Tag: World War I

  • تعقيد

    تعقيد
    للدكتور طه حسين
    هو هذا الذي أصاب الأمم المستعمرة، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى، عن تنبه الأمم المغلوبة إلى حقها في أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها في المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.
    فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة في هذا التنبه شيئًا من التحدي لقوتها وبأسها. وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام، فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية، لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرًا من المنافع، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذي ظهر هنا وهناك في الأمم المستضعفة، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التي تشب في الهند، وتشب في مصر أو تضطرم نارها في سوريا، أو في العراق. والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء. وكذلك نشأ هذا التعقيد. تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء في نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التي تطالبها الأمم الضعيفة بحقها في الاستقلال. فكان ما كان من تلك الخطوب التي جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة. ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرًا حين كانت الحرب العالمية الثانية. وحين اجتاحت ألمانيا، في أول هذه الحرب، غرب أوروبا، واضطرت الإمبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف، وأشدها نكرًا، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة في الشرق لتأمن جانبها أولًا، ولتستعين بها ثانيًا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء.
    في ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأماني الرائعة وظنت الأمم الشرقية، الخاضعة للسلطان البريطاني، خضوعًا خالصًا أو خضوعًا مشوبًا أنها ستظفر باستقلالها كاملًا غير منقوص حين تنجلي غمرة الحرب.
    وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقي يرى في تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار إلى هذا اللين والإسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الإنسانية قد أقبلت على تطور حقيقي خطير، لحياتها التي أفعمتها الكوارث والمحن والآلام.
    ولم يشك أشد الناس تشاؤمًا من الشرقيين في أن العالم صائر إلى الحسنى، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوي، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة في ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام.
    ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الإمبراطورية البريطانية تقربًا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلًا للوعود وتجلية للأماني، وتزيينًا للآمال. فأهل سوريا ولبنان يعلن إليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم في كل يوم، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه. ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التي تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلًا بعد أن ملئت جورًا، وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب، وعلى ما تشتهي، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد. ولكن الحرب لا تكاد تنتهي حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنًا بالمنى والأحلام، وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم. وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة، وكبرياؤه تلك التي كانت يعرف بها قبل الحرب، وإذا هو يصرح ذات يوم في مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها، كل هذه الخصال ألوان من المثل العليا التي يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر والاحتمال والانتظار والأناة. وأن الإنسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها في يوم من الأيام.
    ولم تكد الحرب تنتهي حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبي وتجرعت من هذا الاحتلال غصصًا، ونسيت كل النسيان، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التي زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان. وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال.
    أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسي، ومرتعًا خصبًا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا في تلك الأرض، يستغلونها ويستذلون أهلها يرون ذلك حقًا لهم، لا ينبغي الجدال فيه.
    ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربي، والغرب الأوروبي، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوي بهذا الحق، وألوان من الكيد والخداع، وفنون من المداورات والمناورات، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذي يتعمده أصحابه تعمدًا ولا يضطرون إليه اضطرارًا.
    والناظر إلى البلاد العربية في هذه الأيام يرى عجبًا أي عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التي كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء. ما زالت تدور في تلك الدائرة التي تسمى المفاوضات والمحادثات وهي لا تدور في هذا الدائرة وحدها، وإنما يدور معها الإنجليز، فالمفاوضات تبدأ لتنتهي وتنتهي لتبدأ، وتسير لتقف وتقف لتسير، والعالم يرى ويعجب، ولا يقول شيئًا أو لا يصنع شيئًا.
    ويرى شمال أفريقيا على نفس الحال التي كان عليها قبل الحرب، وحين انتهت الحرب. لم يتغير من أمره شيء، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه، وتنأى عنه لتعود إليه، لا تستريح ولا تريح، تقول كثيرًا ولا تصدق في شيء مما تقول، وتسرف في الوعد، ولا تفي بشيء مما تعد. وممثلوها في شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذي يزهو النفوس، ويريق الدماء، ويملأ الأرض كذبًا وكيدًا ونفاقًا. والإنسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئًا ولا تصنع شيئًا، ولا تستخذي من هذه الموبقات التي ينبغي أن يستخذي منها كل رجل كريم.
    فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين أن يخلع. وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تُشترى ضمائر بعض الموظفين في حكومته بالمال لتطالب الأجنبي بخلع السلطان، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الإسلام.
    وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الإسلام من المسلمين. والضمير العالمي يرى هذا كله، فلا يكاد يحفل به أو يلتفت إليه. وأغرب من هذا كله أن هيئة الأمم المتحدة تجتمع بين حين وحين، ويتحدث الخطباء فيها من الإنجليز والفرنسيين وغير الإنجليز والفرنسيين عن العدل الذي يجب أن يملأ الأرض، وعن الحرية التي يجب أن تتاح للأمم، وعن المساواة التي يجب أن تتحقق بين الشعوب.
    ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسي الغريب المختلط الذي أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء. وأفسد عليها تقدير ما يكون وما لا يكون. وتقدير ما يحسن وما لا يحسن، واضطرها إلى أن تعيش في عصر قد انقضى منذ زمن بعيد.
    كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى، تصفية للسلطان البريطاني على العالم. مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم، منذ وقت غير قصير وهو في طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارًا تامًا.
    وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعًا في السلطان الفرنسي، وتحديًا للقوة الفرنسية. واستخفافًا بالبأس الفرنسي العظيم.
    مع أن قوة فرنسا وبأسها قد تعرضا لخطر أي خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبي، وهي الآن بسبيل استرجاع شيء من هذا البأس وتلك القوة. وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها، لتقر وراء البحر سلطانًا لا سبيل إلى أن يستقر، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد.
    وأغرب ما في أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش في هذا العصر الحديث.
    وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الإنجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ورجال الثقافة فيهم. ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد عددًا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية. وأثناء الحرب، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها. وتحدثت إليهم في شؤون أفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها، وسخط على الاستعمار الفرنسي كما أسخط عليه.
    وفي هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا في شمال أفريقيا، ومنهم من ألف في ذلك كتبًا قيمة، ومنهم من خصص لذلك أعدادًا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة في باريس لإعلان إنكارهم لسياسة الذين يمثلون فرنسا في شمال أفريقيا. ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعًا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم في البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شيء، وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابًا.
    وللشعب الفرنسي مع ذلك برلمان يقال إنه يمثله تمثيلًا صادقًا، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية في الهند الصينية، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية في سياستها، مصرة عليها لا تغير منها شيئًا.
    وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا في شمال أفريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا في هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال.
    فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته في محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة، ثم ينظر الشعب وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئًا.
    ما مصدر هذا كله! هو من غير شك هذا التعقيد الذي أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة في الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق في الحرية وفي أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل في أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء.
    يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذي ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال.
    ولست أعجب لشيء كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التي نشهدها في هذه الأيام. فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية، فيدعون إليها ويحثون على الإيمان بها، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما في الأناجيل من أصول العدل والإنصاف، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم. وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب إلى كنائسهم في أيام الآحاد.
    وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربي والغرب الأوروبي على هذا التعقيد المنكر الذي يفسد من أمر الحضارة كل شيء ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرًا مما كان يمكن أن يبذل في ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانًا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان.
    ومن يدري لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويمكن لهم في الأرض، ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٦/٦.

  • فكرة الاستقلال

    فكرة الاستقلال
    لعميد الأدب العربي
    الدكتور طه حسين بك
    من الأوليات التي يجب ألا نغفل عنها ولا نقصر في استحضارها أمام أنفسنا دائماً، أن الأزمات العنيفة التي تلم بالإنسانية بين حين وحين، تستتبع دائماً تغيير طائفة من القيم التي ألفها الناس. وقد تتغير المعاني تغيراً شديداً وتبقى الألفاظ التي كانت تدل عليها كما هي لا يصيبها تغيير ولا تبديل، فينشأ عن ذلك كثير من الاختلاط والاضطراب، إذا لم نلاحظ هذه الأولية التي أصورها الآن. وفكرة الاستقلال من هذه الأفكار التي تغيرت قيمتها بحكم الأزمات العنيفة التي ألمت بالإنسانية منذ أول هذا القرن، وليس من شك في أن كلمة الاستقلال تدل الآن على معنى مخالف للمعنى الذي كانت تدل عليه قبل أن تثار الحرب العالمية الأولى.
    في ذلك الوقت، كانت كلمة الاستقلال تدل على الحرية الكاملة، أو التي تشبه أن تكون كاملة لأي أمة من الأمم في تقرير ما يعنيها من الأمور. في سياستها الداخلية والخارجية على اختلاف فروع هاتين السياستين. فبريطانيا العظمى مثلاً، كانت تستمتع بحرية كاملة في تدبير شؤونها كلها، سواء منها ما يمس حياتها في أرض الوطن البريطاني، وما يمس الصلة بينها وبين أجزاء الإمبراطورية البريطانية، وما يمس الصلة بينها وبين الدول الأخرى؛ قوية كانت هذه الدول أم ضعيفة.
    ولكن الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تتعاون مع حلفائها وأن تلائم بين سياستها الخارجية وسياسة هؤلاء الحلفاء، بل أن تلائم بين سياستها الداخلية وبين ما تقتضيه الحرب من الجهود، فكان ذلك تضييقاً لاستقلالها وحداً من حريتها في الاستمتاع بهذا الاستقلال. كانت بريطانيا العظمى بحكم استقلالها المطلق تستطيع أن توجه سياستها الخارجية أثناء الحرب توجيهاً يناقض اتجاه السياسة الفرنسية مثلاً، ولكنها لو فعلت لعرضت التحالف للخطر ولأضاعت على نفسها وعلى حلفائها ما كانوا يبتغون من النصر. وهي كذلك كانت تستطيع أن تنظم اقتصادها كما تشاء، معارضة في ذلك ما كان حلفاؤها يتخذون لأنفسهم من نظم اقتصادية، ولكنها لو فعلت لقصرت في الجهد الحربي ولأفسدت الأمر بينها وبين حلفائها، ولعرضت نفسها وعرضتهم للهزيمة والخذلان. فهي قد اضطرت إذن كما اضطر حلفاؤها إلى تنسيق الجهود التي تقتضيها الحرب، وإلى الاتفاق في التوجيه السياسي إلى وجهة واحدة وهي الاستكثار من الأصدقاء والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به على كسب الحرب.
    وإذا ذكرت تنسيق الجهود وذكرت التعاون والاتفاق على التوجيه السياسي، فقد ذكرت النزول عن شيء من الاستقلال قليل أو كثير. ولكن هذا النزول قد كان اختيارياً -إن صح هذا التعبير- أرادته بريطانيا العظمى لتكسب الحرب، وكانت تستطيع ألا تريده وأن تعرض نفسها للهزيمة، وكانت تستطيع ألا تريده وألا تشترك في الحرب أصلاً. ولكنها اشتركت في الحرب عن إرادة حرة، فاحتملت نتائج هذا الاشتراك عن إرادة حرة أيضاً، ونزلت عن بعض استقلالها راضية مختارة لم يكرهها على ذلك أحد، ولم يضطرها إليه شعب من الشعوب، فهي في حقيقة الأمر لم تنزل عن بعض استقلالها لأحد وإنما نزلت عنه للظروف والضرورات العامة التي يخضع لها الناس جميعاً.
    وانتهت الحرب العالمية الأولى واستردت الأمم المنتصرة كثيراً من استقلالها الذي نزلت عنه للظروف، ولكنها لم تسترده كله، وإنما ظلت مضحية بجزء منه في سبيل تنظيم السلم فلم يكن بد من التعاون على تنظيم السلم كما لم يكن بد من التعاون على كسب الحرب. وأيسر ما نلاحظه من النزول عن بعض الاستقلال بعد انتهاء الحرب استمرار التعاون على وضع معاهدات الصلح أولاً، فقد كانت لكل دولة من الدول المنتصرة مذاهبها في معاملة المنهزمين، ولكنها اضطرت إلى أن تلائم بين هذه المذاهب، وإلى أن تنزل كل دولة عن بعض آرائها حتى لا تضيع جهود الدول كلها، وحتى لا يصبح بعض المنتصرين لبعض عدواً، ثم النزول عن بعض الاستقلال الاقتصادي ثانياً. فليس في بلاد الأرض بلد يستطيع أن يستغني بموارده عن البلاد الأخرى، ولا سيما في أعقاب الحروب العنيفة. ثم النزول عن بعض السيادة ثالثاً بإنشاء عصبة الأمم التي كان عهدها يفرض على أعضائها أشياء تناقض السيادة الكاملة قليلاً أو كثيراً.
    وواضح جداً أن حياة أوربا، بل حياة العالم بعد الحرب العالمية الأولى، كانت صراعاً متصلاً بين استرجاع الاستقلال كاملاً موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه في سبيل المصلحة العالمية العليا. فأما أمريكا فلم تمض في هذا الصراع، وإنما رفضت ما أقره رئيسها ولسن، واستردت حريتها كاملة ولم تشترك في عصبة الأمم مع أنها هي التي اقترحتها.
    وأما الدول الأخرى المنتصرة فقد مضت في هذا الصراع على أن تسترد استقلالها شيئاً فشيئاً، وتتخذ العبث بعصبة الأمم وعهدها وسيلة إلى استرجاع هذا الاستقلال. وقد نشأ في ذلك من الاصطدام بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما يعرفه الناس جميعاً، وما قضى بأن تنسحب بعض الدول من عصبة الأمم مع أنها شاركت في تأسيسها. وليس نشوب الحرب العالمية الثانية إلا نتيجة لهذا الصراع العنيف المتصل بين الأثرة التي كانت تدفع الأمم إلى استرجاع استقلالها كاملاً موفوراً، والإيثار الذي كان يدعو الأمم إلى النزول عن بعض هذا الاستقلال رعايةً للسلم وتحقيقاً للمصالح الإنسانية العليا. وقد تغلبت الأثرة على الإيثار فانهارت السلم وانهارت معها عصبة الأمم، وشبت الحرب من جديد واضطرت الدول الكبرى إلى أن تعود إلى النزول عن كثير من استقلالها لتنسق جهودها مرة أخرى في سبيل كسب الحرب.
    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية وعاد المنتصرون إلى الصراع القديم بين استرجاع استقلالهم كاملاً موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه لتقوم السلم على أساس متين.
    فالذين يجتمعون في موسكو الآن قد يدرسون هذه المسألة أو تلك من المسائل الدقيقة التي تثير بينهم الخلاف، ولكنهم في حقيقة الأمر إنما يدورون حول مسألة واحدة هي مسألة الاستقلال. أيسترده كل منتصر كاملاً موفوراً فيدبر أمره وسياسته ونفوذه وصلاته الخارجية كما يريد، أم ينزل عن بعضه لتنسق الجهود في السلم كما كانت منسقة في الحرب؟!
    هذه هي المسألة التي يدور حولها اجتماع موسكو كما دار حولها اجتماع لندرة، وكما دارت حولها الاجتماعات الأخرى التي عقدت في الدار البيضاء وفي القاهرة وفي طهران وفي القرم وفي بوتسدام. والظريف أن العالم يشهد الآن منظرين لا يخلوان من طرافة: أحدهما منظر هذا الاجتماع الصغير الخطير الذي ينعقد الآن في موسكو، والآخر منظر هذا الاجتماع الكبير الذي يهيأ الآن لانعقاده في لندرة، وهو اجتماع الأمم المتحدة. فأما الاجتماع الصغير في موسكو فهو اجتماع عملي يواجه المسائل في صراحة بشعة مخيفة ليس فيها أثر للمثل الأعلى ولا للطموح إلى الكمال، وإنما هي المنافع تلتقي لتنظر أتستطيع أن تتفق أم هي مكرهة على الاختلاف. فهل تطلق يد روسيا السوفييتية في شرق أوروبا وجنوبها، وهل تطلق يد بريطانيا العظمى في غرب أوروبا، وكيف تنظم شؤون إيران وتركيا؟ وإلى أي حد تطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأقصى، وكيف يقام التوازن بين المنتصرين في الشرق الأدنى وفي الشرق الأوسط؟ أو أين يكون موقع الطاقة الذرية من هذا كله؟ هذه هي المسائل البشعة التي يدور حولها اجتماع موسكو في صراحة ما نظن أنها ترضى الأخلاق أو تلائم طموح الناس إلى الرقي والكمال. أما الاجتماع الكبير الآخر الذي يهيأ الآن لاجتماعه في لندرة فهو اجتماع مثالي -كما يقال- لن يذكر فيه إلا السلام الشامل والعدل الكامل والتعاون على نشر الحرية والمساواة، وعلى تأييد الحق والإنصاف. وكذلك ينظر العالم الآن إلى المنافع وهي تلتقي سراً في موسكو لتدبر أمرها على خفية من الناس، وإلى المثل العليا، وهي تريد أن تلتقي جهرة في لندرة لتسمع العالم ألواناً من العناء الذي يحسن وقعه في القلوب والنفوس.
    وفي هذا شيء من الرقي من غير شك، فليس الخير في حاجة إلى الاستخفاء، وهو من أجل ذلك حاول أن يعلن نفسه في سان فرانسيسكو ويحاول أن يعلن نفسه في لندرة، وأما الشر فهو الذي يستخفي ويجتهد في أن يستر نفسه عن العيون. وقد حاول أن يظهر في لندرة حين اجتمع وزراء الخارجية للدول الخمس فأنكره الناس وكرهوا منظره وضاقوا به وأشفقوا منه، فهو يستخفي الآن في أعماق الكرملين يبحث لنفسه عن زينة يخدع بها الناس عن أنفسهم.
    ولا يظن القارئ أني أعمد إلى الاستعارة والمجاز وتزيين القول، وإنما هو الحق الواقع أصوره كما هو، فاجتماع الأمم المتحدة ينعقد جهرة في سان فرانسيسكو ولندرة لأنه محاولة -قوية أو ضعيفة خصبة أو عقيمة موفقة أو مخفقة- لإقامة السلم وتحقيق التعاون والتقريب بين الشعوب. والاجتماع الخاص في موسكو إنما هو الاجتماع لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب وتنظيم النفوذ، على أن يكون هذا كله شيئاً يظهر أقله ويستخفي أكثره ويتخذ أساساً لمسلك المنتصرين في اجتماع الأمم المتحدة، والأمر كله يدور على فكرة الاستقلال هذه، أيستردها المنتصرون كاملةً موفورةً فيصبح بعضهم لبعض عدواً، أم يمضي المنتصرون في تنسيق الجهود وتنظيم التعاون والنزول عن بعض الاستقلال أثناء السلم كما نزلوا عن بعضه أثناء الحرب فيتاح لهم أكل الأمم المستضعفة في هدوء ورفق وفي غير حرب ولا صراع؟!
    أما فكرة الاستقلال بالقياس إلى الأمم الضعيفة، أو إلى الأمم المستضعفة، فأمرها شر من أمر الاستقلال بالقياس إلى الدول الكبرى المنتصرة. ولست أذكر الأمم المحررة، فإن قصتها مؤذية للنفوس حقاً. فهذه الأمم قد ضحت باستقلالها كله في سبيل النصر، ووعدت بأن يرد إليها هذا الاستقلال كاملاً موفوراً، وهو يرد إليها الآن قطرة قطرة، ويرد إليها بشرط أن تذعن لسلطان المنتصرين، وأن تشكل استقلالها كما يريدون هم، لا كما تريد هي. فإن لم تفعل، فستتعرض للجوع والبرد والشقاء والحرمان. وأما الأمم المستضعفة فاستقلالها فكاهة من الفكاهات، هي أعضاء تشترك في جماعة الأمم المتحدة، يقول ممثلوها ما يشاءون، ويستمتعون بالمساواة مع ممثلي الدول الكبرى. ولكن هذه الأمم يجب أن تخضع لهذا المنتصر أو ذاك، حسب موقعها من مناطق النفوذ، ويجب أن تخضع للمنتصرين جميعاً حين يتفق المنتصرون جميعاً، فإذا اختلفوا وجب عليها أن تنحاز لمن تقع في منطقة نفوذه.
    وكذلك توجد أمم مستقلة بمعنى جديد لم يكن معروفاً قبل هذا القرن، أو كان معروفاً في العصور القديمة أيام الرومان، ثم نسيته الإنسانية حيناً من الدهر، ثم عادت فتذكرته وأخذت في إحيائه الآن، وهو الاستقلال الذي يعتمد على الحلف بين القوي والضعيف. للقوي حقائق الأشياء، وللضعيف مظاهرها وأشكالها. وقد عرف التاريخ القديم دولاً في الشرق كانت لها مظاهر الاستقلال السياسي كاملة، وكانت حليفة لروما، وكانت كلمة الحلف توشك أن تدل على ما كانت تدل عليه كلمة الحماية منذ حين. فهذا النوع من الاستقلال القديم الجديد هو الذي أخذ ينتشر في الشرق منذ الحرب العالمية الأولى، ويظهر أن الإنسانية أحبته وكلفت به فهو يريد أن ينتشر في أوربا أيضاً، فاليونان مستقلة الآن، ولكن البريطانيين يقضون في شؤونها الداخلية كما يشاءون. فإن لم يتح لهم ذلك فقد كانت هناك مدافع ودبابات تردهم إلى الصواب في العام الماضي، وما زالت هناك أموال ترد اقتصادهم إلى الاستقلال إن عقلوا وتدفعهم إلى الهوة إن آثروا الجنون. ورومانيا مستقلة وبلغاريا مستقلة أيضاً، ولكن بشرط أن يستظل هذا الاستقلال بظل من روسيا، وإلا فإن مستقبل رومانيا وبلغاريا معرض لخطر شديد. والمهم هو أن كلمة الاستقلال قد أصبحت الآن من هذه الكلمات المرنة التي يمكن أن تمتد حتى تدل على كل شيء، وأن تنقبض حتى لا تدل على شيء، يمكن أن تمتد فتدل على استقلال دول الشرق الأدنى ودول البلقان وإيران أيضاً وتونس ومراكش إن شئت، فإن لهذه الدول كلها مظاهر الاستقلال على نحو من الأنحاء، ويمكن أن تنقبض حتى لا تدل على شيء وحتى يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى نفسها ليست مستقلة. إنها في حاجة إلى الولايات المتحدة لتجد ما تنفق من المال، وفي حاجة إلى هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض لتجد ما تأكل من الطعام، وفي حاجة إلى هذه السوق أو تلك لتبيع ما تنتج من المصنوعات، وهي محتاجة إلى رضا حلفائها وموافقتهم لتبسط نفوذها هنا أو هناك.
    كلمة الاستقلال إذن قد فقدت قيمتها القديمة وأصبح من الحق على الشعوب التي تريد أن تكون حرة تدبر أمورها كما تريد لا كما يريد غيرها، وكما تقتضي مصالحها لا مصالح غيرها. أصبح من الحق على هذه الشعوب أن تعبر عن هذا الذي تطمح إليه بلفظ آخر أقل مرونة من لفظ الاستقلال. ولست أدري ما هو ولعل مجمع فؤاد الأول للغة العربية أن يجد لنا هذا اللفظ الجديد أو القديم.
    طه حسين
    مسامرات الجيب، ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٤٥.

  • بطولة …

    بطولة …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٩ فبراير ١٩٣٤

    نعم بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة في تاريخهم القديم والحديث، قوامها هذه العظمة التي يُحبها الناس جميعًا، ويأنس إليها الناس جميعًا، والتي تُثير الإعجاب في نفوس كبار النَّاس، وتُثِيرُ الحُبَّ والوُدَّ في نُفُوسِ صِغَارِهِم، وتُحِيطُ صَاحِبها بجوٍّ صافٍ نقيٍّ من إكبار الناس له، وإخلاصهم في حبه، واتخاذه مثلًا أعلى لكل ما تكمل به رجولة الرجل العظيم، بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة.
    هذه التي امتاز بها الملك ألبير، شهيد البلجيكيين، أول أمس؛ فقد عاش عيشة البطل، ومات ميتة البطل، وسيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن حياته العظيمة كما سيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن موته العظيم.
    كل الناس عرضة لأن يلقى ما لقيه الملك ألبير فتزل به قدمه، ويهوي من القمة إلى القاع، ويدركه الموت في أثناء ذلك، ولكن الملوك قلما يعرض لهم مثل ما عرض لهذا الملك؛ فأنت تستطيع أن تبحث عن الملوك والرؤساء، بل تستطيع أن تبحث عن القادة والسادة وأشراف الرجال وأغنيائهم. هؤلاء الذين يخرجون للرياضة منفردين لا تُحيط بهم الحاشية، ولا يطيف بهم الأتباع، ولا تسبقهم الطلائع، ولا تسعى في آثارهم الأمداد.
    تستطيع أن تبحث عن هذا الرجل ذي المكانة الذي يخرج للرياضة ليس معه إلا خادم، والذي يخرج للرياضة وهو يسوقُ عَرَبَته، والذي يبلغ مكانَ رياضته فيدع خادمه في عربته، ويصعد في الجبل وحيدًا فريدًا كما يصعد في الجبل أقل الناس شأنًا، وأيسرهم خطرًا، ثم ما يزال يصعد وحيدًا فريدًا حتى يشرف من القمة، ثم تزل به قدمه ويُدركه المَوتُ وَحِيدًا فَرِيدًا أَيضًا، ثم يستبطئه خادمه فيستعين الشرطة وغير الشرطة على البحث عنه.
    وما يَزَالُ النَّاسُ يبحثون وينقبون حتى يظفروا بجسمه الضئيل العظيم مُلقًى في بعض القاع، فيحتملونه كما تحتمل الأجسام الضئيلة، ويعودون به إلى قصر الملك كما يعود أيسر الناس بأيسر الناس إلى أيسر الدور والأكواخ.
    موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصوِّر إلى أي حد ترتقي ببعض الناس نفوسهم عن زخرف الحياة، ومظاهر الجلال الكاذب فيها، حتى يزدروا زُخرف الحياةِ ومظاهر الجلال الكاذب، وحتى ينتهوا إلى الحياة التي تَسْتَحِق أنْ تُسمى هذا الاسم، ويبلغوا الجلال الذي يستحق أن يُسَمَّى جلالًا.
    موت عظيم لرجل عظيم، موتٌ يُصَوِّرُ إلى أي حد ترفع الفلسفة اليسيرة الساذجة نفوس بعض الناس حتى تجردها من كل ما يتعلق به الناس، وتسمو بها إلى حيث لم يتعوَّد الناس أن يسموا، وإذا هي تنتهي بهم إلى المساواة في الحياة بأدق معاني المساواة، ثم إلى هذه المساواة الأخرى التي يؤمن الناس بها جميعًا، ولا يقبلون فيها مُنَاقَشَةً ولا جِدَالًا؛ لِأَنَّها أَوضح وأجلى من أن تحتمل المناقشة والجدال، بل هم لا يُحِبُّون أَنْ يَذْكُروها ولا أن يتحدثوا فيها، وهي المساواة أمام الموت.
    موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصَوِّر هذا البَطَل وقد سوى في الحياة بينه وبين غيره من الناس؛ لأنه كان يعلم وكان يقدر أن الطبيعة قد سوَّت بينه وبينهم في الموت، ولم ينخدع بهذه الأوضاع والأعراض الزَّائِلَة التي جعلتْ له بين الناس في حياته مقامًا مُمْتازًا، ومَكَانًا رَفِيعًا، بل لم يؤمن لهذه الحقائق الخالدة العُليا التي مَيَّزَتْهُ من الناس بقلبه الذكي، وخُلُقه الرَّضي، وحلمه الراجح، وصبره الذي لا يشبه صبر، وثباته الذي لا يدانيه ثبات.
    رقى هذا الرجل إلى عرش بلجيكا؛ فلم يكد يستقر فيه حتى خلصت حياته كلها لشعبه، وطابت نفسه عَمَّا لا تطيب عنه نفوس الناس في سبيل هذا الشعب؛ فكان لا يعمل إلا له، ولا يُفَكِّر إلا فيه، ولا يسعد إلا إن رآه سعيدًا، ولا ينعم إلا إنْ رَآه نَاعِمَ البَال، وكانت الحياةُ حياةَ سلم، فسلك في خدمة شَعْبِهِ طُرُقَ السلم حتى إذا أحسَّ الناسُ مَقْدِمَ الحرب تأهب للحرب، وجَدَّ في تقوية شعبه وتهيئته لاستقبال الكارثة إنْ أَقْبَلَتْ، فَلَمَّا أقبلت الحرب لم تجد رجلًا ساهيًا ولا لاهيًا ولا مُقَصِّرًا. ولم تجد بنوع خاص رجلًا أثرًا، ولا مترددًا، ولا ضعيفًا، ولا مُستهينًا بالكرامة، ولا مُتهاونًا فيما تفرضه الفضيلة على الأمم الحرة المستقلة من الاستبسال والتضحية في سبيل الذود الكريم عن الحرية والاستقلال.
    وإن الذين يذكرون أوائل الحرب الكبرى ليذكرون في الوقت نفسه ما كان يملأ نفوسهم من الإعجاب بهذا الرجل الذي لم يكن جاهلًا ولا مغرورًا، والذي كان يقدر قوة شعبه ويقيسها إلى قوة ألمانيا، والذي كان يعلم حق العِلْم أَنَّهُ أَضْعَف مِنْ أَنْ يثبت لهذا العدو الذي لم تكن قواه تُحدُّ، ولكنه مع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولم يُفَكِّر إلا في العِزَّة والكرامة، ولم يقارن بين الكرامة والمنفعة، ولم يشك في قوة الحق وإنْ ظَهَرَ ضعيفًا، وفي ضعف الباطل وإن ظهر قويًّا.
    نعم، إنَّ الذين يذكرون أوائل الحرب يذكرون تلك اللغة الحَازِمَة المُلْتَهِبَة التي كان يتحدث بها هذا الملك إلى عَدُوِّه الوقح كما كان يُسَمِّيه، وإلى أُمَّتِهِ الكريمة كما كان يُسميها، والذين يذكرون الحرب يذكرون معها كيف صبر هذا الرجل للكوارث، وكيف ثبت للخطوب، وكيف لم يُؤْيَسه انتصارُ العدو، وكيف لم يُقنِّطه انهزام الحليف، وكيف امتلأ قلبه إيمانًا بالحق، فاندفعت نفسه إلى التضحية في سبيل الحق، وكيف قدَّم نفسه، بل كيف كان يُقَدِّمها في كل ساعة من ساعات الحرب فداءً لشعبه، وكيف أقام فيما بقي له من أرض الوطن ضعيفًا في ظاهر الأمر، ولكنه قوي في حقيقة الأمر، مَغْلُوبًا في ظاهرِ الأَمْرِ، ولكنه مُنْتَصِرٌ في حقيقة الأمر، منتصر لا على ألمانيا وحدها، منتصر لا على ألمانيا وحلفائها، منتصر لا على هذه الكوارث والخطوب التي كانت تحدق به وتدهمه من حين إلى حين، بل مُنْتَصِرًا على العالم كله، وعلى الإنسانية كلها؛ لأنه انتصر على نفسه وعلَّمها كيف تكون فوق الحوادث، وكيف تكون فوق الخطوب، وكيف لا تجعل لليأس ولا للشك إليها سبيلًا.
    ثم تنتهي الحرب ويتم الظفر لهذا الملك وحلفائه، ويعودُ إلى عاصمة مُلْكِهِ مُنْتَصِرًا كريمًا؛ فلا يطغيه الفوز، ولا يُبطره الانتصار، ولا يطمع من شعبه ولا من غير شعبه في إكبار ولا إجلال ولا مكافأة، ولا شيء يُشبه المكافأة؛ لكثرة ما احتمل، وكثرة ما ضَحَّى، ولحُسْنِ بَلَائِه في خدمة الوطن؛ لأنه لم يكن يعتقد أنه زاد على أن أدى واجبه الوطني كما كان يُؤَدِّيه غيره من أفراد الشعب، وإنما نهض بأعباء الحرب ما قامت الحربُ؛ فلما انطفأت جذوتها نهض بأعمال السلم كما ينبغي أن ينهض الملوك بأعباء السلم، كان مُتْعَبًا مَكْدُودًا أثناء الحرب، ولكنه لم يسترح ولم يهدأ في أوقات السلم، إنما استبدل تعبًا بتعبٍ، وكدًّا بكد، وعناء بعناء، ولم يكن يتعب لنفسه ولا يكد لها، ولا يُفَكِّرُ فيها، وإنما كان تعبه وكده وتفكيره في الحرب والسلم لشعبه، ولشعبه ليس غير.
    إن الذين يذكرون الحرب الكبرى لن ينسوا بسالة الملك ألبير، وإن الذين يذكرون السلم لن ينسوا إخلاص الملك ألبير لشعبه ومعونته له في جميع فروع الحياة، لقد كان حكمًا بين الأحزاب السياسية كأحسن ما يكون الحكم، عدلًا وإنصافًا وتنزهًا عن الغرض، وارتفاعًا عن الخصومات. لقد كان عونًا للعِلْمِ والأَدَبِ كأحسن ما يكون أعوان العلم والأدب، يشجعُ العُلَمَاء والأُدَباء على أن يبحثوا وينتجوا، يُغريهم بالبحث، ويغريهم بالإنتاج، ويخلق لهم من أسباب العون ما لم يكونوا يُقدِّرون أن يظفروا به، يمنحهم من ماله، ويمنحهم من مال غيره ببذل، ويدعو غيره إلى البذل، ولا يتحرج من أن يقف موقف الدُّعاة إلى الاكتتاب لمعونة العلم والأدب، لا في وطنه وحده؛ بل في البلاد المثقفة المُتَحَضِّرة كلها.
    ليس غريبًا أنْ يظفر ملك كهذا الملك بما كان يظفر به من حب الشعب له، وفنائه فيه، لقد زُرت بلجيكا منذ أكثر من عشر سنين، ووصلت إليها في اليوم الذي كان البلجيكيون يحتفلون فيه بعيد ميلاد الملك، ووصفتُ في غيرِ هذا المكان مَا مَلأَ نَفْسِي إعجابًا من حُبِّ الشَّعْب البلجيكي لملكه، وابتهاج الشعب البلجيكي بعيد ملكه.
    لم يكن هذا العيد عيد الملك، ولم يكن عيد الشعب جملة، وإنما كان عيدًا لكل فرد من أفراد الشعب، كان عيدًا في كل أسرة، وكان عيدًا في كل مكان، وكان عيدًا صَادِقًا خَالِصًا. ولقد رَأَيْتُهُ وقد دعا إلى قصره أعضاء مؤتمر التاريخ، فلمَّا استقبلهم جميعًا كما يُستقبل الملوك صَافَحَهُم، وألقى إلى كل منهم كلمة من كلمات المُجَامَلة العادية؛ نظرت فإذا المؤتمرون جميعًا في غرفة واحدة حول الشاي، وإذا الملك وأسرته بينهم كما تكون أنت وكما أكون أنا بين المدعوين، يتنقل من مكان إلى مكان: يتحدث إلى هذا، ثم يتحدث إلى ذلك، ثُمَّ يُطِيلُ الحديث مع من يعرف من العلماء، وما أكثر من كان يعرف منهم، ويوجز الحديث مُتَلَطِّفًا مع الذين لم يكن يعرفهم من قبل، ويجد على كل حالٍ شَيئًا يَقُولُه، ويتلقى على كل حال بالظرف واللطف والإيناس ما كان يسمعه مهما يكن، ومهما يكن قائله. هنالك عرفتُ أنَّ الملكية تستطيع أن تُلائم الديمقراطية حقًّا، هنالك عرفت أن الملكية تستطيع أن لا تكون كما يُريها بعض الأوربيين.
    هذا الشيء الذي يأبى أن يتطور، ويمتنع على تقدم الحياة، وإنما هو شيء يُلَائِمُ رُقِيَّ الناس ورُقي عقولهم، وقلوبهم، وشعورهم، وحاجتهم إلى الحرية والمساواة، وهنالك عرفت أنَّ الملكية على هذا النَّحو ليستْ كَمَا يقول خصومها أثرًا من آثار القرون الماضية، وإنما هي نظام قادر على الحياة، وقابل للبقاء المنتج الخصب المفيد.
    وهنالك عرفت كيف يكون حب الشعوب الحرة الأوروبية للملوك، وكيف يكون حب الملوك للشعوب، وكيف يستطيع عرش أوروبي أن يثبت بينما كانت العُروش الأوروبية تنهار من حوله بعد الحرب الكبرى.
    ولقد كان الملك ألبير مثلًا صالحًا، وقدوة حسنة، لا للشعب وحده، بل لأسرته كلها أيضًا؛ فالناس يذكرون كيف كانت تخرج حَفيدته وامرأة ولي العهد — وملكة بلجيكا غدًا — كيف كانت تخرج لتروض ابْنَهَا، فإِذَا هي تَدْفَعُ عَرَبته الصغيرة كما تدفع أي امرأة من نساء الشعب عربة ابنها الصغير.
    ليس هينًا هذا الخطب الذي أَلَمَّ بالشعب البلجيكي العظيم في ملكها العظيم؛ لأنه ليس مقصورًا على بلجيكا، بينما هو خطب عام للإنسانية كلها في مثل من المثل العليا للإنسان الكامل حقًّا. فليحسن الله عزاء الأسرة المالكة البلجيكية عن زعيمها، وليحسن الله عزاء بلجيكا عن عظيمها، وليحسن الله عزاء الإنسانية عن هذا المثل الأعلى الخالد.

  • مزيد من مقالات الخمسينيات | More from the fifties…

    وثبتان . . .
    كلتاهما بعيدة المدى ، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها فى حياة مصر . لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها .
    أما أولاهما فهى هذه التى كانت حين أعلنت الثورة فى دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم ، وقوانينه تصدر باسم الأمة . وما أشك فى أن المصريين قد وجدوا فى أعماق نفوسهم وضمائرهم ، هذا الشعور الذى كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه ، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة ، والإباء المصرى الصريح ، والقوة التى تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم ، كانوا لا يفكرون فى أمر يأتونه أو يدعونه ، ولا فى خطة يضعونها ، ولا فى قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!.
    والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم ، وقادتهم ، والمسئولين من حكامهم ، كانوا فى كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم ، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط فى التردد والاضطراب ، ويلقى فى روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هى دائما إلى ذلك المحجب فى قصره ، وهى أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله
    انهيارا . ومضى هذا كله إلى غير رجعة ، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا ، واستطاعت أن تجليه وتجلى معه سلطانه إلى ما وراء البحر.
    ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها فى تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب ، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء .
    وكانت هذه هى الوثبة الثانية التى أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وأبائها واستقلالها حقائق واقعة ، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أمانى يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون.
    قالت الثورة للملك السابق : التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع.
    وقالت الثورة للإنجليز : يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التى لا تشوبها شائبة . فطاولوا وماطلوا ، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التى سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل . ولكن الثورة ثبتت فى مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت ، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة ، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت فى روعهم وأقرت فى ضمائرهم ما ألقته فى روع المصريين وما أقرته فى ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والاباء ، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم ، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون ، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم ، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن .
    فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا ، وما أرادت مصر والسودان ، وهم قارون فى وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون فى قول ولا عمل، ولا يسرفون فى إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها ، وقالوا : لا ولم يقولوا غيرها ، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف ، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد.
    فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها ، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر فى هذا الدرس الذى ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة ، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم ، وصدق الرأى وتصميم الإرادة . كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب فى غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم :
    إذا هم ألقى بين عينيه غرمه
    ونكب عن ذكر العواقب جانبا
    ولم يستشر فى رأيه غير نفسه
    ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
    وهذا الدرس الذى ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التى أنزلت الإنجليز عند رأى مصر فى أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر فى السادس والعشرين من شهر يوليو الماضى هى وحدها التى ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا .
    نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله . هذه هى الخصال التى لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم فى سبيلها العقاب إلا ريثما تزول وكلما قوى التجاوب بين الثورة والشعب وقوى إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية فى سبيل الحق . كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالا .
    ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن ، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل فى حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التى ائتمنت نفسها على حقوقنا والتى إئتمناها نحن على حقوقنا ، والتى ستؤدى إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها .
    وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا فى غير مماحكة ولا مداورة بنعم أولا . فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض فى المماحكة وأمهر أمم الأرض فى المداورة والالتواء .
    هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده ، وإنما قهرنا بها الطغيان كله فى نفس الملك السابق وفى نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز . وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا فى غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد فى القول والثبات على الرأى والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار .
    وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم فى أول الطريق وأن حياة الشعوب شى يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجرى دائما على ما يشتهون .
    فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا .
    يجب أن يجلو الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضى فى سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا فى سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب .
    وكنت إذا قوم رمونى رميتهم
    فهل أنا فى ذا بالهمدان ظالم
    متى تجمع القلب الذكى وصارما
    وأنفا حميا تجتنبك المظالم
    طه حسين

    الأهرام ١٥\٢\١٩٥٣

    سراب
    لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التى أنشئت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الاقوياء وأوهام الضعفاء ، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل فى الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف ، ويطمئن القلق ، وتستقر القلوب بين الجنوب .
    لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديا ولم تقمع باغيا ، ولم تقر أمنا ولم تشع عدلا ولم تزد على أن أنفقت مالا كثيرا وملأت الأرض كلاما وأوهاما ، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والاقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
    ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسا للسلم ، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التى ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
    ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الاطلنطى فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه . كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك فى بلاد اليونان التى كانت حليفته فى الحرب ، والتى اصطلت النار الألمانية ، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الانجليزية أيضا .
    لم أؤمن بشى ء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الاخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشى فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين فى أحدهما الرحمة وفى الآخر صنوف العذاب . وهم يبرعون فى بذل الوعود كما يبرعون فى أخلافها ويمتازون فى إعطاء العهود كما يمتازون فى نقضها ، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفا ، وأهون من أعظم الناس هوانا .
    كذلك تملق الانجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب ، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا فى البغى والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل فى مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التى أعلنها فى ميثاق الاطلنطى فقال : تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول .
    وما كرهت شيئا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك فى هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت فى شى ء قط كما شككت فى مجلس الأمن هذا الذى لا يؤمن أحدا ولا يرد إلى أحد حقا ولا ينصف مظلوما من ظالم ولا يصد معتديا عن عدوان والذى سميته غير مرة مجلس الخوف . ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد . ولم نر قط قويا اعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض . وإنما الأقوياء بين اثنتين دائما ، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون ان لم يجدوا إلى البطش سبيلا .
    وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع فى كل ، عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال . وهذا مجلس الأمن يجتمع فى كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفا آمن ولا باغيا كف عن بغيه ، ولا مظلوما أتيح له الانصاف ، ولا ظالما آثر العدل والقصد .
    وإنما تجرى أمور الاستعمار فى ظلهما كما تعودت أن تجرى لم يتغير منها شى . شعوب تستذل وتستغل فى غير رفق ولا لين وفى غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلا إلى شى من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروها . وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب ، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلي أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضى فى جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين ، والله خير الحاكمين .
    وأروع من هذا كله وأبرع ان ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل فى الدفاع عنها الجهود التى لا تحصى ، وتوضع أيدى هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه فى مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التى يقع فيها الظلم المنكر فى كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذى يقال ، والجهود التى تبذل ، وينتظر العالم هذا القرار الذى ستصدره الهيئة أو المجلس ، والذى سينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل فى حياة راضية آمنة .
    ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء . هذه الدماء التى تسفك وهذه النفوس التى تزهق وهذه الحقوق التى تهدر ، وهذه الحرمات التى تنتهك ، وهذه الشعوب التى تصبح وتمسى فى شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان . كل ذلك لا خطر له ولا ينبغى أن يكون له خطر. وإنما الشى الوحيد الذى يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص ، وتضحى فى سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء ، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل، اتفاق الدول المستعمرة قائما لا يصل اليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلا .
    فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغ بريطانيا العظمى على من تريد ان تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما ، وانما المهم أن تظل الدولتان على شى من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد ، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التى لا توافقها فى المذهب ولا فى الرأى، ولا فى تدبير شئون المال.
    الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء ، ومنفعة الأقوياء فى أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغى أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
    كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شى ، وبعد كل شى ولا عليهم أن يضحى بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة .
    ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون . فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضا ، وقد يصدم بعضها بعضا ، وقد يجب أن يضحى ببعضها فى سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغى أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبى وإن كرهه الشعب الفر نسى وقد ينبغى أن تمضى فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية فى غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التى لا تعرف لها غاية .
    وقد ينبغى أن تضحى بريطانيا العظمى بشى من تجارتها فى الشرق الأقصى وفى شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديا . وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم فى أقطار أخرى من الأرض .
    وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شى، من المصاعب أو العقبات . فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت فى غير طائل ، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التى ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
    وأذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها ، صورها الشاعر العربى القديم أروع تصوير وأبرعه فى بيته الخالد .
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
    والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدا ولا نرضى أن يظلمنا أحد .
    طه حسين
    الجمهورية ١١ ديسمبر٣ ١٩٥ .

    الحديث المعاد . . .
    لم أعجب قط لشىء عجبى لأن المصريين لم يملوا المفاوضات ، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب . وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافا ، وإلا بغضا وحقدا وفسادا . مع أن التجربة هى خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه .
    انى لأقرأ أحاديث الإنجليز فى هذه الأيام عن المفاوضات التى أخذنا فيها منذ حين ، فما أشك فى أنى أقرأ نفس الأحاديث التى كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلى رحمه الله يدير المفاوضات والتى قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين فى لندرة أو فى القاهرة . فأعجب كيف لا نسأم نحن ، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد . وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء فى مصر . فهم لا يكرهون شيئا كما يكرهون الجلاء . وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون ، فأما نحن فلا نحب شيئا كما نحب الجلاء .
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول . فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا وكتبنا حتى ملت أقلامنا . وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير وآن لنا أن نسدل الاستار دون هذه القصة السخيفة التى لا تريد أن تنقضى وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل . وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها . وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الاصلاح على اختلاف ألوانه لا فى هذا الانتظار الممل الذى يميت القلب ويفل الحد ويرد إلي اليأس المرهق للنفوس وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشوا أحرارا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبى وعرف العالم له حقه فى الكرامة والعزة والاستقلال .
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابا وشيعا يمكر بعضها تدمير بعض فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا وأن نبين لهم فى وضوح لا يحتمل شكا ولا لبسا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعا وأحزابا ، ولن يلقي منا الآن إلا شعبا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهى فى أقصر وقت ممكن إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطى كله ، وإما إلى شر لن يؤذى المصريين وحدهم ولكنه سيؤذى الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز، بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها ، وسئمنا الانتظار كما سئموه ، وأصبحنا لا نريد إلا شيئا واحدا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل ، إما فى تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما فى تحقيق الجلاء الذى لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب . إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلى وحده ، وإنما ثارت على الطغيان الخارجى أيضا . بل إن ثورتها على الطغيان الداخلى لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التى تجعل مصر للمصريين حقا وصدقا . والتى تشعر المصريين جميعا بأنهم قد أصبحوا فى وطنهم أحرارا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعانى .
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر ثم مضت الأعوام ولم يتكشف أعلانهم هذا عن شى .
    فاوضهم صدقى رحمه الله فلم يصل إلى شيء ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شى ء ، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عاما أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث .
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز ، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا ، وأن نتحدث اليها حديث الجد الصارم الحر الذى لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين
    لا ثالثة لهما : منزلة الحياة العزيزة الكريمة أو منزلة الجهاد العنيف الذى يجشم أصحابه الهول وقد ينتهى بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    أن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغى الخارجى والغدر الداخلي فيجب أن يكون لقاؤهم درسا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب ، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة . إنما تكتسب بأقصى غاية الجود ، وهو بذل النفوس لها ثمنا . ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل فى سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب فى ألوان النعيم . كل هذه أشياء لا ينبغى أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذى يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون .
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي وهى طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التى لا تغنى عنهم شيئا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئا لأنها رحمة عقيم تجرى بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة .
    إنما الرحمة الصحيحة التى ينبغى أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هى هذه التى تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير وهى رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة ولا يطمع فيها الطامع ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات .
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذى يملأ الجو ويصم الاذان ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كراما . وأول مظهر لهذه الكرامةأن نرفض الاحتلال الأجنبى ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه .
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذى يقام للقائهم أم لم يشهده .
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعى إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذى تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التى ستتلقى عنا هذا الوطن تراثا حرا كريما.
    وليكن هذا اليوم الذى نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذى نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلا نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون وليكن هذا اليوم يوم القسم الذى نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد حديث المفاوضات .
    طه حسين
    الأهرام ، ١٠\٥\١٩٥٣

    تعقيد
    هو هذا الذى أصاب الأمم المستعمرة ، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى ، عن تنبه الأمم المغلوبة الى حقها ، فى أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها فى المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.
    فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة فى هذا التنبه شيئا من التحدى لقوتها وبأسها وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرا من المنافع ، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذى ظهر هنا وهناك فى الأمم المستضعفة ، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التى تشب فى الهند ، وتشب فى مصر أو تضطرم نارها فى سوريا ، أو فى العراق والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء وكذلك نشأ هذا التعقيد . تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء فى نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التى تطالبها الأمم الضعيفة بحقها فى الاستقلال . فكان ما كان من تلك الخطوب التى جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة . ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرا حين كانت الحرب العالمية الثانية . وحين اجتاحت ألمانيا ، فى أول هذه الحرب ، غرب أوربا ، واضطرت الامبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف ، وأشدها نكرا ، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة فى الشرق لتأمن جانبها أولا ولتستعين بها ثانيا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء .
    فى ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأمانى الرائعة وظنت الأمم الشرقية ، الخاضعة للسلطان البريطانى ، خضوعا خالصا أو خضوعا مشوبا أنها ستظفر باستقلالها كاملا غير منقوص حين تنجلى غمرة الحرب .
    وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة ، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة ، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم ، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقى يرى فى تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار الى هذا اللين والاسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الانسانية قد أقبلت على تطور حقيقى خطير، لحياتها التى أفعمتها الكوارث والمحن والآلام .
    ولم يشك أشد الناس تشاؤما من الشرقيين فى أن العالم صائر الى الحسنى ، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوى ، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة فى ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام .
    ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الامبراطورية البريطانية تقربا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلا للوعود وتجلية للأمانى ، وتزيينا للآمال . فأهل سوريا ولبنان يعلن اليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم فى كل يوم ، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التى تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلا بعد أن ملئت جورا وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب ، وعلى ما تشتهى ، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد . ولكن الحرب لا تكاد تنتهى حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنا بالمنى ، والأحلام وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم ، وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة ، وكبرياؤه تلك التى كانت يعرف بها قبل الحرب ، وإذا هو يصرح ذات يوم فى مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها فى تقرير مصيرها كل هذه الخصال ، ألوان من المثل العليا التى يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر، والاحتمال والانتظار، والأناة . وأن الانسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها فى يوم من الأيام.
    ولم تكد الحرب تنتهى حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبى وتجرعت من هذا الاحتلال غصصا ، ونسيت كل النسيان ، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التى زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان . وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال .
    أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسى ، ومرتعا خصبا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا فى تلك الأرض ، يستغلونها ، ويستذلون أهلها يرون ذلك حقا لهم ، لا ينبغى الجدال فيه .
    ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربى ، والغرب الأوربى، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب ، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوى بهذا الحق ، وألوان من الكيد والخداع ، وفنون من المداورات والمناورات ، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير ، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذى يتعمده أصحابه تعمدا ولا يضطرون إليه اضطرارا .
    والناظر إلى البلاد العربية فى هذه الأيام، يرى عجبا أى عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التى كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء مازالت تدور فى تلك الدائرة التى تسمى المفاوضات والمحادثات وهى لا تدور فى هذا الدائرة وحدها ، وإنما يدور معها الانجليز ، فالمفاوضات تبدأ لتنتهى وتنتهى لتبدأ ، وتسير لتقف وتقف لتسير ، والعالم يرى ويعجب ، ولا يقول شيئا أو لا يصنع شيئا .
    ويرى شمال افريقيا على نفس الحال التى كان عليها قبل الحرب ، وحين انتهت الحرب . لم يتغير من أمره شى ، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه ، وتنأى عنه لتعود إليه ، لا تستريح ولا تريح ، تقول كثيرا ولا تصدق فى شى مما تقول ، وتسرف فى الوعد ، ولا تفى بشى مما تعد . وممثلوها فى شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذى يزهو النفوس ، ويريق الدماء ، ويملأ الأرض كذبا وكيدا ونفاقا . والانسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئا ولا تصنع شيئا ، ولا تستخذى من هذه الموبقات التى ينبغى أذ يستخذى منها كل رجل كريم .
    فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين ان يخلع، وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تشترى ضمائر بعض الموظفين فى حكومته بالمال لتطالب الأجنبى بخلع السلطان ، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الاسلام .
    وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الاسلام من المسلمين . والضمير العالمى يرى هذا كله ، فلا يكاد يحفل به . أو يلتفت اليه وأغرب من هذا كله أن هيئة الامم المتحدة تجتمع بين حين وحين ، ويتحدث الخطباء فيها من الانجليز والفرنسيين وغير الانجليز والفرنسيين عن العدل الذى يجب أن يملأ الأرض ، وعن الحرية التى يجب أسن تتاح للأمم وعن المساواة التى يجب أن تتحقق بين الشعوب .
    ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسى الغريب المختلط الذى أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء . وأفسد عليها تقدير ما يكون ، وما لا يكون . وتقدير ما يحسن وما لا يحسن ، واضطرها إلى أن تعيش فى عصر قد انقضى منذ زمن بعيد .
    كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى ، تصفية للسلطان البريطانى على العالم . مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم ، منذ وقت غير قصير وهو فى طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارا تاما .
    وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعا فى السلطان الفرنسى ، وتحديا للقوة الفرنسية . واستخفافا بالبأس الفرنسى العظيم .
    مع أن قوة فرنسا وبأسها ، قد تعرضا لخطر أى خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبى ، وهى الآن بسبيل استرجاع شى، من هذا البأس وتلك القوة وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها ، لتقر وراء البحر سلطانا لا سبيل إلى أن يستقر ، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد .
    وأغرب ما فى أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك ، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش فى هذا العصر الحديث .
    وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الانجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ، ورجال الثقافة فيهم . ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد ، عددا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية . وأثناء الحرب ، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها . وتحدثت إليهم فى شؤون إفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها ، وسخط على ا لاستعمار الفرنسى كما أسخط عليه .
    وفى هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا فى شمال إفريقيا ، ومنهم من ألف فى ذلك كتبا قيمة ، ومنهم من خصص لذلك أعدادا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة فى باريس لإعلان انكارهم ، لسياسة الذين يمثلون فرنسا فى شمال افريقيا . ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم فى البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شى وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون ، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابا.
    وللشعب الفرنسى مع ذلك برلمان ، يقال إنه يمثله تمثيلا صادقا ، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية فى شمال إفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية فى الهند الصينية ، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية فى سياستها ، مصرة عليها لا تغير منها شيئا .
    وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان ، قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا فى شمال افريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا فى هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال .
    فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته. فى محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة ثم ينظر الشعب ، وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئا .
    ما مصدر هذا كله ! هو من غير شك هذا التعقيد الذى أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة فى الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق فى الحرية وفى أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل فى أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء .
    يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذى ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال.
    ولست أعجب لشى كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التى نشهدها فى هذه الأيام فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية ، فيدعون إليها ويحثون على الايمان بها ، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما فى الاناجيل من أصول العدل والانصاف ، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم . وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء ، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب الى كنائسهم فى أيام الآحاد .
    وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربى والغرب الأوروبى على هذا التعقيد المنكر الذى يفسد من أمر الحضارة كل شى ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرا مما كان يمكن أن يبذل فى ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان .
    ومن يدرى لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٦/٦ .

    تشريف وتكليف
    لست أدرى أيتاح لهذا الحديث ان يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة اللواء أركان حرب محمد نجيب . وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه فإنى لم اكتبه إلا مفكرا فيه أعمق التفكير ومكبرا له أصدق الاكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جدا قرأته الآن فى صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار . وهى صحيفة الأحد التى تصدرها الكوريرى دلاسيرا ليقرأ فيها الناس الاخبار التى يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف فى هذا اليوم من أيام الاسبوع.
    فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التى وقعت فيها أخيرا وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع ، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعا لهذا الحديث . فهو قد رأى أن صور السلطان الذى أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد وإنما ترك هذا المكان خاليا وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب .
    وليس يعنينى الآن ولا يعنى قراء الاهرام من مقال الصحفى الايطالى إلا هذا النبأ فنحن نقرأ أنباء مراكش فى الصحف العالمية على اختلافها مفصلة مرة ومجملة مرة أخرى صادقة أحيانا مغالية فى كثير من الاحيان .
    ولست أدرى أيشعر القارى المصرى بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين ، وأى فخر يجده المصرى اعمق فى القلوب اثرا ، وأبعد فى النفوس صدى ، من هذا الذى يجده حين يقرأ فى صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست فى حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيرا ولا تخاف منه شرا إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى فى أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها فلما نفيت صور السلطان كما نفى السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزا لما يحتاج المراكشيون اليه من العزاء ورمزا كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل ، وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التى حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من
    الاستعمار ليست رمزا للتحرير فى مصر وحدها ولكنها رمز للتحرير فى البلاد الاخرى التى تشقى بالاستعمار وطغيان الاجنبى وخيانة بعض المواطنين .
    فخر يملأ النفوس بهجة ورضى لولا إنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضى. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نزعت منهم صورة السلطان الذى يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء يجدون فى نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزى والشقاء . كانوا يرون أنفسهم أحرارا فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغو من اللغو ووهم من الوهم. وكانوا يرون أنهم كرام. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطانا يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده فى جزيرة من جزر البحر ليس يدرى أيقيم فيها إقامة المستقر أم ينقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد.
    ثم لم يقصى الاستعمار هذا السلطان وحده إنما أقصى معه صوره التى كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يغمر القلوب حين نقرأ فى هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذى كان المراكشيون يحبونه قد أزيلت من أماكنها وأن صورة نجيب قد بقيت فى مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفى سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء .
    ولكنه سرور يشوبه ظلم لاذع وحزن ممض لأن نجيبا بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء فى صمتها الرائع البليغ، ولكنهم فى حاجة ألى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم فى حاجة إلى الكلام الحى الذى يحيى القلوب، وهم فى حاجة الى العمل الحى الذى يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد الى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم فيها الشعور بأن العزة ليست وهما وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية ، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنو ثمرها فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتى نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغ ولا باغ ولا مستعمر ولا متجبر.
    هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم!
    بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت فى هذه الصحيفة الايطالية . وما أشك فى أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذى أنقذ وطنه من بعض الشر ويريد أن ينقذه من الشر كله .
    وما اشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف وحده فهو أبعد الناس عن الاثرة وابغضهم لها ولكنه سيرد هذا الشرف الى وطنه اولا ، فهو الذى انشأه وبعث فيه روحه القوى الذكى ، ورفعه الى حيث هو الآن وسيرد هذا الشرف الى اعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة الى النور ومن الضعف الى القوة ومن الهوان الى العزة والكرامة .
    وما أشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف كما فهمته ، وكما يجب ان يفهمه المصريون جميعا وكما ينبغى أن يفهمه الرجل الذى يجد فى نفسه شعور الرجولة والمروءة . ذلك أن التشريف فى نفسه ليس كلاما يرسل إرسالا ولا ثناء يكال كيلا ولا تمجيدا لا يتجاوز إرضاء من يساق إليه ، وإنما التشريف تكليف قبل كل شئن هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغى أن يؤدى الواجب كاملا غير منقوص .
    إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضى هذا الذين يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقا ولا رياء ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم ، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلا إلى فضل . يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه فى أن يضيف إحسانا الى إحسان يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب . وما أشك فى أنه يفهم تشريف المراكشيون له على هذا النحو ، هم يحمدون له ما فعل فى وطنه وينتظرون منه أن يمضى فى الطريق التى سلك وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفى الأثرة أشد النفى . فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون
    غيره من الأوطان والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد .
    ان فى نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها ، لأننا وجدنا هذه العقدة فى أنفسنا وهى عقدة فيها كثير من الخزى وكثير من الذل لانهم ظلموا فى وطنهم وأوذوا فى كرامتهم وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلا ولا كثيرا. فمن الحق علينا جميعا أن نرد عليهم شيئا من ثقة ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة وأن نشعرهم بأن النوب تنوب وبأن الخطوب تلم ولكنها لا تلبث أن تزول وإنما هى الغمرات ثم ينجلين ، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح .
    يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه وإنما يشقى به معهم إخوانهم فى اللغة والتاريخ والدين.
    وأنا واثق بعد هذا بأن تألب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء . فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذى ليس فيه شك أن الكرة الجامحة لن تغنى عن أصحابها شيئا وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق .
    يجب أن يشعر المصريون جميعا بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة اخواننا على ما أصابهم من الباساء والضراء وأن نكون أهلا لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا.
    طه حسين
    الأهرام٤ سبتمبر ١٩٥٣ .