Tag: Urban Planning Regulations

  • ومفارقات أيضًا!!

    ومفارقات أيضًا!!

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٠ نوفمبر ١٩٥٧

    أما أولاها، فأعجب لها حقًّا، ولكني أعجز عن فهمها، وأودُّ لو تتفضَّل الحكومة فتيسِّر عليَّ وعلى كثير من الناس هذا الفهم، فليس بين المصريين أحد لم يضق لهذه الكارثة الفاجعة التي وقعت منذ أيام، فقتلت نيفًا وعشرين من المواطنين، وشرَّدت عشرات منهم لا أدري؛ وجدوا جميعًا مأوًى يأوون إليه، أم لم يجدوا إلى الآن؟ وليس بين المصريين أحد إلا وهو حريص أشد الحرص على أن يعرف الذين يقع عليهم إثم هذه الكارثة، فليس صاحب الدار وحده هو المسئول؛ لأنه يعيش في وطن متحضر له نظمه وقوانينه، وله قضاؤه وشرطته، وله حكومته التي تعرف حق الشعب عليها وحقها على الشعب.

    وكل هذا يقتضي ألَّا يقيم الناس ما يشاءون من الأبنية والدور، إلا طبقًا لنظم وقوانين وفي حدود معروفة وقيود مفروضة. وقد قيل: إن الحكومة وقفت ستة من المهندسين الذين يظن بهم أنهم قصَّروا في الإشراف على بناء الدار التي انهارت منذ أيام، ولكن رأيت بعض المهندسين الذين لم يمسهم هذا القرار من قريب أو من بعيد، يُنكرون أشد الإنكار وأقواه أن تكون على هؤلاء المهندسين تبعة خفيفة أو ثقيلة؛ لأن الإدارة العامة للتنظيم لا تملك السلطة التي تتيح لها الإشراف على إقامة الأبنية، وإنما تملك الإذن بإقامة هذه الأبنية في حدود معينة وشروط خاصة، وتملك رفض هذا الإذن إذا لم ترع هذه القيود والشروط، ثم هي فيما قال المهندسون لا تملك عقاب الذين يخالفون عن أمرها ويقيمون الأبنية بغير إذنها؛ وإنما تحرر لهم المحاضر التي لا تُغني عنها ولا عن سكان هذه الأبنية شيئًا. وأريد أن أعرف ويعرف الناس أحق هذا الذي قاله لي المهندسون أم لا؟ فإن يكن حقًّا، ففيم كان وقف هؤلاء الذين وقفوا؟ أو فلِمَ يُراد عقابهم؟ وفي أي ذنب يُحقَّق معهم؟ وإن لم يكن هذا حقًّا، فقد أصابت الحكومة فيما فعلت إلى الآن، ولكن كيف يستبيح بعض المهندسين لأنفسهم أن ينكروا ما فعلت الحكومة، ويطلبوا إليَّ أُن أعرب عن أفكارهم، وأعلنه ليصل إلى الرؤساء المسئولين، وليعلم الشعب أن أحدًا منهم لم يسئ إليه، ولم يشارك في إثم هذه الكارثة من قريب أو من بعيد؟! وأعتقد أن من حق المصريين أن يوضع لهم الأمر في نصابه، وأن يتبيَّنوا أمر الذين شاركوا في هذه الكارثة، ويعلموا أن هؤلاء المشاركين سيؤخذون بإثمهم أشد الأخذ، ويعاقبون عليه أقسى العقاب.

    وإذا لم تكن القوانين القائمة تُتيح لإدارة التنظيم أن تؤدي واجباتها كما ينبغي أن تؤدى، فليس للحكومة والبرلمان إلا أحد الأمرين؛ أولهما: أن تشرع هذه القوانين فورًا وفي أسرع ما يمكن من السَّرَع، والثاني: أن تلغى إدارة التنظيم ويُترك أمر البناء والهدم فوضى، فيفعل الناس ما يشاءون ويحتمل الثاني تبعة ما يفعلون؛ يحتملونها بينهم وبين أنفسهم أمام الله وأمام ضمائرهم، لا أمام الدولة التي لم تضع لهذا الأمر نظامًا يعرفه الناس فيذعنون له أو يخالفون عنه فيعاقبون على هذا الخلاف. ولست أخفي أني كنت أرجو وأنتظر أن يسأل بعض نوابنا في هذا الأمر لنسمع من الوزير المسئول، كائنًا من يكون ما يوضح الغموض، ويجلو الظلمة ويبيِّن للمصريين حقائق هذه التبعة، وأمر الذين يُسألون عنها ويؤخذون بها.

    وقد طلب المهندسون إليَّ أن أُعرب عن أفكارهم وأنصفهم من نفسي؛ فقد قدَّروا أني أسأت إليهم فيما كتبت منذ أيام عن هذه الكارثة.

    وأرجو أن أكون قد أنصفتهم من نفسي؛ فأما أن تُنصفهم الحكومة والبرلمان والسلطة التي وقفت بعضهم، فأمر لا أملك فيه لهم ضرًّا ولا نفعًا.

    وثانية: لست أدري أساءت الناس أم سرتهم، وإن كنت أعلم أن كثيرًا من الصحف تندرت بها وجعلتها موضوعًا للدعاية، وهي قصة مرصدنا الفلكي الذي يرى مراصد الدنيا ساهرة حين ينام الناس، ويرى اهتمام الناس جميعًا بهذه الأشياء التي ترسلها روسيا السوفييتية؛ لتدور حول الأرض لا عشرات المرات بل مئاتها، ولتمر بمصر وبالقاهرة خاصة بين حين وحين، ثم يُعلن في سذاجة ويسر أنه لم ير من هذه الكواكب — إن جاز أن تُسمى كواكب — شيئًا، ثم يُعلن مرة أخرى أنه لو قال إنه رأى هذه الكواكب لأضحك العالم المتحضر منه، ثم يعلن مرة أخرى هذا النبأ الرائع المروع، وهو أنه لم يَرَ هذا الكوكب حين مر بالقاهرة يوم جمعة؛ لأن الموظفين كانوا في إجازة رسمية.

    وليس يعنيني أن يرى مرصدنا هذا الكوكب أو لا يراه، وإنما الذي يعنيني هو أن في مصر مرصدًا أنشئ منذ أعوام طوال، وأن مصر تعيش في النصف الثاني من القرن العشرين، وأن مرصدها لم يُهيأ بعدُ لتسجيل مثل هذه الظاهرة التي اضطربت لها الدنيا أشد اضطراب وأعنفه. وقد أرسلت روسيا كوكبًا ثانيًا أضخم من الأول، ولكن مرصدنا لم يره، كما لم ير الكوكب الذي سبقه. ومعنى هذا أن مراصد الدنيا مبصرة حساسة، وأن مرصدنا مكفوف لا يحس.

    وللقراء أن يتفكروا في هذا ما شاءوا، ولكن على السلطة العليا التي تُشرف على هذا المرصد أن تعمل شيئًا أكثر من التفكير؛ ليحس مرصدنا ويُبصر.

    وثالثة: ليس أقل من هذه سخفًا ولا إثارة للعجب الساخر، وهي قصة هذا الشيء الذي سقط ذات يوم أو ذات ليلة في الإسكندرية ثم عُرض على بعض علمائنا، فما أسرع ما قضي أنها قطعة من الكوكب الروسي والصاروخ الذي دفعه في الجو. وأغرب ما سمعت أن يتعجل العلماء في الحكم إلى هذا الحد، فيضحكوا ويضحك الناس حين يظهر أنها قطعة من شيء آخر قريب أشد القرب من الأرض، ينبت في مصر وفي طريق الإسكندرية خاصة، يراه الغادون والرائحون، ويعرفه الذاهبون والآيبون في ظلمة الليل.

    وشر ما في هذه القصة أن يتعجَّل العلماء وتتعجل الصحف نشر ما قال العلماء، وعسى أن تتعجل وكالات الأنباء بإذاعته خارج مصر، فلا يضحك المصريون وحدهم وإنما يضحك معهم من قرأ هذا النبأ في الشرق أو في الغرب.

    وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!

    أما الرابعة ففكاهة كلها وليس وراءها بأس وليس أمامها بأس أيضًا، فنحن نقرأ في صحف الشرق والغرب أن الروسيين وحدهم هم الذين يفهمون ما ترسله كواكبهم من الرموز والإشارات، وأن الأمريكيين والأوروبيين يبذلون الجهود ليفهموا هذه الرموز والإشارات، ولكن جهودهم لا تنتهي إلى شيء، وهم ينتظرون معنا أن تفصح روسيا السوفييتية ذات يوم عن معاني هذه الرموز والإشارات.

    أما وزارة الإرشاد في مصر، فقد فهمت هذه الرموز فهمًا أقل ما يوصف به أنه رائع حقًّا، يفتح أمامنا آفاقًا واسعة جدًّا من الأمل، فقد سبقنا الأمريكيين وسبقنا أوروبا وسبقنا العالم كله، وأضعنا جهود روسيا السوفييتية، وفهمنا عن كوكبها الصناعي بعض ما يقول.

    واقرأ إن شئت بعض الإعلان الذي نشرته وزارة الإرشاد في الصحف؛ لتنبِّه الناس إلى أن مجلتها ظهرت أو تُرِيد أن تظهر.

    فستجد فيه هذه الجملة: القمر الصناعي ماذا صنع؟! قال: بيب. بيب. بيب، وترجمتها: أرسلوا لي عدد نوفمبر من المجلة على جناح الأشعة الكونية.

    أليس من الحق علينا جميعًا أن نهنئ وزارة الإرشاد والمجلة الغراء بهذا السبق الرائع، الذي كشف الغموض وأزال الشك وبيَّن للعلماء الروسيين أن في مصر قومًا لا يفهمون عنهم فحسب، ولكن يفهمون عن كواكبهم الصناعية قبل سائر الناس، ومن حقنا بعد ذلك على وزارة الإرشاد أن تنبئنا مشكورة عمن يقرأ المجلة في الكوكبين الصناعيين الأول والثاني، فهي من غير شك قد أرسلتها على جناح الأشعة الكونية؟ ومن يدري لعلنا نقرأ في العدد المقبل مقالًا يأتيها بالرموز والإشارات أو باللغة العربية الفصحى، يبين صدر قراءة هذه المجلة في ذلك الكوكب الذي يدور في غير ملل ولا لغوب!