Tag: world literature

  • أدبنا العربي أدب عالمي …

    أدبنا العربي أدب عالمي … من الحمق أن يُقال إن أدبنا أدب محلِّي
    طه حسين
    مجلة الهلال
    مارس ١٩٥٧

    عُقِدَ في سبتمبر الماضي بدمشق المؤتمر الثاني لأدباء العرب، وكان من بين المحاضرات القيِّمة التي أُلْقِيَتْ فيه هذه المحاضرة النفيسة التي ننشر منها هذه الصفحات.

    ما هو الأدب العالمي؟
    أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟

    أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.

    فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.

    ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.

    الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.

    فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟

    وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.

    الأدب العربي القديم عالمي
    فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.

    هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.

    وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.

    وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.

    فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.

    وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.

    وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.

    لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.

    وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.

    أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.

    وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.

    وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.

    تفوق اللغة العربية
    أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.

    فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.

    ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.

    والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.

    وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.

    أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.

    وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.

    ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.

    الغرب مدين للثقافة العربية
    ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.

    كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.

    مزاعم وأخطاء
    بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.

    يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.

    واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.

    والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.

    والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.

    الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.

    والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.

    وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.

    أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …

    أدبنا الحديث أدب عالمي
    أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟

    من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.

    هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.

    أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.

    وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

    يجب أن نكون عربًا
    وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.

    هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.

    يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.

    برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …

    أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …

    مقاومة الغرب لنا
    إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.

    وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.

    وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.

    يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن.

  • عَوْد إلى شكسبير

    عَوْد إلى شكسبير

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٠ سبتمبر ١٩٥٥

    فريقان من الأدباء يختصمان في فرنسا منذ وقت طويل جدًّا لا أدري متى بدأ، ولكني أعلم أني لم أكد أتذوق الأدب الفرنسي حين كنت طالبًا في باريس حتى رأيت مظاهر هذا الخصام، ولم أنس بعد خصومة شغلت الصحف الفرنسية، وشغلت بعض أساتذة الأدب في السوربون وقتًا طويلًا أثناء الحرب العالمية الأولى.

    كان بعض الأساتذة الجامعيين يلقي محاضرات عامة عن جان جاك روسو، وعرض ذات مساء للظروف التي أحاطت بانتقال جان جاك روسو من مذهبه الديني البروتستنتي إلى المذهب الكاثوليكي، وكان بعض الأدباء غير الجامعيين حاضرًا ذلك الدرس، فلما أصبح تناول بالنقد حديث الأستاذ الجامعي في صحيفة «التان»، وكانت في تلك الأيام أرفع الصحف الفرنسية مكانًا، وأنفذها إلى دقائق الأدب والنثر، ورد الأستاذ الجامعي في درسه المقبل على نقد ذلك الأديب، واتصل الحوار بين الأديبين وقتًا غير قصير، واشتركت فيه صحف أخرى غير صحيفة التان. يقول الأستاذ الجامعي في درسه. يَسمَع النُّقَّادُ الأحرار، إن صح هذا التعبير، ثم يجادلون الأستاذ وينقضون عليه آراءه وأقواله في صحفهم.

    وأكبر الظن أن هذه الخصومة بين أساتذة الأدب من الجامعيين وبين الأدباء والنُّقَّاد الأحرار أقدم جدًّا من ذلك الوقت الذي عرفتها فيه.

    والمستقر في نفوس الجامعيين أن أولئك الأدباء والنُّقَّاد الذين يكتبون في الصحف، ويؤلفون الكتب في الأدب والنقد، وتقبل عليهم كثرة ضخمة من القُرَّاء، إنما يكتبون على غير منهج، فيخطئون الصواب في كثير من الأحيان، ويظفرون به في قليل من الأحيان، وهم من أجل ذلك صحفيون وليسوا علماء، وحظهم من الثقة قليل.

    ويرى هؤلاء الأدباء الأحرار أن الأساتذة الجامعيين يسرفون على أنفسهم، وعلى قرائهم وتلاميذهم، وعلى الأدب نفسه حين يخضعون خضوعًا خالصًا لهذه المناهج الجافة الضيقة التي تقتل روح الفن، وتذهب بجماله، وتذوي نضرته، وترده إلى غذاء خشن غليظ قد يرضي المناهج، ولكنه لا يرضي الذوق، ولا يحيي القلب، ولا يروق الطبع الفني الصحيح.

    ***

    وليس أحب إليَّ حين ألقى الأساتذة الجامعيين للأدب من أن أذكر لهم كتابًا أو مقالًا لهذا الأديب أو ذاك من الأدباء الأحرار، فأثير عند بعضهم سخطًا شديدًا، وغضبًا جامحًا، وفنونًا لاذعة من النقد لا تخلو من فكاهة مرضية، ودعابة مسلية، فإذا لقيت بعض الأدباء الأحرار صنعت معهم نفس الصنيع، وذكرت لهم كتاب هذا الأستاذ أو ذاك عن كاتب عظيم، أو شاعر ممتاز، فأثرت فيهم سخرية حلوة مرة معًا.

    وقد يلتقي أساتذة الأدب وهؤلاء الأدباء الأحرار فلا يختصمون، ولا يثور بينهم الجدال؛ لأنهم يتجاذبون الحديث في كل شيء إلا في الأدب، قد استقر في نفوسهم جميعًا أن بعضهم لن يفهم بعضًا، ومتى استطاع الأحياء والموتى أن يأخذوا بينهم بأطراف الحديث، وأن يفهم بعضهم عن بعض، والأحياء بالطبع هم الأدباء الأحرار الذين لا يتقيدون بهذه المناهج الجامدة الثقيلة التي لا تعرض للون من ألوان الأدب إلا ذهبت بما فيه من حياة وخصب، وردته مجدبًا عقيمًا، ثم تطورت هذه الخصومة منذ أعوام، واتخذت شكلًا آخر لا يخلو من طرافة، فأساتذة الأدب في الجامعات يعنون بشخص الأديب، والظروف التي أحاطت به، والأحداث التي عرضت له، والخطوب التي أثرت فيه، وهم من أجل ذلك يتتبعون أسرار حياته الخاصة، ويحاولون أن يتبينوا تأثيرها في إنتاجه الأدبي، فهم يشغلون أنفسهم بالأدباء أكثر مما يشغلونها بآثارهم الأدبية، يتبعون في ذلك مناهج القرن الماضي، وهم من أجل ذلك يدرسون تاريخ الأشخاص أكثر مما يدرسون آثارهم، وهم يفسدون بذلك عقول الطلاب وأذواقهم، ويصرفونهم عن نصوص الأدب وما فيها من حياة وجمال وروعة إلى أشخاص الأدباء الذين ماتوا وأصبحوا تاريخًا.

    والأدباء الأحرار يرون أن الأدب حي دائمًا، وأن الجمال في النصوص الأدبية الجديرة بهذا الاسم لا يخضع لسلطان الزمان، وإنما هو باقٍ على تتابع العصور، وتعاقب الأجيال، وهو من أجل ذلك جدير أن يشغلنا؛ لأن الحياة القوية التي تشيع فيه لا تلبث أن تتجاوزه إلى عقولنا وقلوبنا وأذواقنا.

    وكذلك يعاب أساتذة الأدب في الجامعات الآن بأنهم يعنون بالتاريخ الأدبي أكثر مما يعنون بالأدب نفسه، وقد ثارت هذه الخصومة من جديد بين الأساتذة الجامعيين والأدباء الأحرار في هذه الأيام، وكان موضوعها وما زال هو ترجمة شكسبير، فقد ترجم شكسبير إلى اللغة الفرنسية مرات كثيرة جدًّا، ترجم منذ القرن السابع عشر، وما يزال يترجَم إلى الآن، تنشر الترجمة ثم لا يمضي عليها وقت طويل حتى تنسخها ترجمة جديدة.

    ***

    وقد تُرجم شكسبير إلى الفرنسية شعرًا ونثرًا، ولكن الترجمة التي ترضي كل المحبين لشكسبير والمكبرين لفنه لم توجد بعد على كثرة ما نُشر من التراجم، وعلى كثرة من شارك في هذه التراجم من أعلام الأدباء الفرنسيين في العصور المختلفة.

    وقد أخذ جماعة من الأدباء الممتازين المعاصرين، وكلهم أو أكثرهم شعراء، في إعداد ترجمة جديدة لشكسبير، وأعلنوا أنهم قد احتفلوا لهذه الترجمة كما لم يحتفل لها أحد من قبل، وأنهم سينشرون هذه الترجمة وينشرون معها النص الإنجليزي الأخير الذي حققه المختصون من الإنجليز بأدب شكسبير ونشر في كمبريدج. سينشرون النص والترجمة في المجلدات يتبع بعضها بعضًا، بحيث تستطيع أن تقرأ الترجمة الجديدة، وترجع متى شئت إلى النص في الصفحات المقابلة، ولن ترجع إلى النص وحده، بل سترجع معه إلى التعليقات والملاحظات التي سجلها المحققون.

    وقيل في هذا الإعلان: إن هذه الترجمة الجديدة ستصور الروح الحق للشاعر الإنجليزي العظيم، وستكون ترجمة حية لا ميتة كهذه التراجم التي نشرها المتخصصون في الإنجليزية من الأساتذة الجامعيين الذين يتقيدون بالمناهج، ويترجمون ترجمة توشك أن تكون لفظية، ويجهلون ما بين الروح الإنجليزي والروح الفرنسي من التباين والاختلاف.

    ولم يكد أحد الأدباء الأحرار يتحدث عن هذه الترجمة الجديدة في صحيفة الموند حتى ثار بعض الأساتذة الجامعيين، وقال قائلهم أو سأل سائلهم — وهو أستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة بوردو: ماذا يريد المترجمون؟ أيريدون أن يظهروا في ترجمتهم الجديدة شكسبير، أم يريدون أن يقنعوا وأن يقنعوه من ذات نفوسهم؛ أي ينفخون فيه من روحهم هم؟ وكيف يستقيم للشعراء وأشباههم من الأدباء الذين لم يتخصصوا في اللغة الإنجليزية، ولم يتقنوا العلم بحقائق هذه اللغة كما اصطنعها شكسبير، كيف يستقيم لهم أن يترجموا هذا الشاعر العظيم ترجمة صحيحة دقيقة مطابقة، إذا لم يستعينوا بأهل الذكر من الجامعيين الذين وقفوا حياتهم على هذا الدرس؟ وكيف يتفق الاعتماد على آخر نص محقق تحقيقًا علميًّا لأدب شكسبير مع الرغبة في تجديده وإشاعة الحياة العصرية فيه؟

    ثم تساءل الأستاذ: ما عسى أن تصور هذه الترجمة الجديدة؟ أتصور شكسبير نفسه وتصور أدبه كما صدر عنه؟ وإذن فليس بد من التزام المناهج العلمية الدقيقة التي تنتج ترجمة صحيحة مطابقة، أم تصور الشعراء الذين يترجمون عن شكسبير؟ وإذن فليست هي بالترجمة الدقيقة للشاعر الإنجليزي العظيم، وإنما هي صورة لأثر هذه الروائع الإنجليزية في نفوس المترجمين وأذواقهم فيها، قليل من روح الشاعر الإنجليزي، وكثير من روح الشعراء الفرنسيين الذين يترجمون أو ينشئون ويزعمون أنهم يترجمون.

    وتشعبت الخصومة، ويظهر أنها ستتشعب إلى فنون من الجدل لا يتسع لها هذا الحديث الذي إنما أمليه لأصور الفرق بين قوم لم يترجم لهم هذا الشاعر العظيم ترجمة مقاربة إلى الآن، وهم مع ذلك زاهدون في ترجمته، راغبون عنها، يثور ثائرهم لأن فريقًا منهم همُّوا بترجمته إلى اللغة العربية، وقومًا آخرين ترجم لهم شكسبير مرات كثيرة جدًّا في صور مختلفة، منها النثر، ومنها الشعر، ومنها النثر الشعري، أو الشعر المنثور، ومثل في ملاعبهم على اختلاف الأجيال وتتابعها، وما يزال يمثل في لغته الأولى أحيانًا، ومترجمًا إلى اللغة الفرنسية على اختلاف التراجم أحيانًا أخرى.

    ثم هم لا يقنعون بما عندهم، وإنما يضيفون التراجم إلى التراجم، بحيث نستطيع أن نقول: إن الفرنسيين لم يعرفوا منذ وصل إليهم أدب شكسبير عصرًا لم تظهر فيه ترجمة أو تراجم لهذا الأدب، وهم مع ذلك لا يكتفون بما أتيح لهم، وإنما يجددون ويضيفون ويختصمون في التجديد والإضافة اختصامًا متصلًا.

    وهم لا يفعلون ذلك بأدب شكسبير وحده، وإنما يفعلونه بروائع الأدب العالمي كله قديمه وحديثه، ثم لا يشغلهم ذلك على كثرته وشقته، وكثرة ما يتكلف من نفقات الترجمة والنشر عن العناية بالعلوم والفنون كأحسن ما تكون العناية، بل لا يشغلهم ذلك عن ترجمة الآثار الأدبية اليسيرة التي ترضي حاجة أوساط الناس إلى القراءة، وتمنعهم من أن يعكفوا على أنفسهم يُجهِّلون العالم الذي يعيشون فيه، بل لا يمنعهم ذلك من أن يترجموا أكثر ما يصل إليهم من هذا القصص المثير الذي يسمونه القصص البوليسي، بل لا يمنعهم كل هذا من أن يكونوا منتجين في فنون الأدب على اختلافها، كما ينتجون في ضروب العلم على اختلافها، وفي الفنون الجميلة على اختلافها أيضًا.

    بل ليس من شك في أن الترجمة نفسها وسيلة من أخصب الوسائل إلى الإنتاج، فهي تغري به، وتدفع إليه، وتيسر النُّجْح فيه، والشعوب العاكفة على نفسها، المعتزلة لغيرها، الجاهلة لما حولها، مضطرة آخر الأمر إلى العقم والجدب، وإلى أن تعيد نفسها وتقول اليوم ما كانت تقول أمس، وتعيش غدًا على ما تعيش عليه اليوم، ويوشك أدبها أن يكون أشبه بهذيان المحموم، يؤذي صاحبه ويؤذي الناس من حوله حين يسمعون له، وإذا قلت: إن الفرنسيين لا يصنعون هذا بشكسبير وحده، لكنهم يصنعونه كذلك بالأدب العالمي كله قديمه وحديثه، فلست أقصر هذا الجهد على الفرنسيين، فالشعوب الحية كلها تصنع صنيع الفرنسيين بالقياس إلى شكسبير وإلى غيره من أعلام الأدب على اختلاف العصور.

    ولقد قرأت في أيام قليلة جدًّا أحاديث أنبأتني بأن شكسبير وكورني وراسين كانوا موضع العناية أخيرًا في يوجسلافيا، حين مُثِّلت بعض آثارهم في مدينة زغرب، وأنا أقرأ اليوم أن الروس أرادوا أن يحتفلوا بزيارة رئيس الوزراء لألمانيا الغربية لبلادهم، فدعوه إلى ملعب من ملاعبهم مُثِّلت فيه قصة من قصص شكسبير تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وهي قصة روميو وجوليت.

    وكانت نفس هذه القصة تمثل أخيرًا في باريس تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وتمثيلًا مسرحيًّا خالصًا أيضًا، ولو قد عُني باحث باستقصاء ما يمثل من آثار شكسبير في أقطار أوروبا أثناء هذا الفصل من فصول العام لأظهرنا على العجب العجاب، ولبين للذين يريدون العلم أن شكسبير وأشباهه من فحول الشعراء الممثلين ما زالوا وسيظلون قوام الحياة الأدبية للشعوب الحية التي تذوق الفن وتقدر الثقافة، ولا يشغلها شأن من شئون الحياة العقلية عن شأن آخر.

    فما أجدر كُتَّابنا الذين يوجهون الشباب أن يقرءوا أكثر مما يقرءون، ويستقصوا أكثر مما يستقصون، وأن يوسعوا آفاقهم ليوسعوا آفاق قرائهم، وأن يأخذوا الحياة بالقوة والجد؛ ليأخذها قراؤها بالقوة والجد أيضًا، ولتعلم الأجيال الناشئة من الشباب أن الحياة العقلية الراقية لا تتاح باللعب، ولا بقراءة الأدب الرخيص الذي يقطع الوقت ويدعو إلى النوم.

  • الإثم العظيم …

    الإثم العظيم …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١١ مايو ١٩٥٥
    كان إثمًا عظيمًا أنْ أخذت في الإعداد لترجمة الآداب العالمية إلى العربية.
    اختلطت الأمور، وجرت أقلام بكلام كنت أحب لها ألَّا تجري بمثله.
    الثقافة العربية تقوى بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية.
    أنا أدعو المواطنين ملحًّا أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباهه.
    أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال أكثره نشأ في أيام الملوك.
    كان إثمًا عظيمًا عند بعض الكُتَّاب هذا الذي أَقْدَمْت عليه حين أخذتُ في الإعداد لترجمة الآداب الأدبية العليا إلى اللغة العربية، ويظهر أني غارق في هذا الإثم العظيم إلى أُذُنِي منذ أول الشباب؛ فقد كنت مشغوفًا أيام الطلب بالتهام كل ما يترجم إلى اللغة العربية من الكتب مهما تكن قيمته، ومهما يكن خطره؛ لأني كنت أرى في هذه الكتب ألوانًا من المعرفة لا عهد لي بها، وأرى فيها تجديدًا لنفسي وتثقيفًا لعقلي وتزكية لقلبي، ولم أكد أُلِمُّ بأوليات اللغة الفرنسية حتى دعاني صديق كريم — رحمه الله — إلى أنْ أشاركه في ترجمة كتاب في الفلسفة الخلقية من اللغة الفرنسية (هو كتاب الواجب لجول سيمون) فاستجبت لدعوته مشغوفًا بهذا العمل أشد الشغف، حريصًا عليه أعظم الحرص، مشوقًا إلى ما سأكسبه من المعرفة، سعيدًا بأني سأتيح لمئات وألوف مثلي من الشباب أنْ يكسبوا معرفة جديدة، وأنْ يثقفوا عقولهم، ويزكوا قلوبهم، ويجددوا نفوسهم، ويضيفوا إلى نشاطهم نشاطًا خصبًا ينفعهم وينفع الناس.

    ولم أكد أتم الدرس في فرنسا وأعود إلى مصر، حتى أخذت في إظهار المواطنين على ألوان جديدة من المعرفة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أترجم حينًا وألخص أحيانًا، وأغري دائمًا بالترجمة والتلخيص، أوثر الترجمة حين تتاح وسائلها، وأضطر إلى التلخيص حين لا يكون إلى الترجمة سبيل، مؤمنًا بأن الثقافة العربية إنما تقوى وتنمو وتزداد خصبًا وغنًى وإمتاعًا وإحياءً للنفوس، وإذكاءً للنهضة بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية مهما تكن هذه الأمم.

    ومن أجل ذلك تَرْجَمت ولَخَّصْت ودَفَعْت غيري دفعًا إلى أنْ يترجموا، ويلخصوا من آداب اليونان والرومان والفرنسيين والإنجليز والألمانيين والإيطاليين والفرس شيئًا كثيرًا، عاشت عليه أجيال من المصريين والشرقيين العرب وقتًا، وأحسب أنها ستعيش عليه أوقاتًا، ثم بدا لي أنَّ هذا الذي دفعت إليه نفسي ودفعت إليه غيري محتاج إلى شيء من النظام، وأنَّ الخير كل الخير في أنْ يُنَظَّم نقل الثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية، بحيث يتاح لنا في وقت قصير أو طويل أنْ نصنع صنيع الأمم الأخرى، وننقل إلى لغتنا أصول الآداب والثقافات الأجنبية إغناءً للغة نفسها من جهة، وإحياءً لقلوب الذين يتكلمونها، وإذكاءً للنهضة العربية من جهة أخرى، وقد اعتقدت دائمًا أنَّ لمصر مركزها التاريخي الجغرافي الخطير بين أقطار الأرض، وأنها قد نهضت دائمًا بواجبها الثقيل الرفيع، وهو نقل الثقافة الشرقية إلى الغرب، ونقل الثقافة الغربية إلى الشرق.

    وإنها من أجل ذلك أساس من أسس الحياة العقلية الإنسانية، وإنَّ قوتها ونشاطها ونهوضها بهذا الواجب شرط أساسي ليشرق نور المعرفة على الشرق والغرب جميعًا، وليتحقق التوازن بين الشرق والغرب أيضًا.

    ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة حاولت أنْ آخذ في هذا التنظيم، وأنْ أهيئ له أداة في وزارة المعارف، وحاولت أنْ أنقل شكسبير إلى اللغة العربية، كل ذلك إلى الذين يحسنون اللغة الإنجليزية والعربية من شبابنا، وأنْ أصنع مثل ذلك بآثار فريق من أعلام الأدباء الفرنسيين الذين يشبهون في فرنسا شكسبير في إنجلترا، ولكن ظروف الحياة التي كنا نحياها حالت دون التوفيق إلى ما كنت أريد.

    ولم أحاول أنْ أصنع مثل ذلك بأدباء الأمم الأخرى؛ لأن علمنا بلغاتها لم يكن مرضيًّا، فلم أجد بُدًّا من الصبر على ذلك الإخفاق حتى تتاح لنا حياة خير من حياتنا تلك، وحاولت بعد ذلك أنْ أنهض بهذا العمل غير معتمد على سلطان الدولة، فلم أجد المال واضطررت إلى إخفاق جديد.

    وحين نهضت بأعباء وزارة المعارف حاولت أنْ أستأنف هذا الجهد، وأرصدت في ميزانية الوزارة مقدارًا ضئيلًا من المال للبدء فيه، ثم تركت الوزارة، ولم أدرِ ما صنعت الأقدار بهذا المال الذي أرصد في الميزانية، ولا بهذا الجهد الذي حاولت النهوض به، ثم دُعيت إلى رئاسة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية، ورأيت في ميزانيتها شيئًا قليلًا من مال أُرصد للترجمة فوجهته إلى شكسبير، ولو قد كان هذا المال أكثر مما هو لوجهت بعضه إلى غير شكسبير من أدباء الأمم الأخرى، ولكن شيئًا خير من لا شيء.

    وعلمت من حديث لي مع رئيس وزرائنا ومع وزير التربية والتعليم أنَّ الحكومة القائمة مؤمنة مثلي بوجوب الترجمة لأصول الثقافة الأجنبية على أوسع مدى ممكن؛ فاغتبطت لذلك أعظم الغبطة وأعمقها، وأنا أرجو مخلصًا أنْ يكون حظ حكومة الثورة من التوفيق إلى الخير في هذا الموضوع خيرًا من حظ غيرها من الحكومات. ولكني لم أكَد آخذ في تنفيذ ما صممت عليه من ترجمة شكسبير حتى كثر الأخذ والرد، واختلطت الأمور في كثير من العقول، وجرت أقلام في بعض الصحف بكلام كثير كنت أحب لها ألا تجري بمثله؛ لأنه مع الأسف الشديد إنْ صور شيئًا، فإنما يصور التفكير السريع والأحكام العاجلة والآراء المخطوفة، التي تمتحن بها حياتنا العقلية في هذه الأيام.

    قال بعض الكُتَّاب: لا تترجم الآداب الأجنبية الغربية، ولا تترجم الآداب الأجنبية الشرقية، وأيسر ما يقال لأصحاب هذه الدعوة: إنَّ ترجمة الآداب الأجنبية الشرقية واجبة ويجب أنْ تتخذ لها الأسباب، وتبتغي إليها الوسائل، وأول هذه الأسباب والوسائل هو العلم بلغات هذه الآداب الشرقية، فالذين يريدون أنْ يترجموا ما ورث أهل الهند عن قدمائهم يجب قبل كل شيء أنْ يتعلموا اللغة التي كُتبت بها هذه الآداب، وإلى أنْ يتم تعلُّم هذه اللغة، ويوجد المترجمون منها إلى اللغة العربية — ونرجو أنْ يكون ذلك قريبًا — يحسن أنْ نمضي فيما نستطيع من الترجمة عن اللغات الغربية التي يحسنها شبابنا. والحمد لله فإن بين شبابنا الآن من يستطيعون أنْ يترجموا عن أكثر اللغات الأوروبية الكبرى لا تنقصنا منها إلا اللغة الروسية، وليس قليلًا أنْ نستطيع الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وقد كنا لا نطمع في شيء من ذلك منذ خمسة عشر عامًا.

    وقال قائلون: لا تترجموا الأدب، ولكن ترجموا العلم؛ فبالعلم نحيا وعلى العلم نعيش، والعلم هو الذي يعيننا على استثمار الزراعة والصناعة والتجارة إلى أقصى حدود الاستثمار، وهو الذي يجعلنا أمة قوية كما جعل الأمم الأوروبية والأمريكية أممًا ذات سلطان واسع وبأس شديد. وأقل ما يوصف به هذا الكلام أنه يصور قصورًا في التفكير، وتعجلًا في الحكم، وخطفًا للرأي في غير روية ولا أناة.

    فليس من شك في أنَّ للعلم خطره العظيم في حياة الأمم، ولكن ليس من شك أيضًا في أنَّ الأدب ليس أقل خطرًا في حياة الأمم من العلم، وكم أتمنى على أصحاب هذه الدعوة أنْ يحدثوني عن أمة واحدة أوروبية أو أمريكية عاشت بالعلم وحده، ولم يكن حظها من الأدب موفورًا، كما أنَّ حظها من العلم موفور، ومن الحمق كل الحمق أنْ نزعم أنَّ العلم وحده هو الذي يحيي الأمم ويقويها، وعسى أنْ يكون حظُّ الأدب في حياة الأمم وقوتها مثل حظِّ العلم إنْ لم يكن أعظم منه وأبعد منه مدى. والموازنة بين العلم والأدب وأثرهما في حياة الأمم وبين حاجة الأمم إلى هذا أو ذاك سخف، لا يليق بالمثقفين حين يحيون في العصر الذي نعيش فيه.

    ولم أنسَ بعد ما قاله لي عضو من أعضاء مجلس الجامعة المصرية القديمة منذ خمسة وثلاثين عامًا، وكان مهندسًا، لو استطعت أنْ ألغي كل هذه الدروس التي تُلقى في الجامعة، وأنْ أعلِّم الطلاب مكان هذه الآداب صناعة الساعات لفعلته، ولكنت بذلك أسعد الناس. ضحكت وضحك معي الذين سمعوا هذا الحديث، وأضفنا ذلك الرأي الغريب إلى سن ذلك المهندس الشيخ، فكيف ونحن نسمع ونقرأ الآن كلامًا يشبهه، يكتبه أصحابه في غير تردد ولا تحفظ كأنهم يكتبون لقرائهم العلم كل العلم، ويدلونهم على المثل الأعلى الذي ينبغي للشعوب أنْ تجدَّ في السعي إليه.

    وهؤلاء السادة لا ينسون إلا شيئًا واحدًا، وهو أنا لا نعرف أمة عاشت بالعلم دون الأدب، وأنَّ حياة الأمم بالعلم وحده جحيم، نرجو أنْ يجنب الله الإنسانية شره؛ لأن فيه فناءها إلى غير رجعة، ولمن يريد هؤلاء السادة أنْ يترجم العلم! أيريدون أنْ يترجم للعلماء الذين يقرءونه في لغاته المختلفة، فهم الآن غير محتاجين إلى أنْ يترجم لهم!

    أم يريدون أنْ يترجم للشعب، وماذا يصنع الشعب بالعلم حين يترجم له؟!

    أيأكله أم يشربه، وهل يظن هؤلاء السادة أنَّ العلم شيء يسيغه أوساط المثقفين من أبناء الشعب، فضلًا عن الذين لم يبلغوا الثقافة المتوسطة؟ أم يريدون أنْ تترجم للشعب بسائط العلم؟ ومن الذي يمنعهم من أنْ يفعلوا؟ وما أكثر الذين يترجمون بسائط العلم لعامة المثقفين، ولكنا نفكر في شيء غير هذا وفي شيء بعيد عن هذا كل البُعد.

    نفكر أنْ نترجم أصول الأدب والثقافة التي دفعت الأمم إلى أنْ تحيا وترقى وتعنى بالعلم نفسه، والتي أتاحت للعلماء أنفسهم أنْ يحيوا وينتفعوا وينفعوا بعلمهم. ومن يدري أكان من الممكن أنْ يوجد العلم لو لم يسبقه الأدب إلى الوجود!

    ومن يدري أكان من الممكن أنْ ينمو العلم لو لم يعاصره نمو الأدب وازدهاره!

    وأغرب ما قيل في هذا الموضوع أنَّ ترجمة شكسبير شر؛ لأن شكسبير كان من الشعراء الملوكيين الذين تملقوا الملوك والأرستقراطية وازدروا الشعب، وغضوا من شأن الفقراء والبائسين. يكتب هذا الكلام في هذه الأيام، ويجد من أوساط الناس من يقرأه ويسمع له، وينتشر هذا السخف بين طبقات من الناس فتضيع قيم الأشياء، ويفسد رأي الناس وحكمهم، وكأن ثقافتنا محتاجة إلى أنْ تمتحن بهذا الضلال البعيد.

    وما رأي هذا الكاتب الذي يذيع في الناس مثل هذا الكلام في أنَّ أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال الطوال قد كان أكثره — إنْ لم يكن كله — أدبًا نشأ في أيام الملوك والأرستقراطيات، كما نشأ العلم والفلسفة والفن في أيام الملوك والأرستقراطيات، وقُدم إلى الملوك وأشراف الناس. أيجب من أجل ذلك أنْ تصد الإنسانية عن تراثها الثقافي كله، وأنْ تبدأ تاريخها من أواخر القرن الثامن عشر حين نشر الأمريكيون والفرنسيون إعلانهم لحقوق الإنسان، وحين شاعت الديمقراطية في الناس، وحين كان الاعتراف بحق الشعوب.

    يجب إذن أنْ تُحرق دور الكتب ومتاحف الفن، وأنْ تدمَّر الآثار الفنية الخالدة تدميرًا، وأنْ تعيش الإنسانية الجديدة على ما أنتجت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، ولن تستطيع أنْ تعيش على ما أنتجت في هذين القرنين؛ لأنه إنما اشتُقَّ من هذا التراث الضخم الذي يبغضه هذا الكاتب، ويريد أنْ تعرض عنه الإنسانية إعراضًا.

    نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله والذين يسمعون له ويجرون معه في طريقه هذه المعوجة الملتوية، أنْ يرزقه سداد الرأي ويهديه إلى الحق، ويلهمه الصواب وينطقه به، ويجري به قلمه أيضًا؛ حتى لا يفسد على الناس عقولهم بمثل هذا السخف الذي لا ينبغي أنْ يُنشر في هذه الأيام.

    أما بعد؛ فإن ترجمة الثقافات الأجنبية — مهما يكن مصدرها ومهما يكن وطنها ومهما يكن لونها — واجب خطير، تقصر مصر أشنع القصور وأبشعه إذا لم تنهض به، ولم تسرع إلى النهوض به ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

    تبدأ من ذلك بما تقدر عليه، وتهيئ الوسائل لتناول ما لا تقدر عليه في أقرب وقت ممكن، فإن لم تفعل فقد خانت تاريخها وسفهت نفسها وحكمت على أبنائها بأن يظلوا عيالًا على غيرهم لا يصلحون لأن يستقلوا بشيء من الأشياء.

    وأنا أعيذ مصر وأبناءها من هذا الشر العظيم، وأدعو المواطنين ملحًّا عليه أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباه شكسبير من أعلام الأدب والثقافة، في كل قطر من أقطار الأرض، وفي كل جيل من أجيال الناس، قارئين ومترجمين ومفسرين وناقدين ومنتفعين بهذا كله، فهذه هي الحياة العقلية الجديرة بمصر والمصريين، والتي تحياها الأمم الراقية المتفوقة.

    وأما بعد؛ فإن ترجمة العلم واجبة، وعلى العلماء وحدهم أنْ ينهضوا بها، وعلى الدولة والشعب أنْ يعيناهم على الترجمة. ومهما يكن من شيء فأبواب مصر ونوافذها يجب أنْ تُفتح على مصاريعها؛ ليدخل منها العلم والثقافة والأدب دون أنْ يحول حائل بينها وبين النفوذ إلى العقول والقلوب وأعماق الضمائر. فليتورط المصريون إذن معي في هذا الإثم العظيم، إثم الترجمة لكل ما ينفع العقل والقلب والضمير.