بطر …!
طه حسين
جريدة الجمهورية
٧ أكتوبر ١٩٦١
منذ أعوام طوال، سمعت حديث الوحدة العربية، ولم أسمعه للمرة الأولى والثانية والثالثة إلا من السوريين. كانت الوحدة العربية حلمًا للسوريين حين كانت أرضهم وحياتهم ومنافعهم كلها في أيدي الفرنسيين، يتصرَّفُون فيها كيف شاءوا، ويعبثون بها كيف أحبُّوا. ولعلها كانت حلمًا للسوريين قبل ذلك حين كانت سورية خاضعة للترك العثمانيين، يدبِّرون أمرها، ويسومون أهلها سوء العذاب. ولعل السوريين كانوا يتعزَّوْنَ بهذا الحلم، من عسف الترك، ومن ظلم الفرنسيين. ولعلهم كانوا يرون في تحقيقه وسيلة يخرجون بها من محنهم القاسية، ويستردون بها شيئًا من حريتهم ومن كرامتهم ومن سيادتهم؛ لا في وطنهم السوري وحده، بل في الوطن العربي كله. وقد أوشك هذا الحلم أن يتحقق حين انتصر الحلفاء الغربيون على الترك، وحين أصبحت سورية دولة مستقلة. ولكن ذلك الاستقلال لم يكد يرى النور، حتى أطبقت عليه ظلمة الانتداب الفرنسي، وحتى مُزِّقَ الوطن السوري كل مُمَزَّقٍ في أيدي الفرنسيين، وقُسِّم إلى دويلات يعبث بها المنتدبون، يوجهونها إلى مصالحهم، فعاد ذلك الحلم يداعب نفوس السوريين. والناس جميعًا يعرفون كيف أبلى السوريون أحسن البلاء في مقاومة الظلم الفرنسي، وكيف ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل العودة إلى الاستقلال، وكيف أمنت قلوبهم ووثقت نفوسهم بأن هذا الاستقلال لن يكون غاية في نفسه إن أتيح لهم، ولكنه سيكون وسيلة إلى تحقيق استقلال آخر أوسع وأشمل وأكرم، وهو استقلال الوطن العربي كله، وتحقيق وحدة الأمة العربية بعد ذلك.
وكان السوريون في تلك الأيام يكرهون أن يسمعوا من عربي كلمة الأمة السورية، بل كانوا يُسرعون إلى إصلاح هذه الكلمة، فيقولون لمن ينطق بها: لا تقل هذا، فليست هناك أمة سورية أو أمة عراقية أو أمة مصرية، وإنما هناك أمة واحدة: هي الأمة العربية، وقل إن شئت: الشعب السوري والشعب والعراقي والشعب المصري، فليس بد من أن تتحد هذه الشعوب في العصر الحديث كما اتحدت في وقت مضى، وتصبح كلها أمة عربية كما كانت في وقت مضى.
وأذكر أني خاصمتهم كثيرًا في هذه الوحدة، وكنت أسألهم أين تكون العاصمة لهذه الوحدة؟! أتكون في المدينة كما كانت أيام الخلفاء الراشدين؟! أم تكون في دمشق كما كانت أيام الأمويين؟! أم تكون في بغداد كما كانت أيام العباسيين؟!
فكانوا يردون عليَّ في استخفاف أي استخفاف ويقولون: ليس هذا هو المهم، فالأهم هو أن تحقق الأمة العربية وحدتها، ولا بأس بأن تكون عاصمة هذه الوحدة حيث تريد أن تكون.
ثم لم يلبثوا أن اتهموني في صحفهم بالفرعونية أولًا وبالشعوبية بعد ذلك، ثم تجاوزوني إلى اتهام الكتاب المصريين كلهم أو أكثرهم بهذه الفرعونية التي كانوا يُبغضونها أشد البغض، وينكرونها أعظم الإنكار.
وكنت في سوريا سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف حين اجتمع مندوبون من البلاد العربية بمدينة الإسكندرية ليدرسوا إنشاء الجامعة العربية. ولست أنسى أنني خطبت في دمشق في العيد الألفي لأبي العلاء المعري، وتمنَّيت النجح لفكرة الجامعة العربية وللذين كانوا يحاولون تحقيقها، فضجَّت الجماهير الضخمة بالهتاف والتصفيق، وكان السيد شكري القوتلي — رئيس الجمهورية السورية حينئذ — يرأس ذلك الاجتماع، وقد ظلَّ الهتاف والتصفيق متصلًا حتى يئستُ أو كدت أيأس من إتمام الحديث عن أبي العلاء.
وفي تلك الأيام جعل السوريون يهنئونني بالعدول عن الفرعونية والميل إلى الوحدة العربية، لا في دمشق وحدها، ولكن في معرة النعمان، وفي حلب، وفي حماة.
كذلك كان السوريون أثناء الانتداب الفرنسي، فلما انتهى هذا الانتداب وأُتيح الاستقلال للسوريين، لم يشكوا في أن تحقيق الوحدة العربية الشاملة قد أصبح قريبًا من متناول اليد.
وما من شك في أن السوريين كانوا من السابقين إلى التفكير في الوحدة وإلى الدعوة إليها والجد في سبيلها، حتى اضطروا في يوم من الأيام أن يتعجَّلوا تحقيقها، وأن يُلِحُّوا في هذا التحقيق أشد الإلحاح وأقواه، وأن يسبقوا الظروف الملائمة لتتحقق هذه الوحدة دون أن تقوم العقبات في سبيل تحقيقها.
ثم أقبلوا إلى مصر ذات يوم وحاصروا رئيس جمهوريتها بالإلحاح والتشدد فيه، وكادوا يُحمِّلونه تبعات ما كانت تتعرض له سورية من الخطوب الجسام. كانت تركيا تناوشهم على الحدود الشمالية، وكان نوري السعيد يحلم بالهلال الخصيب، ويستعين بالإنجليز في تحقيقه. وكانت إسرائيل خطرًا داهمًا على الحدود من ناحية ثالثة.
وكان لسان حال السوريين يوشك أن يقول لرئيس الجمهورية في مصر ذلك البيت العربي القديم الذي سار مسير الأمثال:
فإن كنتُ مأكولًا فكن أنت أكليوإلا فأدركني ولما أمزقِ
ولم يكن رئيس الجمهورية يريد أن يأكل أحدًا، لم يكن يحب لوطنه أن يأكل أحدًا، وإنما كان رجلًا عربيًّا كريمًا لا يتردد في أن يسرع إلى معونة أي مواطن عربي آخر يحتاج إلى هذه المعونة ويطلبها.
وكذلك اضطر رئيس الجمهورية المصرية إلى أن يستجيب إلى هذه الدعوة السورية، وهو يعلم بأن هذه الاستجابة ستثير له مشاكل لا تُحصى وستعرضه لألوان من المشقة لا يقهرها إلا أولو العزم، وستحمِّله أعباءً لا ينهض بها إلا الذين يؤمنون بالحق والخير ويستجيبون للشهامة والمروءة والنجدة حين يدعون إليها.
وأذكر أني لقيت أحد وزرائنا بعد الاتفاق على هذه الوحدة، وقلت له: إن هذه الوحدة التي اتفقتم عليها قبل أوانها ستثير لكم ولنا مشكلات لسنا في حاجة إليها، وحسبنا ما يواجهنا في وطننا من المشكلات. فكان جوابه أن الرجل الكريم يُؤْثِرُ أن يبذل التضحيات مهما تثقل ومهما تكن فادحة، على أن يعرِّض أخاه للخطر.
وقد تمت الوحدة إذن وأقرَّها الشعب السوري بالإجماع، ولم يكن الشعب المصري أقلَّ منه إجماعًا على إقرار هذه الوحدة. وبدأت المشكلات وتتابعت، واحتمل رئيس الجمهورية وزملاؤه أثقالها وأعباءها ومتاعبها، لم يضنُّوا بشيء من جهدهم ولم يضنُّوا بشيء من المال. وليس من شك في أن الذي استفادته سورية من هذه الوحدة أعظم ألف مرة ومرة من الذي استفاده الشعب المصري منها في هذه الأعوام الثلاثة الماضية.
حُفظ الوطن السوري على أهله، وأمنت حدوده، وانقطعت مطامع الطامعين فيه، ويسرت الحياة للسوريين في بلادهم وفي بلادنا أيضًا، وأُتيحت للعمال والزراع مكاسب لا تكاد تقدر، وتحققت بينهم العدالة الاجتماعية إلى أقصى ما كان يمكن أن تتحقق في هذا الوقت القصير. ولكن الإنسان بَطِرٌ بطبعه، سريع إلى الجحود، سريع إلى كُفر النعمة، ومن أجل ذلك — لا من أجل شيء آخر — استجابت شرذمة من السوريين للاستعمار، وآثرت مصالحها الخاصة على مصالح الوطن السوري، بل على مصالح الوطن العربي كله.
آثرت أن تنعم وتُسرف في النعيم، وأن يشقى الشعب السوري ويغرق في الشقاء، وآثرت أن تحقق منافعها الجائرة وطغيانها الآثم، على أن تشرق آمال الوحدة والعزة والكرامة في نفوس العرب على اختلاف أوطانهم.
ووقف رئيس الجمهورية من هذه الخيانة ومن هذا الجحود ومن هذا الكفر بالنعمة، موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف الرجل الكريم النبيل؛ آثر سلامة الوطن السوري، وأبى أن يستجيب للعاطفة، وأبى أن يأخذ السوريين بأن يبروا بأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم، وخلَّى بينهم وبين ضمائرهم، بل تجاوز هذا كله وطلب إلى السوريين ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وأن يدَّخروا وحدة الوطن السوري للدفاع عنه حين تدهمه الخطوب. فعل هذا كله ولم يحل بين السوريين وبين أن يصنعوا بأنفسهم ما يشاءون، لم يتحفَّظ إلا تحفظًا واحدًا: وهو أنه لن يعترف بحكومة سورية إلا إذا أقرَّها الشعب السوري في استفتاء حر كريم.
والمصريون جميعًا يقفون موقف رئيس الجمهورية، ويسألون الله أن يسدد خُطى الشعب السوري، وأن يوجهه إلى منافعه الصحيحة، وأن يجعل مثله الأعلى دائمًا هو الحق والخير وعزة العرب، ويتمنَّون على الله عز وجل ألَّا تحق على القلة الجاحدة من إخواننا السوريين هذه الآية الكريمة من سورة النحل: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
Tag: United Arab Republic
-
رمتني بدائها وانسلَّت
رمتني بدائها وانسلَّت
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أكتوبر ١٩٦١
والتي رمتني بدائها هي إذاعة دمشق، والطائفة الطاغية الباغية التي تُدبِّر أمرها وتُوجه أحاديثها وتَفرض عليها في كل لحظة أن تُغير حقائق الأشياء، وأن تتكلف الكذب على السوريين وغير السوريين، في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا استحياء. وداؤها الذي رمتني به هو أني لم أكتب المقال الذي نشرته الجمهورية صباح السبت الماضي من تلقاء نفسي ولا من وحي ضميري ولا من تفكير عقلي، وإنما أُمْلِيَ عليَّ ذلك المقال فحفظته عن ظهر قلب، وأمليته كما تلقيته وأرسلته إلى الجمهورية فنشرتْه كما تلقته مني.
كأني أصبحت ذات يوم أداة من أدوات الحكم توجه إلى العمل فتعمل وتُكَلَّفُ القول فتقول. كأني أصبحت فردًا من الذين يعملون في إذاعة دمشق أو كاتبًا من الكتاب الذين يملئون صحف دمشق بما يؤمرون أن يملئوها به، بعد أن كانوا منذ وقت قريب يملئونها بما يناقض هذا الذي يكتبونه الآن أشد المناقضة ويخالفونه أعظم الخلاف؛ قد انقلبوا فجأة أنصارًا للفُرقة بعد أن كانوا أنصارًا للألفة، ودعاة إلى الانفصال بعد أن كانوا دعاة إلى الوحدة، ومتملقين للتمرد بعد أن كانوا يلتمسون الوسائل إلى إرضاء الشعب السوري والشعب العربي كله والقائمين على أمور الوحدة بين مصر وسوريا. وهؤلاء المذيعون والكتاب الذين يخلعون ضمائرهم كما يخلعون ثيابهم ويضعون مكانها ضمائر جديدة، كما يبدلون بثوب ثوبًا وبقميص قميصًا؛ هم فيما بينهم وبين ضمائرهم التي خلعوها وضمائرهم الجديدة التي فرضت عليهم فرضًا وأكرهوا على اتخاذها كرهًا، يعلمون أني لست من الذين يكتبون غير ما يشعرون به أو يقولون غير ما توحي إليهم به ضمائرهم. هم يعلمون ذلك حق العلم وتؤمن به ضمائرهم القديمة وضمائرهم الجديدة أيضًا، ولكنهم أُمروا فكتبوا وقيل لهم فقالوا. ولست أدري ما الذي قلته في ذلك المقال الذي أنكروه أشد الإنكار وضاقوا به أعظم الضيق، لا لأن نفوسهم تضيق به حقًّا، ولا لأن ضمائرهم القديمة والجديدة تنكره حقًّا؛ بل لأن سادتهم من هذه الفئة الطاغية في سورية قد أنكروا ما قلت، وضاقوا به وأمروهم أن يتكلفوا إنكاره والضيق به. فهل يستطيعون أو يستطيع سادتهم من الطغاة البغاة أن ينكروا أن الشعب السوري كان أشد الشعوب إيثارًا للوحدة ودعاء إليها وإلحاحًا فيها؟ وهل في ذلك ما يؤذي هذا الشعب السوري؟ أم هل هو في نفسه إنصاف له وإشادة به؟ وهل ينكرون أن السوريين هم الذين سعوا إلى الوحدة وألحُّوا فيها وانتقلوا من سورية إلى القاهرة ليجدُّوا في تحقيقها ويحاصروا رئيس الجمهورية المصرية ووزراءه حتى يقبلوا هذه الوحدة ويجيبوا إليها؟ وأي شيء في ذلك يهين السوريين أو يؤذيهم أو يضع من قدرهم؟ وهل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري قد استُفتي في هذه الوحدة فأقرَّها مؤمنًا بها مجمعًا عليها؟ وأي شيء في ذلك يهين الشعب السوري أو يؤذيه أو يغض من قدره؟ ثم هل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري بعد هذه الوحدة قد اطمأن في وطنه ورأى أنه آمن على حدوده وأنه أصبح فوق مطامع الطامعين وفوق أهواء الذين كانوا يكيدون له ويمكرون به ويحاولون الاعتداء عليه؟
رأى الشعب السوري هذا كله، فبرئ من الخوف، وانجلت عنه غمرات الشك، وفرغ لحياته آمنًا راضيًا مطمئنًّا، عريض الأمل في مستقبله السعيد. ثم هل يستطيعون أن ينكروا آخر الأمر أن الشعب السوري قد يُسرت له الحياة بعد الوحدة في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، فأنشئت له مرافق لم يكن يرجوها — بل لم يكن يحلم بها — وانتشر فيه التعليم وأُمِدَّ بالفنيين ليذللوا له العقبات ويهونوا عليه الصعاب، ويفتحوا له أبواب الرخاء على مصاريعها، وأن الشعب المصري قد قسا على نفسه واشتد في القسوة عليها لتلين الحياة لإخوانه السوريين، وقد حَرم نفسه نشاط الفنيين من أبنائه ليسعد السوريين ولتصبح حياتهم خيرًا مما كانت، وليسرع إلى الرقي ويسرع إليه الرغد وتمتد أمامه الآمال أكثر مما كان يرجو وأسرع مما كان يتمنى، وأن الشعب المصري قد ضيق على نفسه في الإنفاق ليتيح لإخوانه السوريين ما يحتاجون إليه من المال؛ ليتحقق الإصلاح الشامل في الوطن السوري ويتناول هذا الإصلاح فروع الحياة السورية كلها.
كلا، لن يستطيع الطغاة البغاة في سورية، ولن يستطيع الكتَّاب والمذيعون الذين أُكرهوا على أن يكونوا أصداء لهذه الفئة الطاغية الباغية. لن يستطيع أولئك وهؤلاء أن ينكروا شيئًا من ذلك الذي قلته في المقال الذي نشرته الجمهورية يوم السبت الماضي.
وإنما يستطيعون أن يجحدوا الجميل، وينكروا المعروف، وأن تضيق أنفسهم بالحق، وأن تفزع ضمائرهم من هذا الواقع الذي ليس فيه شك، والذي ستنهض بتحقيقه الجامعة العربية وتدفع به باطل المتمردين، ويومئذ يعلمون صدق الآية الكريمة على كل مكابر معاند يماري بما لا معنى للمراء فيه: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).
وشيء آخر أضيفه الآن إلى ما قلته يوم السبت الماضي؛ وهو أن هذه الوحدة التي قامت بين مصر وسورية، إنما قامت على عهد مؤكد وميثاق مشدد لا بين الحكومتين في مصر وسورية، بل بين الشعبين المصري والسوري، وأن هذا العهد ملزِم للطرفين لا سبيل إلى أن يتحلل منه أحدهما إلا بعد أن يتراضى هذان الطرفان على التحلل منه، وأن هذه الفئة الطاغية الباغية نقضت هذا العهد ظالمة لنفسها وظالمة للوطن السوري وللشعب السوري.
لم تفاوض مصر في التحلل من هذا العهد، ولم تحاول هذه المفاوضة، ولم تَدْعُ إليها جهرة. وإنما وثبت في ظلمة الليل، فاعتدَتْ على نفسها، واعتدَتْ على شعبها، واعتدَتْ على وطنها، واعتدَتْ على مصر وشعبها أيضًا، وأصبحت بنقضها لهذا العهد كالتي جعلت غزلها من بعد قوة أنكاثًا وخالفت عن قول الله عز وجل: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).
وحق عليهم قول اللَّه عز وجل في الذين ينقضون العهود ويحنثون في المواثيق: ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).
ومن أجل هذا كله أبى رئيس الجمهورية أن يُحبِط عمل هذه الفئة الطاغية الباغية بقوة السلاح؛ لأنه لا يريد أن يسفك دماء العرب، ولا يريد أن يُفسد في الأرض، وأبى في الوقت نفسه أن يعترف بحكومة سورية قبل أن يُستفتى الشعب السوري في أمر هذا الانفصال استفتاء حرًّا كريمًا لا أثر فيه للطغيان ولا للبغي ولا للإكراه؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد ولا ينبغي له أن يُكرِه الشعب السوري على ما لا يحب، ولا أن ينقض العهد ويحنث في الميثاق دون أن يكون الشعب السوري هو الذي يرغب في التحلل من هذا العهد والميثاق؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد أن يخالف عن أمر الله ولا عن الوفاء بالعهود والمواثيق.
وليس من شك في أن الفئة الطاغية الباغية والكُتَّاب والمذيعين الذين أكرهوا على أن يكونوا لها أصداء، سيستنكرون هذا المقال وسيضيقون به كما أنكروا ذلك المقال وضاقوا به. وستغلي مراجل حقدهم عليَّ وغيظهم مني، وستلهج بي صحفهم وإذاعتهم، ولكني أقول لهم ما أمر الله نبيه أن يقول للمنافقين: ( مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ). -
خدعة
خدعة
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٧ مارس ١٩٥٨
هذه الأحلاف التي يقيمها الغرب: حلف الأطلنطي، وحلف بغداد، وحلف جنوب شرقيِّ آسيا، ثم الحلف الرابع المقترح في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ ما مصيرها؟ وهذه الخدعة التي تسوِّقها فرنسا، أو تُساق إليها فرنسا بغية ضم المغرب وتونس ومن بعدهما الجزائر إلى ذلك الحلف الرابع، هل ستنطلي على شعب المغرب وعلى شعب تونس؟ وهل ستصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين؟ ويقظة الشعوب العربية، وقوة الجمهورية المتحدة، هل سترتد وتنحسر وتنام أمام ما يريده لها الغرب من تطويق بالأحلاف؟
هذه الأسئلة يجيب عليها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، في هذا المقال الذي يلخص عنوانه تلك الإجابة.
ولكنها واضحة كل الوضوح، لا تخفى إلا على الأغبياء والمحمقين، وإخواننا العرب في شمال أفريقيا ليسوا من الغباء ولا من الحمق في شيء؛ فلن تخفى عليهم هذه الخدعة، ولن تخفى عليهم أسرارها ولا دخائلها.
وإنما الغباء والحمق نصيب الذين ابتكروا هذا اللون من الخداع في فرنسا وأمريكا، أو في أمريكا وفرنسا، لا أدري.
فهذا الحلف في غرب البحر الأبيض المتوسط ليس أذكى ولا أنضى من حلف بغداد، وإنما هو عبث من العبث؛ تُنفق فيه الأموال، تُشترى فيه الضمائر، وينتهي آخر الأمر إلى غير شيء.
هؤلاء الذين فكَّرُوا فأطالوا التفكير، وقدَّروا فأمعنوا في التقدير، ثم تكشَّف تفكيرهم وتقديرهم عن هذا السخف الذي يسمونه حلف البحر الأبيض المتوسط الغربي، أشبه شيء بالجبل الطويل في السماء، العريض في الفضاء، الذي يروع منظره ويبهر مظهره، الذي يتمخض من حين إلى حين، فلا يلد في كل مرة إلا فأرًا، والذي يتمخض فَيَلِدُ فأرًا ولا يَلِدُ معه شيئًا آخر، والذي قضي عليه أن يتمخض.
فهذه الدول الغربية قد أبرمت من قبلُ حلف الأطلنطي، وملَئوا الدنيا ضجيجًا وعجيجًا بعد إبرام هذا الحلف، الذي ضموا إليه كبار الدول وصغارها، ولكنه لم يُغنِ عنهم شيئًا.
لم يخيفوا خصمهم، ولم يرهبوه، ولم يضطروه إلى أن يغير من سياسته شيئًا، ولم يستطيعوا إلى أن يخلصوا منه جزءًا ضئيلًا أو كبيرًا من الأرض التي يحتلُّها، ثم لم يحمهم من الخوف ولم يذُد عنهم الهلع.
فالأوروبيون الغربيون قلِقون، لا يعرف الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون في كل يوم — بل في كل ساعة — أن تشب الحرب، وأن يكونوا أول ضحاياها. والأمريكيون على ما يملكون من قوة قلِقون، لا يجد الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون أن تشب الحرب وأن تدور عليهم الدائرة؛ لأنهم لا يثقون ولا يمكن أن يثقوا بتفوُّقهم في القوة والبأس على خصمهم ذاك العنيد، بل هم لا يثقون ولا يستطيعون أن يثقوا بأنهم يساوون خصمهم ذاك في البأس والقوة والاستعداد.
ثم أبرموا بعد ذلك حلفًا آخر في الجنوب الشرقي أو الشرق الجنوبي لآسيا — لا أدري — فلم يُغن عنهم شيئًا أيضًا، لم يُذهب عنهم الخوف، ولم يذُد عنهم القلق. وهم يذهبون ويجيئون، ثم يجيئون ويذهبون، ليجتمعوا في مقر ذلك الحلف، وليتفرقوا دون أن يصلوا باجتماعهم وتفرُّقهم إلى شيء.
ثم عقدوا حلفًا ثالثًا في بغداد؛ فوُلِدَ ميتًا، أو وُلِدَ حيًّا، ثم لم يلبث أن مات. وهم كذلك يذهبون ويجيئون، ويجيئون ويذهبون، إلى حيث يدبرون أمر هذا الحلف الفقيد.
وهم الآن يحاولون أن يعقدوا حلفًا رابعًا، في غرب البحر الأبيض المتوسط، تشترك فيه كبار الدول وصغارها في هذه الناحية من أنحاء الأرض، ولن يغني عنهم حلفهم الرابع شيئًا، كما لم تُغنِ عنهم أحلافهم الأخرى شيئًا.
يريدون بحلفهم هذا الأخير أن يخدعوا مراكش وتونس عن استقلالهما، وأن يمكنوا لأنفسهم في أرضهما، وأن يُنسوهما الجزائر، وما يُراق فيها من دماء، وما يُنتهك فيها من حرمات، وما يُهدر فيها من حقوق الإنسان.
ويريدون بحلفهم هذا — أو يخيلون إلى أنفسهم — تطويق الجمهورية العربية المتحدة، وأخذها بين حلفين: حلف في الشرق سُمي حلف بغداد، وحلف في الغرب لا أدري ماذا يسمونه. وسيولد هذا الحلف ميتًا، أو حيًّا لا يلبث أن يموت؛ لسبب بسيط وهو أنهم إن أُتيح لهم هذا الحلف فلن يحالفوا الشعوب، وإنما يحالفون أفرادًا، لا تلبث الشعوب أن تخذلهم وتنصرف عنهم إلى غير رجعة، لتمضي في جهادها حتى تبلغ غايتها التي ليس من بلوغها بُدٌّ، وهو الاستقلال الكامل الصحيح.
والمراكشيون والتونسيون أذكى وأنفذ بصيرة، وأقوى ذاكرة، وأحرص على الشرف من أن ينسوا الجزائر، وما يصب عليها من الهول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. وهم أذكى قلوبًا من أن يخلصوا من الاستعمار الفرنسي أمس ليُسلموا إليه أنفسهم اليوم أو غدٍ وهم صاغرون، وهذه الجمهورية العربية المتحدة التي يريدون أن يطوقوها لن تحفل بهذا التطويق إن كان؛ لأنه تطويق لا يُغني عن أصحابه شيئًا، ولا يَثْبُتُ للخطوب، ولا يستطيع أن يصرفها عمَّا تسمو إليه، وما تجد فيه من تحقيق العزة العربية في مستقبل الأيام كما كانت فيما مضى من الأيام. هي خدعة إذن، ولكنها واضحة كل الوضوح، لن تخفى على أحد، ولن تضر أحدًا، ولن تؤذي أحدًا إلا الذين يحاولونها؛ لأنهم يتعلقون بالأوهام، ويمنون أنفسهم أماني لا سبيل إلى تحقيقها.
فالشعوب إذا استيقظت لا يمكن أن تردها الأحلاف إلى النوم، والاستعمار إذا مات لا يمكن أن ترد إليه الحياة.
وقد استيقظت الشعوب العربية، فلا سبيل إلى أن تنام، وآية ذلك أن حلف بغداد لم يسلط النوم على الشعب العراقي، كما أن ذلك الحلف الآسيوي لم يسلط النوم على تلك الشعوب التي اشتركت حكوماتها فيه، إنما هي صور متحركة ليس وراءها شيء تعلل الذين يحركونها، ثم لا تجر عليهم نفعًا ولا ترد عنهم مكروهًا. ولو قد عقلوا واستبصروا للاءموا بين حياتهم وبين الحياة الجديدة التي تحياها الشعوب، التي خضعت لهم حينًا ثم أفاقت واستكملت قوتها وتمردت على سادتها القدماء.
وأغرب ما في هذا الحلف الغربي أن فرنسا تريد أن تعقده دون أن تنزل عمَّا تزعم لنفسها من حق في الجزائر؛ فهي تُحْفِظُ أهل المغرب وأهل تونس حين تستمسك بوهمها الجزائري، وتزعم أن الجزائر جزء من فرنسا، تُحْفِظُهُمْ وتملأ قلوبهم غيظًا وغلًّا.
تسفك دماء إخوانهم في الليل والنهار بمنظر ومسمع منهم، وتريد أن تُمكن لنفسها ولحلفائها في أرضهم وتدعوهم مع ذلك إلى الحلف، وتغريهم به وترغِّبهم فيه، تخدع نفسها وتخدع حلفاءها أو يخدعها حلفاؤها، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك أنها لن تخدع مراكشيًّا واحدًا ولا تونسيًّا واحدًا، ولن تصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين.
بل ليس من شك في أن الحكومة الفرنسية التي تدعو إلى هذا الحلف أو تقبل الدعوة إليه لا تخدع شعبها نفسه؛ فشعبها — مهما تكن ظروفه — يعلم حق العلم ويؤمن أقوى الإيمان، بأن شمال أفريقيا قد فارقه إلى غير رجعة، وبأنه لم يعُد ذلك الشعب القوي العزيز، الذي يستطيع أن يقهر غيره من الشعوب، وإنما هو قد أصبح شعبًا لا يريد إلا أن يعيش، وأن ينتهز فرص الحياة، ويستمتع بطيباتها في دعة وأمن، لا يحارب أحدًا ولا يحاربه أحد، أصبح الشعب الذي يذكر بقول الشاعر القديم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وهو طاعم كاسٍ حقًّا، وهو فوق ذلك لاعب لاهٍ مُغْرِقٌ في اللهو واللعب، لا يريد ولا يتمنى إلا أن تُخلي حكومته بينه وبين ما هو فيه من الاستمتاع.
حكومة فرنسا إذن لا تخدع إلا نفسها، وهي تحاول محاولة اليائس الذي تقطعت به أسباب الرجاء، وحلفاؤها يريدون ويحاولون أن يريحوها من بعض ما تجِد في شمال أفريقيا؛ ليفرغوا هم لخصمهم ذاك العنيد من جهة أخرى، ولكنهم لا يجدون الشجاعة على أن يواجهوها بالحقائق ويصدروها عن الغرور، ويطلبوا إليها في حزم أن تدع شمال أفريقيا لأهله، يدبرون أمرهم فيه كما يريدون لا كما يريد لهم الفرنسيون.
وسيُخفق الحلفاء في هذه المحاولة كما أخفقت فرنسا في محاولات أخرى كثيرة، ولا بد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يعلم فيه عشَّاق الأحلاف والتطويق أنهم إنما يبذلون ما يبذلون من الجهود، وينفقون ما ينفقون من الأموال، ويقدرون ويفكرون، في غير طائل؛ لأن التاريخ أقوى منهم، ولأن يقَظة الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش أقوى وأنفذ من حيلهم. وسيعلمون حق العلم بأن الخير لهم، إنما هو أن يجاروا التاريخ، ويسلكوا معه الطريق التي يسلكها، ويعترفوا بالحقائق مهما تكن مُرَّةً، ويلائموا بين مصالحهم ومصالح الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش إلا كريمة، يُظِلُّهَا الاستقلال.
وصدق الله حين قال في تصوير المنافقين: ( يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ).