث بن عباد» تصوير صديقي «المازني» حين قال:
    لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وَإِنِّي لِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالٍ
    فصديقي «المازني» لم يثر هذه الفتنة حول تلك الجملة القصيرة التي اقتطعها صديقي «عزام» من فصل طويل، ولم يجلب في هذه الحرب أول الأمر بخيل ولا رجل، حتى إذا شبّت النار، وارتفع الغبار، ثار ثم طار، وإذا هو في الميدان يطلب الضرب والطعان.
    وقد ثار «المازني» للدفاع عن حرية الرأي، ولكنه أخطأ طريق هذا الدفاع، فرمى صديقه بالزلل والخطأ اللذين ليس فيهما شك، ثم أخذ يدور حول هذا الزلل وهذا الخطأ، يلتمس الهفوة. فلست معصومًا من الخطأ، ولا مبرأ من الزلل، وما كان لأحد من الناس أن يرى العصمة لنفسه، ولكن ما ذنبي إذا كنت لم أخطئ في هذه المرة ولم أزل؟ وإنما صورت الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا يحتمل جدالًا، ولا يغفل عنه إلا قوم ليس لهم عشر ما لـ«المازني» من العلم والثقافة، أو قوم آخرون يعلمون ثم ينكرون، ويرون الحق ثم يعرضون عنه؛ لأن لهم حاجة من وراء هذا، لا يستطيعون أن يسلكوا إليها صراطها المستقيم.
    وأحب أن أؤكد لـ«المازني» مخلصًا أني أرفع ما بينه وبيني من الصداقة عن جِيد الخصومات وهزلها، وعما كان منها صريحًا واضحًا، وما كان منها ملتويًا غامضًا، وإنه مهما يقل فيَّ مُصَرِّحًا أو مُلَمِّحًا فلن يبلغ ذلك من مودتنا شيئًا؛ فأنا أعرف — والحمد لله — كيف أقدّر ضعف الناس.
    وقد كنت أحب وما زلت أحب لصديقي «المازني» ألا يخلط بين من يقول له إني لم أخطئ، ومن يقول له ليس بيني وبين الخطأ سبب ولا سبيل؛ ذلك يقرر الحق، وهذا يدّعي لنفسه من العصمة ما ليس للناس. فليعلم «المازني»، وليعلم «عزام»، وليعلم من يظاهرهما من المصريين، وليعلم «السوريون» أيضًا أني ما زلت عند رأيي الأول، لا أغيره، ولن أغيره؛ لأني لا أحب، ولا أستطيع، ولا يستطيع أحد تغيير الحق مهما تكن الظروف.
    وأخرى أضحكتني من «البلاغ»، وأريد أن أعتقد أنها لم تصدر عن «المازني»، فهو عندي أكبر منها؛ فقد زعمت «البلاغ» أمس أني أخذت منها ما كتبت به إلى «السوريين» دفاعًا عن حرية الرأي. وكنت أحسب أن أعترف لـ«البلاغ» بأني أخذت منها واستعنت بها على هذه القضية المعضلة، قضية الرأي وحريته، فإني لا أكره أن أسرّ «البلاغ» إن وجدت إلى ذلك سبيلًا شريفة معقولة، ولا أتحرج أن أستعين بكاتب بارع كصديقي «المازني» إن وجدت حاجة إلى معونته، ولكني آسف أشد الأسف لأني كتبت إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء قبل أن تكتب «البلاغ» ما كتبت، وأخرت نشر الكتاب يومين أو ثلاثة أيام حتى يصل الكتاب إلى «دمشق»، ثم ينشر في مصر بعد ذلك. فإذا كانت «البلاغ» في حاجة إلى من يشهد لها بذلك، فإن الشهود أحياء يرزقون، وهم قادرون على تأدية الشهادة، لا يترددون في ذلك قليلًا ولا كثيرًا.
    وبعد، فلم أقل في كتابي إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء، ولم تقل «البلاغ» فيما كتبت يوم الخميس شيئًا طريفًا فذًّا، يحسن الاختصام فيه: أينا سبق إليه. وإنما قلت يوم الأربعاء، وقالت «البلاغ» يوم الخميس، أوليات شائعة بين الناس، من المحزن أن نحتاج إلى تقريرها، فضلًا عن أن نزعم لأنفسنا ابتكارها واستكشافها.
    فلتطمئن «البلاغ»، ولتخفف من غلوائها ومن اعتدادها بنفسها؛ فإن الله — عز وجل — لم يقصر عليها العلم بالبسائط والأوليات. وخير لـ«البلاغ» أن تمضي في سبيلها، لا تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، ولا تقف عند أشياء تعلم حق العلم أن الوقوف عندها لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرضي الحق ولا المنفعة، ولا الضمير على أية حال.
    [1] كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.

  • بغي

    بغي
    لم يخطئ[1] «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
    ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
    فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
    ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
    وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
    ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
    وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
    فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
    ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
    وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
    وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
    ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
    أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
    [1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.

  • إلحاح

    إلحاح
    يظهر أنه سيتصل وسيتصل حتى يفتح الله على الوزارة وعلى هيئة كبار العلماء بما يخرجها من هذا الصمت المريب، ومن هذا السكون الذي لا يستطيع مسلم ولا مصري أن يرضى عنه أو يطمئن إليه. فقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الشعب المصري ليس طفلاً يمكن أن يكسب رضاه وينال إقراره بالمطاولة والمماطلة، أو بالتعلة والتلهية والاستعانة بالنسيان. وقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الذين يخاصمونها في أمر التبشير والمبشرين لا يريدون لهواً ولا لعباً، ولا يريدون كلاماً ينفق الوقت في كتابته وينفق مع هذه الأشياء التي يمضي بها كر الغداة ومر العشي دون أن ينتج أثراً، إنما هم يريدون الجد كل الجد، ويكتبون ليروا نتيجة ما يكتبون. فإن ظفروا بهذه النتيجة فذاك وإلا فهم ماضون في المطالبة بالحق والدعوة إلى أداء الواجب، وليس يضرهم أن تضع الوزارة أصابعها في آذانها، ولا أن تعرض هيئة كبار العلماء كأنها لا تسمع ولا تقرأ، فهم إن فاتهم استماع الوزارة والهيئة لهم فلن يفوتهم أن الناس يقرأون ويفقهون ويعلمون بعد القراءة والفقه، وبعد التدبير والتفكير أين يكون الدفاع عن الحق والنهوض بأداء الواجب وصون الحرمات، والذود عن الكرامة. أعند الذين يعلنون أنهم ناهضون بذلك، جادون فيه ثم لا يبلغون منه شيئاً، ولا يحققون منه قليلاً ولا كثيراً. إنما هو كلام يتبعه كلام وإعلان يليه إعلان؟ أم عند الذين يطالبون بالحق وهم لا يملكون إلا المطالبة به، ويدعون إلى الواجب وهم لا يملكون إلا الدعوة إليه، ويبذلون ما يملكون من قوة وجهد لتشجيع الذين يؤدون الحق إلى أهله وتأييد الذين ينهضون بالواجب وهم مخلصون؟

    مسألة لابد من أن يتبين فيها موقف الوزارة وموقف الشيوخ على أوضح صورة وأجلاها، لأنها لا تحتمل غموضاً ولا إبهاماً، ولا تقبل مماطلة ولا التواء. فإما أن تعمل
    الوزارة والهيئة فنشكر لهما مخلصين ما تعملان. وإما أن تقول الهيئة والوزارة فنعرف مدى ما تستطيعان أن تعملا. فأما السكوت والسكون، فأما الصمت والجمود فلن يفهم الناس منهما إلا أن الوزارة والهيئة عاجزتان كل العجز عن أوجب ما ينبغي أن تنهضا به أو مقصرتان كل التقصير عن النهوض بأوجب ما أنشئتا من أجله. وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين خليق أن يلزم الوزارة والهيئة التنحي عن هذا العمل الذي لا تستطيعان أو لا تريدان أن تنهضا به.

    نريد أن نعلم أكانت باطلة هذه الأحكام الشرعية التي أصدرها القضاء الإسلامي في أمر نظلة غنيم أم كانت صحيحة؟ فإن تكن باطلة فما بال الوزارة وهيئة كبار العلماء لا تعلنان بطلانها إلى الناس ليعلموا أن سكوتهما ليس عن عجز ولا عن تقصير، وإنما هو عن بغض للباطل وحب للحق وحماية للعدل وصيانة للقانون؟ وإن كانت صحيحة فما بالها لم تنفذ إلى الآن؟ وما هذه القوة الغريبة القاهرة التي تشل يد الوزارة وتحول بينها وبين إنفاذ هذه الأحكام؟ ثم نريد أن نعلم فيم وجد القضاء في مصر؟ أوجد ليصدر أحكاماً تعطل أم وجد ليصدر أحكاماً تنفذ؟ فإن تكن الأولى فما بال الوزارة لا تعلنه إلى الناس حتى لا يمنوا أنفسهم بالإنصاف والعدل اللذين يطلبونهما عند القضاء ما دام القضاء يؤدي واجبه فيقضي بالإنصاف والعدل ثم لا تمضي السلطة التنفيذية ما قضى به، وإن تكن الثانية فما بال هذه الأحكام التي أصدرها القضاء معطلة تنتظر التنفيذ، مهملة تنتظر الاحترام؟ أعطلت عن عمد أم عطلت عن كره من الوزارة؟ ومن الذي يكره الوزارة على أن تعطل أحكام القضاء؟ وتهمل تنفيذ القانون؟ أمصري هو أم أجنبي؟ فإن يكن مصرياً فمن هو؟ وما سلطانه؟ وكيف يتاح لمصري أن يكون سلطانه فوق سلطان الدولة؟ وأن يكون قادراً على تعطيل الأحكام وإهمال القانون؟ وإن يكن أجنبياً فمن هو؟ وبأي قوة يستطيع الأجنبي كائناً من كان أن يدخل بين المصريين إلى هذا الحد، وأن يكره الوزارة المصرية على إهمال قوانينها وتعطيل أحكام القضاء؟

    كل هذه مسائل لابد من أن تجيب عنها الوزارة، ولابد من أن يجيب عنها الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الوزارة، والدعوة لها وإليها. فإن من العسير أن تعلن الوزارة ألف مرة ومرة في البرلمان وبعيداً عن البرلمان أنها ستحمي الإسلام من كل عدوان، وستقف أمر المبشرين عند حده، وستؤدي من ذلك ما يرضى الله ويرضى المسلمين. كل هذا يسير، ولكن الشيء الذي يريده الناس ولا يؤمنون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه هو أن تبر الوزارة بالوعد حين تعد وأن تعمل الوزارة حين تقول. ومهما يقل دعاة الوزارة
    وأنصارها إنها قد أخذت في إنشاء الملاجي وبثها في أقطار مصر فلن يبلغوا من رضا الناس ولا من صرفهم عن هذه القصة التي بين أيدينا شيئاً. فإنشاء الملاجي كما قلنا واجب اجتماعي لا مندوحة لأي وزارة من الوزارات عن أن تنهض به سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، فهو ليس مقاومة للمبشرين، وإنما هو احتياط لابد منه لاتقاء المبشرين وغير المبشرين من الآفات الاجتماعية. إنما المقاومة الصحيحة للمبشرين هي هذه التي نطلبها حين نلح في فرض المراقبة عليهم، وفي رفع أيديهم عن أبناء المصريين وبناتهم، وفي استنقاذ هذه الأسيرة التي لم يجعل الله لغير المسلمين عليها سبيلاً.

    فليظهر وزير الداخلية ووزير الحقانية أنهما جادان حقاً في مقاومة التبشير، ناهضان حقاً بما يفرض عليهما منصب الوزارة من إمضاء أحكام القضاء، ومن إنقاذ القانون وحماية النظام. وإنه لكثير جداً أن نلح نحن في ذلك، وأن يلح فيه غيرنا من الكتاب الذين لم يحتكر لهم أحد حماية الإسلام، ولم ترزقهم الدولة أجورهم على أنهم علماء الدين وحماة الإسلام، وأن يظل هؤلاء الحماة من العلماء في هذا الصمت الرائع والسكوت العميق.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يعتقد العلماء أن الناس سيسمعون لهم إذا قالوا إنهم حماة الإسلام، وسيؤمنون لهم إذا قالوا إنهم ورثة الأنبياء.
    حماة الإسلام وورثة الأنبياء المستأثرون بالدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله. هم هؤلاء الذين يلحون على الوزارة ويلحون، ويمضون في الإلحاح حتى تنفذ الوزارة أحكام القضاء الإسلامي فإن أعياهم ذلك أعلنوا إلى الناس أنهم قد أدوا الواجب وأبرأوا الذمة ونصحوا لله ورسوله وللمسلمين.

    فلتفكر الوزارة في هذا كله، وليفكر العلماء في هذا كله، ولتعلم الوزارة والعلماء أن المصريين لن يناموا ولن ينسيهم الصمت والإعراض ولن يرضوا إلا أن يعلموا عن ثقة ويقين أهم من أمر التبشير والمبشرين في هزل أم في جد.
    كوكب الشرق ٩\٨\١٩٣٣

  • عتاب

    عتاب
    نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
    أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
    ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
    وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
    كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.

  • طير

    طير
    للدكتور طه حسين
    في جوّ مصر الآن طير تحلّق حيناً، وتقع حيناً آخر، وتتردد بين دواوين الوزراء وإدارات بعض الصحف، وتلمّ بمجالس الناس في القاهرة والأقاليم. وليست هذه الطير جميلة الشكل، ولا رائقة المنظر، وليست هذه الطير خفيفة الحركة ولا رشيقة في التحليق والوقوع، ولكنها قبيحة سمجة مخيفة، ثقيلة الظل، عراض الأجنحة. وليست عذبة الصوت، ولا حلوة التغريد، ولا مسمعة للناس غناء البلابل، ولكنها بشعة الصوت، نابية اللحن، تصيح صياح البوم. وليست أسماؤها بالأسماء التي تدعو إلى التفاؤل وانتظار الخير، والابتسام للأمل، ولكنها أسماء تدعو إلى التشاؤم، وتوقع الشر والتذكر للقنوط؛ فبعضها يسمى الكذب، وبعضها يسمى إفشاء السر، وبعضها يسمى سوء الظن.
    وهذه الطير تضطرب في جوّ مصر كله فتفسده أشد الفساد، وهي تخفق بأجنحتها خفقاً عنيفاً يكاد يصمّ الأسماع، وهي تبعث من حين إلى حين صيحات منكرة تروع النفوس، وهي تنشر في الجو رائحة كريهة يتأذى لها الذوق، وهي توشك أن تنتهي بالمصريين – إذا لم تُطرد عن جوّهم – إلى شر كثير..!
    صحيفة تذيع بين قرائها يوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء تحدث في التليفون إلى وزير مصر المفوض في لندن، ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ. فإذا كان الغد تحدثت صحيفة أخرى بأن وزيرنا المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن قد كان بينه وبين رئيس الوزراء حديث في التليفون. ويسكت رئيس الوزراء عن هذا النبأ أياماً، وتتناول الصحف هذا النبأ بالتفسير والتعليق، ورئيس الوزراء صامت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، وفاتر لا يبدي قليلاً من نشاط، حتى إذا كان مساء أمس، زعم رئيس الوزراء لـ (المقطم) أن الحديث التليفوني لم يكن؛ فأين يكون الحق إذن؟ وأين يكون الباطل؟ وعند مَن نلتمس الصدق إذن؟ وعلى مَن نلقي تبعة الكذب؟
    زعم (المقطم) أن ناحية مسؤولة في مصر تحدثت إلى وزير مصر في لندن بالتليفون، وزعمت (البلاغ) أن وزير مصر المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن هذا الحديث قد كان، وزعم رئيس الوزراء بعد أيام أن هذا الحديث لم يكن. فهناك طائر قبيح الشكل، بشع المنظر، فجّ الصوت يتردد بين إدارة المقطم، وإدارة البلاغ، والمفوضية المصرية في لندن، ومكتب رئيس الوزراء، واسم هذا الطائر قبيح لا يدل على صدق ولا نصح ولا حب للحق، وهو لا يدري أين يقع من هذه الأماكن التي يتردد بينها، وهو لا يهدأ ولا يستريح حتى يعرف له مستقراً يستقر فيه، ووكراً يأوي إليه؛ وهو سيفسد الجو بصيحاته المنكرة وريحه المؤذية حتى يُصرف عن هذا الجو، ويُردّ إلى وكره بعيداً عن الأسماع والأبصار والأنوف..!
    وصحيفة أخرى زعمت أول أمس أن رئيس الوزراء تحدث إلى زملائه في مجلسهم يوم الخميس بأنباء سياسية انتهت إليه من هذا الحديث التليفوني الحائر؛ وبعض هذه الأنباء يمس المندوب السامي، وبعضها يمس اللجنة الإنجليزية المصرية، وكلها يدور حول بقاء الوزارة أو سقوطها. فما يتقدم النهار حتى يكذب رئيس الوزراء ما نشرته (الأهرام) تكذيباً قاطعاً، فإذا كان صباح الغد أكدت الأهرام ما قالت، وردّت على رئيس الوزراء تكذيبه، وأعلن مندوب الأهرام في صراحة وجرأة أنه سمع هذه الأنباء من غير واحد من الوزراء.
    ثم يتقدم النهار ويأتي المساء ويقبل الليل وينجلي، ويشرق النهار وتظهر في أثناء ذلك الصحف التي تتصل برئيس الوزراء، والتي تعرب عن رئيس الوزراء، فإذا رئيس الوزراء صامت لا يتكلم، ساكن لا يتحرك، هادئ لا حظ له من نشاط. وإذا الصحف التي تتولاه والتي تعرب عنه وتذعن له صامتة مثله لا تقول، ساكنة مثله لا تتحرك، هادئة مثله لا تنشط. ومع ذلك فما أقدر هذه الصحف على الكلام، وما أبرعها حين تخوض بالحق والباطل فيما تريد أن تخوض فيه من الأمور!
    هناك إذن طائر آخر قبيح الشكل، بشع المنظر، لا يدل اسمه على الصدق والنصح وحب الحق، وهو يتردد بين الأهرام ومكتب رئيس الوزراء، وهو لا يدري أين يستقر، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُردّ إلى وكر يستخفي فيه. وهناك طائر آخر ليس أقل من هذا الطائر شراً ولا نكراً، ولا يدل اسمه على أمانة في الحديث ولا على حفظ للغيب ولا على كتمان للسر، وهو يتردد بين مكاتب الوزراء لا يدري إلى أيّها يأوي ولا على أيّها يقع، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُصرف شره عن الناس.
    ثم هناك طائر آخر مروع مخيف، ليس بشعاً كل البشاعة ولا قبيحاً كل القبح، ولكنه مزاج بين الأمرين؛ فيه استنكار الشر، واستبشاع الكذب وإفشاء الأسرار، وفيه التماس الخير واستقصاء الحق، والحرص على الأمانة وحفظ الغيب. وهذا الطائر كان يقظاً كالنائم، نشيطاً كالهادئ، متحركاً كالساكن؛ فلما صاحت تلك الطير المنكرة صيحاتها المتصلة، اندفع من اليقظة والنشاط في شيء عظيم، فهو يطير في كل جو، ويقف عند كل مجلس، ويسمع لكل حديث، ويتلقط كل نبأ، ويأبى على الناس أن يطمئنوا أو يستريحوا حتى يتبينوا وجه الحق فيما قيل وفيما يقال.
    يأبى على الناس أن يستريحوا حتى يعلموا أيهما قال الحق في أمر الحديث التليفوني:
    أهو رئيس الوزراء؟ فيجب إذن أن يُسأل وزير مصر المفوض في لندن: كيف قال عن رئيس الوزراء غير الحق؟ وكيف تحدث بما لم يكن؟
    أهو وزير مصر المفوض في لندن؟ فيجب إذن أن يُسأل رئيس الوزراء: كيف استباح لنفسه أن يكذب وزيراً يمثل كرامة مصر وجلالها في بلد أجنبي هو إنجلترا، وعند قوم من الأجانب هم الإنجليز؟
    أم هي الصحف التي قالت على الرجلين جميعاً ما لم يقولا، وأضافت إلى الرجلين جميعاً ما لم يفعلا؟ فيجب أن تُسأل هذه الصحف: كيف استباحت لنفسها أن تعرض رئيس الوزراء ووزيراً من وزراء الدولة المفوضين لما يتحدث به عنهما، أحدهما أو كليهما، من تجاوز الصدق والإعراض عن الحق؟
    لا يريد هذا الطائر الذي يسمى سوء الظن أن يستريح، ولا أن يريح الناس حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق ساطعاً وضاحاً جلياً فيما كان بين الأهرام ورئيس الوزراء، أو قل فيما كان بين رئيس الوزراء وزملائه؛ فإن سكوت الوزارة على تحدي الأهرام، وسكوت صحف الوزارة على هذا التحدي، وإغراق هذه الوزارة وصحفها في صمت عميق بعد ما نشره مندوب الأهرام صباح أمس، دليل واضح على أن الرجل لم يخترع ولم يبتكر، وإنما حُدِّث فتحدّث، وأُنبئ بشيء فأذاعه بين قرائه. وأكبر الظن أن الذين تحدثوا إليه قد أرادوه على أن يذيع هذا الحديث ليؤكدوا للناس أن ليس على الوزارة من بأس ولا خوف.
    يظهر إذن أن الأهرام قد خرجت من هذه المعركة ظافرة صادقة، لا إثم عليها ولا تثريب. فيريد هذا الطائر أن يتبين وأن يتبين الناس معه أيهم قال غير الحق:
    أهم الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسألوا: كيف أضافوا إلى رئيسهم ما لم يقل، وحملوا عليه ما لم يصدر عنه؟ فإن زعموا أن رئيسهم قد تحدث إليهم بما نقلوا عنه، فيجب أن يُسألوا: كيف أباحوا سره، وكشفوا ستره، ولم يحفظوا له غيباً، ولم يفوا له بالكتمان؟
    أهو رئيس الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسأل: متى قال غير الحق؟ أحين تحدث إلى بعض زملائه بما نشرته الأهرام، وإذن فلم يخلص حين تحدث إليهم، ولم يظهرهم على جلية الأمر، وإنما غرّهم بالأماني وعللهم بالأوهام!! أم حين كذب ما نشرته الأهرام وهو يعلم أن الأهرام لم تنشر إلا حقاً ولم تقل إلا صدقاً؟ وإذن فيجب أن يُسأل: كيف استباح لنفسه أن يواجه الأمة كلها جهراً بغير الحق، وأن يتعمد هذا وهو يعلم حق العلم أن هذا التعمد شيء لا تبيحه السياسة ولا ترضاه الأخلاق؟
    أرأيتَ إلى هذا الجو المنكر الذي نعيش فيه؟! أرأيتَ إلى هذه البيئة الخانقة التي نضطرب فيها؟ أرأيتَ إلى الصدق والكذب كيف يختلطان؟ أرأيتَ إلى الحق والباطل كيف يشتبهان؟ أرأيتَ إلى الأمانة والخيانة كيف تلتبسان؟ أرأيتَ إلى الريبة تصبح قاعدة من قواعد السياسة، وأصلاً من أصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ أرأيتَ إلى هذا كله؟ أفكرتَ في هذا كله؟ أقدّرتَ هذا كله في حب الناس للوزارة وثقتهم بها واطمئنانهم إليها؟ أقدّرتَ أثر هذا كله في أخلاق الناس حين يتصل بعضهم ببعض، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، وحين يأتمن بعضهم بعضاً على الأسرار؟ ألستَ توافقني على أن هذه الطير البشعة المنكرة التي تضطرب في جوّ مصر الآن فتملأه فساداً وشراً خليقة أن تُردّ عن هذا الجو ليعود إليه شيء من الخير والصلاح؟
    بل إنك لترى هذا الرأي كما أراه، وإنك لتحرص على أن يصفو الجو كما أحرص على ذلك لتستقيم السياسة وتصلح الأخلاق، ولكن مَن الذي يستطيع أن يذود هذه الطير المفسدة عن جوّ مصر؟ أحد رجلين: رئيس الوزارة حين يستقيل، أو النائب العام حين يأمر بالتحقيق.
    كوكب الشرق ٢ – ٥ – ١٩٣٣.